القدس مدينة ذات وجه إنساني1 min read

القدس مدينة ذات وجه إنساني

د.جعفر هادي حسن

لمدينة القدس اهميةُ دينيةُ لدى المسلمين منذ ان أصبحت جزءا من الدولة الإسلامية، وتاتي هذه الأهمية من أنها كانت القبلة الأولى لهم،وأن لمسجدها ذكرا في القران الكريم في قوله تعالى “سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله” ، وكذلك لقصة معراج الرسول الأكرم إضافة إلى الأحاديث النبوية التي تؤكد على مكانة هذه المدينة وقدسيتها في الإسلام.ومنذ فترة مبكرة اعتنى المسلمون بها وكان لها مكان خاص في وجدانهم فكانوا يسافرون إليها ويقبلون على زيارتها ويتبركون بمسجدها حتى كان الالاف منهم يجتمعون فيها في وقت واحد في بعض المناسبات الدينية. وقد ذكر الرحالة ناصر خسرو أنهم كانوا يتجمعون في القدس في شهر ذي الحجة بالالاف وهو يذكر أنه في عام 1040 للميلاد كان هناك عشرون ألفا منهم. ومن مظاهر اهتمامهم بها أنهم أخذوا يبنون فيها المدارس والرباطات والمساجد والسبل ويذهبون للدراسة فيها والتعلم على يد أساتذتها وفي فترة من فترات تاريخ  هذه المدينة المقدسة كان هناك مايقرب من خمسين مدرسة للدراسات الإسلامية والعلوم الأخرى لمختلف المذاهب. كما أن علماء كبارا كانوا يذهبون لزيارتها او للدراسة فيها أو الإستمتاع بروحانيتها. وربما كان أشهر هؤلاء العلماء أبا حامد الغزالي الذي توفي في بداية القرن الثاني عشر الميلادي،وهو قد سافر إليها وبقي فيها لإثراء تجربته  والتمتع بأجوائها الروحانية. وهو نفسه يذكر أنه كان يذهب كل يوم إلى مسجد قبة الصخرة للتعبد والتهجد، وهو ربما اعتقد أن قدسية المدينة وروحانية أجوائها التي تحيط بها وعبقها المتميز وما اضفي عليها من تكريم في الإسلام وما قيل في حقها من أقوال واحاديث  قد يساهم في إيصاله إلى راحة الإيمان الراسخ واطمئنان اليقين وانفراج أزمته الفكرية التي كان يمر بها كما هو معروف. وهو كان قد كتب رسالة خاصة في علم الكلام عندما كان مقيما فيها عنونَها باسم المدينة واسماها الرسالة القدسية. كما أن هناك أكثر من عالم من العلماء المعروفين ينتسبون إليها ويسمون بالمقدسي. وقد تميزت هذه المدينة بانسانيتها وبانفتاحها على الشعوب والأديان الأخرى ولم تغلق الباب أمام أي منها ولم تمنع من يريدون السكن فيها بل كانت مفتوحة للآخرين من خارجها يأتونها من أماكن بعيدة.فالمقدسي (ت حوالي 990م) يذكر بعض المهاجرين إليها من المسلمين من أماكن بعيدة.ولكن العيش في هذه المدينة لم يقتصر على المسلمين بل كانت شعوب أخرى تاتي إليها من أماكن مختلفة كما  يذكر ذلك لنا الحاخام اليهودي القومسي الذي عاش في القرن التاسع.فهو قال  عندما خاطب اليهود وحثهم على المجيئ إلى القدس ،  “اليست الشعوب الأخرى تاتي من جهات الأرض الأربع إلى أورشليم ، في كل شهر وفي كل سنة ، خشية من الله ورهبة منه ، إذن ماذا دهاكم يا اخواني اليهود ؟  وهو يمدح حكم المسلمين ويثني عليه ،ويقول ولكن بعد ما جاءت مملكة اسماعيل(المسلمين) أصبحت الأمور أفضل ، لأن بني اسماعيل يساعدون اليهود القرائين دائما ، لتطبيق شريعة توراة موسى  ، ولذلك علينا أن نباركهم من أجل ذلك. والآن أنتم في وسط مملكة إسماعيل….إذن فلماذا تخافون الحاخامين؟ وأكثر من هذا فالمسلمون لم يكونوا ليقبلوا ضغوط الدول الأخرى لمنع أتباع دين من الأديان، للسكن في القدس والعيش فيها ،نعرف ذلك مما يذكره عالم وحاخام آخر هو يافث بن إيلي من القرن العاشر الميلادي عند شرحه لعبارة في المزمور11-2 التي جاء فيه “فإن الأشرار يشدون قوسهم وعلى الوتر يسددون سهمهم” يقول “إن هذا يعني أن البيزنطيين يكتبون إلى العرب دائما يطالبونهم بطرد اليهود من أورشليم، ولكنهم لم ينجحوا ، وقد تبين بكل وضوح أن هؤلاء كانوا يقومون بذلك ، منذ فترة طويلة”وهذه فيما أرى شهادة مهمة في حق المسلمين،وفي طريقة معاملتهم لأتباع الأديان الأخرى.ويذكرنا هذا بما قام به الخليفة عمر بن الخطاب،الذي سمح لليهود بالسكن في القدس بعد أن كان الرومان قد منعوهم،  وكان رئيس الكنيسة غير راض بالسماح لهم ويضغط من أجل عدم إرجاع اليهود.ومعروف أن المسيحيين أيضا كانوا يعيشون بسلام إلى جنب المسلمين منذ دخول المسلمين إلى فلسطين ،ولهم كنائسهم وأديرتهم كما هو معروف وكانوا يأتون من بيزنطة أيضا لزيارتها كما يذكر ناصر خسرو، وربما كان هناك أتباع أديان أخرى.

ولأن هذه المدينة لها موقع مركزي في وجدان المسلمين ودينهم فقد بذلوا كل ما لديهم لإعادتها إلى ماكانت عليه بعدما احتلها الصليبيون في نهاية القرن الحادي عشر  واخرجوا منها ممن بقي فيها من اليهود والمسلمين وجعلوها مدينة مقتصرة على المسيحيين وحدهم ، ولم يهدأ للمسلمين بال إلى أن استرجعوها وأعادوا إصلاح ما خربه الصليبيون من مساجدها ومدارسها فعاد إليها طابعها الإنساني المميز.

ولكن هذه المدينة المقدسة ذات الوجه الإنساني التي انفتحت على الآخرين ورحبت بهم وتقبلتهم واستقبلتهم كما راينا ترزح اليوم ومنذ عقود تحت حكم استعماري قاس بغيض لايرحم سكانها من غير اليهود ولايهتم بالقوانين الدولية ولا بحقوق الإنسان وإنما له هدف واحد خطط له منذ العام 1948 ويعمل على تحقيقه وهو إحكام السيطرة على هذه المدينة وجعلها مدينة يهودية خالصة بعد القيام بتزوير تاريخها.

وأنا الآن لا أريد أن أخوض بما تقوم به إسرائيل من عمليات تهويد لهذه المدينة من بناء للمستوطنات فيها وحولها،وتهديم بيوت الفلسطينيين وتركهم بلا مأوى ومن سحب لهويات المقدسيين منهم والغاء جنسياتهم واسكان اليهود في أحيائهم وممارسة الترهيب والترغيب لبيع ممتلكاتهم.فهذه الأعمال لكثرتها وتكررها أصبحت للناس معروفة، وإسرائيل لاتخفيها ولا تخشى الحديث عنها ولذلك بدأ احرار العالم منذ سنوات بسبب هذه الأعمال اللاإنسانية حملة لمقاطعة لإسرائيل يشترك في تنظيمها اليوم شخصيات عالمية معروفة كان آخرهم الفيزيائي العالمي المعروف ستيفن هوكنغ.ومما يدعو إلى التفاؤل أن هذه الحملة أخذت تاتي اكلها ولو ببطئ.

وبودي أن أختم هذا الحديث عن شيئ من تزوير إسرائيل لتاريخ هذه المدينة. وهذا التزوير يتمثل في عدة أمور منها تغيير أسماء الشوارع والأحياء العربية إلى أسماء عبرية وربطها زورا بتاريخ اليهود ،ومنها استعمال مصطلحات كاذبة تزور التاريخ مثل مصطلح إعادة توحيد القدس وهذا يوحي بأن المدينة كانت تحت سيطرة اليهود مع ان العالم يعرف بأن اليهود لألفي سنة لم يكن لهم دور في إدارة المدينة لا من قريب ولا من بعيد بل إنهم كانوا خارجها لقرون طويلة إلى أن أرجعهم المسلمون إليها

وإلى جانب التزوير في العصر الحديث هناك تزوير للتاريخ القديم لهذه المدينة

خاصة فيمايتعلق بالهيكل اليهودي واصرار إسرائيل أن مكانه كان في موقع الحرم القدسي الشريف .ومعروف أن إسرائيل منذ احتلالها للقدس الشرقية لم تبق حجرا على حجر في البحث عن دليل لوجود هذا الهيكل  والعثور على أثر تاريخي له والذي حدث بهذا الخصوص أنها ادعت اكتشاف آثار تقول انها تثبت ما تريد ولكن الذي تبين فيما بعد أنها اكتشافات مزورة.وبودي أن اذكر هنا بعض الأمثلة باختصار.  فمن هذه لوح حجري أعلن عنه عام 2003 بعد أن أطلع عليه بعض الخبراء قبل هذا التاريخ ووثقوه بأنه أثر اصيل . ويحوي اللوح كتابة من عشرة أسطر/ خمسة عشر سطرا تتضمن تعليمات يفترض أن الملك يهواش بن الملك حزقياه ملك يهودا (836 ـ ق.م798) قد أمر بها لإصلاح هيكل سليمان. وهذه التعليمات قد وردت في العهد القديم في سفر الملوك الثاني وما وجد على اللوح يشبهها كثيرا لغة وأسلوبا ومضمونا..وقد قيل عن الاكتشاف في حينها إنه أهم دليل حتى اليوم  على وجود ما يسمى بالهيكل الأول. وقد أشيع أن اللوح عثر عليه قرب المسجد الأقصى ولذلك أعلنت بعض المنظمات اليهودية المتطرفة أن النقش يثبت وجود الهيكل ويجب إعادة بنائه مكان الحرم القدسي الشريف من دون تأخير.وبعد أن فحصت اللوح لجنة من المختصين في أكثر من اختصاص توصلت إلى أن اللوح قديم(المادة التي نقشت عليها الكتابة) ولكن الكتابة مزورة وقدعرض تلفزيون “بي بي سي” برنامجا وثائقيا عن هذا اللوح وشكك في مصداقيته. وكان ممن اشترك في تزويره استاذ في جامعة حيفا.

ومن هذه الآثار المزورة قطعة صغيرة على شكل رمانة صغيرة من عاج اعتقد أنها رأس صولجان كبير كهنة المعبد، وقد نقش عليها عبارة “مقدس للكهنة، هيكل الإله يهوه”. وكان المتحف الإسرائيلي قد اشتراها في الثمانينات بـ500 ألف دولار واعتقد وقتها أنها الشيء الوحيد الذي يعثر عليه إلى اليوم يتعلق بموجودات هيكل سليمان. والغريب أن بعض المختصين هم الذين قالوا إن اللقية حقيقية قبل أن يشتريها المتحف. وطبقا للتوراة، فإن الرمان استعمل في تزويق هيكل سليمان. وقد ظلت هذه اللقية معروضة في المتحف الإسرائيلي لفترة سنوات وقد رفعت كثيرا من معنويات اليهود حيث اعتقدوا أنها تؤكد وجود هيكلهم في القدم ، وأخذ كثير منهم بعد سنين من عرضها يؤكد أن شيئا من فترة الملك سليمان قد عثر عليه. ولكن المتحف سحبها من العرض وأعلن أن النقش عليها حديث بعد أن قررت لجنة من المختصين ذلك. وقد كان لي نقاش حاد في أحد المؤتمرات الدولية في لندن مع الخبير المختص الذي برر أصالتها .

ومن الأشياء التي تبين أنها مزورة ختم حجري قيل في حينها إنه للملك منسه ملك يهودا (القرن السابع ق.م.) حيث نقش عليه “منسه ابن الملك”. وافترض أنه نقش يعود له قبل أن يصبح ملكا. وكان في حينها قد عرض على جامع آثار بمبلغ مليون دولار.

كما عرض أحد تجار الآثار “شمعدان” (منوراه)مصنوع من الصخر على أنه خاص برئيس كهنة ما يسمى بالهيكل الثاني وكان قد طلب مبلغا ضخما ثمنا له وقد تبين فيما بعد أن الشمعدان مزور.

ومن هذه اللقى قطعة من إناء فخاري عليها كتابة قيل إنها تعود لفترة مملكة يهودا، وقد تبين أنها مزورة كذلك. وقد اتهم في ذلك شخصان أحدهما خبير سابق في متحف إسرائيل. وبسبب كثرة التزوير في الآثارقال أحد الخبراء في هذا الحقل إن أي لقية من فترة العشرين سنة الماضية لا يعرف مكان العثورعليها في إسرائيل يجب أن تعتبر مزيفة”..ومن الكتب المهمة عن تجارة التزييف هذه كتاب المؤلفة نينا بيرليه بعنوان “التجارة غير المقدسة: قصة حقيقية للعقيدة، والطمع والتزوير في الأرض المقدسة”. وتستعرض المؤلفة ـ وهي أميركية لها عدد من المؤلفات ـ قصصا تتعلق بتزوير الآثار في إسرائيل والطرق المتبعة فيها والتقنيات المستعملة في ذلك والمجموعات المشتركة فيها.وبودي أن أشير هنا في ختام حديثي هذا، إلى كتابين مهممين من تاليف الأستاذ شلومو زند وهو استاذ جامعي إسرائيلي احدهما عن تزوير تاريخ اليهود كشعب كما يقول وعنوانه اختلاق الشعب اليهودي والآخر عن تزوير أرض فلسطين كما يذكر وعنوانه اختلاق الأرض المقدسة ،من المفيد الإطلاع عليهما وما ورد فيهما من معلومات.