البرنامج النووي الإيراني في مؤتمر هرتزيليا  د.جعفر هادي حسنDr Jaafar Hadi Hassan1 min read

عقد في اسرائيل في كانون الثاني (يناير) الماضي مؤتمر هرتزيليا السابع الذي أصبح من المؤتمرات الدولية المهمة وحضره مسؤولون كبار وخبراء وباحثون مختصون من داخل اسرائيل وخارجها. وجاء عقد هذا المؤتمر في هذه السنة في ظروف سيئة لاسرائيل حيث الحكومة ضعيفة والجيش يتعرض لانتقادات والفساد شمل حتى رأس الدولة.
وحضر المؤتمر في دورته هذه عشرات المشاركين وكان الكثير منهم من الولايات المتحدة الاميركية حيث كان عدد من هؤلاء من المرشحين لرئاسة الجمهورية للإنتخابات القادمة..
وقد أصبح من تقاليد المؤتمر أن يحضره رئيس الوزراء وقد حضره في هذه الدورة ايهود اولمرت وألقى فيه خطاباً. وأكثر الموضوعات التي نوقشت في هذا المؤتمر كانت تلك التي تهم اسرائيل ويهود الشتات. ولكن البرنامج النووي الايراني كانت له حصة الأسد وكان الموضوع الرئيس الذي تطرق اليه المتحدثون والمناقشون.
وليس من الغريب أن تعطي اسرائيل هذه الأهمية للبرنامج الايراني لأنها تعتبره تهديداً ليس لمصالحها فقط، وانما تهديد لوجودها. وبسبب ذلك فإنها تقوم اليوم بنشاط واسع على كل المستويات لإعاقة تقدم البرنامج أو إيقافه. وهي استغلت هذا المؤتمر كجزء من هذا النشاط الذي تقوم به.
وقد أجمع المتحدثون في المؤتمر على أن هدف ايران من برنامجها النووي هو انتاج سلاح ذري وليس لأغراض مدنية كما أكدوا ايضاً على أن أحد أهدافها هو مهاجمة اسرائيل..
وقارن بعض المتحدثين بين ايران والنازيين وقالوا ان ايران مصرة على تدمير اسرائيل كما كان النازيون مصرين على القضاء على اليهود.
وقال ميت رومني أحد المرشحين للرئاسة الاميركية ان ايران اليوم هي أخطر من الاتحاد السوفياتي السابق لأن هذا كان يخشى الضربة المضادة وردود الفعل بينما لا يهم ايران ذلك لأن تفكيرها – كما قال – هو “تفكير انتحاري”. وأشار الى هذا ايضاً المفكر والمؤرخ اليهودي المعروف برنارد لويس – الذي يعتبر من المحافظين الجدد – حيث قال في خطابه ان من يعتقد بأن ايران لا تهاجم اسرائيل بسبب الضربة المضادة فهو مخطئ وقال إن لذلك سببا دينيا وهو نظرة القيادة الايرانية الى العالم من خلال فكرة المهدي المنتظرولذلك فإنها لا تمانع- كما يقول- بتدمير نفسها. وهذا الكلام يفترض أن الرئيس أحمدي نجاد ينتسب إلى جماعة تسمى”الحجتية”(من كلمة الحجة التي تطلق على المهدي المنتظر)وان هذه الجماعة لا تمانع بحدوث النوازل والكوارث بل ترحب بها كموطئات لظهور المهدي المنتظر. والإسرائيليون اليوم يؤكدون على هذا الكلام كجزء من حملتهم ضد المشروع النووي الإيراني..
ورأى بعض المتحدثين مثل نويت غينغريتش، زعيم الغالبية السابق في الكونغرس الأميركي، ان البرنامج الايراني ليس خطراً على اسرائيل وحسب، بل على الولايات المتحدة ايضاً. وقال: “إذا فقدنا حيفا وتل أبيب والقدس غداً فإننا سنفقد بوسطن وسان فرانسيسكو وأطلانطا بعد غد” ودعا الى ضرورة إيقاف هذا البرنامج بكل طريقة متاحة”.
وكان نائب وزير الدفاع الاسرائيلي أدلى بتصريح قبل عقد المؤتمر قال فيه ان ايران لا تحتاج الى أن تضرب اسرائيل لتوقف الحياة فيها بل يكفيها الحصول على السلاح النووي ليفزع الاسرائيليون ويرتعبوا فيفقدوا الأمل ويتركوا البلد تدريجاً لتتوقف الاستثمارات وتتوقف الهجرة كذلك..
وأكد المتحدثون ايضاً على ضرورة إيقاف البرنامج الايراني بكل الوسائل الممكنة من ديبلوماسية واقتصادية وغيرها. ورأى شمعون بيريز نائب رئيس الوزراء ان ايران يجب أن تعاد الى وضعها الطبيعي بالوسائل الديبلوماسية والمقاطعة الاقتصادية ولا ضرورة للمبالغة بتهديدها.
ودعا بنيامين نتانياهو زعيم الليكود العالم الى مقاطعة ايران وعزلها كما فعل مع جنوب افريقيا في ظل النظام العنصري، وقال إن هذا العمل ممكن اليوم ولا بد ان نقوم بحشد تأييد المجتمع الدولي لنا “على رغم انه ليس هناك من يخوض المعركة نيابة عنا”. ورأى بأنه ليس من الصحيح أن تتحدث اسرائيل عن قدرتها الدفاعية في هذه المرحلة..
ولكن ريتشارد بيرل – من المحافظين الجدد – رأى ان المقاطعة الاقتصادية لا تجدي نفعاً ولا تجعل ايران تتخلى عن برنامجها النووي.
وتفادى المتحدثون تحديد الفترة التي يتوقعون ان تصبح خلالها ايران قوة نووية. ولكن نتانياهو قال ان ايران لا تبتعد عن ذلك بأكثر من ألف يوم..
ولمح البعض منهم الى إمكانية ان تقوم اسرائيل أو الولايات المتحدة أو الاثنتان معاً بضربة عسكرية استباقية. وقال جيمس وولزي، الرئيس السابق للاستخبارات المركزية الأميركية، (سي آي ايه) ان الضربة العسكرية لو حصلت فلا بد أن تكون شاملة ومؤثرة. وأكد ريتشارد بيرل على أن الرئيس بوش سيضرب ايران لو حصلت على السلاح النووي أثناء رئاسته. وتحدث ايهود اولمرت بصورة عامة حول هذا الموضوع وقال ان لنا الحرية الكاملة في أن نقوم بأي عمل من أجل الدفاع عن مصالحنا الحيوية واننا نملك دفاعات قوية لكي نمنع التهديد الذري إذ أن اليهود لا يسمحون بأن تكون هناك محرقة أخرى ولكننا سوف لا نقود المعركة بأنفسنا وسنتركها للاعبين الرئيسيين كي يقوموا بذلك. .
وكانت صحيفة “صنداي تايمز” البريطانية قد نشرت تقريراً في بداية كانون الثاني (يناير) هذه السنة ذكرت فيه ان سلاح الجو الاسرائيلي يقوم بتدريبات على المسافات البعيدة وأن اسرائيل لو قامت بضرب ايران فإنها ستستعمل قنابل ذرية محدودة المدى لاختراق الدفاعات في عمق الأرض..
وقبل عقد مؤتمرهرتزيليا بأيام نشر المؤرخ الاسرائيلي المعروف بني موريس مقالة مهمة في صحيفة “الجويش كرونكل” البريطانية حول هذا الموضوع  بعنوان “المحرقة القادمة ستكون مختلفة”  شكك فيها في ان تقوم اسرائيل بضربة استباقية بسلاح نووي. وقال بنبرة الواثق ان ايران ستوجه صواريخها في وقت ما بعد حصولها على السلاح النووي وستضرب المدن الاسرائيلية ليس بقنابل ذرية فقط ولكن ايضاً بسلاح بيولوجي وكيماوي ايضاً. وهي تأمل بهذا أن تشل اسرائيل بضربها لقيادتها وقواعدها العسكرية حيث لا تتمكن من الرد. وقال ان ايران مستعدة ان تدفع الثمن للرد الاسرائيلي – لو كان هناك رد – لأنها –كما قال- ترى في تدمير إسرائيل ضرورة دينية بامتياز من أجل ظهور المخلص ولذلك فإن ايران لا يهمها مستقبل الشرق الأوسط أو العالم الاسلامي. وإذا ما حدث هذا فإن العالم الغربي سوف لا يقوم بعمل شيء كما لم يقم بعمل شيء أثناء المحرقة النازية وستواجه اسرائيل هذا المصير وحدها.وستكون مثل أرنب فاجئته أنوار سيارة مسرعة وسيحدث ذلك في بضع دقائق دون تنبيه أو إنذار..
أما عن موقف الولايات المتحدة فإن بني موريس لا يأمل منها أن تقوم بعمل شيء “لأن ضربها ايران لا يعيد اسرائيل الى ما كانت عليه كما انها لا تريد عزل نفسها عن العالم الاسلامي..
ومن الصدف أن ألن درشوفيتس استاذ القانون في جامعة هارفارد وأحد المدافعين الرئيسيين عن اسرائيل ردد ميراه بني موريس بأن اسرائيل سوف تكون وحدها.إذ قال في خطابه في المؤتمر ان “اسرائيل يجب أن تتهيأ لفتور العلاقة مع الولايات المتحدة وفقدان مساندتها لها في السنين القليلة المقبلة ورسالتي الى اسرائيل هي: كوني قوية وتهيأي لأن تكون وحدك”. والكلام  حول إمكانية أن تكون إسرائيل وحدها وتتخلى الولايات المتحدة عنها ليس جديدا إذ هناك من الإسرائيليين من هو مقتنع بذلك.وربما يكون من الصعب تصديق أن يحدث مثل هذا في ضوء العلاقة الإستراتيجة بين البلدين والعلاقة الوثيقة بين إسرائيل والمسيحيين الصهيونيين التي تقوم على أساس ديني ولكن المستقبل وحده هو الذي سيكشف عن ذلك. وكانت مقالة بني موريس قد أثارت غضب الاسرائيليين واليهود بصورة عامة بسبب نبرتها التشاؤمية.
*نشر أصل هذه المقالة في صحيفة”الحياة”
2007
0 replies

Leave a Reply

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *