شبتاي صبي وظهورفرقة الدونمة ودورها في تركيا الحديثة  د.جعفر هادي حسن   1 min read

Shabtai Zevi 1666

 

 

 

 

د.جعفر هادي حسن
تعتبر حركة شبتاي صبي من اكبر الحركات اليهودية التي كان لها أثر سلبي على
اليهود في العصر الحديث.
وكان شبتاي قد ادعى كذباً أنه المسيح المخلص لليهود وصدقه الآلاف من اليهود في كل مكان وجدوا فيه من اليمن حتى بولندا، وبعد سنة أو تزيد اهتزت فيها الجاليات اليهودية ظهر كذبه ولكن ذلك لم ينه حركته بل استمرت مجموعة كبيرة منهم تؤمن به حتى يومنا هذا ويوجد الغالبية العظمى من هؤلاء اليوم في تركيا ويطلق عليهم الدونمة.
ولد شبثاي صبي عام 1626م في مدينة إزميرالتركية لأبوين يهوديين( وطبقا لتقاليد أتباعه كانت ولادته في التاسع من آب الذي يولد فيه المسيح المخلص)ويعتقد أنه ينحدر من عائلة من اليهود السفارديم هاجرت من جزيرة ايبريا (اسبانيا والبرتغال) بعد أن طرد هؤلاء من هذه الجزيرة. وكان أبوه مردخاي يعمل بتجارة الدجاج والبيض وكان أيضاً وكيلاً لبعض الشركات البريطانية والهولندية. وكان شبناي أحد اخوة ثلاثة ولدوا لمردخاي ومنذ صغره توسم فيه أبوه ملامح ذكاء فأراد أن يحقق رغبة في نفسه في أن يصبح أحد أبنائه حاخاماً، وارسل شبثاي منذ صغره الى المدارس الدينية اليهودية ودرس أيضاً على بعض الحاخامين المعروفين وأصبح حاخاماً وهو لم يتجاوز العشرين من عمره.
ومنذ أن كان طالباً أخذ شبثاي يهتم بدراسة القبلاه (العلوم الباطنية اليهودية) حيث كان يجلس الساعات الطوال يتعمق بدراسة كتبها والتعمق بها والكشف عن أسرارها. ومنذ وقت مبكر في حياته أعجب به بعض الطلاب وانجذبوا إليه فتحلقوا حوله يدرسون معه ويناقشونه. وكان شبثاي يذهب بهم مرة أو مرتين في الأسبوع الى خارج المدينة يتناقشون ويتدارسون معه.
وتزوج شباي في الثانية والعشرين من عمره ولكنه لم يقرب زوجته وطلقها بعد بضعة أشهر وبعد فترة تزوج بامرأة أخرى ولكنه أيضاً لم يقربها وطلقها وكان طلابه والمقربون له يفسرون ذلك على أنه نوع من الطهارة والتبتل. وأما هو فكان يقول بأن روح القدس قد أوحى له بأن زواجه من المرأة المناسبة لم يحن بعد. وفي الوقت نفسه أخذ شبتاي يسلك سلوكاً مخالفاً للسلوك العام وكان مزاجه يتراوح بين نشاط وهيجان بالغين، يعقبهما حالة انقباض وقنوط وقد لازمته هذه الحالة في كل حياته.
وكان شبثاي عندما تعتريه الحالة الأولى يتغنى بالأشعار وينشد المزامير بصوت عال (وعرف شبثاي بصوته الجميل) ويرقص أمام طلابه وزواره ولكنه كان يلجأ الى الوحدة والاعتزال عندما تصيبه الحالة الثانية. وعندما كان يسأل عن اعتزاله كان جوابه بأنه كان يصارع قوى الشر والشياطين. وبدأ شبتاي يلمح الى طلابه بأنه سيحقق أشياء عظيمة في المستقبل، كما أخذ يتحدث عن المسيح المخلص ووقت ظهوره ولم يكن هذا ليجلب انتباه اليهود لولا أنه كان يقوم بأعمال مخالفة لليهودية.
وفي أحد الأيام عندما كان يقرأ أحد مقاطع التوراة نطق الاسم “يهوه” كما هو مكتوب في التوراة. ونطق هذا الاسم محرم على الإنسان العادي اليهودي ويجب أن يقول مكانه “أدوناي” (سيدي). وقد تكرر هذا العمل من قبل شبتاي، ثم بعد فترة أخذ يلمح إلى طلابه وأصحابه بأنه سيكون المخلص لليهود.
ولا ندري كيف اعتقد شبثاي في نفسه أنه المسيح المخلص ولكن يُنسب له أنه أخبر أحد الحاخامين في حلب فيما بعد (عام 1665) بالقصة التالية: “إنه في إحدى الليالي من عام 1648 هبط عليه روح الله عندما كان يتمشى في الليل على بعد ساعتين من المدينة (أزمير) حيث سمع صوت الله يقول له أنت مخلص إسرائيل وأنت المسيح بن داوود المختار من قبل رب يعقوب وأنت المقدر لك انقاذ إسرائيل وجمعهم من أركان الأرض الأربعة”.
ولم يبق ادعاء شبتاي محصوراً بين الحلقة القريبة له من الناس، بل سمع بذلك حاخامو المدينة وعندما استدعوه للمثول أمامهم رفض ذلك وسخر منهم. فاصدروا “حِرم” بحقه (الطرد من اليهودية والعزل عن اليهود)، وكذلك طالبوه بالخروج من المدينة. واضطر شبثاي للخروج من أزمير – ربما بضغط من عائلته – وذهب الى سالونيك التي كانت جزءاً من الامبراطورية العثمانية وفيها واحدة من أكبر الجاليات اليهودية. وفي أحد الأيام أولم وليمة لبعض الحاخامين ثم جاء بمظلة زواج (التي تستعمل في احتفال الزواج اليهودي)، وأحضر نسخة من التوراة وأخذ يقوم بمراسيم عقد الزواج بينه وبين التوراة، وعندما اعترض عليه قال بأن كل من يؤمن بالتوراة ويلتزم بها فهو زوج لها. وقال بأن هناك اشارات في العهد القديم لذلك، كما استمر على نطق الاسم يهوه، وقال لأن ذلك من خصائص المسيح المخلص. وأثارت أعماله غضب الحاخامين في هذه المدينة، فطلبوا منه أن يخرج منها، فذهب الى أثينا التي كانت أيضاً فيها جالية يهودية. ولا ندري كم بقي هناك، ولكن يعتقد أنه رجع منها الى تركيا عام 1658.
ولم يذهب إلى أزمير، بل ذهب الى مدينة القسطنطينية. وفي بداية قدومه استقبله الحاخامون استقبالاً حسناً، ولكن نظرتهم تغيرت بعد أن رأوا الغريب من سلوكه ومن أعماله الغريبة التي قام بها في هذه السنة. انه اشترى سمكة كبيرة ولفها بقماش ووضعها في مهد وعندما سمع الحاخامون بذلك سألوه، فقال لهم إن خلاص بني إسرائيل سيكون من خلال رمز الحوت وان المهد يرمز إلى النمو البطيء لخلاص إسرائيل.
ثم كان من أعماله المخالفة للشريعة اليهودية أنه احتفل بأعياد يهودية ثلاثة في أسبوع واحد، وهو عمل غير جائز في اليهودية. وعندما نوقش بذلك شبتاي استشهد بنص من سفر اشعيا 51/4 وهو: “انصتوا إليّ يا شعبي ويا أمتي اصغي لأن شريعة تخرج من عندي”. وهذا يعني أنه يمكنه أن يشرع تشريعات جديدة وأصدر الحاخامون “حرم” بحقه مرة أخرى، وكذلك حكموا عليه بالجلد أربعين جلدة. وخرج شبثاي من المدينة واتجه الى مدينته أزمير. وقضى فيها فترة طويلة نادرا ما يخرج من بيته كما كان الناس يتحاشون الاتصال به بسبب “الحرم” الذي صدر بحقه.
واقترح عليه أخواه الإبتعاد عن المدينة والخروج من عزلته والذهاب الى فلسطين.
ورحب شبتاى بذلك وكأنه كان ينتظره  فغادر أزمير على ما يبدو  في عام 1662 وفي طريقه إلى فلسطين مرّ بجزيرة رودس ثم ذهب من هناك الى سوريا ومن سوريا ذهب الى مصر ونزل ضيفاً على مسؤول الخزانة في مصر رفائيل يوسف شلبي الذي كان يهوديا ثرياً وكان ينفق على بعض الحاخامين الذين كانوا يعيشون في كنفه. وخلال وجوده هنا أصبحت علاقته وثيقة برفائيل يوسف وبعد فترة توجه الى فلسطين وسكن في غرفة ظل يعتكف فيها لقترات طويلة وكان يخرج ليلاً لزيارة بعض قبور أولياء اليهود، وكان يقول إنه كان يسمع اصواتاً تخرج من هذه القبور، وكان يأمل أن تحل أرواح الأولياء فيه.
وتعرف شبثاي هناك على بعض الحاخامين ومجموعة من اليهود، وربما لم يكن هؤلاء قد عرفوا بالحِرم الذي صدر بحقه أو بادعائه ولذلك لما احتاجت الجالية اليهودية في أورشليم الى الأموال، طلبت منه أن يذهب الى مصر لطلب المساعدة من رفائيل يوسف. ووافق شبثاي على هذه المهمة ولكنه هذه المرة أخبر رفائيل يوسف أنه المسيح الذي ينتظره اليهود ويقال بأن هذا صدقه. وأثناء ما كان في مصر سمع عن امرأة تعيش في ايطاليا اشتهرت بجمالها اسمها سارة، وكان يحكى عنها حكايات غريبة وتتنبأ للناس بمستقبلهم وكان الناس يشكُون بسلوكها وكانت تقول إنها ستتزوج المسيح المخلص. وعندما سمع شبتاي بها ارسل لها خبراً برغبته في الزواج منها، فوافقت دون تردد والتحقت به فتزوج منها وقد رعى الزواج وأنفق عليه رفائيل يوسف.
كما سمع وهو في مصر عن شخص يسكن غزة اسمه ناثان بنيامين اشكنازي الغزي وكان هذا حاخاماً ومتبحراً بالقبلاه ويقال إنه كان يتنبأ للناس (وقد أصبح لهذا الحاخام فيما بعد دور مهم ومتميز في حركة شبتاي). ولا ندري ما الذي جذب شبتاي له فوصل الى غزة والتقى به، ومنذ اللقاء الأول ارتبط الإثنان بعلاقة وثيقة وبعد عدة لقاءات آمن ناثان بأن شبتاي هو المسيح المخلص وأخذ يستدل على ذلك من كتب القبلاه وغيرها. ثم سافرا سوية الى مدينة الخليل وزارا بعض قبور الأولياء من اليهود ورجعا الى غزة.
ويبدو أن الاثنين قد اتفقا على أن يعلن شبتاي نفسه الى العالم بأنه هو المسيح المخلص وهيأ ناثان لذلك ببعض الأمور منها أنه أثناء ما كان ينشد هو وطلابه بعض الأناشيد تظاهر بالاغماء وقال أثناء ذلك الجملة التالية: “اسمع يا ناثان الى محبوبي واعمل كما يقول لك. اسمع لمحبوبي شبتاي صبي” وكرر ذلك عدة مرات.
ثم أدعى أنه عثر على وثيقة من القرن الثاني عشر كتبها حاخام اسمه ابراهام جاء فيها أن شخصاً اسمه شبتاي صبي سيولد لمردخاي في عام 5386 (1626م) وسيكون هو المسيح الحق الذي يكون خلاص اليهود على يديه وتكون مملكته أبدية( تبين فيما بعد أن الوثيقة مزورة) كما أخذ يعطي أدلة من خلال نصوص في القبلاه أن شبتاي هو المخلص. وصدقه الناس حتى الحاخامون في غزة صدقوا هذا الإدعاء وأعلن المتنبئ ناثان أمام الناس أن شبتاي هو مخلص اليهود وأنه هو المسيح المنتظر وقد وقع الإعلان عن هذا بين 14 و17 من الشهر العبري سيوان الذي صادف 28-32 مايو من عام 1665.
وطلب ناثان من الناس أن يتوبوا ويكفروا عن ذنوبهم. وذهب شبتاي ومجموعة من أتباعه الى القدس وركب فرساً وطاف بالمدينة سبع مرات وقام بارتكاب أعمال مخالفة للشريعة اليهودية للتدليل على أنه المسيح المخلص. وهناك التقى شخصاً اسمه صموئيل فريمو أصبح مستشاراً وكاتباً له يدافع عنه ويؤكد مسيحانيته. كما عين شبتاي مجموعة من أتباعه ممثلين لقبائل إسرائيل الاثنتي عشرة وأخذ هؤلاء يجوبون فلسطين مبشرين بظهور المخلص شبتاي.
وأعلن شبثاي أنه سيذهب الى تركيا ويقود السلطان أسيراً. ومن فلسطين رحل شبتاي الى سوريا حيث استقبل من قبل اليهود بالحفاوة والتكريم حيث كانوايتبركون برؤيته ويقبلون يديه ويتطلعون إلى لقائه.
وقرر المتنبئ ناثان الالتحاق بشبتاي وأثناء ذلك كان يبعث برسائل الى الجاليات يؤكد لها انتصار اليهود القريب على أعدائهم وقال في إحدى رسائله: “في وقت قريب سوف يكشف لكم عن كل الأشياء بجلاء ووضوح وسوف تعلمون ذلك من قبل الاله نفسه مبارك هو الذي ينتظر، ومبارك كل من يشمله خلاص المسيح الحق الذي سيتحقق في وقت عاجل ويتحقق معه حكمه وتتحقق مملكته فينا الآن وإلى الأبد”.
وأخذ اليهود يذكرون اسمه في كنسهم على أنه ملك إسرائيل والمسيح المخلص حتى في الدولة العثمانية ابدل اسم السلطان باسم شبتاي. وقسم شبتاي العالم إلى بلدان عين عليها ملوكاً من اليهود ومنهم أخواه اليشع ويوسف كما أصبحت زوجته سارة ملكة لفلسطين. وأخذ شبتاي يوقع رسائله بـ “ابن الله البكر” ومثلها من العبارات كماان بعض الكتب اليهودية التي نشرت في هذه الفترة كانت تذكر عبارة “شبتاي صبي ملك إسرائيل مسيح رب يعقوب”. وحث شبتاي اليهود على أن يكونوا سعداء مسرورين، كما أخذ يعدهم بالسلطة والسيطرة على الآخرين فقال في إحدى رسائله: “وكل يوم مخصص للحزن والآلام اجعلوه يوم فرح وسرور، لأنه يوم ظهوري ولا تخافوا شيئاً لأنه سوف تكون لكم سلطة على كل الشعوب وسوف لا تكون سلطتكم على من في الأرض فقط، بل كذلك على المخلوقات التي هي في أعماق البحر…”.
وكان لرسائل شبتاي وقع كبير في نفوس العامة من اليهود ورفع لمعنوياتهم حتى أنه قد ذكر أن بعض اليهود أخذوا ينظرون الى المسيحيين بعين الاحتقار، بل ويهددونهم ويتوعدونهم بالتأثر لمعاملتهم لهم. كما كانوا يعتقدون بأن خلاصهم اصبح وشيكاً.
وكانت هذه الرسائل تقرأ في الكنس، وكانت تفرح اليهود وتسرهم وكان البعض منهم يخرجون الى الشوارع ويرقصون. وذكر أحد الحاخامين المعارضين لشبتاي عما كان اليهود بعملونه في امستردام “كان الناس يرقصون على ضرب الدفوف وكانت نسخ التوراة قد جددت أغطيتها وكان اليهود يحملونها ويطوفون بها في الشوارع  وأخبار المسيح المخلص تقرأ على الناس دون خوف من المسيحيين” ويذكر المؤرخون بأن مظاهرات في هذه الفترة خرجت في بولندا حمل اليهود فيها صور شبثاي واغضبت هذه المظاهرات المسيحيين، فاعتدوا على اليهود فاشتكى هؤلاء الى الملك جان كسيمير واصدر مرسوماً حول هذه الحوادث كان بعضه  ينص على عدم حمل اليهود لصور شبتاي.
كما أهمل الكثير من اليهود تجارتهم منتظرين الذهاب الى أورشليم مع مسيحهم المخلص، بل إن البعض باع أملاكه وقد ذكر بعض المؤرخين بأن ثلث يهود أوربا باعوا أملاكهم وكان بعض المزارعين في ايران قد امتنعوا عن اداء الضريبة وقالوا إنهم يؤدونها الى شبتاي صبي. وفي تركيا كان اليهود يخرجون في الليل حاملين الشموع ويتغنون باسم شبتاي.
وكتبت الجالية اليهودية في هامبورغ رسالة الى شبتاي قالت فيها “نأمل من سيدنا وملكنا ان يخبرنا أي طريق يجب أن نسلكه وهل يجب أن نتهيأ الآن الى مقصدنا من أجل أن نسجد عند قدميك وننفض التراب عنهما أو اننا يجب أن ننتظر رحمة الاله الى يوم يجتمع فيه بنو إسرائيل كلهم”، والغريب أن أحد الموقعين كان عالماً معروفاً وفيلسوفاً هو بنيامين موسيفا.
وكان المتنبئ ناثان يبعث بالرسائل الى اليهود ويطلب منهم التوبة ويؤكد لهم قرب خلاصهم. وكان أيضاً على اتصال مع رفائيل يوسف شلبي الذي كان يهتم كثيراً لسماع أخبار شبتاي، وكان من الرسائل التي ارسلها المتنبئ ناثان الى رفائيل رسالة مؤرخة في سبتمبر من عام 1665 جاء فيها “انه (ناثان) سمع صوتاً من الأعلى يعلن أن المسيح بن داود سيستلم الملك من حاكم الأتراك خلال سنة وبضعة اشهر وبدون حرب، وان ذلك سيكون بطريقة تتسم بالأغاني ومدائح الرب المبارك، وأن حاكم الأتراك سيضع نفسه بين يدي شبثاي وسيكون خادماً له في مملكته وسيعهد بكل شيء الى شبتاي… وبعد أن يخضع شبثاي كل ملوك الأرض سينزل الهيكل من السماء على أورشيلم بعد أن يكون قد بني هناك وسيأتي شبثاي مع موسى معلمنا واليهود…”. وفي رسالته حثه على التوبة وقال له إن الأحداث تسير بسرعة.
وكان الكثير من اليهود قد توافدوا على غزة لرؤية ناثان والسماع منه أخبار شبتاي والتوبة عنده وكان هؤلاء ينامون في الشوارع لكثرتهم.
واستجابة لدعوة ناثان وشبتاي بالتوبة، أخذ المؤمنون بدعوته يؤدون طقوساً اعتقدوا أنها تؤدي الى غفران ذنوبهم، فقد كان بعضهم يتجردون من ملابسهم ويحفرون حفراً في الحدائق ويدفنون أنفسهم الى رقابهم الى أن تقرحت أجسادهم من ذلك، وفي الشتاء كان البعص منهم يرمي نفسه في المياه المتجمدة أو يستلقي عرياناً على الصقيع، وآخرون كانوا يصبون على أجسادهم شمعاً حاراً وكان البعض الآخر يوخز جسمه بآلة حادة ثم يضرب نفسه بالسياط، أما البعض الآخر فكان يحرم نفسه من النوم وآخرون كانوا يصومون لفترات طويلة متواصلة حتى ان البعض منهم لقي حتفه بسبب ذلك.
وفي هذه الأثناء ذهب المتنبئ ناثان الى الخليل مع مئات المؤمنين بشبثاي في فترة الشتاء الى القدس ليعذب نفسه بالثلج، وكان يقوم بذلك هو والمجموعة التي صحبته وكان المسلمون ينظرون اليهم ويعجبون مما كانوا يقومون به.
وظهرت في هذه الفترة اشاعات بين المسيحيين أن مئات الآلاف مما يسمى بقبائل بني إسرائيل الضائعة قد ظهرت فجأة لتلتحق بالمسيح المخلص وبعضها قد سيطر على مدينة مكة ويطالب السلطان العثماني بترك فلسطين وبعضها وصل الى المغرب العربي وهم يلبسون لباساً خاصاً ولا يتكلمون إلا اللغة العبرية، وأنهم سيلتحقون بالمسيح المخلص.
كما شاع بين هؤلاء بأن سفينة أشرعتها من حرير يقودها ملاحون لا يعرفون إلا اللغة العبرية لغة وتحمل علماً كتب عليه أسباط بني اسرائيل الاثنا عشر جاءت لتلتحق بالمسيح المخلص. وكان بعض اليهود يتطلعون الى السحاب ليأخذهم الى القدس. وقد ذكر قسيس من اليونان بأن اتباع شباي في إحدى الجزر كانوا يتطلعون الى ركوب السحاب وقد وقف  احدهم على السطح انتظاراً لذلك ولكنه سقط ومات. وفي فينسيا استعد بعض اليهود لأخذ رفات موتاهم الى القدس، بل إن بعضهم حفروا القبور وأخرجوا عظام هؤلاء منتظرين ذهاب المخلص الى أورشليم.
واثناء هذا كله كان شبتاي في أزمير يلقى الترحيب والتقديس وكان عندما يذهب الى الكنيس يحيط به العشرات من اليهود من أتباعه وكان هو يعطي أوامره لهم بما يجب أن يعملوه ويقوموا به. وفي إحدى المرات عندما كان في الكنيس يلقي عظة أعلن فجأة أن زوجته سارة حامل وأنها ستلد ولداً وولدت زوجته ولداً فيما بعد وهو الولد الحيد الذي ذكر له.
كما كان الكثير من الناس يتنبأون بأن شبتاي هو المسيح المخلص وكان الكثير من هؤلاء نساء بل حتى الأطفال. وكانت هذه الأخبار تصل الجاليات اليهودية فكانت تثيرهم وتجعلهم تصدقهم أكثر وأعمق.
وأعلن شبثاي لأتباعه بأنه سيذهب إلى القسطنطينية وأخبرهم بأن الرب قد دعاه الى الذهاب لاتمام الجزء الأخير والأهم من مهمته. ولا نعرف ما الذي كان يدور في خلد شبثاي وما الذي كان يتوقع أن يحدث وما كانت حقيقة أهدافه. فهل كان يعتقد في نفسه أنه المسيح المخلص حقا؟ أوهل كان يتوقع بأن معجزة ستحدث وهل كان يعتقد حقيقة أن السلطان محمد الرابع (ت 1692 ) كان سيسلمه مقاليد حكم الامبراطورية العثمانية، أم أن شبتاي كان رجلاً حالماً وكان يفكر في عالم آخر متشجعا بمئات الآلاف الذين صدقوه. لا اعتقد أن بإمكان أحد أن يجيب على هذا السؤال بشكل أكيد. ولكن الذي حدث هو ان شبتاي ركب البحر في شهر كانون الأول  من العام 1665 أو في كانون الثاني من العام 1966 مع عدد من أتباعه قاصداً القسطنطينية وكان الكثير منهم قد ذهبوا الى هناك بعد أن عرفوا عزمه على السفر ليكونوا في استقباله والترحيب به، وكان الصدر الأعظم أحمد كوبورلو يعلم بمجيء شبتاي الى العاصمة وكان قد قرر أن يلقي القبض عليه بسبب خشيته من إثارة الاضطرابات، فأرسل مجموعة من الجنود الى حيث يتوقف مركب شبثاي وعندما سأله الضابط المكلف بالقبض عليه عن شخصه أجابه شبتاي بأنه رجل دين جاء الى العاصمة لجمع الصدقات لفقراء اليهود في فلسطين. فأقتيد الى سجن صغير مظلم. وشاع الخبر بين اتباعه ولكن ذلك لم يؤثر عليهم وعلى ايمانهم به، خاصة وأن المتنبئ ناثان أخذ يكتب لأتباع شبتاي بأن سجنه شيء طبيعي وأنه جزء من تحقيق مهمته حيث أن المسيح المخلص يجب أن يعاني ويتألم “قبل أن يتحقق مجده وتظهر عظمته”.
وأخذ اليهود من أتباعه يذهبون الى زيارته في السجن، صغيرهم وكبيرهم، يظهرون له الطاعة والتصديق به وظل شبتاي شهرين في هذا السجن.
ولما كان الصدر الأعظم على وشك الذهاب في حملة عسكرية وكان السلطان وقتها في أدرنة، ارتؤي أنه من الحكمة ابقاء شبتاي في القسطنطينية خشية حدوث اضطرابات، فنقل شبتاي الى قلعة في غاليبولي على بحر الدردنيل وهي قلعة غالباً ما كانت تأوى السجناء السياسيين. وعندما نقل الى هذه القلعة أخذ أتباعه يؤكدون للناس بأنه المسيح حقاً لأن الحكومة لم تتعرض له حتى عندما ادعى أنه سيأخذ السلطان أسيراً وأنه قد أخذ الى مكان يوضع فيه المشهورون. وبعد فترة اطلق اتباعه على القلعة مجدل عُز (برج القوة) وهذه مأخوذة من عبارة وردت في سفر الأمثال.
وأخذ أتباعه يتوافدون عليه بأعداد كبيرة وكانت السفن تأتي وتروح محملة بهؤلاء حتى قيل إنها ضاقت بهم لكثرتهم حتى أن السكان المحليين قد زادوا في أسعار النقل وزادوا في أسعار الأكل والسكن وكان الوافدون ينتظرون أياماً لزيارته وكان شبتاي يعد الوافدين عليه بالنصر ويحثهم على الصبر ويمنيهم بدنو الخلاص وأخذ يبعث برسائله الى الجاليات اليهودية مع الوافدين عليه، وأخذ يغير ببعض الشعائر اليهودية فقد غيّر صيام يوم 9 آب (الذي يعتقد فيه اليهود انه اليوم الذي هدم فيه الهيكل، وهو يعتبر يوم حزن) الى يوم فرح.
وكان عدد من الحاخامين يرفضون ادعاء شبتاي ولكن هؤلاء كانوا يخشون من إعلان معارضتهم ورفضهم بسبب الجو العام المؤيد لشبثاي على الرغم من سجنه. وكان من الحاخامين الذين اعترضوا على شبثاي حاخام بولندي اسمه نحميا كوهن وقد جاء هذا الحاخام خصيصاً لمناقشة شبثاي صبي حول المسيح المخلص وبقي مع شبتاي لثلاثة أيام بلياليها يناقشه حول شروط المخلص وأوصافه في ضوء المعتقد اليهودي. وقال هذا الحاخام ان من الشروط أن يظهر قبل المسيح بن داود مسيح آخر من نسل افرايم بن يوسف (بن يعقوب) يخوض حروباً ويسقط قتيلاً في إحدى هذه الحروب ثم يظهر النبي الياهو (الذي ما زال حياً طبقاً للمعتقدات اليهودية) ويعلن ظهور المسيح المخلص وعلى هذا طبقا للحاخام نحميا كوهن فإن ادعاء شبتاي بأنه المسيح بن داود غير صحيح، إذ لم يظهر المسيح بن يوسف ولا النبي الياهو قبل شبتاي. ويقال بأن هذا الحاخام ادعى بأنه هو المسيح بن يوسف ولكن شبتاي قال له بأن المسيح بن يوسف قد ظهر وقتل في المذبحة التي ارتكبها الأوكراني بوغدان جملنسكي عام 1648 ضد اليهود ولكن نحميا كوهن رفض ادعاء شبثاي.
وعزم هذا الحاخام على افساد الأمر على شبتاي واتفق مع حاخامين آخرين ممن رفضوا ادعاء شبتاي على الذهاب الى السلطان وابلاغه عن كذب شبثاي وعن خطره على الدولة. والتقى هؤلاء مصطفى باشا نائب الصدرالأعظم حيث كان هذا الأخير في حملة عسكرية وأخبروه عن شبثاي وعن تاريخ حياته وأنه رجل فاجر منغمس باللذات ورجل دجال يريد أن يغير حياة اليهود وطاعتهم للسلطان ويشجعهم على الثورة ضد الدولة وعلى الدولة أن تتخلص منه ومن شروره. ويقال بأن هؤلاء قد قابلوا السلطان وعندما أخبر السلطان بذلك طلب أن يؤتى بشبتاي بأسرع وقت إلى ادرنة حيث كان مقر السلطان.
وأرسل جنود لجلب شبتاي الى قصر السلطان فأخذ شبتاي بعض الحاخامين المؤيدين له وصحبهم معه وذُكر أن شبتاي كان خائفاً مرتعباً وهو في طريقه الى السلطان وعجب الحاخامون اللذين في صحبته من ذلك، حيث كان شبثاي يدعي أنه سيقود السلطان أسيرا
وادخل شبـتاي الى غرفة كان فيها مفتي الدولة وشيخ الإسلام وطبيب السلطان جدعون الذي كان يهودياً وأظهر إسلامه. وكان السلطان يجلس في مكان آخر بحيث يرى شبتاي وهو لا يراه وسُئل شبتاي عن مدعاه واتهم بإنه يريد إثارة القلاقل والاضطرابات في الدولة العثمانية وانه يريد ان ينتزع جزءاً منها وهو أرض فلسطين ولذلك فإنه يجب أن يعاقب. وأجاب شبثاي بأجوبة غير مقنعة وأخذ يقول إنه ليس المسيح المخلص وانه مجرد حاخام فقير. وقد ذكر بأنه عرض عليه اختبار لمدعاه وهو أنه يجرد من ملابسه وتصوب نحوه السهام فإن أثرت فيه فهو كاذب، فخاف شبتاي من ذلك وارتعب وفي هذه الأثناء عرض عليه الإسلام، ويقال بأن طبيب السلطان هو الذي قال له إنه من الأفضل له أن يعتنق الإسلام إذا كان يريد أن يسلم من الاذى، فوافق شبتاي وقال للحاضرين إنه منذ فترة وهو يفكر باعتناق الإسلام، وانه يتشرف أن يشهر إسلامه أمام السلطان. وأظهر شبتاي إسلامه أمام الحاضرين وقبل منه ذلك، فأدخل الحمام وأبدلت ثيابه وألبس عمامة وأعطى اسماً إسلامياً وهو محمد عزيز افندي واعطي لقباً تشريفياً وهو قابجي باشي (حارس أبواب القصر) وخصص له راتب شهري وعين له استاذ يدرسه اللغة العربية وأصول الإسلام. وقد أظهر الحاخامون الذين صحبوه إسلامهم وكذلك زوجته سارة فيما بعد. وكانت الحكومة هي التي أعلنت أولاً إسلام شبثاي وشاع الخبر بين الناس وكانت صدمة كبيرة لأتباعه وارتد الكثير عنه، بل ان بعضهم ارتد عن اليهودية ولكن بعضهم ظل على التصديق به حيث اعطى المتنبئ ناثان وغيره تفسيرات لما حدث. فمن جملة ما قاله إن ما حدث هو سرّ من الأسرار لا يعرفه أحد وسيكشف عنه في الوقت المناسب. وقال بعض هؤلاء إن شبتاي قد اخفى نفسه حتى تأتي اللحظة المناسبة لظهوره وبعضهم قال إن شبثاي الحقيقي قد غاب وسيظهر في الموعد المخصص لظهوره.
وبعض هؤلاء قال أن تظاهر شبثاي بالإسلام يثبت أنه المسيح المخلص مثلما عاش موسى في قصر فرعون متبعاً دين الفراعنة. وأخذ شبثاي يدعو أتباعه الى اعتناق الإسلام وكان بعض هؤلاء يذهبون الى القصر ويعلنون إسلامهم.
وكان الحاخامون المعارضون الذين كانوا يخشون العامة من رفع أصواتهم يشددون على دجل شبتاي ويكتبون الى الجاليات اليهودية والحاخامين يطلبون منهم إلغاء الأعياد والمناسبات التي وضعها شبتاي وطلبوا من حاخامي الجاليات طرد كل من بقي يؤمن بشبتاي صبي، ولكن الكثير من أتباع شبتاي استمروا على الايمان به واصطحب شبتاي معه مرة اثني عشر من أتباعه رجالاً ونساء الى القصر وأعلن هؤلاء ايضاً إسلامهم .وظل هؤلاء المتحولون ظاهراً الى الإسلام لا يظهرون إسلامهم خوفاً من المسلمين الأتراك حتى لا يثيروا غضبهم ولا أمام اليهود حتى لا يطردونهم من اليهودية.
وكان نشاط شبتاي يثير غضب الحاخامين المعارضين له وكان هؤلاء يرون خطراً في تحركه حيث أن حركته بقيت حية نشيطة. فعزموا على الاتصال بالدولة وتقديم شكوى ضده كونه خطرا على الدولة وعلى اليهود ويقال إنهم أرشوا مسؤولاً كبيراَ لهذا الغرض.
وعندما جاء شبتاي من أدرنة الى القسطنطينية من عام 1672 مع مجموعة من أتباعه، القي القبض عليه بتهمة انه كان ومجموعة من النساء في وضع مخالف للاخلاق، كما وجهت له تهمة أنه يدعو المسلمين لترك دينهم وارسل الى ادرنة.
وبع رجوع السلطان محمد الرابع مع الصدر الأعظم من الحملة العسكرية اخبر عن شبثاي وعن التهمة الموجهة اليه حيث شهد شهود على ذلك.
وكان من رأي الصدر الأعظم إعدام شبتاي ولكن حكم الإعدام لم ينفذ وإلى اليوم لا يعرف سبب ذلك، والذي حصل هو أن الحكومة قررت نفيه الى البانيا إلى مدينة دولسجنو والتي تسمى ألسنج على البحر الأدرياتيكي وكان نفيه في صيف عام 1673.
وظل أتباعه على اتصال به يتسقطون أخباره ويذهبون إلى لقائه وكان ناثان المتبنئ يتصل به ويؤكد لاتباع شبتاي بقرب انتصار المسيح المخلص وكان هؤلاء يصدقون ما يقوله لهم. وفي عام 1674 توفيت زوجته سارة وفي السنة نفسها تزوج ابنة حاخام معروف من سالونيك.
ويذكر أنه صنع حية من فضة ووضعها على عمود عند احتفاله بعيد الفصح، وهو بهذا يحاكي ما ورد عن النبي موسى في سفر العدى 12/5 “فصنع موسى حية من نحاس ووضعها على العمود فكان إذا لدغت الحية انساناً ونظر الى حية النحاس شفي”.
وكذلك كتب رسالة تبنى فيها دور موسى وختمها بالقول: “هكذا قال الأسد والأيل السماوي مسيح رب إسرائيل ويهودا شبثاي  محمد صبي”. وفي اغسطس من سنة 1676 كتب رسالة الى الجالية اليهودية في البانيا يطلب منها كتاب صلوات للسنة اليهودية الجديدة ويوم الغفران، وقد وقع الرسالة هكذا: “مسيح رب إسرائيل ويهودا شبتاي صبي”. وفي 17 سبتمبر من هذا العام (1676) توفي شبتاي ودفن في مكان قرب البحر عينه بنفسه وظل أتباعه يزورون قبره ويتبركون به لسنين طويلة.ظهور فرقة الدونمةبعد تظاهر شبتاي بالإسلام انقسم المؤمنون به الى مجموعتين احداهما ظلت تؤمن به ولكنها لم تتحول إلى الإسلام والأخرى تحولت الى الإسلام كما تحول هو في الظاهر.
والدونمة هي كلمة تركية أطلقها الأتراك على أتباع شبتاي الذين أظهروا الإسلام، وهي تعني المتحولين من دين إلى آخر أو المرتدين عنه، لأنه في نظر هؤلاء انهم تحولوا  من اليهودية الى الإسلام.
وكان عدد الدونمة قليلاً وأكثرهم كان من دول البلقان ولكن في الثمانينات من القرن السابع عشر أظهرت ما يقرب من ثلثمئة عائلة اسلامها ممن لم تتظاهر بالإسلام من قبل  في سالونيك (وهي كانت تابعة للدولة العثمانية)، ثم انضم الى هؤلاء مجموعة من البولنديين وأصبحت سالونيك مركزهم الرئيس ووصل عددهم في بداية القرن العشرين الى عشرين ألفاً طبقاً لوثيقة بريطانية سرية بعث بها السفير البريطاني في اسطنبول في 29 مايو/ مايس عام 1910 جاء فيها:
“إن عدد سكان سالونيك هو مائة وأربعون ألفاً منهم ثمانون ألفاً من اليهود من اصل اسباني وعشرون ألفاً من فرقة شبتاي صبي أو اليهود الباطنيين الذين تظاهروا بالإسلام”..
وبعد الحرب التركية – اليونانية وتبادل السكان في العشرينات من القرن الماضي نزح الغالبية العظمى منهم الى تركيا وأصبحت منذئذ مركزهم الرئيس الى الوقت الحاضر.عقيدة الدونمةترتكز عقيدة الدونمة على مبادئ وضعها شبثاي نفسه وتسمى بـ “وصايا سيدنا شبتاي صبي”، وكل مبدأ يبدأ بصيغة المتكلم المفرد مثل أؤمن، اطبق، اقسم، وهي على الشكل التالي:
أؤمن باله واحد وأؤمن بمسيحه المخلص شبتاي صبي حفيد الملك داوود وأقسم ان لا اذكر اسمهما بالباطل.
وأقسم بأنني سأنقل اصول عقيدة مسيحنا من جالية إلى جالية وأجتمع بأخواني في السادس عشر من شهر كسلو (في هذا اليوم طبقاً لتقاليد الدونمة أعلن شبثاي إسلامه).
وأقسم بأنني سوف لا أعرض عقيدة العمامة التي تسمى الإسلام على أحد من الناس.
وأطبق دين الأتراك بحذافيره حتى لا أثير شكوكهم ليس بصيام شهر رمضان فقط، بل بكل العبادات الأخرى الظاهرة للعيان ولا أتزوج من عائلة مسلمة ولا أصادق أحداً من المسلمين، لأننا نمقتهم خصوصاً نساؤهم.
وأتعهد بختان أولادي.
وأؤمن بأن التوراة قد أنزلت على معلمنا موسى، وهي توراة الحق.
وأؤمن بأن هذه التوراة لا تبدل سوى أن الوصايا قد ألغيت ولكن يجب التمسك بالتوراة الأبدية.
وأؤمن بأن شبتاي جل جلاله هو الذي سيجمع شتات إسرائيل من أطراف الأرض.
وأؤمن بأن الأموات سيبعثون من تراب الأرض وأنهم سيعيشون.
وأؤمن بأن إله إسرائيل سيرسل من السماء إلى الأرض معبداً بُني من جديد والله وحده هو الذي يبني الهيكل.
وأؤمن ايماناً مطلقاً بأن إله الحق إله إسرائيل سوف يكشف عن نفسه في هذا الكون الذي يسمى “تبل” (كلمة عبرية تعني الكون/ العالم).
ويختم الدونمي هذه الوصايا بالقول: “اللهم إله الحق إله إسرائيل الذي يسكن مجد إسرائيل ارسل لنا المخلص العادل منقذنا شبتاي صبي وعجل لنا ظهوره في أيامنا هذه، آمين”. وكثيراً منهم يقفون في الصباح الباكر عند أبواب منازلهم يحدقون في الأفق انتظاراً لشبتاي صبي.
ومن واجبات الدونمي أن يظهر الإسلام ويخفي عقيدته اليهودية ولذلك فهم يذهبون إلى المساجد للصلاة- وكان الدونمه قد بنوا مسجدا كبيرا في هذه المدينة عام 1903 باسم ياني جامع.- ولكن في الوقت نفسه لهم معابدهم اليهودية التي هي عادة  ماتكون في أمكنة خفية ولكل فرد منهم اسمان اسم إسلامي وآخر يهودي يعرف به بين أبناء جلدته وهم لا يتزوجون من غيرهم.
وتدور أعيادهم حول حياة شبتاي صبي فاليوم الذي ولد فيه شبثاي واليوم الذي أعلن فيه انه المسيح ويوم تقديس ناثان له ويوم كشف له أنه المسيح المخلص كما يعتقدون واليوم الذي أعلن نفسه فيه ملكاً… وهكذا كل هذه تعتبر أعيادا عندهم.
وهناك احتفال مهم يمارسه هؤلاء وهو ما يسمى احتفال ليلة الجدي(الحمَل) ويقع في شهر آذار كل سنة، ويتميز هذا الاحتفال بأن يكون في الليل ويكون للمتزوجين فقط، او الكهنة المتزوجون وذكر مؤرخو هذه الفرقة بأن أهم ما يميز هذا الاحتفال أن المحتفلين يتبادلون الزوجات في الليل من هذا اليوم بعد الصلاة واطفاء الشموع، وقال البعض منهم إن المولود الذي يولد من تلك الليلة يكون قديساً.ويعتقد اسحق بن صبي—الرئيس الأسبق لإسرائيل- في كتابه عن الجاليات اليهودية وكذلك غرشوم شولم في كتابه عن العقيدة المسيحانية ان هذا الطقس كان معمولا به حتى منتصف القرن العشرين على الأقل بين بعض فروع الفرقة
(وقد ذكر ليون ألأفريقي في كتابه “وصف أفريقيا” طقسا لايختلف عن هذا كثيرا كان يمارسه الوثنيون القدماء فيما يسمى المغرب الآن كل سنة عند شجرة)
وبعد سنين من وفاة شبتاي انقسمت فرقة الدونمة الى ثلاث فروع رئيسة: اليعقوبيون أوالقره قش (الكونيوزوس) والأزميريون (القبندجي) وكثيراً ما يتميز هؤلاء عن بعضهم البعض بمظهرهم الخارجي كاللحى وشعر الرأس وكذلك بلباسهم.وخلال تاريخهم استعمل الدونمه اللادينو وهي لغة خليط من الأسبانية والعبرية
الدونمة في تركيا الحديثة
كان لأعضاء فرقة الدونمة دورً مهم في جمعية الاتحاد والترقي التي ألغت حكم السلاطين في الدولة العثمانية حيث بدأ عصر تركيا الحديثة بزعامة مصطفى كمال أتاتورك. والغالبية العظمى ممن أرخ لتركيا الحديثة ذكر هذا الدور وتأثيره ومن هؤلاء وي لوكاخ الذي قال: “بعد أن بقيت فرقة الدونمة لأكثر من قرنين من الزمن مجهولة عند الناس اصبح لها بروز سياسي مهم في تركيا الحديثة وذلك للدور البارز الذي لعبه بعض أعضائها في جمعية الاتحاد والترقي”.
كما ذكر ذلك أيضاً سينوفنسن حيث قال: “العقول الحقيقة للحركة (جمعية الاتحاد والترقي) كانت يهودية أو يهودية – إسلامية (دونمة) وقد جاءت لهم المساعدات من أغنياء الدونمة وكذلك من اليهود الذين كانوا في سالونيك الى جانب المساعدات من الرأسماليين العالميين وشبه العالميين في فينا وبودابست وبرلين، ومن المحتمل أيضاً من باريس ولندن”. وذكر يوقايم برنز في كتابه “اليهود السريون” : “إن مجموعة من قادة حزب تركيا الفتاة عبدوا الله في الظاهر ولكنهم في الحقيقة كانوا يؤمنون في دخيلة أنفسهم بأن شبتاي هو نبيهم”.
بل إن السلطان عبدالحميد نفسه كان عالماً بدور الدونمة في الجمعية، وكان قد طلب من حاخام اسطنبول (موشي ليفي) أن يؤلف له كتاباً عن تاريخهم، فطلب هذا بدوره من حاخام سالونيك حيث كان أكثر الدونمة يعيشون هناك أن يقوم بالمهمة، فأنجز هذا الأخير العمل وأعطاه 400 ليرة مكافأة على ذلك.
وذكر رامسور، أحد مؤرخي الجمعية، بأن السلطان كان حذراً ومتردداً في القيام بعمل ضد الدونمة بل وغير قادر، حيث ذكر في كتابه “حركة تركيا الفتاة” أن “عبدالحميد كان يعلم بحقيقة الدونمة وكونهم أعضاء نشيطين في الحركة ضده ولكنه كان متردداً في أخذ قرار ضدهم بسبب تاريخهم الغريب الذي سبب له خوفاً وهمياً منهم”.
وبعد إلغاء الخلافة وتشكيل الحكومة الجديدة اصبح بعض أعضاء الدونمة مسؤولين مهمين فيها.
وكان من هؤلاء محمد جاويد بك الذي كان من قادة الجمعية وأصبح أحد أهم الوزراء الثلاثة من الدونمة في أول حكومة تشكلت بعد الانقلاب على السلطان، حيث شغل وزارة المالية لثلاث مرات، وهو أحد أحفاد مؤسس فرع القره قش وكان رئيسا في وقته لهذا الفرع.
وقد ذكرت الوثيقة البريطانية السرية التي أشرت اليها أعلاه دوره في النص التالي: “ان طلعت بك وزير الداخلية الذي هو من اصل غجري من كرجالي في مقاطعة أدرنة وجاويد بك وزير المالية الذي هو يهودي باطني (دونمة) هما التجسيد الرسمي للقوة الخفية للجمعية وهما فقط كانا الوزيرين اللذين يحسب لهما حساب حقيقي وهما أيضاً يمثلان قمة الماسونية في تركيا”. وجاء في نص آخر منها “وكان من نتيجة ذلك أن المحفل الانكليزي قد أغلق أبوابه بوجه جميع الماسونيين الجدد وبضمنهم أعظم الوزراء نفوذاً وتأثيراً وهما طلعت بك وجاويد بك وهذان الوزيران هما اللذان يسيطران على جيوش تركيا وماليتها والأحكام العرفية والبرلمان وبكلمة واحدة يسيطران على أقدار الامبراطورية بصورة عامة…”.
كما كان هناك بعض الوزراء الآخرين من الدونمة مثل نزهت فائق ومصطفى عارف وكان منهم نواب وزراء وغيرهم. وفي أيامنا هذه كان هناك مسؤولون في الحكومة التركية مثل اسماعيل جم وزير الخارجية الأسبق وهومن عائلة إبكجي الدونمية المعروفة التي برز منها شخصيات في أكثر من مجال.ومن هؤلاء رحشان ارال زوجة رئيس الوزراء الأسبق بولند أجويد وهي أيضا من عائلة دونمية معروفة.أيضا وأطلان أويمن الذي أصبح في التسعينات رئيس هذا الحزب وهو صحفي معروف ومؤسس وكالة ألأخبار “أنكا” وكان وزيرا في حكومة أجويد الثانية وتانسوجلر وزيرة خارجية ورئيسة وزراء تركيا في التسعينات هي من عائلة دونمية من طرف الأم وما زال الجيش فيه الكثير من الضباط الكبار من الدونمة. ولكن من الصعب معرفة هؤلاء بسبب الأسماء التي يستعملونها.وقدرت صحيفة الجويش كرونكل اليهودية عدد أعضاء الدونمة في تسعينات القرن الماضي بأربعة وأربعين الفا.ولكن الغاز زورلو ذكرفي كتابه ” نعم انا سالونيكي”(دونمي) أن عدد أعضاء الدونمه يبلغ مائة ألف.وكان هذا الكتاب قد أثار نقاشا واسعا في تركيا في نهاية التسعينات من القرن الماضي بسبب كثير من الإعترافات حول الفرقة.
أما بالنسبة الى كمال أتاتورك الذي ذكربعض المؤرخين أنه كان منهم، فقد وجدت نصين في مصادر يهودية يؤكدان ذلك، وأحد هذين النصين وجدته في دائرة المعارف اليهودية التي جاء فيها: “لقد أكد الكثير من يهود سالونيك أن كمال أتاتورك كان أصله من الدونمة وهذا هو أيضاً رأي الإسلاميين المعارضين لكمال أتاتورك ولكن الحكومة تنكر ذلك”.
والنص الآخر جاء في كتاب يوقايم برنز “اليهود السريون” الذي ذكرته سابقا “كان محمد جاود بك وكمال أتاتورك من أعضاء الدونمة المتحمسين والنشيطين وان بعض الأتراك كانوا يعرفون أن كمال أتاتورك كان منهم فحاولوا استعمال هذا الانتماء من أجل القضاء عليه سياسياً، ولكنهم لم يفلحوا في ذلك”.وقدرت صحيفة الجويش كرونكل اللندنية عدد أعضاء الدونمة في التسعينات بأربعة وأربعين الفا.وأرى  من المناسب هنا أن أذكر ماجاء في إحدى رسائل الشاعرة الكبيرة المرحومة فدوى طوقان لي بتاريخ18-9-1993 عن الدونمه لفائدتها وأهميتها”يرجع سماعي لأول مرة بكلمة الدونمه إلى عام 1969.وظللت أجهل مدلولها ومصدرها إلى أن قرأت كتابك فشكرا لك.أما عن سماعي بها لأول مرة فهو كالتالي:كان هناك مستشار لموشي ديان في شؤون الضفة الغربية المحتلة اسمه داود فرحي(توفي غرقا قبل سنوات)التقيت به في إحدى المناسبات تحدث فيها عن حكاية طريفة حدثت حين كان طالبا في احدى جامعات اسطنبول.قال إنه كلف ذات يوم بالقيام بمهمة الترجمة لإسرائيلي ذي شأن زار تركيا بصفة رسمية وقد أبدى الزائر رغبته في زيارة ضريح شخصية كبيرة من جماعة الدونمه فرافقه فرحي بصحبة ضابط تركي مسلم إلى حيث الضريح وأثناء وقوفهم المتخشع في المكان ظهرت على وجه الضابط علامات تأثرعميق وانهمرت دموعه ولما سأله الزائر الإسرائيلي عن سبب بكائه أعلن عن حقيقة كونه من فرقة الدونمه”
وللمزيد من التفصيل والإطلاع على مصادر البحث  يراجع كتابنا “فرقة الدونمة بين اليهودية والإسلام” الذي توجد نسخة منه على موقعنا هذا.
0 replies

Leave a Reply

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *