التحول إلى اليهودية وشرط السكن في اسرائيل Dr Jaafar Hadi Hassan د. جعفر هادي حسن 1 min read

كثر في السنين ألأخيرة التحول إلى اليهودية بسبب الزواج المختلط بين اليهود وغيرهم. فنسبة الزواج المختلط في تصاعد مستمر في العشرين السنة الأخيرة، خصوصاً في الولايات المتحدة الأمريكية حيث وصلت اليوم إلى أكثر من50 بالمئة. ولا بد لمن يعتنق اليهودية من أن يؤدي بعض الشعائر والطقوس الخاصة بذلك مثل الإغتسال للرجل والمرأة والختان للرجل وغير ذلك. وتختلف المذاهب اليهودية المعاصرة اليوم اختلافاً كبيراً في تطبيق شروط التهود ولكنها عند اليهود الارثودكس تكون أكثر تعقيداً وتستمر أطول فترة مما هي عند المذاهب الأخرى حيث تكون أخف وطأة وأقصر فترة  بل إن بعض المذاهب اليهودية لم يشترط  حتى الختان على الرجل بينما يعتبر هذا الأمر من أهم الشروط في التحول إلى اليهودية عند اليهود ألأرثودكس ولا يصبح يهوديا من لايختتن.
وفي هذا المقال سأقتصر على حالة واحدة من حالات التهود التي أحدثت ضجة واثارت قدراً كبيراً من الجدل والنقاش بين اليهود أنفسهم وبين اليهود وغيرهم.في السنين الماضية. وهي قد  وصلت ليس الى المحاكم فحسب، بل الى مجلس اللوردات في بريطانيا(لان صاحبة القضية بريطانية) مع أنها سبق وأن أدت مراسيم التهود وشعائره في إسرائيل. وتأتي أهمية هذه الحالة ليس فقط من الشروط التي يضعها الأرثودكس بل أيضا لدور إسرائيل كدولة في هذا ألأمر وهو شيئ لامثيل له في حالات التهود.
وصاحبة القضية هذه إمرأة اسمها بولا. ولدت في بريطانيا لعائلة لم تعتبر يهودية على الرغم من أن أم والدها كانت يهودية. وعندما كانت شابة قررت الذهاب الى إسرائيل للعمل في أحد “القبوصيم” (المستعمرات) لفترة شهر كما ذهب الآلاف من الشباب والشابات من غير اليهود قبلها وبعدها حيث تشجع إسرائيل على ذلك للتأثير على أفكار هؤلاء في نظرتهم إلى الصراع العربي الإسرائيلي وكذلك نظرتهم إلى العرب وقد أحرزت إسرائيل نجاحا في ذلك. وأثناء وجودها هناك تعرفت على شخص إسرائيلي يعمل في القبوص اسمه يوسي كوهن.(وكثيرا ماحدث مثل هذا للائي يذهبن إلى العمل هناك). وبعد شهر غادرت إسرائيل ثم رجعت إليها بعد سنة ودخلت مدرسة في القبوص متخصصة في تعليم اللغة العبرية للكبار (تسمى الفان) ثم قررت أن تعتنق اليهودية. وقد بررت ذلك بالقول إنه من الصعب أن يعيش الإنسان في إسرائيل دون ان يكون يهودياً. واتصلت برئيس الحاخامين الاشكنازيم وهو آنذاك شلومو غورن(هناك أيضا رئيس حاخامين لليهود الشرقيين الذين يسمون أيضا سفارديم ولابد أن يكون كلاهما من الأرثودكس). وكان الحاخام غورن قد عمل قبل ذلك في الجيش ووصل إلى رتبة رئيس الحاخامين فيه وأنشأ مركزين في القبوصيم لمن يريد أن يعتنق اليهودية حيث تُدَرس فيهما الشريعة اليهودية  وتُمارس فرائضها من قبل هؤلاء مع اليهود الآخرين. وتستمر الدروس لأشهر عدة، ثم بعد ذلك يختبرالرجل او المراة فيما إذا كان مخلصاً في نيته أو كانت مخلصة في نيتها أم لا. وإذا تبين صدقه،او صدقها فإنه يؤخذ-والمرأة تؤخذ إلى المحكمة الشرعية (بيت دين)  لأداء مراسيم اعتناق اليهودية (في بريطانيا يستمر التحضير للتهود ثلاث أو اربع سنوات عند اليهود الارثوذكس). ويقول رئيس الحاخامين عن “بولا” إنه قابلها ثلاث مرات، مرة قبل أن تبدأ التحضير للتهود والثانية بعد أن انتهت منه والثالثة عندما أرادت أداء مراسيم التهود.
وسألها فيما إذا كان عندها صديق، فأجابت بالنفي ( الكثير من حاخامي اليهود الارثوذكس لا يوافقون على أداء مراسيم التهود لأمرأة تريد أن تعتنق اليهودية لسبب عاطفي ). وطلب منها رئيس الحاخامين أن تقسم بالتوراة في أنها ستؤدي الفرائض اليهودية وتطبقها كما يطلب ذلك من الآخرين. ويفسرهذا الأمر أن الكثير ممن يعتنق اليهودية لا يلتزم بتطبيق الفرائض، لذلك يُرسل مفتشون  بين فترة وأخرى للـتأكد من أن هؤلاء يأكلون طعاماً كوشر (طاهر) ولا يعملون في يوم السبت ويذهبون إلى الكنيس الى غير ذلك. وطلب منها كذلك ان تتعهد بالإقامة في إسرائيل.وهذا الشرط هو شرط فريد ولم يكن يشترطه الحاخامون لمن تحول في فلسطين قبل ظهور الدولة.
واعتبر رئيس الحاخامين حالتها مرضية فاتخذت اسماً يهودياً( وهو مايفعله المتهود عادة) ومنحت وثيقة اعتناق اليهودية التي تثبت تهودها. لكن رئيس الحاخامين اضاف عبارة مهمة الى الوثيقة وهي “غير صالحة خارج إسرائيل”.والغرض من هذا الشرط هو أن تبقى في إسرائيل وتتخذها سكنا دائما لها وبهذه العبارة بدأت مشكلة المرأة ، إذ أن العبارة تشير الى أن صاحبة الوثيقة هي يهودية(بظرف المكان) في إسرائيل وغير يهودية خارجها. إضافة الى مشكلة أن زوجها كوهن، كما سنرى.
ويقول رئيس الحاخامين في تبريره لوضع العبارة ان الغرض منها “غير صالحة خارج إسرائيل” ليس أن الشخص يهودي في إسرائيل وغير يهودي خارجها، وإنما بهدف حتى لا ينكث المتهود عهده ويترك إسرائيل. إذ أن البقاء في الدولة – كما يقول – هو جزء مهم من عملية التهود. والعيش فيها يذكر الشخص بيهوديته، بينما إذا عاش خارجها، فإنه ينسى أنه متهود ويحتاج الى أن يذَكر دائماً بذلك. فاليهودية دين جديد له وأن الذي ينوي العيش في إسرائيل بعدما يتحول الى اليهودية يعطي للحاخام الذي يقوم بالعملية ثقة أكبر باخلاصه وصدقه.ولكن السبب الحقيقي فيما يبدو لي هو سبب ايديولوجي إذ أن هدف رئيس الحاخامين هو هدف صهيوني بحت فالرجل معروف بصهيونيته المتشددة وتشجيعه للمهاجرين ونظرته الدونية إلى العرب فهو منذ عام 1967 دعا لتهديم مسجد قبة الصخرة وبناء مايسمى بالهيكل الثالث مكانه.
وبعد حصول “بولا” على وثيقة التهود تزوجت من صديق اسمه يوسي كوهن  وجاءت بعد سنوات الى بريطانيا مع زوجها للسكن فيها. وبدأت المشكلة عندما أخذت ولديها الى المدرسة اليهودية لتسجيلهما فيها وهي مدرسة تابعة لليهود الارثوذكس. وسألها مسؤول المدرسة فيما إذا كانت يهودية أو متحولة إلى اليهودية فأخبرته بأنها متحولة الى اليهودية. ولما أثار المسؤول بعض الشكوك حول الموضوع، ذهبت الى حاخام المدينة وأطلعته على الوثيقة. ولما رأى فيها عبارة “غير صالحة خارج إسرائيل” قال لها إن العبارة تثير الشك. فقالت له ان العبارة يقصد منها أن تكون وسيلة لمنع المتهود من مغادرة اسرائيل مباشرة وبالنسبة لها فقد بقيت فيها ما يقرب من عشر سنوات. فأخبرها الحاخام بضرورة ارسال الوثيقة الى المحكمة الدينية اليهودية في لندن لأخذ رأيها في الموضوع. فأرسلت الوثيقة الى المحكمة وكان جواب المحكمة أن وثيقتها غير صالحة خارج إسرائيل وعليها أن تخرج ولديها من المدرسة. فذهبت الى لندن لتقابل أحد قضاة المحكمة وتسأله شخصياً عن موضوعها، فأخبرها بأن تهودها غير نافذ المفعول خارج إسرائيل… ولما سألته ماذا تقول لأولادها في هذه الحالة، قال لها قولي لهم الحقيقة انهم يهود في إسرائيل وغير يهود خارجها.! وأخبرها القاضي أنه بالإمكان إعادة مراسيم تهودها لكن عليها أن تُطلق من زوجها لأنه كوهن (كاهن). وكوهن في التقاليد اليهودية يكون  من أحفاد “هارون” من قبيلة اللاويين الذين اختصوا بالكهانة في المعبد وامتازوا على بقية ابناء اسرائيل بذلك. ولو كان المعبد اليهودي اليوم قائماً لكان كوهن زوج “بولا” يخدم فيه شهراً في السنة على الأقل يشرف على نحر الأضاحي وحرق البخور والاعتناء بزيت الفوانيس في المعبد ويتسلم أوائل الثمارالأولى ويبارك من يأتي لزيارة المعبد الى غير ذلك من أعمال وشعائر.
وإضافة إلى ذلك، فإن الكاهن يتميز أيضاً  بميزات خاصة به فهو أول من يدعى لقراءة التوراة في الكنيس ولا يجوز له أن يتزوج بمومس ولا بإمرأة مطلقة ولا يجوز له كذلك أن يتزوج من متهودة. وهذه القضايا ما زالت تطبق في العصر الحاضر عند اليهود الارثوذكس، خصوصاً في اسرائيل. لذلك أخبرت المرأة بأنها يجب أن تطلق زوجها إذا تحولت مرة أخرى إلى اليهودية لأنه كاهن وهو لايجوز له أن يتزوج مطلقة كما ذكرت.
واشتكت “بولا” رئيس حاخامي اليهود في بريطانيا عن طريق محاميها. ورد محامي رئيس الحاخامين عليها بقوله: “إنه يجب أن تدركي أنه في الحالات الأخرى المشابهة لحالتك التي وضع عليها الشرط نفسه لم تعترف المحكمة الشرعية اليهودية بالوثيقة في بريطانيا. وأمكن اصلاح بعض تلك الحالات في هذا البلد (بإعادة مراسيم التهود)، لكن ذلك غير ممكن في حالتك، لأنك متزوجة من كاهن ولا يجوز للمتهودة أن تتزوج منه، وان زواجك من كاهن يجعل إعادة تهودك غير ممكنة”.
عندها رفعت قضيتها الى مجلس اللوردات البريطاني لينظر فيها. وعندما تطورت القضية الى هذا الحد، أخذ رئيس الحاخامين الاشكناز شلوموغورن قراراً بإبطال تهود “بولا” وتجريدها من يهوديتها حتى في إسرائيل.(وهذا القرار من النادر أن يحدث مثله) وقال في سبب ذلك أن تهودها كان على أساس باطل حين بني على تشويه الحقائق وتحريفها، لأنها (بولا) أخفت عنه بأن لها صديقاً على رغم قسمها بأنها ستلتزم بالفرائض (وترد بولا انها لم تكن تخرج مع يوسي كوهن قبل تهودها) ثم أنها سكنت خارج إسرائيل على رغم أنها قد أعطت تعهداً بأنها ستعيش في إسرائيل. ثم قال رئيس الحاخامين “ولو كانت قد أخبرتني بأن الذي ستتزوجه هو كاهن لكنت قد أوقفت التهود حالاً ودون تردد” وقال إن الطفلين ليسا يهوديين لأن امهما ليست يهودية (في نظر اليهود الارثوذكس لا يمكن لشخص أن يكون يهودياً عن طريق الأب). ومع ذلك يجب أن يربيا تربية يهودية وعندما يصلا الى سن البلوغ يطلب منهما ان يتهودا بشكل رسمي. وقالت الأم لا أدري ماذا سيكون شعورهما عندئذ إذ أن هويتهما قد اهتزت. ورفضت أن تبقي ولديها في المدرسة وأدخلتهما مدرسة حكومية وظلت تهاجم الحاخامين الارثوذكس واعتبرت ان ما حصل لها من عذاب نفسي كان بسببهم.
وأخيراً انضمت هي وزوجها الى اليهود الاصلاحيين – إذ اعتبرها هؤلاء يهودية – وقالت عنهم انهم هم اليهود الحقيقيون. واكتشفت من خلال مشكلتها بأن هناك تناحراً شديداً وخلافاً عميقاً بين المذهبين الاصلاحي والارثودكسي وأنها لم تكن تعلم حدة العداوة وشدتها بين المذهبين إلا بعد أن حدثت لها هذه المشكلة.
0 replies

Leave a Reply

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *