توجد مصادر هذه المقالة في الترجمة الإنجليزية   بعض اليهود الذين ادعوا أنهم المسيح المخلص قبل شبتاي صبي   د.جعفر هادي حسن                    1 min read

تعتبر حركة شبتاي صبي في القرن السابع عشر من أشهر الحركات المسيحانية في تاريخ اليهود على الإطلاق .وقد استمرت حركته لفترة سنة ثم بعد ما قبض عليه من قبل السلطان العثماني تحول إلى الإسلام ظاهرا وظل أتباعه الذين يوجد أغلبهم اليوم في تركيا يظهرون الإسلام ويبطنون اليهودية.ولكن قبل ظهور شبتاي ظهر ظهر عدد من اليهود الذين ادعوا انهم المسيح المخلص منذ وقت مبكر. وكان من أوائل هؤلاء رجل من فلسطين اسمه ثيودوس ادّعى في حدود عام 44 ميلادية أنّه نبي وأقنع كثير من اليهود بأن يأخذوا أمتعتهم ويتبعوه إلى نهر الأردن حيث يفلقه بأمر منه ـ كما فلق موسى البحر ـ فيعبرونه مشياً ولكن الحاكم الروماني كاسبيوس فدس أرسل له جيشاً وفاجأه فقتل بعض أتباعه وأسر آخرون وكان ثيودس ضمن الأسرى فقطعوا رأسه وحملوه إلى أورشليم.
ويبدو أنَّ هذه الحادثة عرفت واشتهر أمرها في فلسطين حتى جاء ذكرها في بعض كتب العهد الجديد بالنص التالي «إيَّاكم وما توشكون أن تفعلوه بهؤلاء الناس، فقد قام ثيودس قبل هذه الأيام وادعى أنَّه رجل عظيم فشايعه نحو أربعمائة رجل فقتل وتبدد جمع الذين انقادوا له ولم يبق له أثر».
وبين الأعوام 52 و54 للميلاد ظهر رجل يهودي من مصر وادعى بأنَّه نبيّ وتبعه ـ كما ذكر، ثلاثون ألف رجل فقادهم إلى جبل الزيتون عند أورشليم وقال لهم بأنَّ حيطانها ستسقط بأمره وسيحررها من سيطرة الرومان ثم دارت بينه وبين الجيش الروماني معركة حامية قضى فيها الجيش الروماني على أتباعه. ويبدو ممَّا ورد في العهد الجديد أنَّ هذا المتنبىء بقي حياً بعد هذه المعركة.
وكان من أشهر الذين اعتقد فيهم أنَّه المسيح من اليهود في القرن الثاني الميلادي هو شمعون باركوخبا الذي قاد ثورة ضد الرومان في الأعوام 132م ـ 135م.
وهناك من يرى بأنَّ باركوخبا لم يدع بأنَّه المسيح المخلص إذ لم يكن من نسل داوود وإنَّما الذي اعتقد فيه ذلك الحاخام الشهير عقيبا الذي أيده وسانده وكان يجوب القرى اليهودية يدعو اليهود ليؤمنوا به مسيحاً مخلصاً. وكان يفسر العبارة الواردة في سفر العدد 24/17 «إنَّ كوكباً سيخرج من يعقوب» بأنَّها إشارة إلى باركوخبا ومن كلمة كوخب في العبرية أخذ اسمه وأصبح يعني «ابن الكوكب»، وكان كلَّما رآه يقول هذا المسيح الملك. وكان بعض الحاخامين مثل يوحنان بن تورتا يعارضون عقيبا وكان هذا الحاخام يقول لعقيبا «سينبت خدَّاك حشيشاً والمسيح ابن داوود لما يظهر بعد». ولما فشلت ثورة باركوخبا أبدل اسمه من باركوخبا إلى باركوزبا التي تعني «ابن الكذاب».
ومهما يكن من أمر فإنَّ باركوخبا يعتبر بطلاً قومياً عند الكثير من اليهود وكتبوا عن مقاومته للرومان، وثورته عليهم بل إنَّ البعض من الكتَّاب اليهود في العصر الحديث يرى بأنَّ باركوخبا قد تحققت فيه صفات المسيح المخلص أكثر من غيره وكان على وشك تحقيق النصر في حروبه ضد الرومان إلاَّ أنَّ الحظ لم يحالفه. وكان باركوخبا قد سيطر على مناطق واسعة من فلسطين قبل هزيمته التي نتج عنها إضافة إلى العدد الكبير من القتلى منع اليهود من دخول أورشليم.
وفي حدود عام 448 م ادعى يهودي من جزيرة كريت بأنَّه موسى وأنَّه أرسل ليخلص اليهود وقد وعد من كان في الجزيرة منهم بأن يأخذهم عن طريق البحر إلى فلسطين دون مراكب حيث يفلق لهم البحر كما فلقه موسى وقد ضرب لهم موعداً لذلك فلما جاءوا البحر نادى على البحر أن ينشق ولكنَّه لم ينشق ومع ذلك فقد أمرهم أن يقفزوا فيه فأطاعوه وقفزوا فغرق منهم من غرق ونجا منهم من نجا. أما هو فقد اختفى ولم يعثر له على أثر.
وفي حوالي عام 645 م أعلن رجل يهودي عن ظهور المسيح وجمع حوله ما يقرب من أربعمائة رجل من الحاكة والقصارين وهجم بهم على مجموعة من أديرة المسيحيين وحرقوا ثلاثة منها وقتلوا أحد رؤسائهم فقبض على اليهودي فصلب وقتل أتباعه.
وفي عام 720 م أيام يزيد الثاني ادعى يهودي من سوريا أو من بابل (في العراق) اسمه سفيروس أو سيرنوس بأنَّه المسيح المخلص لليهود وقد صدقه جمع كبير من اليهود بل وحتى من المسيحيين وجمع منهم أموالاً ومتاعاً بحجة استعمالها في طرد المسلمين من فلسطين وإقامة دولة اليهود. وقد غيّر سفيروس بعض أحكام الفقه اليهودي التي مصدرها التلمود وليس التوراة كإلغاء الأحكام الرئيسة في الطلاق والزواج والأحكام التي تتعلق بالطاهر والحلال من الأطعمة بل ذكر عنه وعن أتباعه بأنهم لم يكونوا يصلون. وقد ألقي عليه القبض بعد بضع سنوات في عام 724 في أيام هشام بن عبد الملك الأموي (ت743). ولما سأله هشام عن مدّعاه أجابه بأنَّ دعوته كانت لتضليل اليهود والسخرية منهم وأنَّ ادّعاءه لم يكن عن إيمان وعقيدة فترك أمره إلى أبناء ملّته وقيل بل أمر بقتله. ولما انتهى أمره لم يدر اليهود كيف يتعاملون مع أتباعه فسألوا الحاخام الغاؤون نطروناي الأول عنهم فكان جوابه «مع أن هؤلاء الأشرار الذين ضلوا الطريق قد أنكروا كلام الحاخامين وخالفوا (أحكام) المناسبات الدينية والوصايا ونجسوا أنفسهم بأكلهم لحم الميتة فلا بد من استرجاعهم (إلى اليهودية) بدل طردهم (منها) وأما ما قاموا به من مخالفات كأكل غير المذبوح وعدم التزامهم بعقد الزواج (فجزاؤهم) أن يجلدوا أمام المحكمة (الدينية) وتفرض عليهم غرامات كل حسب عمله الشرير وأن يعاقبوا بوقوفهم في الكنيس ويتعهدوا بعدم الرجوع إلى فعلتهم وحينئذٍ يجب أن يقبلوا ولا يرفضوا.
وكان من الحركات المسيحانية التي ظهرت في هذه الفترة وكتب عنها مؤرخو الفرق من المسلمين أيضاً حركة إسحاق بن يعقوب (عوبادياه) الذي اشتهر بأبي عيسى الأصفهاني. وكان أبو عيسى قد ادّعى بأنه نبي وأنه يمهّد لظهور المسيح المخلص فصدقه الكثير من اليهود وكان ظهوره في نهاية العصر الأموي ويعتقد أن حركته استمرّت حتى أيام أبي جعفر المنصور العباسي. وكان أبو عيسى خياطاً أمياً لا يقرأ ولا يكتب وقال لليهود إنَّ للمسيح خمسة رسل يأتون قبله واحداً بعد الآخر منهم عيسى والرسول محمد _ا. وزعم بأنَّ الله كلّمه وأمره بتخليص اليهود من أيدي الأمم العاصية الظالمة وأنَّه هو رسول المسيح المخلص الذي هو أفضل ولد بني آدم وأنَّه أعلى منزلة من الأنبياء الماضيين. ولما كان هو رسوله فإنَّه يكون أفضلهم. وحرّم أبو عيسى أكل اللحوم وشرب الكحول والطلاق وأوجب سبع صلوات طبقاً لما ورد في المزمور 119/164 «سبع مرّات في النهار سبَّحتك على أحكام برّك» وأمر أصحابه بإقامتها، كما أنَّه حرَّم الطلاق لأي سبب من الأسباب وخالف اليهود في كثير من أحكام شريعتهم.
وقد نسب إليه عدة كتب واعتبر أتباعه ذلك معجزة لأنَّه لم يكن يقرأ أو يكتب. وظلّ أبو عيسى ثائراً ضد الدولة لعدد من السنين، وكان لما هوجم خط حول أصحابه خطاً بعود آس وقال لهم أقيموا داخل هذا الخط فليس ينالكم عدو أو سلاح. ثم خرج هو من الخط وقاتل فقتل عدداً من المسلمين ثم قتل هو وهزم أصحابه وكان ذلك في الري في حدود عام 755م.
ويعتقد أصحابه بأنَّه لم يقتل ولكنَّه دخل في كهف في الجبل واختفى فيه ينتظر الوقت المناسب للظهور. وقال آخرون منهم: بأنَّه ذهب إلى أبناء موسى في الصحراء يتنبأ بينهم. وقد بقيت جماعة من أتباعه تسمى العيسوية، وبقي هؤلاء حتى القرن العاشر الميلادي على الأقل.
وقد ادّعى أحد أتباعه واسمه يودغان أو يهودا من مدينة همدان في الفترة نفسها أنَّه نبي وقد اعتقد فيه أتباعه بأنَّه المسيح المخلص وقد حرم الخمر وأكل اللحم كما فعل أبو عيسى وشرَّع أيضاً صلوات وصياماً وكان يرى بأنَّ الأعياد والسبت ما هي إلاَّ رموز قد بطلت بعد أن هُدم الهيكل وكان أتباعه يجبرون اليهود على اتباع ممارستهم وكان أيضاً يحث على الزهد والإكثار من الصلاة وكان يقول بأنَّ للتوراة ظاهراً وباطناً وتنزيلاً وتأويلاً وقد خالف في تأويلاته عامة اليهود. وقد ذكر بأنَّ شرذمة من أتباعه كانت باقية إلى عام 938م.
وممَّن ادعى أنَّه المسيح المخلص في بداية القرن الثاني عشر رجل يهودي اسمه سلومون الكاهن ظهر في فلسطين وادعى بأنَّه هو الذي تنتظره اليهود كما ذكر في سفر ملاخي 3/1 «ها إنِّي مرسل رسولي فيعدّ الطريق أمامي ويأتي فجأة إلى هيكله، السيد الذي تلتمسونه وملاك العهد الذي ترضون به. ها إنَّه آتٍ قال رب الجنود» وكان يسافر من مكان إلى آخر يعد اليهود بأنَّه سيجمعهم بعد شهرين ونصف إلى أورشليم، وقد عجب اليهود من ادعائه لأنَّه كان كاهناً والكاهن هو من نسل قبيلة «لاوي» وليس من نسل داوود الذي هو شرط في المسيح المخلص كما ذكرنا سابقاً. وكان يقول للناس إنَّه سيذهب إلى مصر «وآتي بإخوتنا منها إلى أورشليم» وكان سلومون الكاهن من القرائين وهو أول قرائي يدعي أنَّه المسيح.
وفي عام 1127 ظهر يهودي في فاس اسمه موسى الدرعي وكان من علماء اليهود المعروفين وقال لليهود بأنَّه المسيح وأنَّه سيحقق معجزته في الليلة الأولى من الفصح اليهودي. وقد أمر أتباعه أن يبيعوا أمتعتهم وأن يصبحوا مدانين للمسلمين وذلك بشراء ما قيمته ديناراً بعشرة دنانير من أجل أن يحققوا ما جاء في التوراة في سفر الخروج 12/36 «وأعطى الرب نعمة للشعب في عيون المصريين حتى أعاروهم فسلبوا المصريين». وقال لهم في تعليل ذلك لأنَّهم سوف لا يرونهم بعد ذلك ولكن الفصح جاء ومضى ولم يحدث شيء وأصبح الذين صدقوه فقراء صعاليك بسبب دينهم للمسلمين. وهرب الدرعي إلى فلسطين ومات هناك.
ومن الحركات المسيحانية الشهيرة حركة مناحم بن سلومون الذي اشتهر فيما بعد بداوود الرُئي. كان داوود هذا قد ولد قرب العمادية (شمال العراق) ورحل إلى بغداد ودرس فيها لبضع سنين. وعلى الرغم من أنَّ هناك خلطاً في الأشخاص والأحداث إلاَّ أنَّ المعتقد أنَّ الحركة هذه كانت في النصف الأول من القرن الثاني عشر في كردستان وكانت بطبيعتها عسكرية وكان بطلها داوود رجلاً ساحراً ومغامراً وعالماً وشجاعاً. وقد ادعى أبوه سلومون بأنَّه الياهو النبي (الذي يبشِّر بالمسيح) وابنه داوود هو المسيح. وأخذ داوود يدعو يهود العراق وما جاوره للتصديق به فتبعه جمهور منهم وكان نشيطاً لحركته يبعث بالرسائل والمندوبين إلى الجاليات اليهودية في الشرق وكان يعدها وعداً أكيداً أنَّه سيجمع اليهود من أطراف الأرض إلى فلسطين حيث أرسله الإله لهذه المهمة وطلب من اليهود التوبة والاستغفار تمهيداً لذلك. وقد جيش جيشاً ضخماً ضم الكثير من اليهود الذين جاؤوا من بلدان مختلفة وقد أعلن الحرب على الخليفة العباسي واحتل قلعة العمادية ثم عزم على احتلال المنطقة المجاورة والسيطرة عليها. وقبل أن يقوم بذلك كانت هناك خطة للخلاص منه ولا يعرف على وجه الدقة كيف كان ذلك، فبعضهم يقول إنَّ الحكومة دبَّرت أمر قتله بينما يرى آخرون أنَّ والد زوجته هو الذي اغتاله في نومه. ويقول الرحالة اليهودي بنيامين التطيلي إنَّ ذلك كان في عام 1160م. ومن طريف ما يذكر في هذا الصدد والذي يدلُّ على سرعة تصديق العامة من اليهود لما يدعيه هؤلاء أنَّ داوود الرُئي أرسل رسالة إلى اثنين من اليهود في بغداد يخبرهما عن الانتصارات القادمة ويبشِّرهم بالتحرر من سيطرة أعدائهم وأن يمهدوا له الأمور ليجيء إلى بغداد كما قال. ولما وصل الخبر إلى بغداد اتفق شخصان من محتالي اليهود وزورا على لسان مناحم كتاباً يبشِّرهم بالفرج الذي ينتظرونه ويعين لهم ليلة يصعدون فيها على سطوح منازلهم حيث يطيرون على أجنحة الملائكة إلى أورشليم، وجاء النساء بأموالهن وحليهن لهذين الرجلين وكذلك الآخرون لكي يتصدقا بها نيابة عنهم عندما يكونوا في أورشليم. ولبس هؤلاء ثياباً خضراً كما طلب منهم وصعدوا ليلاً فوق السطوح في الموعد المعين ينتظرون لحظة الطيران وكانت النساء يبكين على أطفالهن الرضع خشية أن لا يحصلوا على رضعاتهم وكان المسلمون يعجبون ممَّا قام به هؤلاء بل ويسخرون منهم. ومرت تلك الليلة ولم تأت الملائكة ولم يطيروا إلى أورشليم وأخذ المحتالان الأموال وهربا بها. ويقول السموأل المغربي: «وسمي ذلك العام بعام الطيران.. وهو تاريخ البغداديين من المتهودة» ويذكر السموأل الذي كان معاصراً لهذه الحركة بأنَّه رأى جماعة من يهود الأعاجم بمدينة خوي وسلماس وتبريز ومراغة قد جعلوا اسمه (مناحم) قَسمهم وأما من في العمادية من اليهود فصاروا أشد مباينة ومخالفة في جميع أُمورهم لليهود.
وعندما وصل الرحالة اليهودي بنيامين التطيلي إلى إيران بعد عدة سنوات من موت داوود وجد مجموعة من اليهود يعتقدون بمناحم المسيح المنتظر الذي سيظهر مرة أُخرى، كما وجد أتباعاً له في العمادية وغيرها يسمون «المناحمية».
وقد كتب بنيامين دزرائيلي رئيس وزراء بريطانيا في الأعوام 1874 ـ 1880 الذي كان من أصل يهودي رواية عن داوود الرُئي صوره فيها بطلاً قومياً فاتحاً.
وفي حدود عام 1172م ادعى يهودي من اليمن بأنَّه الموطىء لظهور المسيح المخلص وقد أخبر الناس بأنَّ المسيح في اليمن وقد اجتمع حوله خلق كثير من اليهود وجعل مقر حركته في الجبال. وقال لأتباعه بأنَّ المسيح قد أخبره بأن يعطي الأغنياء أموالهم للفقراء لكي يصبحوا أغنياء والأغنياء فقراء ثم يرجعونها لهم لكي يصبح الفقراء أغنياء وهكذا حتى تصبح الأموال متداولة بينهم. وعندما سئل ابن ميمون عنه أخبر زعماء الجالية أن يقيدوه ويخبروا إمام اليمن أنه مجنون ولكنهم لم يفعلوا.
وعندما قبض عليه وسأله الوالي عن سبب ادعائه أجاب بأنَّ ذلك كان بأمر من الله وإطاعة له وأنّه دائماً يقول الحق. ولما سأله عن الدليل قال له: اقطعوا رأسي وسوف أرجع إلى الحياة مرة أُخرى فقال له الوالي: ليست هناك حجَّة أقوى من هذه ولئن رجعتَ فسأقرُّ أنا والعالم كلّه على أنَّ عقيدة أجدادنا هي عقيدة باطلة، فقطع رأسه وانتهى أمره. وذكر موسى بن ميمون: «أنَّ هناك الكثير من الحمقى ظلّوا يعتقدون بأنه سيقوم من قبره».
وكان الحاخام أبراهام أبو العافية (ت بعد 1291) قد ادّعى بأنَّ العصر المسيحاني كان سيبدأ في عام 1290م. وأبو العافية هو من مواليد الأندلس، اختص بعلم القبلاه وأصبح له تأثير كبير على هذا العلم وتطوره. وعندما كان في العشرين من عمره سافر إلى فلسطين للبحث عن قبائل بني إسرائيل الضائعة ونهر سمباتيون ولكنه غادرها بسبب الحرب بين الصليبيين والمسلمين. وفي حوالي الثلاثين من عمره ادّعى أنَّ له القدرة على تسلم الوحي كما يتسلمه الأنبياء، وأخذ يذكر هذا لطلاَّبه والمقربين له وكتب كتاباً عن هذا الموضوع أسماه «الكتاب النبوي». وفي عام 1280 ذهب إلى روما ليلتقي البابا نقولاوس الثالث ليؤنبه على اضطهاد الكنيسة لليهود ويطلب منه تغيير الحال ولكن البابا أصدر عليه حكماً بالحرق. ولما وصل الخبر إلى «أبو العافية» لم يهتم ولم يكترث واعتمد على معرفته بعلم القبلاه والاستفادة منه، ووضع في السجن لبضعة أسابيع انتظاراً لتنفيذ الحكم ولكن البابا توفي فجأة وأطلق سراح «أبو العافية» وكتب كتاباً عن تجربته هذه أسماه «كتاب الشهادة» ذكر فيه أنَّ نجاته من الموت كان معجزة.
وكان عندما أعلن عن وصول العصر المسيحاني صدقه بعض اليهود وهاجروا إلى فلسطين انتظاراً لظهور المخلِّص وبسبب دعوته هذه اشتكاه بعض الحاخامين إلى الحاخام الأكبر في الأندلس واتهموه بأنَّه هو نفسه يدعي أنَّه المسيح المخلص فأصدر هذا الحاخام قراراً أعلن فيه أنَّ أبو العافية شخص دجَّال. فهرب أبو العافية إلى جزيرة معزولة في البحر المتوسط وألف بعض الرسائل دفاعاً عن نفسه وردّاً للتهمة التي اتهم بها. وانتقد الحاخامين وقال عنهم إنَّهم قرود لا يعرفون من العلم المقدَّس شيئاً وانتقد التلمود كذلك وقال عنه إنَّه كتاب عقيم مليء بالمتناقضات وانتقد المثناة واعتبرها قبراً للفقه اليهودي وشريعة موسى كما كتب أيضاً نقداً شديداً للمسيحية.
وكان أول يهودي إشكنازي (من المانيا) يدعي بأنَّه المسيح أو أنَّه الموطىء للمسيح المخلِّص هو أشر لاملن وظهر في منطقة قرب البندقية (فينيسيا). ولا يعرف الشيء الكثير عنه سوى أنَّه درس القبلاه وذكر بعض المؤرخين لحياته أنَّه كان حاخاماً».
وأعلن بأنَّ المخلِّص سيظهر بين الأعوام 1500 ـ 1502. وصدقه الكثير من اليهود وكان منهم رؤساء بعض الجاليات اليهودية وانتشرت حركته إلى ألمانيا حيث روَّج لها طلاَّبه والمؤمنون به. وقد ذكر عنه أنَّه أعطى الكثير من الأدلة والبراهين على صحة دعواه وطلب من اليهود أن يتهيئوا ليوم الخلاص بإعلان التوبة وطلب المغفرة. وأقبلت أعداد كثير من الناس على ذلك حتى أنَّ العام سمي بعام التوبة وأخذ الكثير من اليهود يتهيئون للذهاب إلى فلسطين كما أعلن بأنَّ الكنائس والمساجد ستدمر ومع ذلك فقد مرَّت الفترة ولم يظهر المسيح ولم يبن شيء يشير إلى ظهوره واختفى لاملن ولم يعرف مصيره. وارتدَّ عدد كبير من اليهود واعتنقوا المسيحية وألف بعض الذين اعتنقوا المسيحية من اليهود كتاباً يطلب من أبناء جلدته التحول إلى المسيحية واستمرت حركة لاملن لسنين بعد وفاته.
وكان من الذين اعتقد فيهم مخلصاً لليهود في القرن السادس عشر داوود الراؤوبيني ويعتقد أنَّ هذا ليس اسمه الحقيقي (وهو هنا ينسب نفسه إلى قبيلة راؤوبين في جزيرة العرب الضائعة ليؤكد وجودها) كذلك لا يعرف أصله ولكنَّه وصف بأنَّه كان شديد السمرة. وكان داوود قد ادعى بأنَّه من أحفاد سليمان بن داوود وهو لم يدع بأنَّه المسيح المخلِّص لكنَّه كان يبشِّر بقرب خلاص اليهود وأخذ فلسطين من المسلمين.
وكان أول ظهور له في مدينة الاسكندرية في مصر ومن الاسكندرية رحل إلى فلسطين وفي القدس استقبله رئيس الجماعة اليهودية هناك ورحب به ومن القدس ذهب إلى صفد ومن صفد سافر إلى سوريا مستمراً بالدعاية إلى قرب ظهور المخلص ثم رجع إلى الاسكندرية ومنها أخذ الباخرة إلى البندقية. ويعتقد أنَّ ذلك كان في عام 1524م. وربَّما ذهب إلى البندقية لوجود عدد كبير من اليهود وأثريائهم وكان يقول لليهود بأنَّه سفير لأخيه الملك يوسف الذي يحكم بعض القبائل الضائعة وأنَّ له جيشاً من ثلاثمائة ألف شخص وأنَّ أخاه أو هو (داوود) رئيسه. وفي البندقية طلب مساعدة اليهود لإتمام مهمته وكان يضع درعاً كتب عليه أسماء الإله المقدَّسة وادعى أنَّ الدرع هو الذي استعمله النبي داوود في حروبه.
ومن البندقية رحل إلى الفاتيكان ليلتقي البابا كلمنت السابع (ت 1534) ودخل المدينة راكباً حصاناً أبيض وأخبر البابا بأنَّ عنده رسالة من أخيه يوسف إليه. وقال بأنَّه قائد جيش بني إسرائيل ويريد أن يشترك مع المسيحيين لمقاتلة المسلمين وأخذ فلسطين منهم «إنَّ أخي أرسلني إلى هنا لأقابلك لكي تساعدني فساعدنا الآن كي نتمكن من مقاتلة (السلطان) سليمان التركي لنأخذ الأرض المقدَّسة منه» واقترح على البابا أن يساعده في الحصول على أسلحة يسلّح بها قبائل بني إسرائيل (الضائعة) التي تعيش على ضفتي البحر الأحمر استعداداً لشن الحرب على المسلمين. ورحّب البابا بالفكرة ـ خاصة وأنَّ الجيش العثماني كان قد سيطر على بلغراد ورودس قبل هذا الوقت بثلاث سنوات ـ ووافق البابا على مساعدته ولكنه طلب من داوود بعد انتصاره على المسلمين أن يعامل الكاثوليك معاملة طيبة في فلسطين. وبعد مقابلته مع البابا كبر الراؤوبيني في أعين اليهود فأخذوا يغدقون عليه الأموال والهدايا وزوّدته إحدى النساء الثريات بقماش نادر لعلم كتبت عليه الوصايا العشر. وكان الراؤوبيني قد طلب من البابا رسائل لملوك أوروبا وبعد طول انتظار زوّده برسالتين إحداهما لملك البرتغال والأُخرى لملك أثيوبيا وقال له: لقد كتبت إلى المسيحين في البلدان التي تمرّ بها وطلبت منهم أن يساعدوك من أجلي ومن أجل الربّ وذكر الراؤوبيني أنَّ البابا قال له: «كن قوياً ولا تخف وأنَّ الربّ معك» وزوّده ببعض المال. وسافر إلى البرتغال على سفينة ترفع علماً عليه شعارات يهودية وعند وصوله استقبل استقبالاً حافلاً من المرانوس (كاثوليك ظاهراً ويهود باطناً) واستقبله كذلك ملك البرتغال. وذكر بأن ملك البرتغال وعده بتزويده بسفن وأسلحة. وبقي الراؤوبيني في البرتغال ما يقرب العام، وفيها كان المرانوس يجتمعون به ويتحلقون حوله يحدثهم قصصاً عن الدولة اليهودية المزعومة وعن المعادن الثمينة المبتذلة فيها. وكان هؤلاء يستمعون إليه بشغف وتلهف يجلسون عنده لساعات لا يملون ولا يسأمون. وأثناء وجوده في البرتغال التقى ممثل مملكة فاس وقال له «إننا وبمساعدة الربّ سننتزع أورشليم وأرض إسرائيل من المسلمين لأنَّ وقت الخلاص قد حان». كما أنَّه كان يرسل الرسائل إلى يهود شمال إفريقيا يخبرهم بقرب خلاصهم. وبسبب تأثير كلامه حول الخلاص وقربه، تشجع بعض المرانوس ورجعوا إلى اليهودية وكان منهم شخص معروف اسمه سلومون ملخو الذي اختتن وتحول إلى اليهودية على الرغم من محاولات الراؤوبيني لمنعه من ذلك لأنه يعرّضه للعقوبة من الدولة. وسنتحدث عن هذا قريباً. وبسبب ذلك اتّهم الراؤوبيني بأنَّه يرجع المرانوس إلى اليهودية فطرد من البرتغال فذهب إلى إيطاليا ومنها إلى جنوب فرنسا حيث سجن هناك مع ملخو ومنها ذهب إلى إسبانيا وضاع أثره. وظلت حركة الراؤوبيني في مخيلة اليهود وذاكرتهم حتى أنَّ ماكس برود صاحب كافكا كتب عنه رواية. وكان من الذين بشَّروا بظهور المخلِّص بل وحدد سنة ظهوره الحاخام أبراهام اليعازر هاليفي (ت بعد 1528). وكان هذا الحاخام بعد خروجه من بلده إسبانيا في نهاية القرن الخامس عشر سافر إلى كثير من البلدان الأوروبية وبعد رحلة طويلة فيها واستقراره في أورشليم أخذ يعلن أنَّ العصر المسيحاني كان قد بدأ عام 1524 ودعا الناس إلى تحضير أنفسهم له والتوبة من ذنوبهم. ثم قال بعد ذلك بأنَّ المسيح سيظهر عام 1530 ـ 1531 وأخذ يستدل على ذلك من التوراة والتلمود والزهر وغيرهما ويرسل رسائله باستمرار إلى اليهود يطلب منهم أن لا يتوقفوا عن الاستمرار في توبتهم. وكان الكثير من اليهود قد صدقوه بل وممَّا يعجب له الإنسان أنَّ بعض الحاخامين الكبار مثل داوود بن أبي زمرا كان قد صدقه أيضاً ربَّما لما له من منزلة علمية بينهم. واعتبر الفتوحات العثمانية في أوروبا إحدى علامات الظهور وتنبأ بسقوط المسيحية. كما اعتبر ظهور مارتن لوثر (ت 1546) أيضاً علامة من علامات ظهور المخلص.
والغريب أنَّه كان يقول إنَّ قلبي يخبرني بأنَّ قبيلة راؤوبين وبعض قبائل بني إسرائيل الضائعة قد بدأت بالتحرك بل أخذ الخلاص يشملها! ولكن هذا الحاخام توفي قبل أن يرى خطأ حساباته.
وكان من هؤلاء دياغوس بيرس الذي اشتهر فيما بعد باسم سلومون ملخو وهو من مواليد لشبونة في البرتغال وكان قد ادعى أنَّه المسيح لليهود، وكان ملخو قد درس في مدارس الدولة ولكن يعتقد أنَّه درس القبلاه سرّاً. وعندما كان في الواحدة والعشرين من عمره عين سكرتيراً لمجلس الملك الاستشاري وكاتباً في محكمة الاستئناف، وقد ذكرنا سابقاً أنَّه عند لقائه داوود الراؤوبيني اختتن وأعلن عن يهوديته وعندما قام بذلك على رغم ممانعة الراؤوبيني لذلك ـ طلب منه هذا أن يهرب من البلد إذ كان حكم من يقوم بذلك هو الإعدام في هذه الفترة في البرتغال وبعض الدول الأُخرى في أوروبا.
وقال ملخو فيما بعد أنَّ سبب هروبه هو أنَّه تلقى أمراً إلهياً بالخروج من البرتغال بينما قال الراؤوبيني إنَّه أرسله في مهمة سريَّة دبلوماسية إلى القسطنطينية. ولم يعرف إلى أين كانت وجهته ولكن ذكر أنَّه ذهب إلى إيطاليا ومنها إلى فلسطين ثم إلى دمشق بل وقيل إنَّه سافر إلى القسطنطينية كما بقي لفترة يدرس القبلاه في سالونيك.
وفي هذه المدينة التف حوله بعض المعجبين من الطلاب وتأثروا به وطلبوا أن يجمع خطبه ومواعظه في كتابه فجمعها ونشرها تحت عنوان «مفوئر» (الرائع). وأخذ ملخو يقتنع بأنَّه المسيح المخلِّص بسبب التفاف اليهود حوله وربَّما بعد أن تنبأ بحدوث فيضان في روما عام 1531 وحدوث الهزَّة الأرضية في البرتغال. وربَّما بسبب هذا أيضاً كان قد كسب ثقة البابا كلمنت السابع وبعض كبار القساوسة فأعطاه البابا ضماناً على حياته. ولأنَّ التلمود يذكر أنَّ من خصائص المسيح المخلِّص هو أنَّه يعاني بل هناك بعض الإشارات في التوراة لذلك عزم ملخو على القيام بذلك عملياً وهو يحدثنا عن ذلك بنفسه ويقول «لقد تركت لباسي الجميل وفرسي عند صاحب النزل ووضعت صبغاً أسود على وجهي ولبست أسمالاً ممزقة.. ورحت أتجول كشخص محتقر ومرفوض من قبل الناس وكإنسان أصابه الحزن والأسى العميق وسرت في شوارع المدينة (روما) حتى وصلت إلى جسر نهر «تبر» قرب قلعة البابا حيث يتجمع المرضى والمنبوذون وظللت بينهم مثل شخص أصابته ضربة من الله وبقيت هناك لثلاثين يوماً.
ونشب خلاف بينه وبين بعض اليهود المعروفين في الجالية وقيل إنَّ سبب الخلاف هو أنَّ هؤلاء خشوا على أبناء جلدتهم من ادعائه بأنَّه المسيح فاتّهم من قبل محاكم التفتيش في أنَّه يحول المرانوس إلى اليهودية وحكم عليه بالموت حرقاً ولكن البابا تدخل وأنقذ حياته. فسافر إلى شمال إيطاليا والتقى الراؤوبيني هناك وذهب ملخو معه في مهمة إلى الأمبراطور تشارلس الخامس الذي كان حينها في إيطاليا وكان ملخو يحمل علماً كتب عليه كلمة «مكابي» وهي هنا على ما يبدو لا تعني الاسم المعروف ولكنَّها مختصر عبارة عبرية تعني «من هو من بين العظماء من يشبه الرب». وهي عبارة فيها الكثير من التحدي للحكَّام.
وقد ذكر أنَّ مهمتهما كانت من أجل إقناع الأمبراطور بإرسال أسلحة إلى القبائل الضائعة ورفض الأمبراطور ذلك بل وسخر منهما وأمر بوضعهما في السجن وحكم على مخلو بالموت حرقاً عام 1538م. وتدخل البابا لإنقاذه شرط أن يرجع إلى الكاثوليكية ولكنَّه رفض وكان عمره حوالي ثمانٍ وثلاثين سنة.
هؤلاء هم بعض الذين تنبأوا وادعوا أنَّهم المسيح المخلص أو الموطئون له، وعلى الرغم من أنَّ واحداً من هؤلاء لم تثبت صحة ادعائه إلاَّ أنَّ ظهور هؤلاء بقي مستمراً بل وبقي تصديق اليهود لهم وليس أدل على ذلك من تصديق اليهود لشبتاي عندما أعلن للعالم أنَّه المسيح المخلص.  
 
0 replies

Leave a Reply

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *