أوريل داكوستا ومحنته مع الحاخامين من سيرته الذاتية Dr Jaafar Hadi Hassanد. جعفر هادي حسن 1 min read

يعتبر أوريل داكوستا مفكرا وفيلسوفا ويعتبره مؤرخو الحركات الدينية والفكرية في أوروبا ضحية من ضحايا حرية الفكر. وقد كتبت حول آرائه وفلسفته كتب عدة بلغات مختلفة. كذلك ألفت بعض المسرحيات حول حياته وما لحقه من عذاب نفسي وجسدي حيث انتهت حياته نهاية مأساوية جراء اعتقاده. ومما زاد من أهميته أن اسمه اقترن باسم الفيلسوف اليهودي باروخ سبينوزا – الذي عاش في القرن نفسه وفي المدينة نفسها – امستردام- إذ يعتقد بأن داكوستا كان له شيئ من التأثير عليه، خصوصاً فيما يتعلق بآرائه الدينية نحو اليهودية.
وعلى الرغم من أن داكوستا كتب أكثر من كتاب إلا أن سيرته الذاتية التي كتبها قبل وفاته مباشرة هي التي جلبت انتباه الباحثين والمؤرخين له وأثارت تعاطفهم وبقيت موضع اهتمامهم.ففي سيرته هذه يتحدث داكوستا بتفصيل عما جرى له أثناء حياته وما لحقه من أذى وعذاب من ابناء جلدته الذين عاش معهم في هولندا، خصوصاً رجال الدين منهم لأنه انتقدهم وأبدى آراء تخالف آراءهم.وعلى الرغم من أن السيرة هي سيرة شخصية يتحدث فيها داكوستا عن حياته وتربيته لكنه أيضا يعطي فكرة ولو مختصرة عن وضع المرانوس( اليهود الذين أجبروا على اعتناق الكاثوليكية)،كاشارته مثلا إلى أن هؤلاء لم يكن يسمح لهم بمغادرة البلاد(البرتغال) إلا بموافقة الملك نفسه.وكذلك قوله إن الحديث في الدين ومناقشة موضوعاته يعرض الإنسان إلى خطر. كذلك تعطي السيرة فكرة عما كان يعانيه المرانوس من أذى نفسي بعد أن أجبروا على إعتناق دين ليس فقط لا يؤمنون به بل إنهم يعتبرونه عدوا لهم.ولذ لك كان الكثير منهم يمارسون اليهودية سرا من أجل أن يحافظوا على أصول تقاليدهم. وفي هذا المقال سنتحدث عما وقع لداكوستا من أحداث بهذا الخصوص من خلال سيرته الذاتية-التي لم تترجم إلى العربية حسب ما أعلم- دون التطرق الى مجمل آرائه وأفكاره.
ولد اوريل داكوستا (وكان اسمه غبريال داكوستا عند الولادة) في مدينة اوبورتو في البرتغال حوالي العام 1585م من عائلة غنية من المرانوس كان لها خدم وتملك خيول واصطبلات . ودرس الفلسفة والدين في جامعة كويمبرا وبعد أن تخرج منهاعيّن في وظيفة دينية في الكنسية لأنه كان كاثوليكيا ظاهرا وكان عمره آنذاك حوالي 25 عاماً. ومع أن أباه كان مؤمناً بالمسيحية،  بل ورجل دين فيها إلا أن أمه كانت تدين بالمسيحية ظاهراً وتؤمن سراً بشكل من أشكال اليهودية. وربما كان لهذا تأثير في عقيدته، إذ بدأت الشكوك تراوده حول عقيدته الكاثوليكية وتعاليمها.واتخذت الشكوك صورة صراع بين العقل والدين وهو يقول عن ذلك “ولما كنت مرتعبا من العذاب الأبدي فقد كنت ملتزما  بكل التفاصيل التي يفرضها الدين وقد تعمقت بدراسة الإنجيل وبعض الكتب الروحية ألأخرى وكذلك قرأت “المدافعون عن العقيدة “ولكنني كلما قرأت أكثر واجهت صعوبات أكبر وفي النهاية أصبحت الأمور مختلطة في ذهني وكان يسيطر علي الخوف والحزن والألم وقد تبين لي أنه من غير الممكن أن ألإعتراف بالذنوب طبقا للعقيدة الكاثوليكية يحقق الغفران. ثم إنني وجدت من غير الممكن أن أطبق ما هو مفروض وكنت فاقد ألأمل بفكرة أن خلاص النفس يتحقق فقط باتباع الديانة الكاثوليكية.وكان من الصعب علي أن اترك الدين الذي ربيت عليه والذي كان له أثر عميق على معتقداتي ومع ذلك أخذت الشكوك تراودني وأنا في الثانية والعشرين من عمري فيما إذا كان ما علموني عما يأتي في الحياة القادمة هو حقيقة شيئ صحيح. وقد حاولت أن أجمع بين العقل والدين لأن العقل كان يهمس في ذهني بأنه من الصعب ان يُجمع بينه وبين العقيدة  كذلك لم أكن أشعر بالسلام ضمن الديانة الكاثوليكية.” وبعد فترة من الشك والتي لاندري كم استمرت وكم كانت مدتها كان خلالها يريد أن يجد شيئا يطمئن اليه ويزيل شكوكه. وانجذب داكوستا إلى كتاب اليهود كتاب ابناء جلدته”العهد القديم”(الذي يشمل التوراة وأسفار ألأنبياء والمكتوبات).فهو يقول في سيرته ” ولأنني كنت أتطلع إلى أن أجد شيئا من الإطمئنان في أي دين فقد بدأت أقرأ التوراة وكتب الأنبياء منها مع علمي تماما بأن هناك صراعا بين اليهود والمسيحيين.وقد وجدت في العهد القديم الكثير من الأشياء التي تناقض الإنجيل تماما وما ذكر فيه عن الله خلق لي بعض المشاكل إضافة إلى ذلك فإن العهد القديم هو كتاب مقبول عند المجموعتين بينما الإنجيل مقبول عند المسيحيين فقط.”.وبعد دراسته للتوراة وكتب الأنبياء قرر كما يقول أن يلتزم بشريعة موسى فاعتنقها كما أقنع أخوته وأمه أيضا باعتناقها كما سنرى. وكان أبوه في هذه الفترة قد توفي. فهو يقول عن قراره هذا” وفي النهاية قررت أن التزم بشريعة موسى التي تسلمها من الله والذي اعتبر نفسه رسولا دُعي من قبل الله أو أنه أجبر على قبولها أوهكذا قيل.”(ربما يشبر داكوستا الى نصوص في التوراة تذكر أن موسى كان يقاوم تسلم الشريعة) ثم قرر داكوستا أن يترك بيته والحي الذي يعيش فيه إلى مكان آخر حتى لايشك فيه أحد وكذلك قرر أيضا أن يترك وظيفته. فيقول” وقد أخذت  بنظر الإعتبار أن البلد الذي أعيش فيه ليس فيه حرية دينية لذلك قررت أن أترك بيتي الذي عشت فيه وعاش فيه آبائي.ولم أتردد في ترك وظيفتي الدينية حيث عرضتها على شخص آخر ولم أفكر أبدا في مصلحتي أوسمعتي حيث كنت في خطر في هذا الوقت. إذ أن الحديث في الدين ومناقشته هو من الأمور الخطيرة في هذا البلد وهكذا غيرت سكني الجميل الذي كان في أحسن أحياء المدينة وهو البيت الذي بناه أبي”.وعزم داكوستا هو وعائلته على مغادرة البرتغال إلى أمستردام في هولندا حيث تعيش جالية يهودية كبيرة، تمارس ديانتها بحرية وبشكل علني من دون خوف أو مراقبة من أحد. وكان الكثير من المرانوس الذين يهربون من جزيرة ايبريا يذهبون إلى هولندا أو الدولة العثمانية ليمارسوا اليهودية علنا .وقد هرب سراً هو وأفراد عائلته.فيقول “وركبنا سفينة  وكنا في خطر عظيم إذ كان لايسمح للذين من أصل يهودي أن يتركوا البلد دون إذن خاص من الملك نفسه. كما كان من الممكن أن تفشل المحاولة.وكان معي إخوتي وأمي الذين أقنعتهم بالتحول إلى اليهودية.وكانت الرحلة طويلة وفي النهاية وصلنا إلى أمستردام حيث عرفنا أن اليهود يعيشون في حرية ويطبقون الوصايا ولما كنت متعطشا لذلك فقد قمت أنا واخوتي بالختان مباشرة.”.وعملية الختان هي أول عمل يقوم بها المرانوس عندما يريدون أن يعلنوا عن يهوديتهم.لأن الختان في معتقدهم هو المدخل اليها وهو يعتبر فرض واجب ويعتبره اليهود عهداً بينهم وبين ربهم حيث يسمى بالعبرية “بريت ملاه”(عهد الختان). وغالبا ما يدعو المرانوس بعض الناس ليشهدوا هذه العملية وقد قام بذلك داكوستا كما ذكرعنه ويعتقد أن داكوستا وصل امستردام حوالي عام 1616م ومن عادة المرانوس عند اشهار يهوديتهم أن يتخذوا اسما يهوديا ولم يكن داكوستا استثناء فغير اسمه إلى أوريل.
ويبدو أن صورة الديانة اليهودية عنده كانت تختلف عن تلك التي وجد اليهود عليها في امستردام. وتبيّن له الاختلاف بينه وبينهم بعد فترة قصيرة من وصوله.فهو يقول” وبعد فترة قصيرة أخذ يتبين لي أن التقاليد والممارسات اليهودية ليست متفقة مع شريعة موسى المكتوبة(التوراة) أبدا فإذا كان من الواجب تطبيق شريعة موسى المكتوبة بحذافيرها، اذن يكون اليهود على خطأ أن يبتدعوا أشياء كثيرة لاعلاقة لها بشريعة موسى”.وداكوستا يتحدث هنا عن ممارسات لم يجدها في التوراة التي عرف الديانة اليهودية من خلالها.وهو لم يعرف أن الكثير من التقاليد والطقوس الدينية التي مارسها اليهود وما زالوا كانوا قد أخذوها من التلمود (الذي اًصبح الكتاب الثاني بعد التوراة بل إنه المعادل لها) وهوالكتاب الذي بدأوا يعتمدون عليه منذ قرون. حتى أن واجبات بسيطة وواضحة مثل واجبات السبت لايمكن أن يطبقها اليهودي إلا من خلال تعاليم التلمود التي يفسرها له الحاخام. واثار سخطه وحفيظته كذلك سلوك رجال الدين اليهود. ومما قاله عنهم في سيرته “إن رجال الدين اليهود في الوقت الحاضر أبقوا على تقاليدهم وطرقهم الشريرة، وهم ما زالوا يناضلون بعناد من أجل استمرار طريقة الفريسيين السيئة الذكر من أجل مصلحة ذاتية. وما قاله الناس عنهم من إنهم يقومون بذلك لكي يحوزوا على احترام الناس في الأماكن العامة ولكي يجلسوا في الصفوف الأولى في المعبد ويحييهم الناس في الأسواق باحترام خاص ،هو كلام صحيح”.(الفريسيون إحدى الفرق اليهودية القديمة وهي التي ورث تقاليدها الحاخامون التلموديون إلى اليوم) وكان يرى كذلك بأن ما يقوم به إنما هو عمل من أجل رضا الله وخدمة في سبيله، فيقول: “وقد اعتقدت بأني أقوم بعمل يرضي الله إذا دافعت بشكل علني ومخلص عن شريعة النبي موسى” ولكن عندما حاول داكوستا أن يناقشهم، لم يجد منهم إلا اذناً صماء واصراراً على رأيهم وتحذيراً من مخالفته لهم وتهديداً له بالطرد من اليهودية إذا هو استمر في النقد. وحدثنا هو نفسه عن ذلك في السيرة نفسها فقال “وهم لا يسمحون لي بأن أخالفهم ولو قيد شعرة وقد أخبروني بأن من واجبي أن أقبل كل تفسير يقدمونه لي. وقد هددوني بأني إذا لم أسمع لهم فإنهم سوف يطردونني من الجالية اليهودية، ويحرمونني تماماً من العقيدة اليهودية”.
ولكن تهديد الحاخامين لم يسكت داكوستا واستمر بنقده ولم يتوقف. واعتقد بأنه ما دام قد ضحى بالكثير من أجل يهوديته، فإن له الحق في أن يقول رأيه علناً وأن يبيّن للجماعة اليهودية الفرق الكبير بين سلوك الحاخامين والشريعة اليهودية. ولكن ذلك عجَل بإصدار “حِرم”(طرد) بحقه من قبل الحاخامين وهو يقول عن ذلك في سيرته “واني أعتقد بأنه ليس من الصحيح لانسان قايض الأمن في بلده بالحرية في خارجه وضحى بكل منفعة ممكنة يجوّز لنفسه أن يهدد (من الآخرين). واني اعتقد بأنه في مثل هذه الظروف ليس من الصحيح وليس من العدالة بل والرجولة كذلك ان يخضع الإنسان لاناس ليسوا مؤهلين لاصدارالأحكام على الناس ولذلك قررت أن آخذ على عاتقي كل شيء وأصر على رأيي وهذا هو السبب الذي جعلهم يصدرون حرم(طرد) في حقي من الجالية اليهودية حتى إخوتي الذين كنت معلمهم يتجاوزوني في الطريق وهم خائفون من رؤساء الجالية والحاخامين “.ولم تذكر المصادر نص الطرد الذي صدر بحقه ولكنه لايختلف كثيرا عما سنراه فيما بعد.وربما لم يكن داكوستا يعرف قوة رجال الدين اليهود وسيطرتهم على العامة من الناس خاصة باستعمالهم سلاح”الحرم” لأنه لم يعش في مجتمع يهودي اذ هو عاش في مجتمع لم يبق فيه أثر يذكر لليهودية في أسبانيا والبرتغال بعد سقوط دولة الأندلس في العام 1492م حيث خير اليهود والمسلمون بين الطرد أو اعتناق الكاثوليكية. ثم رأى بأن آراءه وانتقاداته ستعرف أكثر وتشيع بين الناس فيما لو طبعت في كتاب. فألف كتاباً تحت عنوان “اختبار التقاليد الفريسية” ونشره العام 1624م. وكما هو واضح من العنوان،إن الكتاب يبحث في التلمود وغيره من كتب الشريعة الشفوية التي كتبها الحاخامون وعبّر عنها داكوستا بالتقاليد الفريسية وهو ينقدها ويقارنها بالشريعة المكتوبة التي هي التوراة والتي هي المصدر الرئيس للشريعة اليهودية. وتأكيداً على نقده لهم استعمل صفة “فريسية”انتقاصا منهم وثلبا لهم. وذكر في الكتاب أن هذه الشريعة الشفوية ما هي إلا بدعة جاء بها الحاخامون وليس لها علاقة بالتوراة بل إنهم جعلوا هذه التقاليد توراة جديدة. كما أنه تطرق الى بعض المسائل الفلسفية مثل مسألة خلود النفس التي جادل حولها الفلاسفة وما زالوا.وقال عنها إنها ليس لها ذكر أو تأكيد في التوراة وأنها فكرة جاء بها الحاخامون.وتحدث عن التناقض الموجود بين يهودية التوراة ويهودية الحاخامين.وقال إن يهودية هؤلاء ما هي إلا عبارة عن مجموعة كبيرة من الطقوس والشعائر.وفي رأيه أنها خالية من القضايا الروحية والفلسفية وغيرذلك  من المسائل الأخرى. وبعد ظهور الكتاب ثارت ثائرة الحاخامين واشتد غضبهم عليه فاصدروا  فتوى بطرده من اليهودية وعزله عن اليهود.وهم لم يكتفوا بهذا بل إنهم حرضوا عليه رجال الدين المسيحيين وقالوا لهم إن كتاب داكوستا يهدم العقيدة المسيحية أيضا لأن فيه نكرانا ليوم الدين. وفرضت عليه غرامة وأحرق كتابه. وأدخل السجن ولكنه أطلق سراحه بعد فترة قصيرة من مكوثه فيه.وقرر الذهاب إلى هامبورغ حيث توجد جالية يهودية من اليهود السفارديم(من يهود أسبانيا والبرتغال). وعندما كان في هامبورغ أرسل رسالة يعرض فيها آراءه إلى الجالية السفاردية في البندقية ( فينيسيا) في إيطاليا.وهناك ناقش أراءه رئيس حاخامي المدينة “ليون مودينا” ورد عليها كما دافع بحرارة عن التلمود. وقد نشرها في كتاب بالعبرية بعنوان “مغن وصيته” (الدرع والترس) يفند فيه آراء داكوستا حول التلمود. وأرسل رسالة  إلى حاخامي هامبورغ يطلب فيها منهم طرده من اليهودية إذا لم يقتنع بالرد(والغريب أن هذا الحاخام كان أيضا كتب كتابا معروفا ضد القمار حيث كان يهود البندقية في تلك الفترة معروفين بذلك وبعد وفاته اكتشف أنه كان مقامرا من الدرجة الأولى وخلف دينا كبيرا في ذمته للناس بسبب خسارته في القماراضطرت الجالية اليهودية ان توفي الدين نيابة عنه ) ولأن داكوستا كان مقتنعا بصحة رأيه وأنه يدافع عن اليهودية الصحيحة فقد أصرعلى مهاجمة الحاخامين ونقدهم .وبسبب إصراره على توجيه النقد لليهودية والحاخامين أصدرهؤلاء قرارا بطرده من اليهودية جاء فيه” الى السادة ممثلي الجماعة (جماعة أمستردام) نعلمكم أنه طبقا لمعلوماتنا فإن شخصا باسم أوريل أباداتا(ربما كان أحد أسمائه ) جاء إلى مدينتنا وهو يشيع بين الناس آراء منحرفة ضد شريعتنا المقدسة وبسبب ذلك فقد أصبح منحرفا.وقد طردناه من اليهودية في هامبورغ والبندقية.وقد حاولنا أن نرجعه إلى طريق الصلاح ونجعله ضمن الجماعة بطريقة ودية ولطيفة وبمساعدة العلماء ومسؤولي الجالية ولكنه أصر على عناده على الشر وعلى آرائه الخاطئة ولذلك قرر العلماء المذكورون وممثلو الجماعة طرده(من اليهودية) حيث صدر حرم(طرد) ولعن بحقه باسم الشريعة الالهية.لذلك يمنع أن يتكلم معه أحد، رجل أو إمرأة أو قريب ولا يجوز لأحد أن يدخل بيته أو يساعده بشيئ.وبصورة عامة لايجوز لأي أحد أن يكون له معه أي إتصال لأنه سيكون عرضة للحرم(الطرد)والإخراج من الجالية اليهودية وقد أعطي اخوته سبعة أيام ليقطعوا علاقتهم به”. وقد صدرت هذه الفتوى(الحرم) ضد داكوستا في مايو عام 1626 ووقعها عدد من الحاخامين وبسبب استمراره واصراره وضع عليه الحاخامون العيون والجواسيس يراقبونه ويخبرون عن تحركاته واتصالاته وما يقوم به، حتى أقرباؤه أخذوا يخبرون عما يقوله ويفعله
وهو قال عن ذلك في سيرته “إن ابن اختي الذي كان يعيش معي ذهب الى رؤساء الجالية اليهودية وأخبرهم بأنني أكلت طعاماً محرماً في الشريعة اليهودية وانني لا يمكن أن أكون يهودياً. وقد اقنع اخوتي بذلك، وبدأ اخوتي يحاربونني بالإضافة إلى الحرب التي كان يشنها عامة اليهود والحاخامين علنا.. وأخذوا يحقدون علي ويضطهدونني وقد قاموا باشياء كثيرة ضدي وكان رد فعلي هو الاحتقار الكامل لهم”. ورجع داكوستا إلى امستردام.وعند رجوعه قرر أن يصطلح مع المؤسسة الدينية وقال قولته المعروفة بأنه سيكون قردا بين القرود.فأخبر أحد أقربائه برغبته هذه فوافقت المؤسسة الدينية على رجوعه بعد أن طلبت منه أن يبدي ندمه وأن لا ينتقد المؤسسة الحاخامية مرة أخرى. ولكن لم تمر فترة طويلة على ذلك حتى وشى به شخصان أجنبيان كانا في زيارة لامستردام والتقاهما داكوستا صدفة. ويحدثنا في سيرته عما دار بينهم، فيقول “في هذه الأثناء حدث شيء جديد فقد صادفت شخصين جاءا من لندن الى امستردام أحدهما ايطالي والآخر اسباني، وكانا مسيحيين ولكنهما ليسا من اصل يهودي. وبعد أن أوضحت لهما حالتي، طلبا نصيحتي في اعتناق اليهودية، فنصحتهما بأن لا يعتنقاها وحبذت لهما أن يبقيا على ما هما عليه لأنهما لم يكونا يعلمان العبء الذي سينوءان به والنير الذي سيربطان نفسيهما به. وبعد انتهاء الحديث معهما طلبت منهما أن لا يتحدثا لرجال الدين اليهود عما دار بيني وبينهما وقد وعداني بذلك. ولكن هذين الوغدين لم يبرّا بوعدهما ولم يفكرا إلا بمصلحتهما حيث ظنا بأنهما سيحصلا على مردود من “أصدقائي ألأعزاء الفريسيين” وذهبا وأخبراهم عما دار بيننا. وما أن علم هؤلاء بذلك حتى اجتمع رؤساء الجالية اليهودية ورجال الدين الذين كانوا في غضب. وجاء العامة من اليهود اثناء الاجتماع وأخذوا ينادون “اصلبوه، اصلبوه” ثم طلب مني أن أحضر أمام المجلس الكبير. وهناك أخبرت بكل صراحة وبشكل مشدد وكأن القضية تتعلق بحياة أو موت بأنني إذا كنت يهودياً فيجب أن انتظر حكمهم وأعمل بمقتضاه وإذا رفضت فيجب أن اطرد من اليهودية. وعندها أخرجوا وثيقة وقرأوا منها الحكم، وهو: أنه يجب أن أظهر في الكنيس اليهودي لابساً ثياب حزن حاملاً شمعة سوداء مكرراً أمام المجتمعين في الكنيس عبارات سخيفة اذكر فيها بأن عملي كان شائناً مدنساً للمقدسات. ثم بعد ذلك اجلد أمام الناس وأطرح على عتبة باب الكنيس ليدوس عليّ كل من يخرج منه. بالإضافة الى أيام عدة يجب عليّ صيامها. وعندما كانوا يقرأون تلك الوثيقة كنت أغلي في داخلي من الغضب ولكنني سيطرت على نفسي. وعند الانتهاء من ذلك كان جوابي لهم بأنني لا يمكن أن أخضع لما قالوه. وعندما سمعوا ذلك قرروا إصدار طرد بحقي مرة أخرى  من اليهودية. ولم يرض بعضهم بهذا الحكم، فبصقوا في وجهي عندما رأوني في الشارع بل إن بعض الأطفال فعلوا ذلك إذ تعلموه من آبائهم”.
وبعد طرده من اليهودية بقي معزولاً تماماً عن المجتمع اليهودي لفترة سبع سنوات أو أكثر لم يكلمه في اثنائها أحد، ولم يزره أحد، ولم يسأل عنه أحد سوى خادم مخلص له لم يقطع علاقته به، وأكثر من تحاشاه هم أقرباؤه الذين عاملوه معاملة في منتهى السوء والقسوة من أجل أن يخضع لشروط التوبة. ومما زاد في عذابه أن زوجته أثناء ذلك كانت قد توفيت فبقي يعاني العزلة والوحدة والضغط النفسي.ولو كان داكوستا في عصرنا هذا وهو العصر الذي كثرت فيه المذاهب اليهودية لربما كان حاله مختلفا تماما حيث كان يمكنه ان ينضم إلى المذهب الإصلاحي أو مذهب اليهودية المحافظة وغيرهما من المذاهب غير المذهب الارثودكسي التي كانت سترحب بانضمامه ولكن المذهب الوحيد الذي كان موجودا آنئذ هو المذهب الارثودكسي ويبدو أن ضغط العزلة كان كثيرا عليه فاضطر أن يرجع الى الطائفة مرة أخرى. وكان يعتقد بأن مراسيم الرجوع التي ذكروها له لا تطبق عليه بتمامها ولم يكن يتوقع أن يصيبه ما اصابه في ما بعد من مذلة ومهانة. ولكن الحاخامين طبقوا عليه كل ما ذكروه في الوثيقة التي قرأوها عليه بكل حذافيره، لم ينقصوا منه شيئاً. ووصف لنا داكوستا تفصيلات ما حدث في سيرته المذكورة فقال: “دخلت الكنيس الذي كان مكتظاً بالناس من أجل مشاهدة هذا الحدث. وعندما حان الوقت ذهبت الى المكان الذي يعظ منه الحاخام وقرأت بصوت عالٍ قائمة باعترافاتي وقلت في ذلك بأنه يجب عليّ أن أموت ألف مرة بسبب ما اقترفته بحق يوم السبت ومن خيانة للعقيدة التي استهنت بها الى الحد الذي منعت الآخرين من الايمان بها واعتناقها ومن أجل أن يغفر ذنبي، فإنني أخضع لأي شيء يقرره رجال الدين بحقي. واقبل كل شيئ أؤمر به وكذلك اعطيت عهداً بأنني سوف لا أكرر ما عملته. وبعد أن أعلنت ذلك نزلت من المكان فاقترب مني رئيس الجالية اليهودية وهمس في اذني بأنه يجب علي أن أذهب الى إحدى زوايا الكنيس، فذهبت الى هناك واقترب مني رجل وأمرني بنزع ملابسي فنزعتها الى سرَتي وامرني بخلع حذائي ووضع قطعة من قماش على رأسي ومددت يديّ بين عمودين من أعمدة الكنيس، وشد الرجل يديَ الى العمودين بحبال، وجاء رجل آخر وفي يده سوط وجلدني 39 مرة بدلاً من أربعين التي ينص عليها الدين اليهودي، لأنهم يخشون أن تزيد على ما تقرره الشريعة لأن هؤلاء الناس أصحاب ضمائر!! وعندما انتهوا من جلدي، جلست على الأرض وجاء الحاخام ليعلن لي الغاء طردي من اليهودية، وفي هذه اللحظة شعرت وكأن أبواب السماء قد فتحت لي بعد أن كانت مغلوقة بوجهي. ولبست ملابسي ثم طرحت على عتبة الكنيس وقدأمسك رجل برأسي وجاء كل الخارجين من الكنيس من النساء والرجال والأطفال وداسوا عليّ وهم يخرجون من الكنيس. هذا العمل المثير للسخرية والخالي من الذوق لا تفعله حتى القرود. وعندما لم يبق أحد جاء شخص وساعدني على رفع جسمي من الأرض ونفض التراب عن ملابسي ومع أنهم جلدوني قبل لحظات إلا أنهم أبدوا عطفهم عليّ وربتوا على كتفي ثم ذهبت الى بيتي”.
ويبدو أنه بعد هذا الاذلال من أبناء جلدته ضاقت به الحياة وسئم العيش فيها، فقرر أن ينهي حياته بالانتحار.فحصل على مسدس لهذا الغرض وأطلق رصاصة على رأسه وانتحر وكان ذلك في نيسان العام 1640م. وعندما سمع الناس اطلاق النار جاءوا الى بيته فوجدوه ميتاً ونسخة من سيرته الذاتية التي عنوانها “حياة مثالية لإنسان” على طاولته.
ولم يسمح اليهود لأوريل داكوستا أن يدفن في مقبرة يهودية لأن الحاخامين هم المسؤولون عن إدارة المقابر اليهودية فدفن في قبر مجهول. ويتبين للقارئ من آخرمقطع من سيرته الذاتية شيء من المعاناة التي عاناها والألم الذي كان يحس به مما يثير العطف والشفقة حيث جاء فيه “إذن هذه هي القصة الحقيقية لحياتي التافهة غير المستقرة، وهذا هو الدور الذي لعبته على هذا المسرح التافه الذي يسمى العالم، والآن أنا أتوقع أن يصدر عليّ حكم الناس بعدالة من غير هوى أو انفعال وبالحرية التي تستلزم قول الحق. لأن ذلك ما يجب أن يعمله طلاب الحق وإذا وجدت في قصتي شيئا يثير العطف فلابد أن ترثي لما أصاب ذلك الرجل من حزن… وإنني قد ذكرت كل ما جرى (عليّ) دون أن أحذف منه شيئاً. لقد كنت ادعي غبريل داكوستا عندما كنت مسيحياً في البرتغال وعندما انضممت الى اليهود – ويا ليتني لم انضم اليهم – غيّرت اسمي قليلاً، فاصبحت ادعى اوريل”.
0 replies

Leave a Reply

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *