بحوثه تدور حول الجماعات اليهودية المختلفة جـعـفــر هـــادي حـســن لـ القبس : الإسلام عامل اليهودية بإنسانية.. وأوروبا المسيحية اضطهدتها مقابلة مع جريدة القبس الكويتية أجرى الحوار د.مهدي السعيد  1 min read

الى وقت قريب كانت المكتبة العربية تعاني من شحة المصادر العربية في حقل الدرسات اليهودية، ولكن منذ نهاية الستينات القرن الماضي بأت حركة بحث عربية فتية لدراسة الظاهرة اليهودية، فأرسلت بعض الجامعات العربية بعثات طلابية الى اوروبا للتخصص في هذا الميدان.
واستطاع البعض من الباحثين العرب اقتحام العديد من الجوانب غير المرئية من التاريخ والفقه اليهودي والعبري عموما، ومن بين هؤلاء الباحثين الدكتور جعفر هادي حسن، الذي يعتبر واحدا من ابرز الباحثين العرب المتخصصين في ميدان الدراسات اليهودية والاسرائيلية ايضا، وقد وضع عدة كتب تتناول تاريخ الجماعات والطوائف اليهودية المختلفة قديمها وحديثها، وهو الآن بصدد اصدار الطبعة الثالثة لكتابه الشهير «فرقة الدونمة» الذي زاد عليه بعض المعلومات الجديدة التي لم يسبق وان نشرت في اي مصدر عربي من قبل، وقد التقته «القبس» في لندن، واجرت معه المقابلة التالية:
لماذا اخترت اللغة العبرية والدراسات اليهودية؟
ــــ انهيت دراسة الباكالوريوس باللغة العربية، ثم تقدمت لدراسة الماجستير، وحين قبلت في الدراسة كنت حينها اعمل مدرسا للغة العربية في منطقة  قرب مدينة النجف، وعندماانتقلت الى بغداد لأبدأ دراستي العليا  حصلت على فرصة للتدريس  في احدى ثانوياتها الاهلية، وواصلت دراستي للماجستير وكان من اساتذتي الدكتور مصطفى جواد و د. ابراهيم السامرائي وعبد الرزاق محيي الدين، وصفاء خلوصي وكمال ابراهيم، وجميل سعيد الذي كان عميدا لكلية الآداب في حينها
وكانت اطروحتي للماجستير بعنوان «مذهب الكسائي في النحو» والكسائي كان مؤسس مدرسة الكوفة النحوية، وقد توفي عام 191 هـ  في العصر العباسي، وهو وكان استاذا للأمين والمأمون، وعندما انتهيت من كتابة الاطروحة، ارسلوها الى المقوم العلمي وكان استاذا مصريا يدرس في جامعة الكويت وكان على ما أتذكر الأستاذ عبدالسلام محمد هارون، وقد حدث ان ضاعت الاطروحة ولم تصل إلى الاستاذ،، فبعد مضي ستة أشهر من ضياعها ارسلت إليه نسخة أخرى قام بتقويمها  وإعادتها إلى جامعة بغداد، وقد أخذ ذلك بعض الوقت، وكان الرد قد وصل في عام 1970، وفيها نوقشت الاطروحة وتخرجت، فعينت معيداً في جامعة البصرة عام 1970 – 1971 بعد أن قضيت فترة في التدريس في المتوسطة والثانوية وفي نهاية عام 71 جئت إلى بريطانيا  لكي أدرس العبرية،وكان الدكتور إبراهيم السامرائي قد درسنا شيئا من العبرية التي هي لغة سامية في مرحلة الماجستير. وفي جامعة مانشستر التي قبلت فيها لم يوافقوا على أن أبدأ بدراسة الدكتوراه  مباشرة وطلبوا مني أن أدرس للبكالوريوس أولا فدرست البكالوريوس ثم الماجستير والدكتوراه،. كما درست لغات سامية أخرى غير العبرية مثل الآرامية والسريانية والفينيقية، خلال دراستي في مرحلة البكالوريوس..
• وهل توجد ثمة لهجات في اللغة العبرية، كما هي الحال بالنسبة للغة العربية؟
ــ نعم توجد مراحل مختلفة للغة العبرية كما هي الحال بالنسبة  إلى اللغة العربية فهناك العبرية القديمة أي الكلاسيكية وبعدها العبرية الوسيطة ، ومن ثم العبرية الحديثة، وأثناء دراستي ركزت على الأوليين ودرست قليلا من الأخيرة.والوسيطة التي يسمونها «عبرية المشناة” هي اللهجة التي يستعملها «التلمود”مع الآرامية. والمشناة هي الأصل والتعليقات التي دونت عليه يسمونها «الغمارة»، فالغمارة والمشناة يكونان «التلمود»، الذي هو الكتاب الثاني المهم عند اليهود بعد التوراة..
• هل استخدم النص العربي في التدوين العبري أو بالعكس؟
ــ اطروحتي للماجستير خصصت لدراسة  ترجمة للتوراة عملها فيلسوف يهودي – عربي مشهور، عاش في بابل- في القرن العاشر الميلادي واسمه سعديا الفيومي، كان ذلك في العصر العباسي، وهذا الفيلسوف كان المرجع الديني لليهود ليس في العراق وإنما أيضاً ليهود إيران وافغانستان وغيرها من بلدان آسيوية أخرى.
وقد كتب هذا الفيلسوف والفقيه عددا من الكتب، وهو أول من  ترجم التوراة من العبرية إلى العربية. والنسخة الموجودة لدينا حالياً هي بحروف عبرية، ولا ندري بالضبط هل انه كتبها بحروف عربية أصلاً، ثم قام اليهود فيما بعد بكتابتها بحروف عبرية، إذ كانوا آنذاك يكتبون الكثير من الكتب العربية بالحروف العبرية، لأنها تسهل عليهم القراءة ، ولكني أعتقد انه قد كتب هذه الترجمة باللغة العربية «أي لغة وحروفاً» ثم تحولت إلى الحروف العبرية فيما بعد. ويسمون هذا النوع من اللغة العربية بـ «العربية اليهودية» أي العربية التي تكتب بحروف عبرية.
 
يهود الدونمة وقصتهم
• كيف تبلور اتجاهك في البحث التاريخي عن الجماعات والطوائف اليهودية؟
ــ أول كتاب أصدرته عن هذه الجماعات هو «فرقة الدونمة بين اليهودية والإسلام» وقد أخذ شهرة واسعة، فقد طبع في بلدان مختلفة  وموضوع الكتاب مهم ومثير، لأنه يتعلق ببلد يقع في قلب العالم الإسلامي، لأن هذه الفرقة نشأت في هذا البلد وهو تركيا، وستظهر الطبعة الثالثة له مع زيادات وتنقيح في هذا الشهر وستكون أفضل من الطبعة السابقة.
ان هذه الفرقة أنشأها حاخام يهودي اسمه شبتاي صبي ولد وعاش في تركيا ثم ادعى انه المسيح المخلص،لليهود وظلت حركته في تركيا وخارجها تنشط من 1665 – 1666، وقد قبض عليه من قبل الحكومة العثمانية ثم خيره السلطان محمد الرابع بين أمرين، وقال له: نحن سنرميك بالسهام، فإن أثرت بك فأنت إنسان كاذب وإذا لم تؤثر بك، فأنا أول المؤمنين بك، وتكون حقاً المسيح المخلص، لكن شبتاي استعان بطبيب السلطان الذي كان يهوديا واسلم، وطلب منه النصيحة فكان رد الطبيب عليه أن يعلن إسلامه لكي يخلص رقبته، فأظهر إسلامه في تلك الجلسة، وألبس عمامة وأطلق عليه  اسم «محمد عزيز أفندي»، ثم بدأ يدعو إلى الإسلام، ولكن في الوقت نفسه كان يقول لجماعته انه مازال يهودياً، واعتناقه للإسلام هو جزء من الفكرة المسيحانية القائلة «إن الخلاص لا يتحقق إلا بالدخول إلى الخبيث» والخبيث برأيه هو الإسلام.  فكان يظهر إسلامه ويخفي يهوديته، واتبعته مجموعة على هذا الإعتقاد واستمروا إلى وقتنا الراهن، وقد أثروا في سياسات تركيا الحديثة، ولعبوا دوراً مهماً في الحياة التركية وساهموا في الانقلاب على الدولة العثمانية واحتلوا مراكز مهمة في الدولة، مثل وزير المالية لثلاث مرات جاود بك أثناء حكم كمال أتاتورك ومنهم رئيسة الوزراء في التسعينات من القرن الماضي تانسو جلر ووزير الخارجية الأسبق اسماعيل جم وغير هؤلاء..
• ما المصادر التي اعتمدتها في توثيق هذه المعلومات؟
ــ هذه الاسماء موثقة من قبل «الدونمة» أنفسهم، وقسم آخر من قبل مؤرخين يهود، ولم ينكر هؤلاء الاشخاص انتماءهم، وعلى سبيل المثال، وزير المالية في زمن أتاتورك واسمه «محمد جاويد بك»، الذي هو احد زعماء «الدونمة»، ومعروف كونه زعيما لهم في اثناء ادائه لمهامه الوزارية لثلاث مرات،  وهذه المعلومات ليست تكهنات، وانما قامت عليها ادلة حقيقية وموجودة في المصادر الانكليزية أيضا، اضافة الى المصادر اليهودية ومصادر «الدونمة» ذاتها.
وقد اعتمدت في الطبعة الثالثة لهذا الكتاب والتي ستصدر قريبا على مصادر غير عربية، لانني لا احتاج الى المصادر العربية، بعد ان توفرت لي مصادر أخرى.
ومن الكتب المهمة التي صدرت في تركيا أخيرا كتاب بعنوان «الأفندي»، حيث يتحدث هذا الكتاب عن «الدونمة ودورهم ، وهوقدصدر عام 2004واعيد طبعه 50 مرة، وقد ذكرته في كتابي كمصدر من المصادر التي اعتمدت عليها..
 
فرقة باطنية
ان قضية الدونمة لازالت قائمة، وهي مثيرة للانتباه والتساؤل، وهذه المجموعة هي فرقة باطنية، وهذا جزء من ايمانهم، يعني إظهار الإسلام وإبطان اليهودية ويجب ان يكون لديك اسم مسلم وآخر يهودي ولذلك، فإن اسماعيل جم(وزير خارجية تركيا الأسبق) هو دونمي ولن اسمه اسلامي ، ومؤسس الفرقة محمد عزيز افندي لا يمكن الشك فيه على انه اسم اسلامي وحركة شتاي سفلت لا زالت تحظى بالعديد من الكتابات، ويعتبرونها اكبر الحركات السلبية في تاريخ اليهود، لانهم يعتبرونها فرقة خارجة عن الديانة اليهودية. وفي تركيا، فان شخصيات هذه الفرقة معروفة، ولهم مقابرهم الخاصة، واحدهم انسحب من الفرقة وألف كتابا بعنوان «نعم أنا دونمي»، ويقول ان عدد نفوسهم يصل الى 100 ألف شخص.
كلمة «دونمة» هي كلمة تركية تعني «الدوران» او «الارتداد»، وهؤلاء الناس داروا او ارتدوا عن اليهودية ودخلوا الاسلام.
 
فرقة القرائين
• وماذا عن بحثك الآخر حول «القرائين»، وكيف وصلت اليهم؟
ــ بحثي الثاني الذي صدر بهيئة كتاب، هو عن مجموعة يهودية من المجموعات التي ظهرت في بغداد ابان عصر المنصور.
ومؤسس هذه المجموعة أو الفرقة هو «عنان بن داوود»، وقد تبلورت الفكرة أول ما تبلورت والتي يسمونها «القرائين» في عقل هذا الرجل.
وكلمة «القرائين» مأخوذة من كلمة مقراء، فهم يسمون التوراة «مقرا»، أي من القراءة، فهذا الرجل قال لا توجد ضرورة بأن نعتمد على التلمود، حيث توجد في التلمود الكثير من القضايا الدخيلة وغير الصحيحة، لذلك يجب ان نعتمد على التوراة، ومثل هذا الكلام بالنسبة لليهود الارثوذكس، اي المتدينين جدا، يخرج عن اليهودية، لانهم يعتبرون التلمود الشريعة الشفوية، والتوراة الشريعة المكتوبة، فعنان بن داوود كان مرشحا لان يكون شخصية كبيرة كرئيس لليهود، ولكن اليهود الارثوذكس اصدروا قرارا يسمونه «حرم» ومعناه انه يطرد من اليهودية ويعزل، تماما في العربية «تحريم». وهكذا اصدر القرار باخراجه من اليهودية، ولكنه استمر بدعوته واصبح له تابعون، وبدأت بين القرائين وبين المجموعة التي يمكن تسميتها بـ «التلموديين» اي اليهود العاديين حربا شعواء وحقيقية، استمرت وامتدت الى اقطار اخرى مثل مصر وايران وتركيا.
وقد لاحقوا هذا الرجل، ومع ذلك اصبح له مؤيدون كثيرون، واحتل بعض المنتسبين الى هذه الفرقة مراكز قيادية في بعض المجتمعات، ففي مصر كان لهم معاونو وزير واناس مؤثرون في فترة الحكم الفاطمي اي في القرن التاسع الميلادي.
والآن هم منتشرون في العالم، وفي اسرائيل يبلغ عددهم حاليا في حدود 40 الى 50 الف نسمة.
ومن المفارقات، اني استلمت رسالة من رئيس القرائين في أميركا بعد صدور كتابي هذا يمتدح بها الكتاب ويقول: انني الوحيد الذي انصفت فرقة القرائين، ثم ارسل لي عددا من الكتب حول القرائين تساوي مبلغ الف باوند استرليني.
 
 
• هل هنالك ثمة مؤثرات اسلامية على الفرق اليهودية المنشقة؟
ــ نعم تأثر القراؤون بالثقافة الإسلامية بصورة عامة بل حتى باصول الفقه، ويوجد فصل مهم حول هذا الجانب في كتابي”فرقة القرائين اليهود” هو «تأثير الثقافة الإسلامية على القرائين»، وكانت احدى التهم التي وجهت الى القرائين، انهم يتبعون المسلمين، لانهم يختلفون في صلاتهم مع بقية الفرق اليهودية، فهم يسجدون اثناء الصلاة وهذا تأثر واضح بالمسلمين، ولديهم ايضا تأثر بعلم الكلام أيضا  وأمور اخرى كأصول الفقه  فهم لهم سنتهم أيضا كما عند المسلمين وكذلك لديهم القياس ونحن لدينا القياس ولديهم الاجتهاد ونحن لدينا الاجتهاد، ولديهم الكتاب ونحن لدينا الكتاب، وهذه جميعها تشكل أصول الفقه تماما كما يوجد عندنا. واقعهم الحالي في اسرائيل يختلف، فهي لا تعتبرهم يهودا كالآخرين، اي أن لهم قسمهم الخاص في وزارة الداخلية مثل الدروز، والبهائيين والسامريين وغيرهم واليهود الآخرون لا يتزوجون منهم، ولا تعترف بهم المؤسسة الدينية الارثوذكسية في اسرئيل.
• هنالك شعور بأن اليهود الذين عاشوا في كنف العالم الإسلامي كانوا يتمتعون بالحرية الدينية والاحترام الإنساني؟
ــ ان اليهود الذين عاشوا في العراق لا يزالون الى الآن وهم في اسرائيل مرتبطين بحب وطنهم الأول وهو العراق وهذا يعطيك فكرة عن المعاملة التي عوملوا بها في البلاد الإسلامية.
وبالنسبة إلى اليهود الذين عاشوا في  أرض الإسلام عموما  فإنهم تمتعوا بمعاملة إنسانية بصورة عامة، بينما اضطهدتهم المسيحية في اوروبا على مدى قرون طويلة، انهم يعتبرون العصر الذي عاشوا فيه  في البلاد الإسلامية عصرا ذهبيا. فاليهودي من بعد الفترة الإسلامية الأولى، وبعد أن انتشر الإسلام لمس تحسنا في حياته العامة، لقد استقبل عشرات الألوف من اليهود كما تذكر دائرة المعارف اليهودية الإمام علي حين جاء الى الكوفة، حيث خرجوا من  بابل ومن الكوفة وغيرهما لاستقباله وعلى رأسهم رئيسهم.
ويذكر احد الرحالة اليهود ان عددهم في القرن الثاني عشر كان يصل الى 10 آلاف في البصرة وحدها، بينما كانوا يزيدون على هذا العدد في بابل وفي بغداد كما كانوا كثر في مدن عراقية أخرى
اليهودي في الاسلام كان له بيته ومكانه الخاص وعمله وقد وصل الى درجة وزير في العهد الاسلامي في الاندلس، بينما في اوروبا لم يصل الى اي درجة حتى جاء القرن التاسع عشر حيث أخذ اليهود يحصلون على المناصب الرسمية
وحارة اليهود «الغيتو» في اوروبا كانت محاصرة ولها اسوار ولا يستطيع اليهودي الخروج او الدخول اليها إلا بإذن، بينما في العالم العربي، وان وجدت مثل هذه الحارات ولكنها كانت مفتوحة للجميع من اليهود والمسلمين دون وجود أي حراس على أبوابها ولا اي حساسية معينة.وقد قدمت ورقة بالإنجليزية عن هذا الموضوع في إحدى لجان البرلمان البريطاني وهي موجودة على موقعيwww.dirasaatyahudiya.com
 
اليهود الحسيديم
• كتابك الآخر اسمه «اليهود الحسيديم» ماذا يطرح؟
ـــ كلمة «حسيديم» هي كلمة عبرية بصيغة «جمع»، مفردها «حسيد» ومعناها «التقي» باللغة العبرية.
كما ذكرت. فاليهود كانوا مضطهدين في اوروبا، وكانوا يطالبون ببعض الحقوق، فالضريبة تضطهدهم، والكنيسة  تضطهدهم، على عكس ما كانوا عليه العالم الاسلامي وكان هذا أحد الأسباب المهمة  لظهور هذه الفرقة .
وفرقة «الحسيديم» فرقة مهمة نشأت في القرن الثامن عشر في اوروبا، من قبل رجل اسمه «اسرائيل بن اليعازر»، وكان انساناً عادياً جداً،ولم يكن عاما أو متفقها بالشريعة اليهودية حتى انه كان يشتغل هو وزوجته في نقل الطين من مكان الى آخر وبيعه والعيش منه، ولا اعرف كيف جاءته الافكار، فأخذ يركز على ان الانسان يجب ان يكون سعيداً في حياته، واعتبر الصوم مسببا للحزن  والكآبة ولأنه ركزعلى السعادة والفرح، اصبحت الموسيقى والغناء والرقص جزءاً حقيقياً من حياة هذه الفرقة، ونشأ طبقاً لذلك «الرقص الحسيدي» المعروف وكذلك «الغناء الحسيدي»،وهوكذلك ركز على الصلاة، حيث كان يقول ان الصلاة تشد علاقة الانسان بالرب، و  تطورت هذه الافكار عندهم بعد وفاة هذا الرجل الذي عاش في بولندا، والذي كان لا يعطي اهتماماً كبيراً للتلمود وانتقد طرقة تدريسه وأكد على الجانب الروحي والعاطفي وقال إن الله يعرف بالقلب وليس بالعقل, ويمكن مقارنة ممارسة الحسيديم هذه بما عند الصوفية إلى حدما بما يتعلق بالشيخ والمريد، فاصبح الحاخام عندهم والذي يسمونه « تصديق» اي «القديس» اكثر تقديسا من الحاخام العادي بل فيه روح الهية كما يدعون، ويعتمد عليه الحسيدي في الشؤون الدينية والدنيوية وكلامه لا يطاله التشكيك بما في ذلك القضايا الخاصة.
وقد تفرقوا بمرور الزمن الى عدة فرق، وحالياً يوجد ما يقرب من 50 مجموعة، ولكل واحدة رئيس او زعيم، واصبحت عبارة عن عشائر، فالزعامة تتوارث في هذه العشائر، وملابسهم الخاصة والمميزة  تعود في أصلها إلى بولندا وهي عبارة عن قفطان اسود وقبعة سوداء، ويوجد منهم اليوم الكثير في اسرائيل، حيث يبلغ عددهم الآن مئات الآلاف، لكن الكثير منهم معاد للصهيونية، وهم يهود ارثوذكس متشددون اي انهم يلتزمون بالتقاليد والشريعة اليهودية الارثوذكسية بشكل دقيق ويطلق عليهم بالعبرية”حريديم”، لكنهم يختلفون عن عامة الأرثودكس بما ذكرت.
 
الفرقة الاصلاحية وما خرج منها
• هل توجد في الوقت الحاضر امتدادات لهذه الفرق؟
ـــ في اسرائيل وخارجها توجد في الوقت الحاضر مذاهب وفرق عديدة، وهناك ايضاً صراعات بين الفرق والمذاهب.وهذه الصراعات مستمرة منذ القرن التاسع عشربعد أن ظهرت في أوربا..
فقد ظهرت هنا حركة تدعى بـ «الحركة الاصلاحية اليهودية» وقد وجدت هذه الحركة ان يهود اوروبا لا يمكنهم أن يلتزموا الالتزام الكامل باليهودية والشريعة اليهودية بعد أن بدأ عصر النهضة لصعوبتها وتعقيداتها وتشددها، فحاولوا ان يخففوا بعض قضاياها، فبدأوا بالشعائر غير الرئيسية والتي لا تعتبر جزءا من العقائد  ثم نمت الحركة وتطورت، فكثر عندهم التخلي عن بعض الاسس اليهودية وفي الوقت نفسه كثر عددهم وهم اليوم مجموعة كبيرة جدا ويصل عددهم الى مليون ونصف المليون. وتوجد اعداد كبيرة منهم في اميركا، وبسبب تخليهم عن التقاليد وبعض الافكار اليهودية الرئيسة، اعتبرهم اليهود الارثوذكس خارجين عن اليهودية، وبين فترة واخرى تصدر الفتاوى ضدهم والتي تتهمهم بكونهم ليسوا يهوداً وخرجوا عن اليهودية  ويعتبرونهم حركة اندماجية اي تريد ان تقود اليهود الى الاندماج في غيرهم، في حين يرفض اليهود الارثوذكس الاندماج، لانهم يعتبرون انفسهم اناساً مميزين.وظهرت من هذه الحركة اخرى سميت فرقة اليهودية المحافظة ولايقل عدد أتباعها عن عدد أتباع اليهودية الإصلاحية. ثم ظهر من هذه فرقة سميت فرقة اعادة بناء اليهودية وهما أيضا غير معترف بهما من قبل اليهود الأرثودكس المتشددين.
 
المذهب الأرثودكسي الحديث
ان مجموعتي الاصلاحيين والمحافظين هما اكبر المجموعات اليهودية..
وهناك مذهب اسمه «المذهب الارثوذكسي الحديث» وترجع أصوله إلى القرن التاسع عشر وهذا المذهب لديه تحفظ على بعض ما جاء في التوراة، وممارساته تختلف عن ممارسات اليهود الارثوذكس المتشددين فهم مثلا يحلقون لحاهم، بينما اليهودي الارثوذكسي لا يحلق لحيته، ويدرسون العلوم، بينما الارثوذكسي يبتعد عن الدراسات العلمية لانه يركز على الدراسات الدينية والارثووكسي الحديث لا يمتنع عن الانخراط في الجيش بل أعضاؤه متشددون في ذلك . بينما الارثوذكسي المتشدد لا يشجع ابناءه على الدخول في الجيش في اسرائيل..
وهناك فرقة يسمونها «الفرقة البشرية» وانا الذي اعطيتها هذا الاسم إذ لم أجد عنها شيئا في اللغة العربية وتقول: ان الله ليس له دور في انشاء اليهودية كدين، وانما (البشر)وهم اليهود هم الذين انشأوا اليهودية وكتبوا التوراة وصنعوا كل الاحداث في التاريخ ولا يوجد ثمة رب..
ان هؤلاء فرقة ملحدة لا تؤمن بوجود الرب، ولديهم 30 مركزا في العالم، وقد غيروا الصلاة وأصبحت لهم طريقتهم فيها، وهم موجودون ايضا في اسرائيل..
 
 نطري قارتا (نواطيرالمدينة)
نطريم باللغة العبرية تعني نواطيربالعربية وهي جمع ناطور،(حارس) وأصل الكلمة آرامي وهم يقولون «نطريم» جمع مذكر سالم. وبعد الاضافة تحذف النون وتصبح الكلمة «نطري» و«قارتا» تعني قرية او مدينة باللغة المذكورة و تصبح العبارة«نواطير المدينة» او «حراس المدينة”. »
هؤلاء الناس اعتبروا انفسهم حراسا لمدينة القدس،وهو تعبير عن التزامهم بالشريعة اليهودية حيث القدس رمز وهم اصلا كانوا قد نشأوا في فلسطين، بعد ان وصل المستوطنون الاوائل، الذين كان أكثرهم علمانيين، بينما هؤلاء “الحراس” كانوا متدينين، فأصبح هنالك صراع بين الإثنين وما زال إلى اليوم..
وهذه المجموعة لا تؤمن بالصهيونية بل تعاديها وترفضها، ولذلك حينما يخرجون في مظاهرات يقولون يهودية لا صهيونية وهم يتمنون لو أن إسرائيل لم توجد. وهنالك ايضا مجموعة تسمى “الحسيديم الستماريم” وهي مجوعة كبيرة من حوالي 70 الفا او 80 الفا هم أيضا من المعادين للصهيونية والرافضين لها وهم على علاقة وطيدة بنطري قارتا.ومن الفرق الكبيرة فرقة اسميها فرقة اليهود اليسوعيين وهؤلاء هم يهود ولكنهم يؤمنون بعيسى كنبي ومخلص واليهود الأرثودكس يكفرونهم ويحاربونهم.
• إسرائيل احتفلت بمرور 60 عاماً على نشأتها، وتدعي بأنها أصبحت حقيقة واقعة، و ان مجتمعها متماسك. هل ان ظروفها أصبحت حقاً خالية من أي تعقيدات أو صراعات أو أزمات قد تؤدي إلى زعزتها في يوم ما؟
ـــ الاحتفالات لم تقتصر على إسرائيل وحدها وإنما امتدت إلى بلدان أخرى، وقد صاحب الاحتفالات شحن إعلامي واسع النطاق أرادت من خلاله إسرائيل إيهام الجميع بعدم وجود أي مشاكل تواجهها، أي أنها حاولت أن تغطي على هذه المشاكل، التي هي مشاكل عويصة وعميقة ومؤثرة في الواقع الإسرائيلي..
مثلاً، خذ موضوع الصراع بين المذاهب والفرق اليهودية، وهذا ما يحصل يومياً بين اليهود الأرثوذكس- الحريديم المسيطرين على القضايا الشرعية في إسرائيل وبين بقية المذاهب اليهودية الأخرى. حيث تصدرالفتاوى التكفيرية بين فترة وأخرى كما ذكرت. وكذلك قضية تحديد من هو اليهودي فهناك اختلاف في داخل إسرائيل على تعريفه وهي قضية قديمة جديدة. وكذلك الدعوة إلى إقامة دولة واحدة(للفلسطينين واليهود)على أرض فلسطين التاريخية.وعدد اليهود الذين ينادون بذلك قد ازداد خلال العشر سنوات الماضية.فهذه مشاكل مستمرة تواجهها الدولة اليوم.
وهناك صراع ظهر في بداية نشوء إسرائيل بل وقبله بين العلمانيين والمتدينين، لكنه تطور في الوقت الحاضر وأصبح صراعاً عميقاً وشديداً، وخصوصاً بعد ازدياد عدد نفوس كلا الطرفين بالولادة الطبيعية والهجرة..
 
مدن مقفلة
فالصراع بين العلمانيين والمتدينين وصل إلى حد رفض المتدينين أن يسكن العلمانيون معهم في المدينة نفسها، لذلك أصبحت بعض المدن الإسرائيلية مقفلة للمتدينين وأخرى مقفلة للعلمانيين، وأصبح للمتدينين مدارسهم  وصحفهم الخاصة بهم واحزابهم الخاصة أيضا كما هو واضح اليوم من الحكومة في إسرائيل، فالإسارئيليون اليوم يتحولون إلى مجتمعات مغلقة، وفي أحيان كثيرة يصل الصراع إلى حد المعارك  في ما بينهم..
وخلال 50 عاماً أصبحت أكثر من 10 مدن  معزولة للمتدينين، فتصور ماذا سيحدث بعد عشرين عاماً. وبعض الصحافيين كتبوا حول الموضوع وأشاروا إلى أن هذا الصراع سيتحول إلى حرب أهلية في يوم ما في المستقبل، لذلك فهناك من يطالب بتقسيم إسرائيل إلى قسمين الشمال للعلمايين
والجنوب للمتدينين
 
________________________________________
 
 
 
 مقابلة مع مجلة “النور” اللندنية في العدد182
الدكتور جعفر هادي حسن للنور:أول مستوطنة يهودية أنشئت كانت في طبريا في القرن السادس عشر ومنظمات يهودية تنشط بين قبائل اسلامية أفغانية
 
قابلته:ليلى البحراني
الدكتور جعفر هادي حسن أستاذ جامعي عراقي وباحث متخصص باللغة العبرية والدراسات اليهودية (واللغة العربية) وهو حاصل على الماجستير من جامعة بغداد وعلى البكالوريوس(شرف) باللغات السامية من جامعة مانشستر في بريطانيا وكذلك على الماجستير والدكتوراه باللغة العبرية والداراسات اليهودية.
درّس في عدد من الجامعات منها جامعة البصرة وجامعة الملك عبدالعزيز وجامعة سالفورد وجامعة مغيل وجامعة مانشستر والكلية الإسلامية للدراسات العليا في لندن، كما أشرف على دراسات عليا في أكثر من جامعة من هذه الجامعات. وترأس مركز اللغة العربية في لندن لعشر سنوات. وله عدد من الكتب حول اليهودية وعدد كبير من الدراسات المنشورة بالعربية والإنجليزية في الدراسات اليهودية وغيرها .كما كتب مادة اللغة العبرية-نشأتها وتاريخها وتطورها- لدائرة المعارف الإسلامية – تركيا وهو ما زال مستمراً بالكتابة والتأليف.وله موقع على الإنترنت باسم:
www.dirasaatyahudiya.comْ
ولأهمية المواضيع التي يعالجها وجهده المتميز وندرة المتخصصين في هذا الشأن توجهت النور اليه ببعض الأسئلة فكان الحوار التالي:
 
> كيف تبلورت عندك فكرة الإهتمام باللغة العبرية الدراسات اليهودية؟
– تبلورت عندي فكرة التحول من الدراسات العربية إلى اللغة العبرية عندما كنت أدرس للماجستير في اللغة العربية في جامعة بغداد حيث درسنا وقتها مع الاستاذ الدكتور إبراهيم السامرائي شيئاً من اللغة العبرية حيث كان عنده اختصاص باللغات السامية. ومنذ ئذ فكرت أن أكمل دراستي في هذا الموضوع وعندما قبلت في جامعة مانشستر في بريطانيا طلبوا مني أن أدرس للبكالوريوس أولاً قبل أن أبدا بالدكتوراه وهكذا درست العبرية والارامية والسريانية والفينقية في المرحلة الأولى ثم درست للماجستير والدكتوراه في الجامعة نفسها وانتهيت من الدكتوراه عام 1979 كما طلب مني أيضاً أن أدرس اللغة الألمانية وبهذا الاختيار أصبح أفقي المعرفي أكثر إتساعاً وعمقاً وفهماً لكثير من القضايا.
 
> ما هي طبيعة الصراع العلماني الديني في إسرائيل وما هي مظاهره؟
– الصراع العلماني الديني في إسرائيل هو حقيقة واقعة وهو قد أخذ بالتزايد والتطور منذ ما قبل نشوء الدولة حتى وصل اليوم إلى هذا المستوى المتقدم. وكانت بداياته في العشرينيات من القرن الماضي، عندما بدأ المستوطنون العلمانيون يكثرون في فلسطين وينشئون منظمات وجمعيات ومدارس حيث رفض المتدينون الإنضمام إليها بسبب ما يرونه مخالفة العلمانيين للشريعة اليهودية. وكرد فعل على ذلك أخذ المتدينون بدورهم ينشئون مؤسسات خاصة بهم لا ينتمي إليها إلاّ من كان منهم.
وبعد إنشاء الدولة أعطي رجال الدين صلاحيات كثيرة في قضايا الأحوال الشخصية وغيرها وانشئت لذلك مؤسسة ضخمة هي رئاسة الحاخامية وهذه المؤسسة أيضاً هي التي تقرر فيما إذا كان الشخص يهودياً أو غير يهودي. وهذه القضية تثير انزعاج العلمانيين. ومما ينتقدون به المتدينين هو إعفاء الكثير من شبابهم وشاباتهم من الخدمة في الجيش أو تأجيل خدمتهم بحجة الدراسة في المدارس الدينية أو التدين في حالة الشابات، وكذلك فرض هذه المؤسسة الشروط على ما يؤكل وما لا يؤكل، وما هو طاهر أو غير طاهر وكذلك فرض الكثير من الممنوعات يوم السبت. وما يزعج العلمانيين أن المتدينين يحصلون على أموال كثيرة لصرفها على مؤسساتهم الدينية ويرون في ذلك اجحافاً بحقهم. وبسبب ذلك أصبحت هناك مظاهر من الاستقطاب بين المجموعتين ومن هذه المظاهر إنشاء مدارس خاصة بالمتدينين لا يدخلها طلاب من أبناء العلمانيين، بل ومثلها كليات وجامعات (جامعة بار إيلان مثلاً).
ومن هذه المظاهر إنشاء مستوطنات خاصة لكل مجموعة من المجموعتين بل إنشاء مدن كاملة بالمتدينين مثل مدينة “بني برق” التي يزيد عدد نفوسها على مئة ألف شخص من المتدينين وكذلك مدينة “إلداد” “وكريات سفر” “وبيطار عيليت” وكذلك مدينة خبد. وغني عن القول ظهور أحزاب دينية وعلمانية تعكس هذا الإستقطاب حتى أن بعض الأحزاب أنشأت على أساس محاربة المتدينين. وقد أنشئت مؤسسات كثيرة لرأب هذا الصدع الآخذ في الإتساع ولكن هذه المؤسسات لم تحقق نجاحاً يذكر بل إن بعض مسؤوليها تركها وتخلى عن العمل بسبب اليأس وفقدان الأمل. وبسبب اتساع الهوة بين المجموعتين أرتفعت أصوات منهما تنادي بالإنفصال وقال أحد الحاخامين في مقالة له في صحيفة «يدعوت أحرونوت» مخاطباً العلمانيين: «إننا من غير الممكن أن نقبل عقيدتكم كما أن مثلنا المقدسة ليست مثلكم وأولوياتنا مناقضة لاولوياتكم واهدافنا في الحياة مختلفة تماماً عن أهدافكم لذلك فبدل الصراع والمعارك يكون من الأفضل أن ننفصل عن بعضنا ويذهب كل منا في طريقه».
 
> تشير في بعض مقالاتك إلى فرقة يهودية تسمى اليهودية البشرية ما هي هذه الفرقة؟
– اليهودية البشرية هي إحدى الفرق اليهودية الحديثة التي ظهرت في الولايات المتحدة الأميركية في السيتنيات من القرن العشرين وحسب إطلاعي ليست هناك أدبيات عنها في اللغة العربية. وعند تأسيسها أصدرت بياناً عن معتقداتها وأهم ما جاء فيه هو أن اليهودية ليست ديناً موحي به وإنما اليهود كبشر هم الذين أوجدوها ولذلك أسميتها أنا بالبشرية ترجمة لكلمة Huministic.
وهؤلاء يرون بأن تاريخ اليهود هو قصة إنسانية ولا دخل للرب فيها ويرون أن اليهودية لا تشمل التشريعات وحسب، بل تشمل العادات والتقاليد والفن والأدب وغيرها، ولذلك فاليهودية ليست ثابتة وإنما هي تتطور بتطور الزمن. ومن القضايا التي يختلفون فيها عن بقية اليهود هو أنهم ينكرون وجود إبراهيم واسحق ويعقوب كشخصيات تاريخية. وغنى عن القول بأنهم لا يعتبرون التوراة موحى بها وهي في رأيهم قد جمعت من مصادر مختلفة ولم يكتبها موسى وإنما كتبت في القرن السادس قبل الميلاد أو بعده. وهم ينتقدونها ويعتبرون قصصها متناقضة ومثيرة للإرتباك والتشويش ويرون فيها وثيقة معادية للمرأة بل وتتسم بالعنصرية لأنها تعتبر اليهود شعباً مختاراً متميزاً ومفضلاً على غيره ولأنها تعطي لليهود حقوقاً خاصة بهم دون غيرهم لأنهم أبناء يهوه المفضلون. كما أن الناس الآخرين ليس لهم دور، ويقولون أتباع هذه الفرقة إن ثلثي التوراة هي وثيقة محرجة فهي تشجع على إهانة اليهود المعاصرين.
وهم لا يعتقدون بما جاء في التلمود ويعتبرون ما فيه خرافات لا علاقة له بالدين، ويرفضون الإلتزام بشروط السبت ويعتبرونه رمزاً للروابط الإنسانية فقط، ويعتقدون بأن المناسبات الدينية اليهودية قد طورها البشر وتأثرت بثقافتهم وهي يمكن أن تفسر بشكل طبيعي وليس على أساس ديني.
أما بالنسبة إلى إسرائيل فهم ينتقدونها ويعتبرونها دولة ذات قوميتين يهودية وعربية وليست دولة يهودية وإن العرب فيها لا يعاملون مواطنين متساوين مع السكان اليهود ويطالبون إسرائيل أن تمنحهم حقوقاً متساوية وبأسرع ما يمكن.
 
> هل كانت هناك محاولات لإنشاء موطن قومي لليهود في فلسطين قبل الحركة الصهيونية المعروفة؟
– لم تكن دعوة هرتزل لإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين هي الأولى بل كانت هناك دعوات قبلها مثل دعوة الحاخام زفي كليشر (1874) ودعوة الحاخام يهوذا القلعي (1878). ولكن هذه الدعوات بقيت نظرية دون تحقيق خطوات عملية. ولكن ما قام به الثري اليهودي يوسف ناسي في القرن السادس عشر أعتبر أول محاولة صهيونية عملية قبل الحركة الصهيونية التي أنشأها ثيودور هرتزل في نهاية القرن التاسع عشر.
وكان هذا الثري من أصل برتغالي ألتجأ إلى حاضرة الدولة العثمانية وأصبح من المقربين إلى السلطان سليمان القانوني وابنه سليم وطلب من السلطان أن يسمح له بإقامة مستوطنات في مدينة طبرية وما حولها، ووافق السلطان على ذلك وأصدر قراراً العام 1561 نص على تخصيص مدينة طبرية وسبع قرى حولها للمشروع ولم يكن السلطان يقصد من الموافقة على المشروع أن يكون لليهود دولة في فلسطين ولكن يوسف ناسي كان يهدف من ذلك إلى جمع اليهود في هذه المنطقة كحل للمشكلة اليهودية بعد طردهم من أسبانيا في العام 1492 ومن البرتغال فيما بعد.
وبدأ يوسف ناسي بإقامة مشاريع للمنسوجات الصوفية والحريرية ودعا اليهود من أسبانياً وإيطاليا والبرتغال وغيرها للقدوم إلى طبرية للمشاركة في المشروع، وأخذ ينقلهم بسفنه التي كان يملكها وأنشأ وكالة سرية لهذا الغرض، وقام أيضاً بجلب المواد الأولية لهاتين الصناعتين حيث أستورد كمية من الصوف من أسبانيا وجلب كمية من أشجار التوت لزراعتها ولتربية دودة القز وانتاج الحرير، وبنى لطبرية سوراً طوله ألف وخمسمئة متر.
وتوافد اليهود على المنطقة وأثار هذا إنتباه السكان فذكر أحد المؤرخين بأن كثيراً من اليهود قد ذهبوا في تلك السنة إلى الشرق، وفي أثناء سفرهم هاجمهم فرسان مالطة وغرق بعضهم في البحر وأخذ البعض الآخر أسرى وكان يوسف ناسي يدفع فدية هؤلاء ويفك أسرهم.
كما أثار المشروع شكوك بعض الدول الغربية حتى أن سفير فرنسا لدى الباب العالي كتب رسالة إلى حكومته يلفت نظرها إلى ما يقوم به يوسف ناسي، وقد جاء في رسالته المؤرخة في أيلول – سبتمبر – 1563: «إن يوسف ناسي قد حصل على فرمان من الباب العالي وقعه كل من سليم ومراد أبني السلطان لبناء مدينة على بحيرة طبرية ليسكنها اليهود فقط. وهو بهذا يريد أن يحقق هدفه فيبدأ من هذا ليجعل نفسه ملكاً على اليهود، لذلك يطالب فرنسا بأمواله». وكان يوسف ناسي قد أقرض فرنسا وبولندا بعض الأموال.
كما أثار المشروع شكوك الفلسطينيين ومخاوفهم وكتبوا شكوى إلى الباب العالي، جاء فيها: «إن الغرض من هذا المشروع هو جعل طبرية مملوءة بالأفاعي الخبيثة، التي هي أكثر خبثاً من تلك التي تسكن الخرائب» ولكن الشكوى لم تغير من رأي السلطان، وأثناء ما كان العمل مستمراً حرض شيوخ المنطقة العمال على الإضراب فأضربوا عن العمل فعاقبتهم الحكومة واعتقلت شيوخهم بل ذكر أن أثنين من هؤلاء أعدما. فرجع العمال إلى العمل واكمل المشروع، ولكن سكان فلسطين أخذوا يهاجمون سكان المشروع ويخيفونهم وظلوا يقومون بذلك سنوات حتى أضطر بعضهم إلى ترك المدينة وعقد اليهود صلحاً مع السكان العرب، ولكن الصلح لم يدم طويلاً واخذ المشروع يتدهور بسبب الهجرة إلى خارج طبرية وتوقف هجرتهم إليها حتى أنتهى أمره إلى الفشل في بداية القرن السابع عشر.
 
> ما هي قصة الأطفال اليمنيين الذين فقدوا بعد تهجير أهلهم إلى إسرائيل؟
– من المشاكل التي ما زالت عالقة منذ نشوء إسرائيل والتي لا يعرف عنها الناس كثيراً والتي لم تجد لها حلاً إلى اليوم، هي مشكلة أطفال اليمنيين اليهود الذين أختفوا بعد هجرتهم إلى إسرائيل في نهاية الأربعينات وبداية الخمسينات من القرن الماضي. وهذه القضية ما زالت تثير غضب اليهود الشرقيين بصورةعامة إلى اليوم.
وكان المهاجرون اليمنيون قد أسكنوا في بداية هجرتهم فيما يسمى بمدن الانتقال «معبروت» وقد ظلوا فيها حتى العام 1953 أو بعده بقليل، وكانت شكاوى هؤلاء حول اختفاء بعض أولادهم في هذه المدن في البداية فردية ولكنها أصبحت قضية عامة بين الأعوام 1966-1968 عندما تسلمت هذه العوائل شعارات بضرورة إلتحاق أبنائها بالجيش على الرغم من أنهم كانوا قد أخبروا أن أولادهم قد ماتوا.
وأخذوا اليمنيون يكتبون عن هذا الموضوع ويطالبون بالكشف عن مصير هؤلاء الأولاد. وكان من أوائل المقالات التي نشرت حول هذا الموضوع وتضمنت بعض التفاصيل، مقالة نشرتها صحيفة «أفيقيم» التي كان يشرف عليها يهود اليمن وكانت المقالة بعنوان: “إنتهاك حقوق الإنسان في إسرائيل”، وقد جاء في بعضها: «لقد مرت سبع عشرة سنة منذ الشكوى الأولى حول إختفاء أطفال يمنيين، وقد جمعت إلى الآن بعض الحقائق التي تعطي صورة مرعبة لما حدث.. والغالبية العظمى من هؤلاء كانوا أطفالاً رضعاً وقلة منهم بين خمس وست سنين من العمر وبعض هؤلاء كانوا من الأطفال الوحيدين لوالديهم والبعض منهم أختفى مع أخ أو أخت.. وإن هناك أدلة موثقة تشير إلى أن بعض الزعماء والمسؤولين وكذلك بعض المؤسسات والمنظمات كانوا على علمٍ بما حدث..».
ونشر الحاخام مناهم شنيرسن زعيم الحسيديم اللوبافتش كتاباً في ثمانينيات القرن الماضي أكد فيه اختطاف مئات الأطفال وطالب بإرجاعهم. وتختلف التقديرات حول عدد الأطفال المفقودين فبعضهم يرى أنهم بالمئات وآخرون يعتقدون أن عددهم يصل إلى الآلاف. وفي العام 1994 أعتصم حاخام مع أربعين من أتباعه في مدينة «يهود» قرب تل أبيب لفترة شهر مطالباً بالتحقيق، وحصل إطلاق نار بين هذه المجموعة والشرطة وقتل شخص واعتقل الحاخام وسجن مع مجموعة من أتباعه. وقال هذا الحاخام يومها إن هناك آلافاً من الأطفال اليمنيين الذين أختطفوا واعطوا إلى عائلات إشكنازية.
وفي التسعينيات أعترف الحاخام بوروش عضو الكنيست ورئيس أغودات إسرائيل بالوكالة في حينها بالإختطاف، وقال أنه يعرف مسؤولين أحياء شاركوا في هذه العملية وما زالت هذه القضية عالقة قابلة للتسبب باضطرابات ضد الحكومة الإسرائيلية.
 
> ما هي أسطورة القبائل الضائعة والبحث عنها؟
– تعتمد المخيلة اليهودية في البحث عما يسمى بالقبائل الضائعة على ما ورد في التوراة من نصوص ترتبط بتهجير هذه القبائل من السامرة (مملكة الشمال) وتشتيتها في أماكن مختلفة من الإمبراطورية الاشورية. وورد ذكر هذه الحادثة أكثر من مرة في التوراة. منها ما جاء في سفر الملوك 17/5 بالنص التالي: «وصعد ملك أشور على تلك الأرض كلها وصعد إلى السامرة وحاصرها ثلاث سنوات.. وفي السنة التاسعة لهوشع أستولى ملك أشور على السامرة وجلا إسرائيل إلى أشور واسكنهم في حلاح وعلى الخابور ونهر جوزان وفي مدن ميديا» وقد وردت عبارة مهمة في سفر الأخبار وهي «وهم هناك إلى هذا اليوم».
وكان وقوع هذا الحدث تاريخياً في الربع الأخير من القرن الثامن قبل الميلاد. وطبقاً لما ورد في التوراة فإن عشرة قبائل سكنت مملكة الشمال، ومع أن هذه القبائل المهجرة كانت قد  أندمجت مع الشعوب الأخرى ولم تبق معزولة أو متميزة، لكن اليهود أخذوا يتحدثون على مدى العصور عن هذه القبائل وأنهم « هناك إلى هذا اليوم». وطبقاً لما تذكره دائرة المعارف اليهودية «إنه لم يبق شعب من الشعوب إلا، واعتقد في أنه من هذه القبائل الضائعة وأنها تعيش بينه. من اليابانيين والانجليز والهنود الحمر إلى الأفغان. ولم تبق منطقة إلا واقترحت لسكن هذه القبائل في أفريقيا والهند والولايات المتحدة والصين وبلاد فارس والقفقاز» ومنذ وقت مبكر تحدث اليهود عن هذه القبائل وقد ذكرها المؤرخ اليهودي جوزيفوسن (عاش في القرن الأول الميلادي).
وذكر هذه القبائل ووجودها الرحالة اليهودي بنيامين التطيلي (القرن الثاني عشر الميلادي) في رحلته المشهورة وأعطى وصفاً مفصلاً عن وجودها وعن المدن التي تسكن فيها في جزيرة العرب، وكذلك تحدث عن الملوك الذين يحكمونها، كما ذكر أيضاً أن بعض هذه القبائل تعيش في منطقة ما من بلاد فارس. كما أن المغامر اليهودي داوود الراؤوبين (من القرن السادس عشر) الذي ظهر في أوروبا أيضاً تحدث عن هذه القبائل وقال إن أخاه يوسف يحكم بعض هذه القبائل وأن له جيشاً من ثلاثمائة ألف مقاتل، كما أنه قابل البابا كليمنت السابع عشر وعرض عليه حلفاً مع الدول المسيحية لأخراج المسلمين من فلسطين وصدقه البابا واعطاه بعض الرسائل إلى ملك أسبانيا واثيوبيا ولكن الراؤوبين أختفى فجأة في أسبانيا.
كما أدعى الرحالة اليهودي مونتزنيوس (من القرن السابع عشر) أنه رأى بعض هذه القبائل التي تتكلم شيئاً من العبرية في أميركا اللاتينية ثم أخذ الرحالة الغربيون والمستشرقون يتحدثون عن هذا الموضوع وعن وجود هذه القبائل في الهند وفي أفغانستان وغيرها من الدول، وكذلك سكان الولايات المتحدة الأصليين.
وتحدث المكتشف الاسكتلندي جيمس بروس الذي ذهب لاكتشاف منابع النيل (في القرن الثامن العشر) عن يهود ألتقى بهم في أثيوبيا وعرف هؤلاء اليهود فيما بعد بالفلاشا الذين نقلوا إلى إسرائيل في القرن العشرين. واليوم يتحدث بعض اليابانيين عن أن أصلهم يعود إلى القبائل الضائعة وكتبوا كتباً عن ذلك، وكذلك يتحدث بعض الأفارقة في كينيا وأوغندا ورواندا وجنوب أفريقيا على أنهم من القبائل الضائعة وكذلك في الهند وأميركا اللاتينية.
 
> هل هناك منظمات يهودية تحاول تهويد قبائل مسلمة كما ذكرت في أحدى مقالاتك؟
– نعم هناك محاولات جادة ومستمرة في هذا الإتجاه منذ أكثر من عشرين سنة، ويتركز نشاط هذه القبائل على قبائل على الحدود الأفغانية الباكستانية بخاصة قبيلة البتان التي يصل عدد أفرادها إلى ما يقارب من خمسة عشر مليوناً.
منذ القرن التاسع عشر وربما قبله أخذ الحديث يكثر عن وجود بعض القبائل الضائعة في أفغانستان وأخذ بعض المبشرين من الذين زاروا هذه المناطق يذكر بعض التقاليد عند هؤلاء،  والتي اقالوا إنها مشابهة لما عند اليهود. وقال هؤلاء إن هذه القبائل هي من القبائل التي هجرها الآشوريون وانها عند دخول الإسلام إلى هذه المنطقة أعتنقت الإسلام، واخذ المبشرون وغيرهم يذكرون بعض التفصيلات عن الطقوس والشعائر لدى هؤلاء، التي قالوا عنها أنها من أصل يهودي بل حتى قالوا إن شكلهم يشبه الشكل اليهودي. ثم جعل اليهود لهؤلاء ذكراً في التوراة وقالوا بأن شخصاً إسمه «أفغانه» ذكر في التوراة على أنه حفيد لملك بني إسرائيل الأول «شاؤول» (ليس في التوراة ذكر لأفغانه كما ذكروا) واعتمد هذا الرأي اسحق بن زفي الرئيس الأسبق لإسرائيل في كتابه عن الأقليات اليهودية. ثم أخذ الحديث يؤكد على الأصل اليهودي لقبيلة البتان وأنهم هم أنفسهم يعتقدون بهذا الأصل وأصبح هذا وكأنه حقيقة مفروغ منها.
فالباحث المعاصر ثيودور بارفت يقول: «هناك اعتقاد على نطاق واسع بأن البتان الذين يعيشون في الشمال الغربي من باكستان والجنوب الشرقي من أفغانستان هم من أصول يهودية.. وانهم ينظرون إلى أنفسهم على أنهم متفوقون على القبائل الأخرى.. وان أحد أسباب ذلك هو أعتقادهم أنهم يندحرون من أصول يهودية وانهم يتحدثون باعتزاز أنهم يرجعون في أصلهم إلى إسحق وابراهيم».
وتقوم منظمات يهودية منذ ثمانينيات القرن الماضي بنشاط بين هذه القبائل، ومن هذه المنظمات منظمة «عامي شاب» التي تغير أسمها اليوم إلى «شابي إسرائيل» (العائدون إلى إسرائيل) وقد طلبت هذه المنظمات من دبلوماسي أفغاني يعيش في الغرب أن يترجم أصول الديانة اليهودية وطقوسها إلى البشتو اللغة التي يتكلمها هؤلاء. وكانت هذه المنظمة قد نشطت في تحويل بعض القبائل التي تعيش على الحدود الهندية البورمية (مينامار) إلى اليهودية، وقد نقل المئات من هؤلاء إلى إسرائيل وآخر مجموعة نقلت من هؤلاء كانت في نهاية العام 2006.
ومن المنظمات الأخرى التي تعمل في هذا المجال منظمة «كلاّنو» (كلنا) وهي منظمة تختص بتحويل ما يسمى بالقبائل الضائعة إلى اليهودية وتنقلهم إلى إسرائيل وهذه المنظمات تتحدث عن قبائل البتان بتعاطف، ويقول رئيسها إننا نريد أن نرجع هؤلاء إلى ديانتهم ونعوض عن إهمالنا لهم.. إنهم يحتاجون إلى مساعدتنا بوجه العداء للسامية ضدهم. وهذا النشاط كما هو واضح هو جزء من المشروع الصهيوني وهذا التخطيط البعيد المدى يلقى الكثير من ظلال الشك على ما تخطط له إسرائيل نحو الفلسطينيين.
 
 
> هل هناك بعض الفرق اليابانية التي تعتقد بأن أصلها يهودي؟
– نعم هناك مجموعة من اليابانيين من رجال دين ومثقفين وغيرهم ممن يعتقدون أن أصلهم يعود إلى بني إسرائيل القدماء ويعتقدون بأن بعض هؤلاء قد وصلوا اليابان بعد فترة تهديم المعبد اليهودي عام 70 ميلادية. ويبدو لي أن هؤلاء قد تأثروا بما جاء في كتاب نورمان ماكلويد وهو مبشر ذهب إلى اليابان في القرن التاسع عشر وبقي فيها لفترة، وكتب كتابا عن اليابان تطرق فيه إلى هذا الموضوع، وأخذ هؤلاء يبحثون عما يسمونه عن أدلة عن وجود بني إسرائيل القدماء في اليابان وهم قد أصطنعوا بعض الأدلة ليثبتوا لليابانيين أنهم من هذا الأصل.
وقد أقترن هذا الأمر بتحول بعض اليابانيين إلى إعتناق المسيحية الصهيونية التي جلبوها إلى اليابان من الولايات المتحدة الأميركية بعد دراستهم فيها حيث أثر هؤلاء على بعض رجال الدين المسيحيين الذين أثروا بدورهم على أتباعهم. وكان من هؤلاء الذين تأثروا رجل دين اسمه(أبراهام) ايكورو تشيما وقد أسس منتصف القرن العشرين فرقة وسمّاها «مكويا»، يبلغ عدد أتباعها ما يقرب من مئة ألف ومؤسسها واتباعها يؤمنون بالصهيونية إيماناً عميقاً وهم يذهبون لزيارة إسرائيل في كل سنة ويحتفلون بنشوئها ويتبرعون لها بالأموال وهم يستعملون نجمة داود ويضعون المنواره (الشمعدان) شعار دولة إسرائيل في كنائسهم، كما يستعملون اللغة العبرية في بعض صلواتهم.
 
> هل هناك جماعات يهودية ترفض المشروع الصهيوني؟
– هناك أكثر من مجموعة يهودية تعارض الصهيونية وانشاء دولة إسرائيل، ولكن أهم هذه الجماعات هي جماعة نطوري قارتا (نواطير القرية – المدينة) وهي عبارة أرامية تترجم عادة بحراس المدينة والمقصود بالمدينة هنا هي مدينة القدس. والمجموعة الاخرى هي مجموعة حسيدية (من اليهود الحسيديم) أسمها «الستمار» ويبلغ عدد الستمار الحسيديم عشرات الآلاف بينما لا يتجاوز عدد أعضاء نطوري قارتا بضعة آلاف. وهناك مجموعات أخرى صغيرة.
وهذا الجماعات تنطلق في نقدها للدولة من منطلق ديني وليس من منطلق سياسي وهي تعتقد أن المشروع الصهيوني وانشاء الدولة فيما بعد يخالفان معتقداً دينياً وهو أن الدولة اليهودية لا يمكن أن ينشئها إلا المسيح المخلص اليهودي وعلى اليهود أن ينتظرو قدومه، وكل دولة يهودية تقوم على غير هذا الأساس وسابقة لدولة المسيح هي دولة غير شرعية ولا تمثل اليهود. وهؤلاء يتمنون زوال الدولة وهم اليوم يعتبرونها دولة كبقية الدول الأخرى التي يعيش فيها اليهود، وعندما أُعلِنت الدولة قامت نطوري قارتا بنشاط واسع ضدها وهي ما زالت مستمرة في هذا النشاط، والكثير من هؤلاء لا يتكلمون العبرية لأنهم يعتبرونها لغة مقدسة بل يتكلمون «اليديش» (وهي خليط من الألمانية القديمة والعبرية وبعض السلافية)، كما أنهم لا يستعملون جوازاتها ويقومون بتظاهرات أمام القنصليات الإسرائيلية أحياناً، ويرفعون لافتات مكتوب عليها «يهودية لا صهيونية» كما أنهم يشتركون في التظاهرات العربية والفلسطينية ضد إسرائيل . وللمزيد من ذلك يراجع كتابنا «اليهود الحسيديم».
 
> ما هي المصادر التي ترجع إليها عادة في دراساتك؟
– أنا أعتمد عادة في كتاباتي ودراساتي عن اليهود واليهودية والقضايا الإسرائيلية على المصادر اليهودية كالتوراة والتلمود والزُهر وغيرها بلغاتها الأصلية لأنني أعرف العبرية التي كتبت بها التوراة والارامية التي كتب بها بعض التلمود، وكذلك أرجع إلى المصادر اليهودية الأخرى التي كتبها اليهود بلغات أخرى مثل الانجليزية.
وغالباً ما لا أستعمل مصادر عربية ترتبط بقضايا يهودية حتى لا أتهم بالتحيز، خاصة إذا كان هناك جانب نقدي في الموضوع، بل إنني في الواقع أعتمد على المصادر اليهودية في مثل هذه الحالات كي تكون الحجة أقوى في النقد والنقاش وكي لا أعطي مجالاً للإتهام بالتحيز، ولذلك ليس هناك ضرورة للرجوع إلى المصادر العربية. واستعمال المصادر اليهودية هي ظاهرة واضحة في كتاباتي.
 
> ما هي العلاقة بين المذهب الارثودكسي والمذاهب الأخرى في إسرائيل؟
– كانت دولة إسرائيل عند نشوئها قد جعلت اليهود الارثودكس مسؤولين عن تحديد هوية الشخص فيما إذا كان يهودياً أو غير يهودي. وهم يقومون بذلك عن طريق مؤسسة أنشأتها الحكومة باسم رئاسة الحاخامية التي ذكرناها. ولما كان المذهب الارثودكسي يعتبر أتباعه هم اليهود الحقيقيون فإن أتباع المذهب الإصلاحي واتباع اليهودية المحافظة واليهود اليسوعيون وغير هؤلاء لا يعترف بهم يهودا. وكذلك لا تعترف هذه المؤسسة بأتباع فرقة اليهود القرائين – وهي الفرقة التي مرّ على ظهورها أكثر من ألف سنة – وتصدر مؤسسة رئاسة الحاخامية فتاوى بين فترة وأخرى في تكفير هؤلاء وتوصفيهم بأنهم خارجون عن اليهودية.
ويسود المجتمع الديني الإسرائيلي اليوم حالة من التوتر بسبب ذلك ويبدو أن هذا التوتر سيزداد بمرور الزمن بسبب هجرة أتباع المذاهب الأخرى إلى إسرائيل على الرغم من عدم أعتراف رئاسة الحاخامية بهم.
 
> ما هي علاقة يهود الشتات بإسرائيل؟
– تهتم إسرائيل اهتماماً كبيراً بالشتات وتعتبره العمق الخارجي لها، ولذلك يوجد اليوم وزير خاص به في وزارة ايهود أولمرت، والشتات يمد إسرائيل بأهم عنصر لقوتها وهم المهاجرون إضافة إلى المساعدات المادية والمعنوية والسياسية، وهناك منظمات كثيرة أنشئت في الشتات لدعم إسرائيل والدفاع عنها وأهم هذه منظمة أيباك في الولايات المتحدة الأميركية.
وكانت الجماعات اليهودية في الشتات إلى وقت قريب تؤيد سياسة إسرائيل دون مناقشة خاصة نحو الفلسطينيين ولكن في السنوات القليلة الماضية أصبح هناك تحول ملحوظ في موقف الجاليات اليهودية نحو سياسة إسرائيل تجاه الفلسطينيين واكثر ما يظهر هذا التحول في المملكة المتحدة وفرنسا وجنوب أفريقيا. وكان بعض اليهود في بريطانيا هم الذين بدأوا ذلك وأول من نادى بالمقاطعة البريطانية إحتجاجاً على سياسة إسرائيل نحو الفلسطينيين وقد قام هؤلاء بإنشاء بعض الجمعيات المستقلة من أجل هذا الغرض. وهذا يعني أن التأييد غير المشروط الذي كانت تتلقاه إسرائيل من يهود الشتات أخذ يتصدع، والصدع وإن كان قليلاً اليوم ولكنه قد يتسع في المستقبل.
 
 
> هل ما زالت إسرائيل قادرة على جلب المهاجرين؟
– الهجرة اليهودية المنظمة إلى فلسطين بدأت حتى قبل ظهور الحركة الصهيونية في نهاية القرن التاسع عشر، وقد أزدادت هذه الهجرة بعد ظهور الحركة الصهيونية واصبحت أكثر أزدياداً بعد نشوء دولة إسرائيل العام 1948 وما زالت مستمرة إلى اليوم، ولكن عدد المهاجرين يزداد ويقل حسب الظروف التي تمر بها إسرائيل.
فقد أنخفض عدد هؤلاء خلال الانتفاضتين الفلسطينيتين الأولى والثانية ولكنها رجعت بعد ذلك إلى معدلها المعتاد في السنين السابقة فهو في حدود العشرين ألف مهاجر في السنة. ولكن عدد المهاجرين أخذ يقل من ثلاث سنوات وقد أصبحت نسبة المهاجرين في العام 2006 أقل نسبة خلال الثماني عشرة سنة الماضية. وقد أقلق هذا المسؤولين في إسرائيل وقاموا بمحاولات عدة حتى لا ينخفض العدد إلى أقل من ذلك. فقد قاموا بإرسال مسؤولين كبار – عدا المندوبين الذين يرسلونهم كل سنة والذين يسمون”شلحيم” – إلى بعض الدول ومنهم رئيس الوكالة اليهودية التي من مهمتها الأولى جلب المهاجرين إلى إسرائيل.
ولكن الذي يبدو أن معدل الهجرة إلى إسرائيل سينخفض في السنوات المقبلة، ولذلك أسباب منها أن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني مستمر ولا أمل بظهور حل في المستقبل القريب، كذلك تحسن الوضع الإقتصادي في الدول التي كان يهاجر منها اليهود مثل دول الاتحاد السوفياتي، ولذلك تبحث إسرائيل اليوم عن مصادر أخرى للمهاجرين حتى وإن كان هؤلاء ليسوا يهوداً على ادعاء أنهم يعودون إلى أصول يهودية.
 
 
 
مقابلة الدكتور جعفر هادي حسن مع مجلة المشاهد السياسي في عدد27 يناير/كانون الثاني 2008 
في كتابه حول «القبائل اليهودية الضائعة» لـ«المشاهد السياسي»: فبركة التاريخ والأنساب
 
لندن ـ «المشاهد السياسي»
«القبائل اليهودية العشر الضائعة ـ الأسطورة والتاريخ» هو العنوان الأول الذي وضعه الباحث في الإسرائيليات واليهوديات د. جعفر هادي حسن، ويأتي هذا الكتاب بعد ثلاثة مؤلّفات مركّزة وضعها الباحث العراقي المختص بحقل دراسة اليهوديات، أنساباً وفرقاً وقضايا وموضوعات، هي: «فرقة الدونمه بين اليهودية والإسلام» ـ ١٩٨٨، «فرقة القرّآئين اليهود» ـ ١٩٨٩، «اليهود الحسيديم ـ نشأتهم، تاريخهم، عقائدهم، تقاليدهم» ـ ١٩٩٤.
وقد شكّلت هذه المؤلّفات مراجع أساسية للقرّاء والباحثين على حدّ سواء. في كتابه الجديد يواصل الباحث نشاطه الريادي في الكشف عن ظواهر مجهولة بالنسبة للقرّاء العرب على الأقلّ، الذين لم يتح لهم التواصل مع المراجع العبريّة والإنكليزية المتعلقة بالفرق والجماعات اليهودية حول العالم.
هنا في هذا الحوار المركّز يكشف الباحث لأول مرة عن طبيعة بحثه في الشبكة التاريخية واللاتاريخية المعقّدة، التي شكّلت الخلفية لمحاولات العثور على ما يسمّى بـ«القبائل اليهودية الضائعة» في العالم، والتي ادّعى بعض الرحّالة الأوروبيين واليهود أنهم عثروا على بعضها منذ النصف الأول من القرن التاسع عشر.
ولعلّ الموضوعية التي يتحلّى بها الباحث مصدرها ذلك الاعتماد شبه الكلّي على المصادر اليهودية والإسرائيلية نفسها في استقراء الظواهر، وصولاً إلى تفكيك الرواية، بل الروايات اليهودية عن هذه القبائل الضائعة المزعومة.
سألت د. جعفر هادي حسن:
 
> قبل فترة، قادتك أبحاثك ودراساتك إلى وجود فرقة يابانية ذات توجّهات ثقافيّة إسرائيلية.. حدّثنا حول ذلك، فنحن لم يسبق لنا، أو على الأقلّ لم يسبق لأكثرية الناس أن عرفوا شيئاً عن ذلك في اليابان؟
< عندك حق، فالكثير من الناس لا يعرفون أن الفكر المسيحي الصهيوني قد دخل اليابان كما دخل دولاً أخرى. وكان دخوله إليها، على ما يبدو، عن طريق بعض اليابانيين الذين ذهبوا إلى الولايات المتحدة الأميركية للدراسة فيها، مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. ولكن تأثر هؤلاء لم يكن بالفكر الصهيوني اليهودي مباشرة، وإنما كان تأثّرهم بالمسيحية الصهيونية التي كانت قد بدأت بالانتشار في الولايات المتحدة في هذه الفترة. وفكر المسيحية الصهيونية هذا يعتمد كما هو معروف على تأويلات حرفية لنصوص الكتاب المقدّس. وكان هؤلاء اليابانيون الذين درسوا هناك قد اعتنقوا هذا الفكر وجلبوه معهم عند رجوعهم إلى بلدهم، وأخذوا يعملون على نشره بين المسيحيين في اليابان، وقد وجد قبولاً عند بعض الفرق المسيحية التي أخذت تظهر في هذا البلد منذ بداية القرن العشرين. وكان من هذه الفرق فرقة معروفة بين اليابانيين هي فرقة «مكويا» التي تأثّرت بهذا الفكر كثيراً، حتى أصبحت إسرائيل قبلة لأتباعها يتبرّكون بها ويحتفلون بذكرى إنشائها ولا يتخلّفون عن زيارتها، وهم يعتبرونها أعظم معجزة ظهرت في القرن العشرين. وهذه الفرقة هي اليوم من أكثر الفرق المسيحية نشاطاً وأوسعها شهرة في اليابان.     > من أنشأ فرقة «مكويا» ومتى ظهرت على وجه التحديد؟
< الغريب أن فرقة «مكويا» ظهرت في منتصف القرن الماضي، وتحديداً في العام ١٩٤٨، يعني في عام النكبة الفلسطينية، وقد أنشأها ياباني يدعى «أبراهام» إيكورو تشيما توفّي في العام ١٩٧٣. ولا يعرف الشيء الكثير عن حياة الرجل، سوى أنه كان تاجراً مسيحياً متديّناً انضمّ إلى حركة مسيحية جديدة تسمّى «بدون كنيسة»، كان قد أنشأها كانزو أوشيمورا المتوفّى في العام ١٩٣٠. وكانت تدعو إلى مسيحية ليس للكنائس دور فيها. وأصبح من الداعين إليها والناشطين فيها، كما أصبح من المتأثّرين بأفكار كانزو عن طريق أحد تلامذته المعروفين. وكان كانزو قد درس في الولايات المتحدة الأميركية وتأثّر هناك بالفكر المسيحي الصهيوني، وكتب عنه في بعض كتبه التي يصل عددها إلى الثلاثين، وأحد هذه الكتب كتاب عن نبوءات الكتاب المقدّس وإنشاء دولة لليهود في فلسطين. كما أشاد بهرتزل وبالحركة الصهيونية التي أنشأها، وامتدح وعد بلفور واعتبره تمهيداً لظهور دولة المسيح، كما كان يؤكد دائماً أن الرب إلى جانب اليهود. ويستعمل أعضاء الفرقة «المنوراه» اليهودية ـ وهي شعار دولة إسرائيل ويضعونها في مكان بارز أثناء أداء طقوسهم، ويستعملونها بدلاً من الصليب الذي لا يستعملونه. كذلك هم يحتفلون بما يسمّى عند اليهود «سمحت توراه» (سعادة التوراة) ولكنهم يسمّونه «سمحت مكويا». وهم يعتبرون يوم السبت يوم راحة ويشعلون الشموع في ليلته كما يفعل اليهود. كما أنهم يستعملون كتاب الصلاة اليهودي في صلواتهم ويطبّقون نوعاً من الكشروت (الطاهر والحلال طبقاً للشريعة اليهودية) ويتعلّمون العبرية أيضاً. كما أنهم يتّخذون لأنفسهم أسماء عبرية إضافة إلى أسمائهم الأصلية، واتّخذ مؤسّس الفرقة الإسم أبراهام.   شالوم إسرائيل > هل لهذه الفرقة علاقة مباشرة أو خاصة بدولة إسرائيل، أم أن المسألة فكريّة وحسب، وليس هناك أي دعم أو تنسيق أو تواصل بين الفرقة اليابانية واليهودية الرسمية في إسرائيل؟
< هذا سؤال مهم، والجواب عنه.. بنعم، هناك دعم متبادل بين الجهتين. والواقع أن إيكورو تشيما كان قد زار إسرائيل مرّات عدة، وزيارته الأولى جاءت في العام ١٩٦١ ثم ساق مجموعة من أتباعه وسكن إحدى المستعمرات الإسرائيلية لفترة من الزمن. كما ترسل الفرقة وفداً كبيراً كل سنة بمناسبة الاحتفال بإنشائها. والغريب أنه عندما يكون هؤلاء في إسرائيل فإنهم يلبسون اللونين الأبيض والأزرق (لوني علم إسرائيل)، ويرسمون عليها نجمة داود أو «المنوراه» أو كليهما معاً، ويطوفون شوارع القدس حاملين العلم الياباني. وبعض هؤلاء عاش لفترة طويلة في المستعمرات الإسرائيلية لتعلّم التقاليد اليهودية واللغة العبريّة وفنون الزراعة. وألّف بعضهم كتباً عن هذه المستوطنات أشهرها كتاب «شالوم إسرائيل» ألّفته واحدة من هؤلاء في العام ١٩٦٥، وأصبح في حينه من أكثر الكتب مبيعاً في إسرائيل.   تهويد اليابانيين > أريد أن أسال سؤالاً أكثر تركيزاً، وهو هل يلقى هؤلاء رعاية مباشرة من الأطراف الرسمية الإسرائيلية، أم أنهم يستقبلون من الجمعيات الاستيطانية الإسرائيلية، والهستدروت والأوساط الأكاديمية من غلاة الباحثين في التوراة؟
< أنا لا أفرّق بين هذه الأطراف مجتمعة أو متفرّقة، فهي كل متكامل، ومع ذلك دعني أقول إن الرعاية الرسمية أكيدة، فمؤسّس الفرقة قابل في إحدى زياراته إلى إسرائيل رئيس دولتها الأسبق زلمان شازار، وعرض عليه أفكاره حول العلاقة المفترضة بين بني إسرائيل القدماء واليابانيين ونسبتهم إليهم. وهو قد وضع أفكاره هذه في كتاب بعنوان «شتات اليهود القديم أو قبيلة الهاتا». ويعتقد بأن قبيلة «الهاتا» أو «الهادا» اليابانية هي نفسها قبيلة يهودا هاجرت في القرن الثالث الميلادي إلى اليابان، واستقرّت فيها وبقيت متميّزة حتى القرن الثاني عشر حيث اندمجت ببقيّة الشعب الياباني. ولكي أدلّل لك على حجم التواصل وعمقه، فقبيل حرب العام ١٩٦٧ أنشأ إيكورو تشيما ما أسماه «لجنة الطوارىء اليابانية لمساعدة إسرائيل»، وأثناء الحرب أخذ مساعدات لإسرائيل وذهب مع مجموعة من أتباعه للدفاع عنها، وقد أصيب أحدهم. وبعد الحرب مباشرة دخل إيكورو تشيما القدس بعد احتلال نصفها الثاني، وذهب إلى «حائط المبكى» وقدّم صلاة شكر هناك، وقال «إن هذا اليوم هو أعظم يوم في حياتي». كما نظّمت الفرقة تظاهرات أمام مقر الأمم المتحدة في نيويورك في العام ١٩٦٨، وكذلك في العام ١٩٧١ تأييداً لإسرائيل. وبعد هجوم بعض أعضاء منظّمة الجيش الأحمر الياباني على مطار بن غوريون في العام ١٩٧٢، هرع رئيس الفرقة على رأس وفد إلى إسرائيل ليقدّم اعتذاره وتعازيه ويعبّر لحكومتها عن غضبه ورفضه لما حدث.   أسطورة القبائل الضائعة > هل لهذه الفرقة علاقة بأسطورة «القبائل اليهودية العشر الضائعة»، والتي يعتقد بعض الباحثين والمؤرّخين الأوروبيين والإسرائيليين بأنها ضاعت ما بين آسيا وأوروبا وأفريقيا؟
< قبل أن أجيب عن السؤال أودّ بداية أن أشير إلى أن الزعم بأن أصل اليابانيين يرجع إلى أصول يهودية، هو رأي لا ينفرد به إيكورو تشيما وإنما هناك باحثون يابانيون معروفون، كلّهم أو غالبيتهم مسيحيون، يرون هذا الرأي وكتبوا حوله دراسات وكتباً، ومن هؤلاء كانزو أوشيمورا الذي ذكرناه سابقاً. ومن هؤلاء أيضاً نيكادا جوجي (ت١٩٣٩) وكان قسيساً من المسيحيين الصهيونيين معتقداً بالأصل اليهودي لليابانيين، وكان من الذين أيّدوا المشروع الصهيوني كما أن أتباعه ساعدوا اللاجئين اليهود الذين لجأوا إلى اليابان أثناء الحرب العالمية الثانية. ومن هؤلاء أويبي زنكيرو (ت١٩٤١م) وهو من خريجي جامعات الولايات المتحدة الأمريكية أيضاً، وكان قد نشر كتاباً في العام ١٩٢٩ حول علاقة اليابانيين بـ«قبائل إسرائيل الضائعة»، وهو يعتقد أنهم من قبيلة غاد ومنسه. ومن هؤلاء يانيبارا تادوا(ت١٩٦١) الذي كان من تلاميذ كانزو ورئيس جامعة طوكيو الأسبق. ومنهم سيكي يشيرو (ت١٩٦٥) وهو خريج جامعة أكسفورد، ويعتقد أنه أول من قال من اليابانيين بهذه الفكرة. وكان قد نشر بحثاً عن هذا الموضوع في العام ١٩٠٨م ذكر فيه أن بعض قبائل بني إسرائيل دخلت اليابان في القرن الخامس الميلادي. أخيراً أشير هنا، الى أن عدد أتباع فرقة «مكويا» اليوم يقدّر بحوالى سبعين ألفاً أو أكثر. ولا يقتصر وجودهم على اليابان بل هم يوجدون أيضاً في كوريا الجنوبية وتايوان وهاواي وكاليفورنيا. ويقدّر عدد فروعها بأكثرمن مئة فرع. كما أن الفرقة تصدر مجلتين هما «الإنجيل الأصيل» و«نور الحياة».   البحث في القارّات > هل هناك بلدان وقارّات محدّدة يبحث فيها المؤرّخون الإسرائيليون عن هذه «القبائل اليهودية العشر الضائعة»، أم أن البحث يشمل العالم كله؟
< الواقع أن البحث عن هذه «القبائل الضائعة» المزعومة إنما يشمل كل القارات من دون استثناء. وعلى الرغم من عدم وجود أدلّة على إثبات أن هؤلاء هم من نسل أولئك، إلا أن المؤسّسات الإسرائيلية تنقل هؤلاء طبقاً لـ«قانون العودة» الإسرائيلي، مع أن هذه المؤسّسات تفرض عليهم التحوّل إلى اليهودية قبل وصولهم إلى إسرائيل أو بعد وصولهم إليها. > ولكن ما هي مراجعك التي تستند إليها في أبحاثك التي تستعد لنشرها قريباً بالعربية تحت عنوان «القبائل اليهودية العشر الضائعة»؟
< مراجعي متعدّدة، لكن أكثرها مراجع يهودية وإسرائيلية، فضلاً عن المراجع الأوروبية والأميركية بالإنكليزية.   مملكة الشمال > ولكن على ماذا تعتمد المخيّلة اليهودية الحديثة في تصوّراتها عن هذه «القبائل الضائعة»، فهل هناك مستند توراتي أو مخطوطات يهودية قديمة مثلاً، أو تواريخ وسيطة مكتوبة تتحدّث عن هذه القبائل الضائعة، أو أن المسألة حديثة العهد وتتصل ببدايات نشوء المشروع الإسرائيلي؟
< تعتمد المخيّلة اليهودية في وجود هذه القبائل أساساً على ما ورد في التوراة من تدمير الآشوريين للسامرة (مملكة الشمال) وإزالتها من الوجود، وتهجير سكانها أو غالبيتهم إلى مناطق في أمبراطوريتهم. وكان يسكن هذه المملكة ـ طبقاً لرواية للتوراة ـ عشر قبائل (وهي القبائل الضائعة) من القبائل الإثنتي عشرة. وقد ذكرت حادثة جلاء هذه القبائل في ثلاثة نصوص متشابهة، منها ما جاء في سفر الملوك الثاني ٥ ـ ٦ / ١٧ بالنص التالي «وصعد ملك آشور على تلك الأرض كلّها وصعد إلى السامرة وحاصرها ثلاث سنوات، وفي السنة التاسعة لهوشع استولى ملك آشور على السامرة وجلا إسرائيل إلى أشور وأسكنهم في حلاح وعلى الخابور ونهر جوزان وفي مدن ميديا». وقد وردت عبارة مهمة إضافة إلى ذلك في سفر الأخبار الأول (٥ـ٢٦) وهي «وهم هناك الى هذا اليوم». وكان وقوع هذا الحدث تاريخياً في الربع الأخير من القرن الثامن قبل الميلاد. وأخذ اليهود في العصور اللاحقة يتحدّثون عن بني إسرائيل الذين «هم هناك الى هذا اليوم» في كتاباتهم وقصصهم، وعن وجود هذه القبائل في مكان ما.   أدوار الرحّالة > نحن نعرف أن بعض الرحّالة الأوروبيين لعبوا دوراً في تكريس فكرة وجود القبائل الضائعة، ولكن هل ذكر الرحّالة الأندلسي اليهودي شيئاً عنها خلال رحلته من الأندلس إلى الشرق؟
< ملاحظتك صحيحة في ما يتعلّق بالرحّالة، فبعض اليهود من رحّالة ومغامرين وغيرهم يشيرون إلى هذه القبائل ويتحدّثون عن وجودها وكأنها حقيقة واقعة. وكان من هؤلاء شخص يهودي اسمه الداد الداني (من قبيلة دان الضائعة) ظهر في القرن التاسع الميلادي في الشرق وانتهى أمره في القيروان، وكان قد ادّعى بأن هناك بعض القبائل الضائعة تعيش في أرض الحويلة، وهي في التقاليد اليهودية قرب أثيوبيا، وذكر منها أربع قبائل ومنها: قبيلة «دان» التي نسب نفسه إليها، وقال إن لها ملكاً يحكمها، وأنها في حرب دائمة مع الممالك التي بجوارها. وذكر هذه القبائل بشيء من التفصيل الرحّالة اليهودي بنيامين التطيلي (من القرن الثاني عشر) ولكنه قال إن الشخص يحتاج إلى ثمانية عشر يوماً في الصحراء ليصل إليها. وظهر مغامر يهودي آخر في القرن السادس عشر اسمه داود الراؤوبيني (نسبة إلى قبيلة راؤوبين الضائعة) في أوروبا، وقال لليهود الذين التقاهم بأن أخاه الملك يوسف يحكم بعض هذه القبائل، وأن له جيشاً من ثلاثمائة ألف مقاتل يترأسه هو (داود)، وذهب الراؤوبيني إلى إيطاليا، وقابل البابا كلمنت السابع (ت ١٥٣٤)، وادّعى أن معه رسالة من أخيه، وأعطاه البابا رسالتين الى ملك البرتغال وملك أثيوبيا. وعندما وصل البرتغال ساور الحكومة الشك من تحرّكه فطردته فذهب (أو أُخذ) إلى أسبانيا وهناك ضاع أثره. كما ادّعى الرحّالة اليهودي مونتزينوس بعد عودته من أميركا اللاتينية العام ١٦٤٤ أنه سمع الهنود الحمر في الأكوادور يقرأون الصلاة اليهودية المعروفة المسمّاة ها«شمع» بالعبرية، وقال إن عندهم تقاليد يهودية أخرى أيضاً. وأخذ الرحّالة والمبشّرون يتحدّثون عن هذه القبائل في كتب رحلاتهم ومؤلّفاتهم. فعندما ذهب الرحّالة الأسكتلندي جيمس بروس لاكتشاف منابع النيل في القرن الثامن عشر تحدّث في رحلته عن الفلاشا، فاعتقد اليهود أنهم من القبائل الضائعة، فأرسلوا المندوبين لهم، وانتهى نشاطهم بتهجير الآلاف منهم إلى إسرائيل على أساس أنهم من قبيلة «دان» الضائعة. وقبل ذلك تحدّث فرانسيس بيرنر الذي زار الهند في منتصف القرن السابع عشر عن القبائل التي لها علاقة باليهودية، وقال إن هناك الكثير من الدلائل على وجود اليهودية في هذا البلد.   تهويد الباتان > ذكرت لي أمس خلال حديثنا، أن هناك محاولة اليوم لتهويد قبائل الباتان الموجودة على الحدود بين أفغانستان والباكستان… هل تستند هذه المحاولات إلى روايات تاريخية؟
< بالتأكيد، فمنذ القرن التاسع عشر وربما قبله كثر الحديث عن وجود القبائل الضائعة في أفغانستان وعلى الحدود بينها وبين باكستان. فأخذ هؤلاء يذكرون قصصاً عن الأصل اليهودي لهذه القبائل، ويؤكّدون، أيضاً على المظهر الخارجي لها، وأن شكل رجالها ونسائها يشبه شكل اليهود المميّز. وأخذ بعض الباحثين اليهود ينسبون إلى هذه القبائل أنها من نسل أفغان بن شاؤول (وشاؤول أول ملك لبني إسرائيل طبقا للتوراة).   فبركة التاريخ والأنساب > وهل هناك مستند لعلاقة الأفغان باليهود، أعني هل ورد اسم «أفغان» في التوراة على أنه ابن أو حفيد لشاؤول مثلاً؟
< كلا، الاسم «أفغان» غير مذكور في التوراة العبرية كابن أو حفيد لشاؤول كما يدعي البعض كما أن شاؤول وعائلته هم من قبيلة بنيامين التي كانت تسكن في أورشليم في مملكة يهودا في الجنوب كما تذكر التوراة نفسها. (حسب سفر الأخبار الأول: الأصحاح الثامن والتاسع). لكن أسطورة الأصل اليهودي للبتان أصبحت رائجة، بل وصارت قضية مفروغاً منها عند الباحثين اليهود. فالباحث المعاصر ثيودور بارفت يقول «يوجد اعتقاد على نطاق واسع بأن البتان الذين يعيشون في الشمال الغربي من باكستان والجنوب الشرقي من أفغانستان هم من أصول يهودية... وأنهم ينظرون إلى أنفسهم على أنهم متفوّقون على القبائل الأخرى، وأن أحد الأسباب لذلك هو اعتقادهم أنهم يتحدّرون من أصول يهودية، وأنهم يتحدّثون باعتزاز بأنهم يرجعون في أصلهم إلى إسحق وإبراهيم».(ويقدر عدد البتان باكثر من خمسة عشر مليونا)   إسرائيل ثانية > ولكن هل هناك مساع جادّة، أعني مساعي عملية لجلب هؤلاء الأفغان إلى فلسطين، وهم يعدّون بالملايين.. أين سيسكنون؟
< هناك عمل جاد جار منذ زمن طويل لتكريس يهودية هؤلاء المسلمين الأفغان وتحويلهم الى يهود.. ومن المنظّمات اليهودية التي تقوم بنشاط بين هذه القبائل منظّمة «عامي شاب» التي تغيّر اسمها حديثاً إلى «شابي إسرائيل» «العائدون إلى إسرائيل». وقد طلبت هذه المنظّمة او منظمة "كلانو"(كلنا) من ديبلوماسي أفغاني يعيش في الولايات المتحدة الأميركية أن يترجم أصول الديانة اليهودية وطقوسها إلى لغة البشتون التي يتكلّمها هؤلاء كي تقوم المنظّمة بتوزيع الكتاب بينهم. أما الجواب عن الشق الآخر من السؤال، فهو يطرح السؤال التالي: ما المانع في إقامة إسرائيل ثانية في بلاد الأفغان؟ بل إن هذه الإسرائيل الثانية ستكون مهمّة وضرورية لدعم دولة إسرائيل الحالية، ولتمكين الإسرائيليين من سيطرة أوسع في العالم..   بؤر يهودية في العالم > ألا يمكن أن يقود مثل هذا السلوك الصادر عن المخيّلة اليهودية إلى تهويد نماذج بشرية من ثلاثة أرباع أعراق العالم؟ إن مجرّد وجود تفكير من هذا القبيل، يعني أن هناك محاولة غريبة لتهويد العالم بأسره؟
< ما نتحدّث فيه، على غرابته، ليس من عمل الخيال، كل ما ذكرته لك موثّق توثيقاً علمياً أكاديمياً، وهو معتمد في المراجع اليهودية. وإن شئت، وشاء القرّاء الكرام، فيمكنكم العودة إلى المواقع الكثيرة على الإنترنت، فهي تعطي فكرة واضحة عن سعة هذا النشاط وجدّيّته وخطورته. وهذا النشاط سوف لا يوقفه شيء، لأنه مدفوع بدوافع استراتيجية من أهمّها الديمغرافي وهو هاجس يؤرق إسرائيل ويخيفها، وهو كذلك يقلق اليهود بصورة عامة. وربما أن أحد أهداف هذا التخطيط البعيد المدى، هو خلق بؤر من هذه المجموعات تكون سنداً لإسرائيل وظهيراً لها في عالم مضطرب.   هذه المقابلة أجرتها صحيفة الحياة مع الدكتور جعفر هادي حسن بعد صدور كتابه "اليهود الحسيديم: نشأتهم، تاريخهم، عقائدهم، تقاليدهم" دراساته تركز على الجماعات اليهودية ذات التأثير القوي جعفر هادي حسن: معرفة اليهود تزيد فهمنا للدولة العبرية   لندن – "الحياة" الدكتور جعفر هادي حسن واحد من أبرز الباحثين العرب المتخصصين في حقل الدراسات اليهودية، قديمها وحديثها. وهو يعكف منذ مدة على تناول الجماعات والطوائف اليهودية ذات التوجهات المتنافرة، واصدر حتى الآن ثلاثة كتب تناولت فرقة الدونمة وفرقة القرائين وفرقة الحسيديم، والأخير صدر قبل أسابيع قليلة. والمجال الذي يركز عليه الدكتور حسن جديد في العالم العربي اجمالاًن فهو يعرض لهذه الفرق المجهولة عموماً حتى عند المتخصصين العرب انطلاقاً من المصادر العربية والمصادر اليهودية المكتوبة باللغة الانكليزية، لأن فيها تفاصيل لم تصل بعد الى قراء اللغة العربية. وفي مناسبة صدور كتابه الأخير "اليهود الحسيديم: نشأتهم، تاريخهم، عقائدهم، تقاليدهم" كان لـ "الحياة" هذا الحوار مع الدكتور حسن. هل يمكن أن نتعرف أولاً إلى اليهود الحسيديم موضوع كتابك الأخير؟   اليهود الحسيديم، كما ذكرت في مقدمة الكتاب الذي أصدرته عنهم، هم يهود ارثوذكس متدينون تقليديون يتبعون النمط التقليدي للشريعة اليهودية، إلا أنهم يختلفون عن اتباع هذا النمط في أنهم يتبعون إضافة الى مبادئ الشريعة اليهودية تعاليم حاخام اسمه "بعل شم طوب" وهو الذي أسس الحركة الحسيدية في القرن الثامن عشر في أوروبا الشرقية سابقاً، حيث أصبح للحسيديم تقاليد في العبادة والسلوك والتفكير تختلف عن النمط التقليدي. فصلاتهم تختلف والنظرة الى الصيام والعبادة تختلف أيضاً عن بقية اليهود التقليديين، وهم يركزون على الغناء والرقص والموسيقى كجزء من العبادة ويصرون على ارتداء لباس تقليدي اتخذوه منذ بداية الحركة. وهناك مسائل أخرى خاصة بهم لا مجال لذكرها هنا، وهذه المجموعة مهمة عدداً وتأثيراً في عالم اليهود، إذ أنهم يبلغون مئات الآلاف، وهم منتشرون في أنحاء كثيرة من العالم وإن كانوا يتركزون في أميركا وإسرائيل. وتأثيرهم في عالم اليهود شيء لا يحتاج إلى دليل، فالكثير من افرادهم أثرياء كبار يدعمون مشاريع هذه المجموعة ومؤسساتها داخل إسرائيل وخارجها. وللحسيديم مدارس دينية (يشيفوت) كثيرة حتى أنها في اسرائيل تبلغ نصف مجموع المدارس الدينية فيها. ولهم أيضاً مراكز ثقافية خاصة، وإحدى المجموعات الحسيدية، وهي مجموعة الحسيديم اللوبافتش، تملك مئات من هذه المراكز منتشرة في أنحاء العالم، إضافة الى أن للحسيديم مستوطنات كثيرة في إسرائيل، وبعض هذه المستوطنات انشئ قبل ظهور الدولة. والأحزاب الدينية في إسرائيل، أو بعضها، ليست بعيدة عن تأثير اليهود الحسيديم القوي. ويبدو أن هؤلاء اليهود – كما تشير الاحصاءات – سيكونون ثقلاً عددياً كبيراً في المستقبل في إسرائيل، إذ أن معدل الولادات مرتفع عندهم جداً حيث أن وجود أحد عشر طفلاً أو اثني عشر طفلاً ليس شيئاً استثنائياً للعائلة الواحدة. وقد ضاقت بهم أماكنهم التقليدية في إسرائيل، ولذلك أخذوا ينتشرون في أماكن أخرى جديدة لم يعرفها الحسيديم من قبل. وهم اليوم ينقسمون الى مجموعات كثيرة لكل مجموعة منهم زعيمها الروحي الذي يسمونه "التصديق".(القديس) وفي حدود بحثي واستقصائي لم أطلع على كتاب باللغة العربية عن هؤلاء، وهم كما وصفتهم قبل قليل يستحقون أن يُكتب عنهم كتاب. وما أطلعت عليه من مقالات مكتوبة باللغة العربية أو معرّبة يدل على جهل بهذه المجموعة. ففي احدى الموسوعات العربية يُكتب الاسم الحسيديم بالصاد ويُعرف بأنه مأخوذ من "حصيد الزرع"!! بينما الاسم مأخوذ – كما ذكرت في مقدمة كتابي – من الجذر العبري "حسد" بالسين، الذي يدل على الاحسان وعمل الخير بصورة عامة، واستعمل الاسم "حسيد" عند الحركة الحسيدية للدلالة على اليهودي التقي والمخلص للدين والناذر نفسه له. كما وجدت مقالة مُعربة عن الفرنسية تترجم اسم مؤسس الحركة الحسيدية بـ "بال شم طوب" بينما اسمه الصحيح بالعبرية كما ذكرت، هو "بعل" وفي اللغات الأوروبية لا يوجد حرف العين فيكتب بدونها فترجمها المترجم "بال" من دون الرجوع الى الاصل والبحث عن الاسم العبري. اين تكمن أهمية التركيز على هذه الجماعات اليهودية؟   الدين اليهودي ليس ديناً أحادياً كما يعتقد الكثير من الناس، بل هو دين تتوزعه فرق مثل السامريين والقرائين والفلاشا والدونمة واليهود السود وغير ذلك، ومذاهب مثل المذهب الارثوذكسي والاصلاح والمحافظين ومذهب "إعادة بناء اليهودية" والارثوذكس الجدد واليهود اليسوعيون وغيرها من المذاهب وكذلك هناك اتجاهات أهمها الاتجاه الحسيدي الذي خصصنا له الكتاب. وهناك مذاهب واتجاهات في طور النشوء والتكوين. وكما في أي دين من الأديان الاخرى، فإن هذا التعدد يستحق البحث والدراسة والمعرفة. والواقع أن دراسة هذا التعدد يمكن أن توضح الشيء الكثير عن طبيعة المجتمع الذي تسوده هذه الفرق والمذاهب والاتجاهات، لأن هؤلاء يكونون شرائح مهمة من المجتمع اليهودي وهي شرائح لها الكثير من التأثير والأهمية. وفي العالم الغربي مراكز وأقسام تُعنى بالتعدد الموجود في مجتمعنا. واعتقد أن من الضروري لنا اليوم انشاء مثل هذه المراكز الخاصة التي تهتم بدراسة الأديان الأخرى. ونحن، كما اعتقد، ما زلنا متخلفين في هذا المجال. ولما كنت أرى في نفسي انني استطيع أن أقدّم شيئاً في هذا المجال، أقدمت على وضع ما كتبته لعل هذه الأبحاث المتواضعة تسد شيئاً من هذا الفراغ الكبير. ما المصادر التي تعتمد عليها في دراساتك التخصصية؟   أحاول في دراساتي وبحوثي أن اعتمد المصادر الأولية من دون الرجوع الى الترجمة أو إلى المصادر الثانوية إلا إذا لم يكن لي خيار في ذلك. فإذا وجدت مثلاً نصاً مترجماً من العبرية أو من الآرامية فإنني لا اعتمد الترجمة بل ارجع الى النص الأصلي بلغته الأصلية إذا كان موجوداً، إذ أنني درست العبرية كلغة أولى والآرامية ولغات أخرى سامية كلغات ثانوية في جامعة مانشستر في مراحل ثلاث (ليسانس وماجستير ودكتوراه)، وليست هناك مشكلة في الرجوع الى هذه اللغات، وبالتالي الى النص بلغته الأصلية، مما يعطي فهماً أصدق ومعنى أوثق مما لو روجع النص بترجمة أو ترجمة عن ترجمة، إضافة الى رجوعي الى بعض اللغات الأوروبية الأخرى التي كُتبت بها هذه المصادر الأولية. كذلك أحاول أن استعمل قدر الإمكان المصادر اليهودية دون غيرها من أجل أن تكون بحوثي ذات مصداقية وأهمية، بل انني في كثير من الأحيان استعمل مصادر الفئة التي اكتب عنها. ففي كتابي "اليهود الحسيديم" استعملت مصادر حسيدية أولية يعتمدها الحسيديم أنفسهم، وكذلك في كتابي "فرقة القرائين اليهود" حيث استعملت مصادر قرائية ألفها علماء هذه الفرقة واعتمدها اتباعهم. ما الفرق بين الدراسات التي تقوم بها حالياً والدراسات التي صدرت في السبعينات والثمانينات تحت شعار "الدراسات الإسرائيلية"؟   اعتقد أن البحوث التي كانت تصدر في تلك الفترة اتسمت بمنحاها السياسي والإعلامي أو الدعائي في الغالب ولم تكن تركّز على الجانب الفكري والديني والتاريخي. ونظراً إلى غلبة الطابع السياسي  على تلك الدراسات، فإنها – كما اعتقد – لم تؤد الغرض في فهم طبيعة المجتمع اليهودي وعقليته. أما أبحاثي فهي تختلف عن هذا الاتجاه، إذ أن منهجي في البحث يدخل في الأصول والأسس التي تكوّن عقلية هذا المجتمع. وهذه تشمل الدين والتاريخ والفلسفة والفكر. أما البعد السياسي في بحوثي فهو – بصورة عامة - بعدّ غير مرئي ولكنه موجود وواضح. إنه موجود لكنه مشتبك بتلك الأسس والأصول ولا يمكن فصله عنها. وأفدم مثلاً على ذلك، أن اليهودي المتديّن من أي مذهب من المذاهب اليهودية الدينية لا بد وأن يكون له موقف محدد من الدولة العبرية سلباً أو ايجاباً.  فطبيعة البحث تتطلب ذكر ذلك الإشارة اليه بشكل واضح على الرغم من أن الحديث أساسا عن الأفكار الدينية وهذا ما حدث في كتابي "اليهود الحسيديم" بالنسبة إلى وجهات نظرهم نحو الدولة العبرية. الشيء الآخر الذي يختلف فيه منهجي عن كتابات تلك الفترة هو انني أحاول أن ابتعد عن الانزلاق في الانشائيات والعواطف وأركز على الحقائق وعرضها ودراستها دراسة موضوعية مدعومة بالتوثيق الذي يقره الباحثون، اليهود وغير اليهود، ممن يهتمون بهذه الدراسات، لأن البحث الذي يمكن أن يُعترف به ويُعتمد عليه وتكون له مصداقية لا بد وأن يكون بهذه المنهجية وإلا فسيكون مصيره الاهمال والتهميش وعدم الاعتراف. مقابلة للدكتور جعفر هادي حسن مع صحيفة حركة التوحيد والاصلاح المغربية   قابله رئيس التحرير حسن السرات 16 -11 -2004    هل تقوم الدولة اليهودية على رؤية دينية؟ -لا تقوم الدولة اليهودية على رؤية دينية، ومؤسسوها لم يستولوا على فلسطين بسبب معتقد ديني لأن الغالبية العظمى منهم لم يكونوا يؤمنون باليهودية كدين سماوي حتى أن هؤلاء رفضوا إضافة كلمة "الرب" عندما اقترحها المتدينون أن تكون في ما يسمى ببيان الاستقلال. وقوانين الدولة اليهودية اليوم هي قوانين غير معتمدة على الشريعة اليهودية بل هي قوانين يشرعها الكنيست (البرلمان). ومنذ بداية ظهور الدولة وافق بن غوريون أول رئيس وزراء ل"إسرائيل" على أن تكون بعض القضايا المدنية تحت سيطرة اليهود الأرثوذكس مثل الزواج (ليس هناك زواج مدني في "إسرائيل") والطلاق والاعتراف بيهودية اليهودي. وكذلك وافق بن غوريون على أن يكون السبت عطلة رسمية وكذلك المناسبات الدينية الأخرى. وكان بن غوريون قد وافق لهم على تأجيل طلاب المدارس الدينية من الخدمة في الجيش، وهؤلاء اليهود الأرثوذكس بعضهم متشدد في معتقده وممارسته الدينية ويسمى هؤلاء "حريديم" (من الجذر العبري "حرد" الذي يعني (ارتجف خوفا من الرب)، وبعضهم أقل تشددا ويسمون بالعبرية "داتيم" (متدينين). واليهود الأرثوذكس اليوم قوة عددية في إسرائيل ولهم تأثير اقتصادي وسياسي كبير وأصبح لهم مدن خاصة بهم مثل مدينة "بني برق". ولليهود الأرثوذكس مدارسهم الخاصة بهم ومؤسساتهم التربوية والاجتماعية.   هل توجد فرق متعددة بين اليهود وماهو الاختلاف بينها؟ - يبدو اليهود لغيرهم بأنهم طائفة واحدة ولكن من ينظر إليهم عن قرب يكتشف أن هناك فرقا ومجموعات متعددة ومختلفة. وبعض هذه الفرق قديم وبعضها حديث. وقبل الدخول في الحديث عن هذه الفرق أود أن أذكر بأن فرقة اليهود الأرثوذكس تعتبر نفسها الممثل الحقيقي للدين اليهودي التاريخي حيث توارثته عن الأجداد. وهذه الفرقة لا تعترف ببقية الفرق الأخرى وتعتبرها خارجة عن اليهودية، واليهود الأرثوذكس يمثلون حوالي 41% من مجموع يهود العالم ولكنهم أصحاب تأثير كبير خاصة في "إسرائيل" حيث هم المسؤولون عن الشؤون الدينية. ويتميز أتباع هذه الفرقة في أنهم أكثر تشددا في الممارسة الدينية وتطبيق الشريعة اليهودية حيث يطبقون أوامرها ونواهيها بكل تفصيلاتها وحذافيرها كما يفهمونها هم. كما أنهم يؤمنون بأن التوراة كلها بكلماتها وحروفها قد أنزلت على موسى وأوحيت له من قبل الرب ولم يزد عليها ولم ينقص منها شيء وهي معصومة من الخطأ كما يؤمن هؤلاء بقدسية التلمود وأنه هو الكتاب الثاني في قدسيته بعد التوراة، بل إنهم يطلقون عليه اسم "التوراة الشفوية" أي أنه أوحي به ونقله الأجداد شفاها ثم وضع في كتاب. ومن اليهود الأرثوذكس مجموعة تطلق على نفسها اليهود المحدثون وطريقتهم في تطبيق الشريعة اليهودية تعد مذهبا، ولكنهم أخذوا يبتعدون شيئا فشيئا عن الاتجاه العام لليهود الأرثوذكس وليس بعيدا أن يصبحوا فرقة مستقلة في المستقبل. أما الفرق الأخرى فبعضها قديم وبعضها حديث. وأهم الفرق القديمة هي فرقة اليهود القرائين. وكانت هذه الفرقة قد نشأت في بغداد في القرن الثاني الهجري/الثامن الميلادي. وكان الذي أنشأها عالم يهودي اسمه "عنان بن داود" وكان عنان قد رفض قدسية التلمود واعتبره كتابا كبقية الكتب ألفه الحاخامون ومن اختلافاته مع اليهود الأرثوذكس أن يعترف بيهودية اليهودي الذي ولد لأب إلى جانب من ولد لأم. كما حرم الزواج من بنت الأخ وبنت الأخت كما أن عدد صلاتهم يختلف عن اليهود الأرثوذكس إلى غير ذلك من اختلافات كثيرة. ومنذ نشأتها أصدر الحاخامون قرارا بإقصائه من اليهودية وحرموا الزواج من فرقته والتعامل معها ومازال هذا الأمر باقيا إلى اليوم. ويوجد الغالبية العظمى من القرائين في "إسرائيل" ويقدرون بعشرات الآلاف. وفي بداية القرن التاسع عشر ظهرت فرقة جديدة في ألمانيا حيث اعتقد مجموعة من اليهود ـ في ألمانيا ـ بأن اليهودية يجب أن تصلح حتى تكون ملائمة للعصر الحديث فهي قد مر عليها أكثر من ألفي سنة ولابد من تجويدها ومنذ قرنين وهذه الفرقة مستمرة في تطبيق اصلاحاتها ولذلك سميت فرقة "اليهودية الإصلاحية" وهذه الفرقة لا تؤمن بعصمة التوراة وتعتقد بوجود أخطاء وتناقضات فيها كما أنها لا تعتقد بقدسية التلمود تجيز أن تكون المرأة حاخامة تؤم الصلاة وتقوم بأداء عقود الزواج والطلاق إلى غير ذلك. ويوجد أكثر أتباع هذه الفرقة الذين يزيد عددهم علي المليون ونصف في الولايات المتحدة الأمريكية. وفي بداية القرن العشرين انشقت مجموعة من هذه الفرقة وأطلقت على نفسها "اليهودية المحافظة" والفروق ليست كثيرة بين الفرقتين إلا أن اليهودية المحافظة ترى أن الوحي مازال مستمرا ولم ينقطع، وأحكام هذه الفرقة أقل تحررا من الفرقة الأم، ويوجد أتباع هذه الفرقة في الولايات المتحدة أيضا وعدد أتباعها أكثر من عدد أتباع اليهودية الإصلاحية. وللفرقتين نشاط صهيوني كبير وهما ممولان رئيسان ل"إسرائيل". وهناك فرقة أخرى خرجت من فرقة "اليهودية المحافظة" تسمى فرقة إعادة بناء اليهودية وهي فرقة تتميز بأنها لا تعتبر اليهودية شريعة فقط وإنما تضم أشياء أخرى غيرها كالأدب والموسيقى والأغاني والتقاليد الشعبية والشريعة اليهودية هي جزء من هذه اليهودية. وهي أيضا لا تعتقد بعصمة التوراة ولا بقدسية التلمود وتعترف بيهودية من ولد لأب يهودي أيضا. وهذه الفرقة تعتبر فرقة صغيرة إلى حد ما حيث لا يزيد أتباعها عن ثلاثين ألفا. وموطن هذه الفرقة اليوم هو الولايات المتحدة الأمريكية حيث عاش وتوفي مؤسسها الحاخام فرد خاي قبلان، وكانت هذه الفرقة قد ظهرت في منتصف القرن الماضي. ومن هذه الفرق فرقة اليهود اليسوعيين (نسبة إلى اليسوع عيسي) وما يميز أتباع هذه الفرقة هو أنهم يؤمنون باليهودية كشريعة وتقاليد ويؤمنون أيضا بعيسى كنبي ومخلص ظهر سابقا وسيظهر مرة أخرى ويخلص العالم من شروره.ومعروف أن كل اليهود لا يعترفون بعيسى نبيا بل ولا ممارسا لليهودية، وكان ظهور هذه الفرقة في بداية القرن العشرين، ولكن أتباعها يعتقدون بأن أصول فرقتهم تعود إلى القرن الأول الميلادي حيث كان هناك يهود آمنوا برسالة عيسى أيضا، ولهؤلاء اليوم معابدهم الخاصة بهم وفقههم وأكثر ما يوجدون اليوم في الولايات المتحدة الأمريكية وتصل أعدادهم إلى عشرات الآلاف ويحاربهم اليهود الأرثوذكس بشدة ويصدرون البيانات دائما ضدهم. ومن الفرق الحديثة التي ظهرت في القرن العشرين فرقة تتميز في أنها تؤمن بأن اليهودية هي من نتاج اليهود كبشر (ولذلك تسمى باليهودية البشرية) وليس هناك أوامر أو نواه الاهية وإنما اليهود أنفسهم هم الذين وضعوها. وهم كذلك ينكرون تاريخية خروج اليهود من مصر وينكرون وجود إبراهيم وإسحاق ويعقوب وداود وسليمان. وكان الحاخام "شيرون" هو الذي أسس هذه الفرقة في الولايات المتحدة الأمريكية في القرن الماضي ولهذه الفرقة كنيسها ومؤسساتها وهي منتشرة في أمريكا وأوربا ويصل عدد أتباعها إلى ما يقرب من ثلاثين ألفا، ولها مراكز في "إسرائيل" أيضا. وهناك فرق من إثنيات أخرى مثل فرقة يهود أثيوبيا التي تسمى "الفلاشا" وهناك فرقة اليهود العبرانيين "الإسرائيليين" وهي أفرو-أمريكية يصل عدد أتباعها في الولايات المتحدة الأمريكية إلى عشرات الآلاف، ويوجد بضعة آلاف منهم في "إسرائيل"، بينما يوجد أكثر اتباع فرقة الفلاشا في "إسرائيل" حيث يصل عددهم إلى سبعين ألفا. ومن هؤلاء مجموعة تسمى الفلاشا مورا الذين يعتقدون بأن أصولهم يهودية ولكن المبشرين حولوا أجدادهم ـ في أثيوبيا ـ إلى مسيحيين. والوكالة اليهودية تهجر هؤلاء تدريجيا إلى "إسرائيل" بمعدل 200 كل شهر ويبلغ عددهم أكثر من عشرين ألفا.   يتردد بين الفينة والأخرى حديث عن صراع بين فتين داخل المجتمع الصهيوني فئة المتدينين وفئة العلمانيين، ما هي حقيقة الصراع بين العلمانيين والمتدينين وماهي طبيعته؟ - هناك اليوم صراع بين هؤلاء المتدينين والعلمانيين في إسرائيل، وهو صراع كان قد بدأ منذ ظهور الدولة وأخذ في الازدياد منذئذ بسبب تزايد أعداد اليهود بالهجرة وبالزيادة الطبيعية عن طريق الإنجاب. وقد كثر عدد العلمانيين في السنين الأخيرة بسبب هجرة حوالي مليون مهاجر روسي أكثرهم غير متدينين. كما أن عدد اليهود الأرثوذكس يزداد كثيرا بالإنجاب حيث يولد للعائلة ما معدله ثمانية أطفال أو تسعة. وزيادة العدد بين الفئتين تزيد احتكاكهما وحدوث المشاكل بينهما. كما أصبح لليهود الأرثوذكس في العقدين الأخيرين ثقل سياسي بسبب الأحزاب التي أنشأوها، وأخذ هؤلاء يطالبون عن طريق هذه الأحزاب بتطبيق الشريعة اليهودية في كثير من مناحي الحياة اليومية وخاصة في السبت. وهذا ما يعتبره العلمانيون تضييقا عليهم وتدخلا في شؤونهم، كما أن المتدينين الأرثوذكس أخذوا يزاحمون العلمانيين في أماكن سكناهم واضطر هؤلاء إلى المغادرة إلى أماكن أخرى كما حدث ويحدث في القدس. ومن مظاهر الصراع بين الفئتين تهجم المتدينين على العلمانيين في أدبياتهم واتهامهم بالتخلي عن هويتهم اليهودية وذلك بتخليهم عن الشريعة اليهودية، ويعتبرون هذا سببا في جلب عقاب الرب على اليهود كما يقول هؤلاء. وينظر المتدينون إلى رموز الدولة مثل الكنيست والمحكمة العليا والجيش على أنها تمثل العلمانية التي تخالف الشريعة اليهودية وأن الجيش خاصة الذي يخدم فيه الذكور والإناث هو بؤرة فساد علمانية، ولذلك يرفض هؤلاء تجنيد بناتهم وأولادهم في الجيش. والغالبية العظمى من هؤلاء الأولاد يدرسون في مدارس دينية (شيفوت) حيث تنفق عليها الدولة، وعدم خدمة هؤلاء في الجيش يثير حفيظة العلمانيين وغضبهم خاصة وأن هؤلاء المتدينين يدعون بأن دراستهم الدينية هي التي تحفظ الدولة واليهود من الأذى. ومن مظاهر الخلاف بين الفئتين هو أن الكثير من العلمانيين خاصة اليساريين منهم يؤيدون إنشاء دولة فلسطينية وهو ما يرفضه معظم المتدينين الذين يعتقدون بأن إرجاع الأراضي إلى الفلسطينيين مخالف للشريعة اليهودية. وكما ذكرت فإن هذا الصراع مستمر وهو يشتد يوما بعد يوم حتى أن بعض العلمانيين كانوا قد اقترحوا أن تقسم الدولة إلى قسمين قسم للمتدينين وحدهم والقسم الآخر لغير المتدينين . وهل حقا أن اليهود موحدون أم أن هناك تناحرا وصراعا، أي هل هناك صراع يهودي يهودي وبم يتمثل؟ إلى جانب الصراع العلماني الديني هناك صراع بين الفرق اليهودية نفسها في "إسرائيل"، فاليهود الأرثوذكس المسؤولون عن المؤسسة الدينية (رئاسة الحاخامية) في "إسرائيل" لا يعترفون بالفرقة اليهودية الإصلاحية ولا بفرقة اليهودية المحافظة (اللتين يبلغ عدد المنتمين إليهما في الولايات المتحدة الأمريكية أكثر من ثلاثة ملايين شخص) وهناك اختلافات كثيرة بين اليهودية الأرثوذكسية والفرقتين الأخريين، ولأن الأولى لا تعترف بيهودية من ينتمي إلى هاتين الفرقتين، فإن أعضاءهما يواجهون مشاكل كثيرة في "إسرائيل" في قضايا كالزواج والطلاق والدفن ويهودية أبنائهم إلى غير ذلك من قضايا. ويوجد الآلاف من هؤلاء في "إسرائيل" وتصدر رئاسة الحاخامية بيانات بين فترة وأخرى يحذرون فيها اليهود من الذهاب إلى كنيس هؤلاء والصلاة فيها. كما أن رئاسة الحاخامية لا تعترف أيضا باليهود اليسوعيين وهؤلاء هم يهود ولكنهم يؤمنون بالمسيح عيسى كنبي ومخلص، ويصل أتباع هذه الفرقة في "إسرائيل" إلى بضعة آلاف. والصراع بين هذه الفرق مازال في بدايته، وهو يزداد كلما ازداد عدد المهاجرين من الفرق الأخرى إلى "إسرائيل" وهو لاشك سينعكس سلبا على الوضع الاجتماعي داخل "إسرائيل" ويخلق مشاكل كبيرة بين اليهود أنفسهم داخل "إسرائيل"، وهو ما كان قد حدث بينهم قديما.   ماهي الأحزاب والفصائل الدينية في "إسرائيل" وماهو دورها؟ - كما يوجد في "إسرائيل" أحزاب علمانية يوجد فيها أيضا أحزاب دينية. وبعض هذه الأحزاب الدينية قديم قدم نشوء الدولة وبعضها حديث إلى حد ما. وبسبب تعددها وكثرة المؤيدين لها أصبح لها تأثير في المعادلة السياسية في "إسرائيل" كما زاد نشاط هذه الأحزاب من حدة الصراع السياسي إذ كل مجموعة من هذه الأحزاب تريد الحصول على أقصى ما يمكن من المنافع المادية والسياسية وأهم هذه الأحزاب الدينية. حزب أغوادت يسرائيل: وهذا الحزب يتبع منظمة عالمية انشئت في بداية القرن الماضي واسمها "أغودات يسرائيل" (اتحاد اسرائيل). وهذه المنظمة لا تؤمن أساس بالفكر الصهيوني وتعمل كما يقول نظامها طبقا لشريعة الثوراة. ولها مجلس من الحاخامين اسمه "مجلس كبار علماء الثوراة" وهو المرشد والموجه لها. وفي عام 1948 تحولت المنظمة في إسرائيل إلى حزب ديني وقد شارك هذا الحزب في الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة منذ نشوء الدولة. ومنذ عام 1977 قرر مجلس الحاخامين أن يشارك الحزب في الائتلاف الحاكم دون أن يكون له ممثل في الوزارة. ويرفض هذا الحزب تجنيد النساء في الجيش ويطالب دائما باعفاء طلاب المدارس الدينية من الجيش. ويصر علي عدم تغيير تعريف اليهودي وهو (الذي أمه يهودية أو تحول إلى اليهودية عن طريق المذهب الارثودكسي) ويطالب هذا الحزب بتطبيق الشريعة اليهودية في جميع مناحي الحياة ويرفض المظاهر العلمانية فيها، كما يطالب بايقاف العمل الكامل في يوم السبت حتى في المطارات والمؤسسات الحيوية وأغودات يسرائيل يؤيد حلا سياسيا للقضية الفلسطينية وهو لا يمانع في ارجاع أراضي للفلسطينيين من أجل السلام معهم. حزب ديغل هاتوراه (علم التوراة): وهذا الحزب هو من أحزاب اليهود الحريديم وهو حزب حديث إلى حد ما حيث أنشأه الحاخام المشهور "شاخ" الذي توفي حديثا وكان أشهر حاخام من اليهود غير الحريديم في "إسرائيل". ولا يحصل هذا الحزب إلا على نواب قليلين لا يصلون إلى الخمسة. وهو كالأحزاب الحريدية الأخرى يهتم بالحصول على المنافع المادية لاتباعه من الدولة وتأجيل شبابه من الخدمة في الجيش لكي يدرسوا في المدارس الدينية. وهذا الحزب يرفض أيضا تجنيد النساء ويطالب بتطبيق الشريعة اليهودية. وأعضاء هذا الحزب هم من المتدينين غير الحريديم (سأتحدث عن الحريديم فيما بعد). ولحزب "ديغل هاتوراه" مجلس حاخامين أيضا مكونا من اثنين عشر حاخاما وهذا المجلس هو الموجه للحزب في قراراته السياسية وغيرها. وعلى الرغم من أن هذا الحزب يكون أحيانا جبهة مع أغودات يسرائيل إلا أن علاقته معه لا تخلو من المشاكل والتوتر. ولأن هذا الحزب ليس صهيونيا فهو حزب معتدل في آرائه خاصة نحو القضية الفلسطينية، وكان الحاخام شاخ يعلن عن آرائه المعتدلة دائما حول هذه القضية. الحزب الديني القومي: ويسمى "المفدال" وهو مختصر للاسم العبري لهذا الحزب وهذا الحزب تكون من مجموعتين ظهرتا قبل ظهور الدولة وهما "المزراحي" و"العالم المزراحي" وهو أساس حزب ديني يدعو إلى تطبيق الشريعة اليهودية ولكنه في الوقت نفسه هو حزب صهيوني قومي ولهذا الحزب مجلس للحاخامين يوجهه ويرشده. كما أن له منظمات كثيرة تابعة له مثل منظمة الشباب وأخرى للنساء ومنظمة للمستوطنات إلى غير ذلك وله أيضا مدارسه وأخرى للنساء ومنظمة للمستوطنات إلى غير ذلك وله أيضا مدارسه الخاصة التي تربي طلابها على الفكر الصهيوني الديني. وهذا الحزب غالبا ما يشارك في الحكومات "الإسرائيلية" وله دائما عدد من الممثلين في الكنيست، وهذا الحزب يدعو إلى إقامة دولة "إسرائيل الكبرى" ويدعو إلى توسيع المستوطنات وعدم الانسحاب من الأراضي المحتلة ويرض رفضا قاطعا انشاء دولة فلسطينية. بل إنه يرفض حتى إقامة حكم ذاتي ويعتبره خطرا على "إسرائيل"، كما يعتبر القدس العاصمة الأبدية الموحدة ل"إسرائيل" والجولان جزء من "إسرائيل الكبرى"، وهذا الحزب هو اليوم معارض بشدة لفكرة انسحاب "إسرائيل" من غزة. وبعد حرب عام 1973 خرج مجموعة من الشباب من هذا الحزب وكونوا جماعة اطلقوا عليها "غوش أموينم" (كتلة المؤمنين) وهؤلاء الشباب كانوا قد تأثروا بالفكر الديني الصهيوني للحاخام أبراهام كوك وهو رئيس الحاخامين الأسبق في "إسرائيل". والكثير منهم درسوا في مدرسته الدينية التي تسمى"مركزها راب" التي كان يشرف عليها ابنه الحاخام زفي كوك. ومازالت هذه المدرسة تخرج القوميين الصهيونيين من اليهود المتدينين وهم عادة من سكان المستوطنات ويتميزون بغطاء الرأس (القلنسوة) المحاك. وهم من أشد المعارضين لأي انسحاب من الأراضي المحتلة وهم أيضا لا يترددون في استعمال العنف من أجل ذلك. وهؤلاء هم الذين ينشئون المستوطنات الجديدة ويتلقون مساعدات من المسيحيين الصهيونيين. حزب شاس: وكلمة شاس هي مختصر: "اتحاد حراس التوارة السفارديم" وهذا الحزب هو من الأحزاب الدينية الكبيرة وكان قد أنشئ في الثمانينات كرد فعل على محاولة اليهود الأشكنازيم (الغربيين) لليهود الشرقيين. والغالبية العظمى من أتباع هذا الحزب هم من اليهود الشرقيين المتدينين وخاصة من المغرب العربي. ولهذا الحزب كبقية الأحزاب الدينية الأخرى له مجلس من الحاخامين اسمه "مجلس الحاخامين الفارديم" وزعيمه الروحي اليوم هو الحاخام عوفاديا يوسف وهو أيضا رئيس مجلس الحاخامين. وقد شارك الحزب في كل الانتخابات منذ إنشائه وله اليوم بضعة عشر ممثلا في الكنيست "الإسرائيلي" وله دائما وزراء يمثلونه في الحكومة، وقد استقال وزملاؤه في فترة قصيرة من الحكومة الحالية. ولهذا الحزب نشاطات كثيرة في المجال التربوي والاجتماعي، وله عدة مئات من المراكز في "إسرائيل" ونشاطاته الدينية تركز علي تحويل الشباب العلمانيين إلى متدينين خاصة في مدن التطوير التي يسكنها الكثير من اليهود الشرقيين ويطالب هذا الحزب بتشديد الرقابة على الأطعمة كي تكون حلالا (كاشير) وهو يطالب كذلك بالقضاء على مظاهر الإباحية في المجتمع "الإسرائيلي" وفي الجيش، ويطالب كذلك بإلغاء تجنيد النساء في الجيش. ويعتبر هذا الحزب أساسا حزبا غير صهيوني، ولكنه ليس له موقف واضح من القضية الفلسطينية، وهو متقلب في نظرته إلى هذه المسألة: أعلن أكثر من مرة في أنه يؤيد الانسحاب من الأراضي المحتلة، ولكنه من جانب آخر لا يقول شيئا عن المستوطنات وتوسيعها. وهناك شيء واضح عند الحزب وهو نظرته العنصرية إلى العرب حيث يهاجمهم زعيمه الروحي عوفاديا يوسف بين فترة وأخرى، ويصفهم بأشنع الأوصاف وأسوأها ويعتبرهم من نسل العماليق أعداء بني "إسرائيل" التاريخيين، وكثيرا ما تكون لهذا الحزب مشاكل مع الأحزاب الأخرى علمانية ودينية حتى أن هذه المشاكل تتطور أحيانا إلى أزمات. وقد أصيب هذا الحزب في السنين الأخيرة بنكسة بعد أن وجهت إلى زعيمه السابق ارياه درعي تهمة استغلال منصبه ـ حيث كان وزيرا للداخلية ـ والتصرف غير القانوني بأموال الدولة. وقد حكم عليه بالسجن لبضع سنوات وأطلق سراحه أخيرا   هل هناك مجموعات دينية أخرى؟ نعم، وأهم هذه المجموعات هي المجموعة الحسيدية التي تضم عدة مجموعات لها آسماؤها الخاصة. ويصل عدد اليهود الحسيديم في "إسرائيل" إلى عشرات الآلاف. وهم عادة يهود غير صهيونيين ولا يعطون للدولة شرعية ويعتبرون الدولة الحقيقية هي تلك التي ينشئها المسيح المخلص اليهودي الذي سيظهر في آخر الأيام. وأشهر المجموعات الحسيدية هي مجموعة "الحسيديم اللوبافتش" ومجموعة الحسيديم الستمار" ويتميز الحسيديم بلباسهم الأسود وبالرقص والغناء في عبادتهم. وهم في الغالب يتكلمون "اليديش" (وهي لغة خليط من الألمانية القديمة والسلافية والعبرية)، وليس للحسيديم أحزاب سياسية خاصة بهم إلا أنهم في كثير من الأحيان يؤيدون بعض الأحزاب الدينية في الانتخابات ويصوتون لها. وبعض المجموعات الحسيدية تعيش في مستوطنات خاصة بها أو في مناطق في المدن مثل منطقة "مئة تحاريم" في القدس. وهم مثل بقية اليهود الحريديم يتناسلون كثيرا وليس من الاستثناء النادر وجود عشرة أطفال لعائلة واحدة، والكثير من أبناء الحسيديم يدرسون في المدارس الدينية ولا يخدمون في الجيش "الإسرائيلي" وتقدم الدولة معونة لهم لسنين طويلة أثناء دراستهم. وللحسيديم أيضا مؤسسات تجارية وصناعية يعملون بها، وكذلك لهم مؤسساتهم التربوية ومدارسهم التي تستلم مساعدة من الحكومة أيضا. والغالبية العظمى من الحسيديم موجودون خارج "إسرائيل" خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية. والحسيديم عادة يهود أشكينازيم ونادرا ما يوجد بينهم شرقيون. ونظرة اليهود الحسيديم إلى العرب هي في الغالب نظرة سلبية وعند بعضهم هي نظرة عنصرية.   نسمع عن يهود يسمون حراس المدينة ناتوري كارتا، ماذا عن هؤلاء؟   هم من المجموعات الدينية غير الحزبية، وهذه المجموعة موجودة في فلسطين قبل نشوء الدولة. وهي من المجموعات التي رفضت الصهيونية وعارضتها ومازالت، وتعتبرها حركة ضارة بالشريعة اليهودية ومناقضة لها، وبسبب ذلك فإن هذه المجموعة تعارض إقامة دولة يهودية وتعتبر "إسرائيل" دولة كافرة وليست دولة يهودية لأنها في رأي هذه المجموعة تعوق ظهور المسيح المخلص اليهودي الذي هو في رأيها سينشئ الدولة اليهودية طبقا لشريعة موسى. وبسبب ذلك فهم يحرمون على أنفسهم العمل مع الدولة ولا يشاركون في نشاطاتها بل ولا يشاركون في انتخاباتها. ولهؤلاء مجلس حاخامين وهو الذين يرشدهم ويوجههم، كما أنهم يطالبون بتطبيق الشريعة اليهودية في كل مناحي الحياة وهم يستعملون العنف أحيانا من أجل ذلك. ويمنعون غير المتدينين من الدخول إلى مناطقهم ويضيعون إعلانات بهذا الشأن في الأماكن العامة والشوارع. ولهؤلاء مدارسهم الخاصة بهم. وهم في الغالب لا يأخذون أموالا من الدولة لمدارسهم بل إن الجماعة نفسها هي المسؤولة عن التمويل. وهم لا يدرسون الموضوعات غير الدينية في مدارسهم مثل التاريخ ويحرمون تدريس اللغات الأجنبية وهم يتكلمون "اليديش" في حياتهم اليومية ويعتبرون الكلام باللغة العبرية محرما لأن العبرية في رأيهم لغة مقدسة. ولهذه الجماعة محكمتها الخاصة بها. وهم لا يأكلون طعاما إلا ما تجيزه لهم محكمتهم وليس غيرها. ويتزوجون فيما بينهم ولا يزوجون شخصا من خارج الجماعة. وبالنسبة للقضية الفلسطينية فإنهم يؤيدون دولة فلسطينية، بل إنهم يريدون أن تقوم دولة للعرب واليهود على أرض فلسطين، ولهم علاقة ممتازة بالفلسطينيين وهم يتظاهرون دائما ضد وجود "إسرائيل" كما أنهم ينشرون بعض الأدبيات التي تعرض أفكارهم ومواقفهم.   نحن هنا في المغرب، نولي اهتماما كبيرا للقضية الفلسطينية والاحتلال الصهيوني لها، وهناك يهود مغاربة غرر بهم وهجروا إلى هذا الكيان، أسألك فضيلة الأستاذ عنهم، كيف هو حال اليهود الشرقيين وخاصة المغاربة؟ - غالبا ما يقسم المجتمع اليهودي "الاسرائيلي" إلى شريحتين رئيسيتين هما اليهود الاشكنازيم واليهود السفارديم وبينهما اثنيات صغيرة أخرى مثل الفلاشا والقوقاز وغيرهما ـ ويطلق الأشكنازيم على اليهود ذوي الأصول الأوروبية والسفارديم على غيرهم من أصول شرقية. ولكن الأفضل والأصح أن يطلق الاسم "الشرقيون" على من يسمون السفارديم وهم اليوم يهود الدول العربية وإيران وأفغانستان وغيرها. لأن "سفارد" اسم يطلقه اليهود عادة على شبه جزيرة إيبريا.   تقصد إسبانيا والبرتغال أجل، سفارديم أصلا تطلق على اليهود من شبه جزيرة إيبريا. وكان يهود البلاد العربية قد وصلوا إلى "إسرائيل" بعد ظهور الدولة بفترة قصيرة. ولما كانت الدولة غير مستعدة لإسكان مئات الآلاف في بيوت مناسبة فقد وضعوا في بيوت موقتة وتكونت من هذه البيوت شبه مدن كبيرة سميت (معبروت) (انتقالية)، وكانت هذه المجمعات مزدحمة ووسائل العيش والراحة فيها بدائية. كما كان هؤلاء اليهود يعاملون من قبل موظفي الوكالة اليهودية ـ الذين كانوا في الغالب أوروبيين ـ معاملة قاسية تتسم بالتعالي والإهانة. كما كانوا يستهزئون بالسلوك الديني للمهاجرين ويجبرونهم علي مخالفة الدين بإجبارهم على أكل اللحم غير الحلال وقص جدائلهم ونزع الغطاء (القلنسوة)من رؤوسهم. وكان يهود اليمن قد اشتكوا من ذلك كثيرا. كما أن يهود اليمن مازالت عندهم مشكلة قديمة مر عليها خمسون سنة ومازالت لم تحل إلى الآن. فهؤلاء يتهمون الموظفين المسؤولين في هذه المجمعات الانتقالية بأنهم سرقوا منهم آلاف الأطفال عند ولادتهم من المستشفيات وأعطوهم ليهود آخرين، ومازال هؤلاء يطالبون بالتحقيق في هذه القضية وكشف الحقائق عنها. وكنت قد كتبت أكثر من مقال عن هذا الموضوع.   وكيف يعامل اليهود المغاربة في "إسرائيل"؟ معاملة اليهود المغاربة لم تكن تقل سوءا عن معاملة اليهود الشرقيين الآخرين، وقد عرض قبل سنتين فيلم وثائقي في القناة الثانية للتلفزيون "الإسرائيلي" عن هجرة اليهود المغاربة إلى "إسرائيل" وكان عنوان "الفيلم" "الرياح القديمة، التاريخ المغربي" وعرض الفيلم في أربع حلقات، وقد تطرق إلى حياة اليهود في المغرب قبل هجرتهم ووصفها بأنها كانت حياة مريحة تتسم بالأمن والسلام. وقد انتقد الفيلم معاملة يهود المغرب في "إسرائيل" حيث عوملوا كمواطنين من الدرجة الثانية وأوكلت لهم أعمال دونية لخدمة الأشكنازيم ومصالحهم السياسية. وقد أدلى بعض الشخصيات اليهودية المغربية بشهاداتهم وذكروا تجاربهم التي مروا بها والمعاملة السيئة التي كانوا يلقونها من الأشكنازيم. وكان من الذين أدلوا بشهادتهم شلومو بن عامي وزير الخارجية "الإسرائيلي" الأسبق. وطبقا لما ورد في الفيلم فإن اليهود الأشكنازيم سخروا من ثقافة المغاربة وحاولوا تدمير هويتهم وشخصيتهم، وأثاروا الأبناء ضد الآباء كما شجعوا الثقافة الأحادية وهي الثقافة الأشكنازية العلمانية كي تدخل في وجدان اليهودي المغربي. ويشعر أولاد وأحفاد يهود المغرب بالحيف والظلم التاريخي الذي لحق بهم من قبل الأشكنازيم. وقد أثار الفيلم جدلا ونقاشا استمر لفترة طويلة بين الفئتين، وقد علق اليهودي المغربي دانيال بن سيمون (وهو صحفي ومؤلف) أنه من الممكن أن يتغاضي اليهود المغاربة بعد طول هذه الفترة عما حدث، ولكن هناك شعور بالألم بينهم بل وبين كل اليهود من شمال أفريقيا والشرق الأوسط. وإذا لم تسمع "إسرائيل" لهذه الآلام فإنها تنتهي. وقال: إنه ليس مهما أن يكون بعض الوزراء في الحكومة من اليهود الشرقيين بل المهم أن يصبح هؤلاء جزءا من البلد وجزءا من المؤسسة. ومنذ الثمانينيات أخذ اليهود المغاربة ينشئون أحزابا مثل حزب شاس ومنظمات مثل منظمة "قوس قزح" التي تطالب بالمساواة والعدالة بين اليهود الشرقيين والغربيين. كما كتب الكثير من اليهود الشرقيين روايات وقصص تعبر عن غضبهم للتجربة السيئة التي مروا بها عند قدومهم إلى "إسرائيل" ولكن أكثر اليهود الشرقيين في مدن التطوير، وهي مدن من الدرجة الثانية في "إسرائيل".   - اسمح لي بالانتقال إلى محور آخر لا يقل خطورة وأهمية، ويتعلق بالمسيحية والصهيونية والتداخل والتحالف بينهما حاليا في الإدارة الأمريكية، فاليمين المسيحي يؤمن بقيام "إسرائيل" ولكنه أيضا يؤمن بضرورة إدخال اليهود في الدين المسيحي كيف ينظر اليهود إلى ذلك  المسيحيون الصهيونيون (هم سموا كذلك لأنهم يؤمنون بالفكر الصهيوني على أساس ديني) يعتبرون وعد بلفور بإنشاء وطن قومي لليهود تحقيقا لما جاء من نبوءات في الكتاب المقدس وكذلك يعتبرون ظهور "إسرائيل" كدولة ضمن هذا السياق وأيضا حرب عام 1967 التي احتلت فيها "إسرائيل" مناطق واسعة من الأراضي العربية. وطبقا لتأويلاتهم لعبارات في الكتاب المقدس فإن هؤلاء يعتبرون وجود "إسرائيل" كدولة مقدمة لابد منها تسبق الظهور الثاني للمسيح عيسى الذين ينتظرونه. ولذلك هم يساعدونها ماديا ويؤيدونها سياسيا ويعتبرون أعداءها أعداءهم، ولابد أن نذكر هنا بأن ما يقول به هؤلاء إنما هو مبني على تأويلات قابلة للرد والنقض. وأكثر المسيحيين الآخرين لا يقولون بذلك ولا يؤمنون به. وأكثر المسيحيين الصهيونيين يعتقدون بأن اليهود سيقبلون رسالة عيسى ويؤمنون به عندما يظهر مرة أخرى، وبعضهم يقول إنه بعد حدوث معركة "الهرمغدون" قبل ظهور عيسى الثاني سيقتل نصف اليهود والنصف الآخر الذي سيبقى سيؤمن برسالة عيسى. وبعض هؤلاء يقول بضرورة التبشير بين اليهود ليعتنقوا المسيحية من أجل خلاصهم، وهذا يثير غضب اليهود.   كيف يستقبل اليهود هذا؟ نظرة اليهود إلى كل هذا ليست واحدة، فاليهود الأرثوذكس (متشددون وغير متشددين) يرفض ما يقوله هؤلاء ويعتبرونه إهانة لهم ولدينهم ولذلك فإنهم لا يقبلون مساعدتهم ويرفضون التعاون معهم إلا بعض الأفراد. ولكن أكثر اليهود لا يهتمون بما يقول به هؤلاء بل ويعتبرون أقوالهم سخفا من القول. والمهم عندهم الحصول على أكبر قدر ممكن من المنافع المادية والمعنوية وهذا هو رأي السياسيين في "إسرائيل" العلمانيين والقوميين مثل ييريز وشارون ونتنياهو.   ماهي نقاط الاتفاق بين المنظمات اليهودية المتطرفة والمسيحيين الصهيونيين؟ - تتفق المنظمات المسيحية الصهيونية والجماعات اليهودية المتطرفة على نقاط كثيرة وأهم هذه النقاط هو العمل المستمر والمثابر للاستيلاء على كل فلسطين. ومن أجل هذا تصرف المنظمات المسيحية أموالا طائلة كثيرة على توسعة المستوطنات الحالية وبناء مستوطنات جديدة. كما أنهم يقومون بالتعاون مع الجماعات اليهودية المتطرفة -مثل "عطرة كهونيم" (تاج الكهنة)- في الاستيلاء على بيوت الفلسطينيين بالغش أو الخداع أو القوة خاصة في مدينة القدس. كما أن هذه المنظمات والجماعات تتعاون على جلب اليهود وإسكانهم في الأراضي المحتلة والذين ينفقون على ذلك هم المسيحيون الصهيونيون. وكان لهؤلاء دور كبير في جلب مليون مهاجر روسي إلى "إسرائيل" في السنوات القليلة الماضية. وقد تخصص عمل بعض المنظمات المسيحية في جلب المهاجرين إلى إسرائيل حتى لو كان هؤلاء مشكوكا في يهوديتهم، وعمل هؤلاء يعتمد على تأويلات لبعض عبارات الكتاب المقدس في أن جمع اليهود في فلسطين يعجل بظهور عيسى مرة أخرى. وتتعاون المنظمات المسيحية هذه مع المنظمة اليهودية المتطرفة المعروفة باسم "منظمة أمناء جبل الهيكل" على الإنفاق والتخطيط لتهديم المسجد الأقصى وبناء ما يسمى "الهيكل اليهودي الثالث". وعملية التخطيط هذه قائمة اليوم على قدم وساق. وقد أنشئت مؤسسات من أجل هذا الغرض، وأهم هذه المؤسسات معهد اسمه "معهد الهيكل" حيث تعرض فيه الأدوات التي ستستعمل في الهيكل المقبل وملابس الكهنة والمنوراة (الشمعدان) الضخمة الذهبية التي ستكون في وسطه، وهؤلاء اليهود يعتقدون بأن الهيكل اليهودي كان مكان الحرم القدسي الشريف ولذلك يجد تهديمه وبناء الهيكل مكانه.   ويعتقد اليهود المتطرفون أن بناء الهيكل اليهودي يجب أن يسبق ظهور المخلص اليهودي ولذلك يجب بناؤه حتى يكون مهيئا لظهوره. والمسيحيون الصهاينة يعتقدون أيضا بأن بناء الهيكل الثالث هو أيضا مقدمة للظهور الثاني للمسيح عيسى. ومعروف أن هذه الآراء معتمدة على تأويلات ليس لها نصيب من الصحة بل هي إيدلوجية سياسية مغلفة بتأويلات دينية، وأغلب المسيحيين لا يؤيدونها كما ذكرت ويتفق المتطرفون المسيحيون واليهود على اعتبار الفلسطينيين عدوا، فاليهود المتطرفون يعتبرون الفلسطينيين عائقا أمامهم للاستيلاء على ما يقولون أنها أرضهم على الرغم من أن سكان الأرض الأصليون هم الفلسطينيون واليهود هم القادمون إليها من الخارج. وينظر هؤلاء اليهود إلى الفلسطينيين على أنهم أحفاد العماليق الذين جاء ذكرهم في التوراة كأعداء لبني إسرائيل يلاحقونهم ويؤذونهم بعد خروجهم من مصر. وينظر هؤلاء إلى كل من يقاومهم على أنه من أحفاد هؤلاء العماليق. وقد جاء عن هؤلاء في سفر الخروج "وقال الرب لموسى: "اكتب هذا ذكرا في كتاب وضع في أذني يشوع أني سأمحو ذكر عماليق محوا من تحت السماء... وبنى موسى مذبحا وسماه "الرب رايتي" قال "إن يدا قد ارتفعت على عرش الرب والحرب قائمة بين الرب وعماليق من جيل إلى جيل" ولذلك فإن قتل الفلسطينيين عند هؤلاء لا يثير فيهم وخزة ضمير. وقد قال أحد حاخامي هؤلاء بأن المقبوض عليهم من الفلسطينيين المقاومين يجب أن تجرى عليه التجارب العلمية كالحيوانات. والمسيحيون الصهيونيون يعتقدون بأن العرب هم أعداء لشعب الله المختار (اليهود) ومن يؤذيهم يؤذي الرب كما يقولون وهؤلاء يقومون بكل ما يستطيعون لإيذاء العرب سياسيا وعسكريا واقتصاديا من خلال جماعات الضغط في الولايات المتحدة الأمريكية. ـــــــــــــــــــــــــــــــ           مقابلة مع الدكتور جعفر هادي حسن أجرتها مجلة"العودة"(العدد 123 -2002) التي تصدرفي لندن                                                                                       قابله مدير التحريرالسيد عرفات ماضي                                                                             نظرا لما يمر به الكيان الصهيوني من تغييرات سياسية مهمة ورغبة في معرفة مدى تأثير الإنتفاضة على هذا الكيان بمختلف النواحي،استضافت"العودة" الخبير المختص في الشؤون اليهودية والإسرائيلية الدكتور جعفر هادي حسن ليبين لنا حقيقة ما يجري هناك.فالى الحوار        بصفتكم خبيرا ومتخصصا في الشؤون الإسرائيلية كيف ترى الوضع الداخلي للكيان الصهيوني بعد سنتين من الإنتفاضة إنه من الواضح لكل من له معرفة بالموضوع الإسرائيلي الداخلي قبل الانتفاضة وبعدها أن إسرائيل اليوم هي غير إسرائيل قبل سنتين. فقد غيرت الانتفاضة فيها أشياء كثيرة وجعلت الوضع الداخلي يسير من سيئ إلى أسوأ. وربما كان الوضع الاقتصادي أكثر تأثرا من غيره. فقد وصلت البطالة إلى مستوى لم تشهدها الدولة من قبل كما هبط مستوى المعيشة بنسبة 6% وأغلق الكثير من الشركات والمشاريع الخاصة حتى أن منظمة "لهف" التي تمثل الشركات الخاصة ذكرت أن حوالي ثلاثين ألف (30000) شركة ومحل تجاري قد أغلق في السنة الماضية وحدها. كما أن صادرات التقنية المتقدمة التي تعتبر مصدرا رئيسا للاقتصاد الإسرائيلي قد انخفضت بنسبة 16% في هذه السنة وهي مستمرة بالانخفاض. أما بالنسبة إلى السياحة فهي اليوم قد وصلت إلى أدنى معدلاتها وليس السياح الأجانب وحدهم توقفوا عن الذهاب إلى إسرائيل بل الكثير من يهود الخارج توقفوا أيضا عن زيارتها. وقد اضطرت وزارة السياحة أن ترسل الرسائل تلو الرسائل تستثير فيها حمية اليهود وتستدر عطفهم وتذكرهم بحاجة إسرائيل لهم وتقول لهم "وهذا هو الوقت الذي تحتاج فيه إليكم وهذا هو الوقت الذي تتضامنون فيه مع إسرائيل". وقد أوجزت محررة الصفحة الاقتصادية في مجلة الجيروسلم بوست الوضع الاقتصادي بقولها "أنه ليس سرا أن الوضع الاقتصادي خلال السنتين الماضيتين هو أسوأ وضع في تاريخ إسرائيل". كما أن الوضع الأمني في البلد أصبح شديد التدهور وأصاب السكان التوتر والرعب وغير الكثير منهم سلوكه الاجتماعي وقد عبرت إحدى المعلمات عن ظاهرة الخوف التي تعم الناس بقولها لتلاميذها "إذا ترك كل الإسرائيليين الخائفين إسرائيل فإنه ببساطة سوف لا تكون هناك إسرائيل". كما أن رفض مئات الضباط والجنود الخدمة في الجيش هو مؤشر مهم على أن الانتفاضة أثرت حتى على المؤسسة العسكرية التي ترتكز عليها الدولة. أما الوضع السياسي فيكفي أن نذكر أن الحكومة التي كانت تصارع منذ فترة من أجل البقاء قد لفظت أنفاسها الأخيرة وسقطت ماهو حجم المأزق الذي يواجهه الكيان الصهيوني في ظل تواصل الإنتفاضة المأزق الذي تواجهه إسرائيل هو مأزق كبير إذ هي تبدو عاجزة أمام صلابة الانتفاضة وقوتها. فقد وعدت الحكومة السكان بالأمن ولكن الذي حدث ليس فقط أن الأمن لم يتحقق بل أصبحت حالة "اللا أمن" هي السائدة في البلد. وقد فقد الناس الثقة بحكومتهم وبمؤسساتها وأخذوا يشتكون من ذلك. ومن مظاهر مأزق الحكومة أنها تعلن بين فترة وأخرى عن مشروع سلام جزئي ومرحلي كما أنها تبني الآن ما تسميه الجدار الواقي، وأقامت جدارا أخر في الخليل والجيش يدخل ويخرج كل يوم إلى الأراضي المحتلة وهكذا. فهي في الواقع لا تدري ماذا تفعل. وقد عبر عن هذا المأزق عميرام متسناع، الزعيم الجديد لحزب العمل، بقوله "إن الدولة تعيش مأزقا عميقا ومستمرا وأنها على حافة هاوية وهي تقترب منها يوما بعد يوم". كما أن التقرير الذي تضمن ما سمي بإعلان طبرية وما تلاه من اجتماعات يؤكد الأزمة العميقة في إسرائيل. وكان الإعلان المذكور قد شارك في وضعه عشرات المفكرين والمختصين الإسرائيليين. وقد أشرف على وضع هذا التقرير الجنرال دايان الرئيس السابق لمجلس الأمن القومي – ويرى هذا الجنرال بأن على إسرائيل إذا أرادت أن تتفادى الكارثة أن تعين حدودها وتتفق مع الفلسطينيين على خطة السلام. الكيان الصهيوني بختلف فئاته يتجه نحو التطرف والعنصرية أكثر فأكثر هل توافق على هذا الرأي هذا صحيح ولكن ظاهرة التطرف في المجتمع الإسرائيلي ضد العرب ليست ظاهرة جديدة وهي لا تقتصر على فئة دون أخرى فهي موجودة بين العلمانيين والمتدينين . وأوضح مثال على ذلك هي الأحزاب من هاتين الفئتين فهي في أكثرها أحزاب متطرفة وإن اختلفت نسبة التطرف. ويبدو لي أن أهم سبب لهذه الظاهرة هو المناهج الدراسية التي تزرع الحقد والكره في نفوس التلاميذ منذ الصغر. حيث ينشأ الطفل ويكبر وفي ذهنه صورة سلبية دونية عن العربي بصورة عامة والفلسطينيين بصورة خاصة. وتبرز هذه الظاهرة وتتجلى أكثر عندما تكون هناك ظروف مواتية كما هي الحال في الوقت الحاضر حيث وجود حكومة متطرفة تستغل الماكينة الإعلامية الضخمة إلى حدها الأقصى في توجيه مشاعر السكان ضد الفلسطينيين حيث تظهر لهم هذه الماكينة صورة الفلسطيني المدافع عن أرضه والمقاوم في سبيل حقوقه وهو مجرد عن كل الصفات الإنسانية. كما تظهر لهم ما تقوم به حكومة شارون من قتل للناس وتدمير لممتلكاتهم ومن سلب لوسائل عيشهم على أنه مكافحة للإرهاب. وعندما تترسخ هذه الصورة في ذهن الإسرائيلي فإنه يفقد القدرة على التفكير الموضوعي في أسباب مقاومة الشعب الفلسطيني وإصراره على الدفاع عن نفسه وتكمن خطورة هذا التطرف اليوم في أن المتطرف أصبح مرادفا للوطني والتطرف مرادفا للوطنية وأخذ المتطرفون ينظرون إلى كل من يدعو إلى السلام - في الوقت الحاضر- على أنه عدو لليهود وكذلك أصبحت أصوات المطالبين بالسلام وإنهاء الاحتلال أصواتا خجولة خافتة قليلة. إن ما لا يفهمه المتطرفون هو أنه كلما ازداد تطرفهم اشتدت مقاومة الفلسطينيين لهم وازداد إصرارهم على التخلص من الاحتلال. فقد استعملت الآلة العسكرية ولذلك فإن ما يأمله المتطرفون من إنهاء المقاومة بالقوة هو شيء بعيد المنال                                              . ماهي دلالات سقوط حكومة الوحدة الوطنية في الكيان الصهيوني على الإنتفاضة؟وهل هو بسبب ضغط الإنتفاضة > إن من أهم دلالات سقوط الحكومة هو أن الانتفاضة أثبتت أنها أقوى من الحكومة فالحكومة سقطت والانتفاضة باقية. ولهذا السقوط تأثير سلبي على معنويات السكان اليهود الذي لم يعودوا يثقون بحكومتهم. ومن المؤكد أن هناك علاقة بين سقوط الحكومة والانتفاضة فعلى الرغم من أن السبب المعلن لسقوطها هو الخلاف حول الميزانية إلا أن الخلافات حول مواجهة الانتفاضة كانت تعصف بها منذ فترة. فمرة يدخل وزير وأخرى يخرج أخر وثالثة يخرج حزب، إلى غير ذلك. وكمثل على هذه الخلافات هو الخلاف حول بناء “الجدار الواقي” فقد استمر النقاش بين أعضاء الحكومة لأشهر عدة، وحتى بعد اتخاذ القرار ببنائه فإن هناك من الوزراء من هو غير مقتنع بجدواه وفائدته. بل إن موضوع الميزانية والخلاف حولها أيضا له علاقة بالانتفاضة. ويرى بعض المختصين الإسرائيليين أن البلد سينهار إذا لم تستمر الحكومة القادمة لدورة كاملة. بينما يعتقد آخرون بأن الحكومة القادمة كسابقتها سوف لا تحقق الأمن ولذلك فإنها أيضا ستسقط
> الأحزاب اليمينية العنصرية في الكيان الصهيوني تتجه في الإنتخابات القادمة نحو التوحد تحت شعار طرد العرب من داخل الكيان.هل يمكن أن يقدم الكيان الصهيوني على ذلك في حال شكلت هذه ألأحزاب ثقلا في الإنتخابات                                                                     
إذا أصبحت الأحزاب المتطرفة هي المكون الرئيس للحكومة القادمة فإنها لا شك ستقوم بأعمال ضد الفلسطينيين أكثر قسوة وأشد وطأة وأكبر ضررا. ومن المحتمل أن يكون من هذه الأعمال إعادة احتلال كل مناطق الضفة الغربية وإدارتها. كما أنها ستعطي الحرية للمستوطنين وغيرهم من المتطرفين الآخرين ليعيثوا في الأراضي الفلسطيني فسادا ويروعوا سكانها. وستحاول الحكومة استعمال كل وسائل الضغط على الفلسطينيين كي تجبرهم على ترك أراضيهم وشعار طرد العرب هو شعار يرفعه زعماء الأحزاب المتطرفة ويؤمن به آخرون غيرهم. وهؤلاء لا يقصدون بذلك فلسطينيي الأراضي المحتلة وحسب، ولكنهم يقصدون عرب 48 أيضا. ولا بد أن نذكر هنا بأن فكرة الطرد هي فكرة حاضرة دائما في العقلية الصهيونية وفي السنتين الأخيرتين نوقشت هذه الفكرة من قبل عدد من المسؤولين والمختصين الإسرائيليين بسبب تأثير الانتفاضة. ومن المحتمل –إذا أصبحت الأحزاب المتطرفة في الحكم- أن تقر قانونا بطرد العرب كي يكون ورقة لترهيبهم وتهديدهم به كلما شعرت الدولة بضغط المقاومة. وأعتقد أن من الصعوبة بمكان أن يطبق مثل هذا القانون في الظروف الحالية –مع أنها ظروف مواتية لإسرائيل للفتك بالفلسطينيين- لأن القضية الفلسطينية تحظى بتأييد عالمي كبير أكثر مما كان عليه قبل سنوات. كما أن إسرائيل تتعرض للنقد والإدانة حتى من قبل دول أوروبية، وطردها للعرب بحجم أعداد الفلسطينيين يعرضها لمشكلة وجودية قد تستمر لسنوات طويلة. ووضعها الحالي الضعيف والآخذ بالضعف لا يحتمل ذلك. والفلسطينيون أنفسهم سوف يقاومون بشدة أي محاولة للترحيل، والدول العربية مهما كانت سياستها فإنها سوف ترفض استقبال أعداد هائلة ترحلهم إسرائيل بالقوة. ولكن إسرائيل قد تستغل ظروفا معينة كالحرب الأمريكية المحتملة على العراق وتقوم بترحيل غير جماعي لبعض المجموعات الفلسطينية بحجج كاذبة                                       
في ظل الوضع الإقتصادي والأمني المتردي الذي يعيشه الكيان الصهيوني وازدياد معدلات الهجرة العكسية اللى الخارج هل مازال الكيان الصهيوني قادرا على جلبمهاجرين من الخارج؟ ومن أين؟                                                                                                         
هجرة اليهود إلى إسرائيل لم تنقطع منذ إنشائها ولكن عدد المهاجرين يقل ويكثر تبعا للظروف الموضوعية. وبسبب الانتفاضة في السنتين السابقتين قل عدد المهاجرين كثيرا عما كان عليه في السابق. لذلك فإن إسرائيل لا تكتفي بإرسال مندوبي الوكالة اليهودية –المسؤولة عن الهجرة- بل إنها اليوم ترسل شخصيات معروفة –خاصة إلى يهود الولايات المتحدة الأمريكية- للضغط على اليهود كي يهاجروا. وقد كانت هناك محاولات جدية هذه السنة لجلب أعداد كبيرة من الأرجنتين بعد أن ساءت أوضاعها الاقتصادية، ولكن هذه المحاولات لم تنجح. <> وأعتقد أنه من الصعوبة بمكان أن تتمكن إسرائيل من جلب أعداد كبيرة في الظروف الحالية لأن وضعها الاقتصادي الضعيف وفقدان الأمن يجعل اليهود يفكرون أكثر من مرة قبل القدوم إلى إسرائيل، ومع ذلك فإن المحاولات لجلب المهاجرين من دول الاتحاد السوفيتي السابق وبعض دول أمريكا اللاتينية مستمر. وطبقا لتعديل ما يسمى بقانون العودة لعام 1970م فإن إسرائيل تجلب غير اليهود (من أي عقيدة) من الأقرباء المباشرين لليهودي المهاجر أو اليهودية المهاجرة! كما أن إسرائيل ليست وحدها التي تعمل على جلب اليهود بل إن المسيحيين الأصوليين أيضا يقومون بذلك. حيث جاء هؤلاء بآلاف اليهود إلى إسرائيل في السنين القليلة الماضية وساعدوهم ماليا. بل إن بعض منظماتهم تضمن الإنفاق عليهم لسنتين أو أكثر. وكما جاء في السؤال فإن معدل الهجرة العكسية قد ازداد خاصة أثناء الانتفاضة. ومع أن المهاجرين من إسرائيل يطلق عليهم “يرديم” بالعبرية – والتي تعني حرفيا المنحدرين- وهي في هذا السياق تتضمن انتقاصا من المهاجرين إلا أن أعداد هؤلاء في ازدياد حتى أن نائب وزير الاستيعاب “يولي ادلشتاين” قد اشتكى من ذلك. وكان عشرات الآلاف من يهود ألمانيا في إسرائيل قد قدموا طلبا إلى السفارة الألمانية للحصول على الجنسية الألمانية وهم بهذا يهيئون أنفسهم- على ما يبدو- للهجرة.
كيف ترى علاقة يهود الخارج باسرائيل في ظل الجرائم الوحشية التي ترتكبها اسرائيل؟ هل مازالت العلاقة كما هي أم حدث تغير ما؟                                                                    
لا شك أن العلاقة بين يهود الخارج ويهود إسرائيل قد طرأ عليها تغيير وتأثرت بسبب ما تقوم به إسرائيل من ممارسات لا إنسانية بحق الفلسطينيين. ففي السابق كان القليل من يهود الخارج يتجرءون على نقد إسرائيل ويصرحون بمعارضتهم لسياستها في الأراضي المحتلة. ولكن الكثير من يهود الخارج يعلنون اليوم إدانتهم لها وينتقدونها وهم يعبرون عن ذلك بكتابتهم المقالات والرسائل التي ينشرونها في الصحف ويوقعونها مع آخرين. والكثير من هؤلاء شخصيات معروفة في مجالات مختلفة في بريطانيا وفرنسا بل حتى في جنوب أفريقيا، حيث أصدرت جماعية يهودية على رأسها وزير وآخر حامل لجائزة نوبل بيانا بعنوان “عدالة لفلسطين” اتهموا فيها إسرائيل بأنها قوة استعمارية وطالبوها بالانسحاب من الأراضي المحتلة والجلوس مع الفلسطينيين إلى طاولة المفاوضات وقد وصلت الجرأة ببعض هؤلاء مثل جيرالد كوفمان العضو البارز في البرلمان البريطاني أن يصف شارون بأنه مجرم حرب. كما كان من المنتقدين لإسرائيل كثير من الحاخامين الذين اتهموها بأنها آخر قوة استعمارية في العالم وأنها قد تخلت عن المبادئ الأخلاقية وأنها تحرج الجماعات اليهودية في الخارج بما تقوم به وتسببه لهم من أزمة ضمير. حتى أن بعض هؤلاء الحاخامين قال “إن الرد العنيف من جانب الفلسطينيين هو الوسيلة الوحيدة التي يطمحون خلالها أن يغيروا حياتهم إلى الأفضل”. كما أن بعض الحاخامين قد أظهر تحولا في الرأي هذه السنة مثل الحاخام جونثان ساكس رئيس حاخامي الارثودكس في بريطانيا والكومنولث الذي كان في بداية الانتفاضة يذهب إلى إسرائيل في رحلة تضامن معها كما كان ينتقد الفلسطينيين على مقاومتهم للاحتلال. ولكنه في هذه السنة كتب مقالة في صحيفة الغارديان البريطانية ينتقد فيها شراسة حكومة إسرائيل وقسوتها تجاه الفلسطينيين. وقد أثارت مقالته هذه ردود فعل في بريطانيا وفي إسرائيل وبعد بداية الانتفاضة بفترة أخذ يهود الخارج يعقدون جلسات نقاش علنية بين المؤيدين لسياسية إسرائيل والمعارضين لها، بل وأصبحت هناك خلافات علنية بين هاتين الفئتين كما حدث بين يهود فرنسا. بل إن بعض المؤيدين لإسرائيل أخذوا يطرحون أسئلة على أنفسهم حول صحة مواقفهم. كما أن بعض المنظمات اليهودية في الخارج –التي كانت ترسل آلاف الشباب سنويا إلى إسرائيل- قد توقفت عن ذلك. وقد أثار هذا حنق إسرائيل وغضبها واتهمت مسؤولي هذه المنظمات بالجبن. وكل هذا التغيير يرجع في أساسه إلى الانتفاضة.
 
 
مقابلة مع صحيفة القدس العربي اللندنية في 28-5-1996
الأقوال السافرة في أحوال النخبة العربية المسافرة (23)
جعفر هادي حسن:
أمتنا مهزومة ومثقفها الرائج منافق!
 
نوري الجراح
 
هنا، في هذا التحقيق، مثقفون عرب مهاجرون ومنفيون، شعراء، نقاد، أكاديميون، صحافيون، فنانون في نزهة خفيفة تارة، وكئيبة تارة أخرى، ولكن بعيداً عن الرقابة الصارمة، يتحدثون بشيء من الشفافية عما هو مسكوت عنه في علاقات الثقافة والمثقفين، ويتواجهون مع السؤال من مواقع مختلفة، فتتعدد المقولات وتتعدد زوايا التشخيص لنقف في النهاية، على “خطابات مهاجرة” تفيض بأفكار وهموم وحيثيات تتصل بأحوال استثنائية من حياة الثقافة العربية الحديثة.
 
جعفر هادي حسن باحث وأكاديمي عراقي غادر بلاده الى بريطانيا عام 1971 بعد حصوله على الماجستير في اللغة العربية، ثم درس في جامعة مانشستر للبكالوريوس والماجستير والدكتوراه، وانتهى منها عام 1979 متخصصاً في اللغات السامية والعبرية خاصة والدراسات اليهودية، حاضر في عدد من الجامعات في بريطانيا واصدر عدداً من الكتب اليهودية.
من مؤلفاته:
“فرقة الدونمة بين اليهودية والإسلام” لندن – 1996.
“فرقة القرّائين اليهود” بيروت – 1989.
“اليهود الحسيديم” دمشق بيروت – 1994.
وله العديد من البحوث والدراسات حول الاتجاهات الفكرية والدينية اليهودية في إسرائيل والعالم. وقد كتب بعض المواد لدائرة المعارف الإسلامية.
يدير حالياً مركز اللغة العربية لتعليم الأجانب في لندن.
 
هل تظن أن اقامة الثقافة العربية المترحلة بين مدن أوروبا هي اقامة مؤقتة، أم انها اقامة مرشحة لأن تطول؟
وجود الثقافة بوجود المثقفين، والمثقفون العرب، كما اعتقد، باقون هنا وليس في نية أكثرهم ترك المهجر. إذ أنهم عاشوا هنا لفترة طويلة، ومدوا لهم جذوراً في هذا الجزء من العالم، وكلما مرت فترة أطول فإن هذه الجذور تتسع وتترسخ. لقد كان الكثير منا يعتقد في السنين الأولى من مجيئه إلى هنا بأن اقامته مؤقتة، وكنا نحدث أنفسنا بقرب العودة، لكن ذلك لم يحدث، ومرت السنون ونحن ما زلنا هنا. وفي حالتي وحالة الآخرين مثلي، فإن الظروف التي فرضت علينا البقاء هنا ما زالت كما هي لم تتغير. وحتى لو زالت هذه الظروف في الغد القريب أو بعده، فليس من السهولة اتخاذ القرار بالعودة. فلقد تشعبت حياة الواحد منا – كما ذكرت – وتعتقدت خلال هذه الفترة. ولذلك اعتقد بأن الثقافة العربية هي هنا لتبقى وقد يكون من نتائجها أدباً مميزاً عما نعهده في البلاد العربية حيث تكون الهجرة ومعاناتها ومشاكلها جزءاً من قضايا هذا الأدب، وحيث تكون لغة بلد المهجر هي اللغة التي يكتب بها هذا الأدب.
ما هو تقييمك لعلاقة الأدب والفكر بالصحافة المهاجرة، وكيف يتراْى لك هامش الحرية المتروك لمبدع والباحث في هذه الصحافة التي لم يكن هو في أساس التخطيط لانشائها؟
يعاني الباحث والمبدع كثيراً من قضية النشر في الصحافة المهاجرة، خصوصاً ذلك الباحث أو المبدع الذي لم يتسلق سلم الشهرة بعد والذي هو ليس جزءاً من شلة معينة يستند إليها ويعتمد عليها لتوطئة الطريق أمامه. إن مسألة العلاقات الشخصية والشللية في الصحافة العربية في المهجر هي ظاهرة معروفة ولا تحتاج إلى دليل لاثباتها. وهذه الظاهرة أثرت وما زالت تؤثر على نفسية عدد غير قليل من المبدعين والباحثين. وحرية النشر للباحث والمبدع تتوقف، أحياناً، على مزاج مسؤول “الصفحة” في الصحيفة أو المجلة. فهو قد لا ينشر للشخص لأنه  لايحبه أو يحسده أو يختلف معه مذهبياً أو ايديولوجياً او لسبب تافه كأنه يتصور بأنه لا يعامله المعاملة التي يستحقها. وتجد أحياناً أبواب النشر مفتوحة على مصراعيها في هذه الصحافة لأناس هم أبعد ما يكونون عن الابداع والبحث الجاد، لأنهم مؤثرون أو أصحاب علاقات خاصة بالذين يروجون النشر لهم. وبهذا تتحمل الصحافة قسطاً من المسؤولية في أنها تجعل من بغاث الطير نسوراً.
 
ايجابيات
لكن أما من جزء مشرق في الصورة، اما من جدوى ما وراء ألم الغربة والاغتراب واللجوء والتشرد، لدى هذا الجسم المهاجر من الثقافة العربية؟
بلى، بالتأكيد، وعلى الرغم مما يواجهه المثقف العربي من مشاكل وآلام واحباطات في بلد الهجرة، فإن هذه الهجرة لا شك تفتح له أفاقاً مختلفة وقنوات متعددة يطل من خلالها على عوالم جديدة يثري بها ثقافته وتزداد معرفته، بل وكثيراً ما تكون سبباً في خلق أفكار جديدة. وسبب وجود هذه القنوات والآفاق هو الحرية النسبية التي يتمتع بها المثقف المهاجر هنا، والتي هي غير متوفرة في الوطن الأم. وبهذا الاعتبار يكون المثقف في بلاد الهجرة أكثر حظاً من زميله هناك. لكن هذه الحرية الواسعة أيضاً لها جانب سلبي حيث تشجع من لا يحسن الكتابة ولا يجيدها على نشر التافه والرديءفيختلط على القارئ الغث بالسمين.
 
المثقف المنافق
أما تظن أن المثقف العربي ساهم بقسط من جهده الواهم، أو المنافق في صناعة الاستبداد؟
بلى، والمثقف المنافق ظاهرة توجد في كل زمان ومكان. وعصرنا الحاضر ليس استثناء من ذلك. والمثقف المنافق هو نموذج خطر لأنه يزيف التاريخ وحقائقه من منطلق ذاتي نفعي. فهو مثلاً يجلو صورة الدكتاتور والفاسد ويحسنها فيجعل من الأول بطلاً ومن الثاني قديساً.
ومجتمعنا مع الأسف يشجع على بروز مثل هذا المثقف، لذلك كثر وجوده بيننا، بل إنه يتمتع بموقع اجتماعي لا يتمتع به غيره من المثقفين الذين لا يعرضون أقلامهم لمساومة.
على هذه الخلفية كيف ترى الى علاقة المثقفين العرب في ما بينهم، وما هو تقديرك لها، هل هي في مستوى التحدي الانساني المؤلم للهجرة أم انها أقل من هذا الشرط؟
العلاقة بين المثقفين العرب ليس بالمستوى المطلوب. فهي بصورة عامة علاقة تتحكم فيها المصلحة والايديولوجيا، فأنت ترى، مثلاً، أصحاب المصلحة المتبادلة يرتبطون ببعضهم أكثر من غيرهم وأصحاب الاتجاه الايديولوجي الواحد هم أشد ارتباطاً وعلاقة وأكثر تقارباً ومنافعة. (استعملت هذا المصدر بمعنى “تبادل المنفعة” من الفعل “نافع” الذي لم أعثر عليه في المعجمات العربية). وقد لا أجانب الحقيقة إذا قلت بأنه ليست الايديولوجيات المختلفة وحدها تسبب الإختلاف، بل ان العلاقة بين هؤلاء تتسم بالسلبية في كثير من الأحيان ومحاولة الاضرار بالآخرين والنيل منهم. كما ان البعض من هؤلاء – وبكل أسف – يستغلون الحرية المتوفرة في بلاد الهجرة للطعن بزملائهم والتنكيل بهم. ومما يؤثر على هذه العلاقة الى حد ما روح التعالم والاعتقاد المزيف بالأفضلية التي تطغى على عقول بعض المثقفين. وكنت أتمنى أن يتعلم هؤلاء في هذا الأمر بالذات شيئاً من مثقفي أبناء بلد المهجر كي يهجروا عالمهم الخيالي “عالم الفنتازيا” وينزلوا الى عالم الواقع. وخلاصة ما أريد أن اقوله بأن العلاقة السائدة بين المثقفين العرب هنا تحتاج الى أن تتخذ شكلاً آخر كي ترتفع الى مستوى التحدي الإنساني للهجرة.
 
لا حوار
كيف تبدو لك العلاقات القائمة بين المثقفين العرب والأوروبيين – بريطانيا – نموذجاً؟ أهي علاقة قائمة، أهي مفتوحة على إمكانات الحوار، أم هي غير قائمة اصلاً، وليس للمثقف العربي المتشرد غير انتاج “علاقات الغيتو” في فضاء غريب؟
ليست هناك علاقة بين المثقفين العرب والبريطانيين بالمعنى الذي يقصده الشق الأول من السؤال. فالمثقف العربي بصورة عامة – على الرغم من كونه في المهجر – يهتم بالقارئ العربي ويكتب له باللغة العربية. وما ينتجه المثقف العربي هنا بهذه اللغة لا يطلع عليه المثقف البريطاني ولا يعرفه لأنه لا يجيد هذه اللغة. ومن أجل أن يعرف هذا المثقف ما يكتبه المثقفون العرب فلا بد أن يقرأ شيئاً بلغته. وما يترجم إلى اللغة الانكليزية وما يكتب بها من قبل العرب قليل نسبياً، ولا يعطي فكرة عما يريد أن يقوله المثقف العربي ويفكر به.
ثم أن المثقف البريطاني لا يهتم كثيراً بالبحث عن نتاج المثقفين العرب، ولذلك فإن على هؤلاء المثقفين أن يقتحموا الساحة الثقافية هنا ويشاركوا في نشاطاتها ليقيموا العلاقة المطلوبة. والعلاقة الحالية هي ليست في صالح المثقف العربي فهو ما يزال المتلقي والمتأثر ولا بد له ان يخرج من هذه الحالة ليكون مؤثراً.
أما إمكانية الحوار بين المثقف العربي والبريطاني فهي ممكنة، وعلى المثقف العربي أن يبادر هو الى ذلك. إذ أن المثقف البريطاني – كما اعتقد – لا يهمه الحوار كثيراً مع المثقف العربي، إذ ان له قضاياه التي يهتم بها ويعطيها الأولوية وليس الحوار مع ثقافتنا هو احدى هذه الأولويات. وإذا كانت هناك بعض اللقاءات والحوارات فهي عن اشياء أخرى يأتي الحوار الثقافي فيها في نهاية السلم منها.
 
اشكالية الهوية
هل تميز بين الجيل الذي نمثله في العشرين سنة الأخيرة والجيل الذي سيمثله ابناؤنا بالنسبة إلى اللقاء مع الآخر أو الارتطام الحضاري به؟
جيلنا يختلف كثيراً عن جيل ابنائنا، فقد هاجر جيلنا وهو يحمل همومه وشيئاً من تراثه. أما جيل ابنائنا فهو جيل لم يحمل من هذه الهموم شيئاً ولا يعرف من التراث ما نعرفه، أنه لا يجيد حتى معرفة اللغة التي كتب بها هذا التراث، ولا أقصد بذلك بأنه لا يتكلم هذه اللغة، إذ أن الكثير من جيل ابنائنا يتكلمها، لكن معرفته بها تقف عند هذا الحد. وهذا ليس كافياً في الاطلاع على التراث وفهمه وبديهي أن معرفة اللغة هي أهم وسيلة لمعرفة التراث. ونحن قد أهملنا هذا الجانب في بلاد الهجرة، فلم نهتم، وما زلنا لا نهتم بتعليم ابنائنا اللغة الأم حيث الهتنا عن ذلك مصالحنا ورغباتنا الشخصية في تحقيق ذواتنا، أو أن دوامة الحياة المعقدة جرفتنا من دون التفكير بأننا نهمل شيئاً مهماً. وقد اصبحت لغة بلد المهجر هي اللغة الأم لجيل ابنائنا وأصبح انقطاع هذا الجيل عن التراث حتمياً. ونتيجة هذا الانقطاع ستضعف علاقته بأمته ويقل ارتباطه بها، وسيكون أيضاً ضعيفاً أمام الحضارة الأخرى التي يعيش في كنفها كل يوم، وستبقى مسألة اندماجه في هذه الحضارة مسألة وقت لا أكثر. وإذا لم يحدث الاندماج الكامل لهذا الجيل، فإنني اعتقد بأنه سيحدث للجيل الذي يليه، خصوصاً إذا بقيت الأمور تسير على ما هي عليه الآن، وعندئذ أيضاً ستظهر اشكالية الهوية بشكل واضح.
 
الأمة المهزومة
هل تظن، خلاصة، اننا مهاجرين ومقيمين أبناء أمة تمت هزيمتها من دون أن يملك جميع ابنائها الجرأة على الاعتراف بذلك؟
نعم، نحن اليوم أمة مهزومة وقد يكابر بعضنا في هذا، لكنه لا يغير من الواقع شيئاً، فقد أصبحنا جزءاً من ماكنة ما يسمى بـ “النظام الجديد” ندور في فلكه اختياراً أو اضطراراً. وشعوبنا مسكينة مغلوبة على أمرها لا حول لها ولا طول، وعملية السلام الحالية هي نتيجة لهذه الهزيمة وقد لا يستمر هذا “السلام” لأنه بني أساساً على انكار حق الآخر.
لكن، ما العمل، خصوصاً بالنسبة الينا نحن المهاجرين، لدى تأملنا هذه الخلاصة المأساوية؟
حالة الهزيمة هذه ليست حالة دائمة وثابتة، كما اعتقد، بل هي حالة مؤقتة سببتها عوامل داخل هذه الأمة وساعدت على استمرارها ظروف معينة وأحداث كبرى داخل العالم العربي وخارجه، جعلت هذه الأمة على ما تراه الآن، لكنني متفائل بأنها ستنهض في المستقبل لأنها تحمل مقومات النهوض، ولذلك فإن حالة الهزيمة سوف لا تستمر. وعلى المثقفين مسؤولية كبرى – خصوصاً أولئك الذين في المهجر – لتوفير شروط النهضة من جديد لهذه الأمة.
 
 
0 replies

Leave a Reply

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *