د.جعفر هادي حسن Dr. Jaafar Hadi Hassan من تاريخ فكرة الدولة الواحدة ذات القوميتين(للفلسطينيين واليهود)1 min read

على الرغم من رفض إسرائيل لفكرة الدولة الواحدة ذات القوميتين التي أشار اليها بعض المسؤولين كخيار محتمل للفلسطينيين فإن طرح هذه الفكرة لأول مرة كان من قبل يهود فلسطين في عشرينيات القرن الماضي، حيث بادر عدد منهم بالترويج لهذه الفكرة والدعوة إلى قبولها. ومن اجل تفعيلها ونشرها بين اليهود والعرب، أنشأ هؤلاء لجنة باسم «بويت شالوم» (ميثاق السلام) في العام 1925 وبمحاولة منهم لاقناع عرب فلسطين بالموافقة على هذه الفكرة صوتوا بالاغلبية في أحد اجتماعاتهم على فرض قيود على عدد المهاجرين اليهود إلى فلسطين.

ونشرت هذه اللجنة مشروعها في مذكرة حددت فيها أهداف عملها وكان من أهم هذه الاهداف التأكيد على إقامة دولة واحدة للعرب واليهود، يتقاسمون فيها ادارة الدولة مناصفة مع غض النظر عن نسبة عدد كل منهما. كما اصدرت اللجنة مجلة شهرية باسم «شأفيتنو» (طموحنا) وكانت المجلة تعبر عن افكار اعضاء اللجنة وطموحاتهم. وانضم إلى اللجنة مئات من اليهود، اغلبهم من اصل اوروبي، منهم شخصيات معروفة من الأدباء والأساتذة والصحافيين. وطالب هؤلاء الحركة الصهيونية بالاعتراف بالاغلبية العربية في فلسطين، وقالوا بأن عدم الاعتراف بهذا الواقع سيؤدي إلى فشل المشروع الصهيوني. كما رفضوا فكرة ان اليهودي الذي يدعو إلى الهجرة اليهودية والجماعية وإنشاء دولة يهودية هو وحده الصهيوني الحقيقي. فهم قد اعتبروا انفسهم صهيونيين حتى مع دعوتهم إلى إقامة دولة واحدة لليهود والعرب في فلسطين.

لجنة الميثاق ومؤسسوها

من المفيد ان نذكر لمحة عن الاعضاء البارزين لهذه اللجنة: فمن المؤسسين لهذه اللجنة يهودا مغنس، وهو ايضاً احد مؤسسي الجامعة العبرية وأول رئيس لها. وكان مغنس شديد التحمس للاتفاق مع عرب فلسطين وكان يقول ان الاتفاق بين العرب واليهود في فلسطين هو ذو اهمية قصوى ليس فقط من اجل بناء البلد ولكنه أيضاً مهم للحياة الروحية لليهود.

وقال في كلمة عند افتتاح السنة الدراسية للعام 1929-1930 في الجامعة العبرية بأن اهم واجبات اليهود هو ان يحاولوا الدخول إلى الارض الموعودة ليس بطريق العنف كما فعل يوشع بن نون ولكن بطريقة سلمية حضارية وعن طريق العمل النشيط والحب والتضحية والتصميم على عدم القيام بعمل يخالف الضمير. كما كان يؤكد على القول بأن مهمته هي جمع العرب واليهود في بلد واحد وكان ناشطاً في ذلك حتى وفاته في العام 1948. وكان من المنتقدين لاقتراح اللجنة الملكية البريطانية بتقسيم فلسطين بعد احداث العام 1936.

وكان من اعضاءها جوزيف لوري وهو من الشخصيات الصهيونية وكان عضواً نشطاً فيها في الفترة الاولى من انشاء «الميثاق» اذ كان يعتقد بأن التفاهم مع العرب ذو فائدة للصهيونية.

ومن هؤلاء ايضاً صموئيل هوغو برغمن ذو الميول الصهيونية وكان استاذاً للفلسفة في الجامعة العبرية وكان رئيسا لها فيما بعد ووهو الذي حررايضاً القسم الفلسفي في «دائرة المعارف اليهودية» وألّف عدداً من الكتب وكان برغمن ناطقاً رسمياً باسم «الميثاق».وكان من اوائل اعضاء «الميثاق» ارنست سيمون وهو استاذ جامعي ومحرر «دائرة معارف التربية» اليهودية وكان من النشيطين في العمل على إقامة دولة واحدة وكان ينضم إلى كل جماعة تدعو إلى هذه الفكرة، واكد على ضرورة حصول اليهود والعرب على حقوقهم بالتساوي في فلسطين.

وضمت اللجنة هانس كوهين وهو مؤرخ واستاذ جامعي له اكثر من ثلاثين كتاباً. وعلى الرغم من انه كان صهيونياً لكنه اختلف مع اعضاء الحركة الصهيونية حول موضوع العرب في فلسطين.

وشارك في عضوية اللجنة غرشوم شولم الاستاذ والمؤلف المعروف في الدراسات اليهودية وهو أشهر مختص بالقبلاه.وأصبح رئيس الاكاديمية الإسرائيلية فيما بعد وكان غرشوم منتمياً إلى الحركة الصهيونية وكان من هؤلاء رابي بنيامين وهو صحافي وكاتب له مئات المقالات والد راسات وقد ترأس تحرير مجلة “الميثاق”.

و من مؤسسي «الميثاق» يعقوب ثون وهو الصهيوني كان قد انتخب لرئاسة المجلس الموقت لعموم جماعة اليهود في فلسطين وكان نشطاً في جمع العرب واليهود على اتفاق، كان ينتقد المنظمات اليهودية التي تعاونت مع البريطانيين وقد استقال من «الميثاق» فيما بعد واصبح زعيم «هافعل ها صغير» ثم انضم إلى حزب «ماباي.

وما يثير الانتباه ان من الاعضاء المؤسسين للميثاق آرثر روبن. وهولم يكن ناشطاً في الحركة الصهيونية فحسب، وانما كان ممثلها ورئيس مكتبها في فلسطين والشخص المسؤول عن الاستيطان وانشاء المستوطنات. وبسبب نشاطه كانت السلطات العثمانية قد ابعدته إلى اسطنبول، ولكن روبن لم يكن فقط من المؤسسين للميثاق، بل كان في بدايته رئيساً له، وكان عند انشاء الميثاق يؤمن بفكرة الدولة الثنائية القومية ولكن بعد احداث العامين 1929 و1936 توصل إلى قناعة بأن الوقت غير مناسب لاجراء محادثات يهودية ـ عربية. ولذلك اخذ يركز على تقوية الجماعات اليهودية في فلسطين سياسياً واقتصادياً.

وعلى الرغم من أن هذه اللجنة كانت تحارب بشدة من قبل كثير من الصهيونيين بخاصة جماعة جابوتنسكي المتطرفة الا ان مجموعات صهيونية صغيرة كانت مؤيدة لفكرة الدولة الواحدة مثل «هاشومر هاتسعير» و«ما بام» و”قدماه مزراحاه”

لجنة “احود”

وقد استمر نشاط اعضاء الميثاق إلى ثلاثينيات القرن الماضي، ويعتقد انه توقف رسمياً عن العمل في العام 1933 ولكن نشاط بعض اعضائه استمر وقوي، بخاصة بعد إنشاء لجنة التفاهم العربي ـ اليهودي، حيث تكونت لجنة في العام 1942 وسميت «إحود» (وحدة/ اتحاد)، وهي كما يشير اسمها بوضوح تدعو إلى انشاء دولة واحدة للعرب واليهود. وكان من المشاركين فيها أعضاء من الميثاق اضافة إلى أعضاء آخرين مثل موشيه سملانسكي وهو اوكراني الاصل، اشتهر بكونه قاصا وناقداً. وكان في قصصه يظهر الجوانب الانسانية لعرب فلسطين، كما كان يشيد بتراثهم المتعدد الجوانب وتقاليدهم الغنية كما كان يؤكد على ضرورة العلاقة الطيبة بين اليهود والعرب في فلسطين، وطالب الحركة الصهيونية بتشغيل العرب في المزارع وليس اليهود وحدهم. وكان يرأس تحرير مجلة «بستاني» التي اصدرها اتحاد المزارعين اليهود.

بين غاندي ومارتن بوبر

وكان من المشاركين النشطين في هذه اللجنة الفيلسوف المعروف صاحب الدراسات اليهودية الكثيرة مارتن بوبر، وهو الذي رد على رسالة المهاتما غاندي التي قال فيها بأن فلسطين لسكانها العرب وان موطن اليهودي هو الذي يولد فيه. ولم يوافق بوبر على ما قاله غاندي ولكنه أكد على ضرورة اتفاق العرب واليهود في فلسطين كبلد لهما سوية من دون ان تفرض أية مجموعة أرادتها على المجموعة الاخرى. وقد جاء في رسالته «اننا نعتبر ان من واجبنا تفهّم واحترام مطالبة الآخرين التي تعارض مطالبتنا وان التوفيق بين المطالبتين ممكن”.

وكان بوبر قد قال في احد المؤتمرات الصهيونية ان اليهود يعلنون عن رغبتهم في العيش بسلام واخوَة مع العرب ويحاولون ان يعملوا على تطوير البلد المشترك.

وكانت اللجنة تؤكد على وحدة البلد كما كان اعضاؤها اكثر انسجاماً مع بعضهم من اعضاء لجنة الميثاق وقد ركزوا على مخاطبة المثقفين العرب واليهود، واصدروا مجلة باسم «بعيوت» (مشاكل). ولكن عمل اللجنة توقف بعد ان بدأ القتال بين العرب واليهود وتوفي اقدم اعضائها وانشطهم يهودامغنس.

وقد تم احياءها على يد احد مؤسسيها القدماء وهو رابي بنيامين الذي اصدر مجلة باسم «نر» (شمعة)، وبعد وفاته ظلت المجلة تصدر ـ برئاسة تحرير جديدة ـ إلى ان توقفت في ستينيات القرن الماضي.

تراجع فكرة الدولة الواحدة

وبعد انشاء إسرائيل وتهجير الفلسطينيين اتبعت إسرائيل سياسة جلب المهاجرين لجعل اليهود اغلبية وضمان يهودية الدولة. واختفى الحديث عن الدولة الواحدة ذات القوميتين او كاد. وفي اعقاب حرب العام 1967 واستيلاء إسرائيل على الاراضي العربية، واجهت إسرائيل مشكلة كبيرة وهي وجود عدد كبير من الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة.

فكانت هذه المشكلة هي الشغل الشاغل للمسؤولين وكانت هناك تساؤلات عدة حول ضم هذه الأراضي إلى إسرائيل أو عدم ضمها واذا ما ضُمت فهل يمنح الفلسطينيون الجنسية الإسرائيلية ام لا، أو أنهم يبعدون إلى دولة او دول عربية، او ان على إسرائيل ان تتخلى عن هذه الاراضي. ولم يُتخذ قرار في هذه القضية وظلت الاراضي محتلة ولكن إسرائيل اتبعت سياسة زرع المستوطنات لايجاد حقائق على الارض وترك حل القضية للمستقبل.

ولم تظهر مقالات في هذه الفترة عن فكرة اقامة الدولة الواحدة لشخصيات معروفة سوى على اغلب الظن، ما كتبه اليهودي الاميركي المعروف (آ.ف. ستون) الذي دعا إلى إقامة دولة ذات قوميتين وعرض الفكرة على المسؤولين الإسرائيلين ولكنه لم يجد اذاناً صاغية. وبعد ان يئس من ذلك اخذ يدعو إلى انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة، ويدعو إلى إنشاء دولة فلسطينية مستقلة. وبسبب مواقفه هذه اتهمه المتشددون من اليهود بأنه «عدو إسرائيل» ولكنه لم يكف عن النقد. وكتب مرة عن تعارض القيم الصهيونية والفكرة الديموقراطية وقال «بأن يهود إسرائيل يدافعون عن مجتمع قيمه العليا العنصرية والاقصاء» وقد دعا اليهود إلى محاربة ذلك.

اليسار الإسرائيلي يعيد طرح الفكرة

وفي بداية السبعينيات استغلت فكرة اقامة الدولة الواحدة من قبل اليسار الإسرائيلي كتحذير ضد استمرار الاحتفاظ بالاراضي المحتلة وفي مقابلة مع الـ«جيروسليم بوست» في آذار ـ مارس ـ العام 1973، قال السكرتير العام للهستدروت بن أهارون، «ان إسرائيل سوف لا يكون لها سيطرة حقيقية في دولة واحدة ذات قوميتين وان الإسرائيليين يجب ان يقتنعوا بالدولة التي لهم الآن والتي تضم مجموعة كبيرة من العرب».

وعلى الرغم من معارضة الليكود الرسمية لقيام الدولة الواحدة فإن بعض المنتمين له لا يمانعون في ذلك شرط ان تكون لإسرائيل السيادة رسمياً على الاراضي المحتلة في الضفة الغربية وقطاع غزة.

وفي مقابلة مع الـ«واشنطن بوست» في تشرين الثاني ـ نوفمبر ـ العام 1979 قال الياهو بن اليعازرالمدير العام السابق في وزارة الخارجية: «يمكننا ان نعيش معهم (الفلسطينيين) ويمكنهم ان يعيشوا معنا وانا افضل ان يكونوا مواطنين يحملون الجنسية وانا لست خائفاً من اقامة دولة واحدة ذات قوميتين لانها ستكون دولة يهودية ذات اقلية عربية كبيرة».

ولا شك ان هذا التفكير كان يفترض ان العرب سيبقون اقلية ولكن في العام 1980، نشر اثنان من أساتذة الجامعة العبرية دراسة حول سكان إسرائيل وكانت نتيجة الدراسة ان نسبة الولادة العالية بين الفلسطينيين ستجعلهم اكثرية وسيكون اليهود أقلية حتى لو كانت هناك زيادة كبيرة في عدد المهاجرين إلى إسرائيل. وجاء في الدراسة ان نسبة اليهود ـ في فلسطين كلها (بين النهر والبحر) ستكون 45 في المئة في العام 2010، وان ابقاء الضفة الغربية وغزة محتلة سيجعل الاغلية اليهودية في خطر. وكان من الرافضين لهذه النسبة ارييل شارون الذي كان وزيراً للزراعة في حكومة بيغن، وقال بأن نسبة اليهود لمجموع سكان المنطقة ستكون 64 في المئة في العام 2000 اذا بقيت نسبة المهاجرين إلى إسرائيل في حدود الثلاثين ألفاً كل سنة. ولكن شارون اخطأ التقدير كما يتضح اليوم. واخذت الاحصاءات الاخرى تؤكد ما ذكره استاذا الجامعة العبرية.

وقد اصبحت القضية الديموغرافية ـ كما صارت تسمى ـ تذكر دائماً عندما يدور الحديث عن مستقبل الاراضي المحتلة من فلسطين. واصبحت ايضاً احدى قضايا الانتخابات منذ العام 1981 واستمرحزبا الليكود والعمل في سياسة رفض الانسحاب إلى حدود العام 1967. وكذلك الاستمرار في بناء المستوطناتزويرى بعض الإسائيليين بأن الإستمرار في بناء المستوطنات سيؤدي إلى نهاية المشروع الصهيوني وظهور دولة واحدة ذات قوميتين. واخذ بعض اليساريين يطالب بالفصل بين الفلسطينيين والإسرائيليين ويقولون انه من دون ذلك ستكون النتيجة قيام دولة واحدة مثل افريقيا الجنوبية سابقاً، اي اقلية تحكم اكثرية وهؤلاء اليساريون هم من المتحمسين لبناء الجدار العازل.

واستمر هؤلاء ينتقدون حكومة الليكود على استمرارها في بناء المستوطنات وتوسيعها ويطالبون بالفصل الكامل عن الفلسطينيين. وبسبب الهاجس الديموغرافي، عملت إسرائيل في العشرين سنة الماضية على استقدام مليون روسي، وما زالت تنشط في جلب المهاجرين. كل ذلك من اجل الاحتفاظ بالاغلبية اليهودية، ولكن منابع الهجرة اخذت تجف شيئاً فشيئاً بل ان المهاجرين من إسرائيل إلى دول اخرى كانوا اكثر من المهاجرين إليها في بعض الأعوام الأخيرة وهي مازالت تجلب الآلاف من «الفلاشا مورا» مع ان يهوديتهم مشكوك فيها، بل ان بعض المتطرفين الإسرائيليين مثل اسحق رفد، طالب الدولة بتقنين الولادة عند مسلمي فلسطين وتشديد الرقابة عليها حتى لا يتفوق عدد الفلسطينيين على اليهود.

إسرائيل لايمكنها أن تستمر كدولة لليهود وحدهم

وقد عاد الإسرائيلون المؤمنون بفكرة الدولة الواحدة إلى الحديث عنها والكتابة فيها ومناقشتها، وكان من اهم ما صدر في العام الماضي مقالتان تناقشان فكرة الدولة الواحدة ثنائية القومية، احداهما للصحافي والسياسي والنائب السابق لرئيس بلدية القدس ميرون بنفنستي والاخرى للسياسي اليساري حاييم هانغبي. يقول بنفنستي في مقالته، ان تحقيق الحلم الصهيوني أصبح غير ممكن لان هذه الارض لا تحتمل وجود دولتين مستقلتين اذ ان هذا شيء غير قابل للتطبيق وان أفضل حل هو اقامة الدولة الواحدة ثنائية القومية. وفي الواقع فإن هذه الدولة موجودة عملياً وعلينا فقط ان نغير تفكيرنا نحوها وان نعطيها التبرير القانوني ويجب علينا ان نفكر بشكل مختلف ويكون عندنا خطاب مختلف وان لا نستمر بالحديث عن الدولة الفلسطينية المستقلة والجدار الفاصل لاننا في النهاية سنكون اقلية هنا. ويضيف بنفنستي، ان حكام جنوب افريقيا قد فهموا في مرحلة معينة من التاريخ بأنه لا يوجد خيار سوى التخلي عن النظام العنصري. وعلى المؤسسة الإسرائيلية ان تفهم بأنها لا يمكن ان تفرض سيطرتها بالقوة على ثلاثة ملايين ونصف المليون من الفلسطينيين في الاراضي المحتلة وعلى مليون ونصف مليون فلسطيني داخل إسرائيل. .ان الدولة الواحدة يجب ان تشمل كل فلسطين التاريخية وان يتمتع ابناء القوميتين بالحقوق الكاملة ويشتركون جميعاً في ادارة الدولة.

اما حاييم هانغبي فهو يعتقد كذلك “بأن الحلم الصهيوني قد انتهى وفشل وان إسرائيل كدولة يهودية لا يمكن ان تستمر اكثر مما استمرت وانه ليس هناك بديل للصراع اليوم سوى اقامة دولة واحدة ذات قوميتين وان هذا هو الحل الوحيد الذي سيخلصنا مما نحن فيه وهو الذي سيجعلنا نتحول من كوننا غرباء في ارضنا إلى سكان محليين». وهو يؤكد على حق عودة اللاجئين ويقول «انه من الواضح جداً بأن هذا المشروع لا يمكن ان يتحقق من دون الاعتراف بمبدأ حق العودة لان القضية تتعلق بشعب حكم عليه ان يُطرد من ارضه”

وهو يرى كما يرى بنفنستي “ان نظرتنا يجب ان تتغير وتفكيرنا كذلك ليتجه نحو فكرة الدولة الواحدة وتتحول إسرائيل كما تحولت جنوب افريقيا وليس هناك خيار غير هذا”

وفي 2003 ايضاً انتقل النقاش حول موضوع الدولة الواحدة إلى يهود الولايات المتحدة الاميركية وكتب توني غولت وهو استاذ تاريخ يهودي في احدى الجامعات مقالة مهمة في تشرين الاول ـ اكتوبر ـ من العام المذكور في مجلة «نيويورك ريفيو» (The New York Review of Books)، عنوانها «البديل» وهي مقالة طويلة سنذكر النقاط الرئيسية فيها:

يرى الكاتب ان خيار الدولتين لم يعد خياراً لانه قد فات وقته وان هناك كثيراً من المستوطنات والمستوطنين والكثير من الفلسطينيين يعيشون في مكان واحد على الرغم من الاسلاك الشائكة والحواجز.

ان الوقت قد حان للتفكير فيما لم يكن يخطر على بال وهو حل الدولة الواحدة الذي هو حل مرغوب فيه. وهذه الفكرة ليست فكرة شاذة، ان الدول اليوم فيها ثقافات متعددة واجناس متعددة وإسرائيل نفسها هي ذات ثقافات متعددة ولكنها ميزت نفسها عن الدول الديموقراطية في ان المواطن فيها يعتبر مواطناً طبقاً لمقياس اثني ـ ديني وهي في هذا الامر تعتبر شاذة بين الشعوب المعاصرة لانها دولة يهودية حيث يكون لليهود الموقع الاول فيها في زمن ليس فيه مكان لمثل هذه الدولة.

ان الشعوب اليوم في العالم يزداد اندماجها ويزداد التزاوج بينها بكل اختيار حيث ازيلت الحواجز الثقافية والاثنية، وفي مثل هذا العالم فإن إسرائيل تعتبر خارج السياق الطبيعي للتاريخ وذات وظائف شاذة.

ان تحول إسرائيل من دولة يهودية إلى دولة واحدة ذات قوميتين ليس سهلاً ولكنه ليس مستحيلاً كما يبدو للبعض وفي الواقع فان هناك تقدماً نحو الدولة الواحدة.

الحقيقة المحزنة هو ان سلوك إسرائيل اليوم ليس سيئاً لاميركا فقط بل هو سيىء لإسرائيل نفسها كما يعترف الكثير من الإسرائيليين بهمس. ان سلوكها في الواقع سيىء لليهود ايضاً وما يحصل من هجوم على يهود الشتات سببه ما ترتكبه إسرائيل وما تقوم به من اعمال.

ان من يعتقد بأن الجدار الالكتروني العازل سيكون الحل فإنه يجهل خمسين سنة من التاريخ. ان هذا الجدار، الذي سيدمر ما بقي من علاقة بين العرب واليهود سوف لا يجلب الا الاذلال وعدم الاستقرار للجانبين اليهودي والعربي. انه مثل جدار برلين يعبر عن الافلاس الاخلاقي والقانوني للنظام الذي يفترض ان يحمي.

ان هذا النقاش ـ كما اعتقد ـ سيستمر ويزداد مؤيدو فكرة الدولة الواحدة كلما تقدم الزمن بل ان المسؤولين في وزارة الخارجية الإسرائيلية اعترفوا بأن الفكرة آخذة في الانتشار.

نشرت في مجلة”النور2004″

0 replies

Leave a Reply

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *