مؤرخون اسرائيليون يشككون في أسطورة مصداه(مسداه) د. جعفر هادي حسن1 min read

يبدو أن أحد الرموز الصهيونية المهمة الذي أصبح يضرب عميقا في وجدان الإسرائيليين قد أخذت تحوم حوله الشكوك. ونقصد بهذا الرمز قلعة مصداه وما حيك حولها من بطولة. والاسم مصداه–وهو يكتب خطأ مسداه(مساداه)إذ أنه بالعبرية بالصاد وجذرها قريب من الجذر العربي”صدد”– قد أطلق على قلعة بناها الرومان في فلسطين على قمة صخرة ضخمة عالية تشرف على وادي البحر الميت. وكان هرود الكبير حاكم يهودا قد بنى فيها قصرين وحماماً وقنوات مياه وسورا حولها في القرن الأول قبل الميلاد.وسكن في هذه المنطقة كثير من الأقوام منذ قرون بعيدة حيث اكتشفت في هذه المنطقة بعض مخلفاتهم وآثارهم.وأكثر مااكتشف فيها أثار من العصور الرومانية.ويعتبر الإسرائيليون اليوم قلعة مصداه جزءا من تاريخهم وهويتهم وهم يعتمدون في ذلك على ماذكره المؤرخ اليهودي فلاسفوس جوزيفوس(من القرن الأول الميلادي) في كتابه”الحرب اليهودية” عن مواجهة بين الجيش الروماني ومجموعة من اليهود المقاومين .

وجوزيفوس( الذي كان يعمل مسؤولا مع الرومان) هو المؤرخ الوحيد الذي ذكر هذه الحادثة.فهو قد ذكر بأن هذه القلعة كانت معقلا لهؤلاء اليهود الذين هربوا من وجه الجيش الروماني الذي احتل القدس وقد تحصنوا في هذه القلعلة لفترة من الزمن وكان عددهم كما قال أقل بقليل من ألف شخص واسماهم “سيكاري” وبقي هؤلاء يعيشون في القلعة لبضع سنين كما يقول إلى أن هاجمهم الجيش الروماني وحاصرهم ولما يئس اليهود المحاصرون من النصر وتأكدوا من حدوث الهزيمة الحتمية خطب فيهم زعيمهم الذي سماه اليعازر بن ياعير خطبة طويلة طلب في نهايتها منهم الإنتحار الجماعي بدل التسليم للجيش الروماني .فانتحر هؤلاء رجالا ونساء وأطفالا ولم ينج منهم إلا امرأة مسنة ورجل وخمسة أولاد كانوا قد اختبأوا في قناة للماءتحت الأرض وهذه المرأة المسنة هي الـتي أخبرت جوزيفوس بالحادثة كما يقول.

وجعل اليهود الصهاينة ماذكره جوزيفوس حدثا حقيقيا والفوا حوله القصص ونظموا فيه الأشعار وعملوا عنه الأفلام وكان بعض هؤلاء اليهود في العشرينات والثلاثينات من هذا القرن يأتون إلى فلسطين ويصعدون إلى القلعة ويبقون فيها لأيام يشعلون النيران ويرقصون حولها ويغنون .

وبعد ظهور الدولة اليهودية كانت هناك محاولات محمومة للكشف عن آثار القلعة ومعرفة مافيها ولكن المحاولات لاقت الكثير من الصعوبات ولم يكشف في حينه عن شيئ ذي أهمية وكانت المحاولة الرئيسة والمهمة للكشف عن آثار مصداه في عام1963 وهي تلك التي قام بها إيغال يادين (رئيس للجيش الإسرائيلي ونائب رئيس وزراء أسبق ومختص بالآثار) إذ أقنع بن غوريون بجدوى المحاولة والإنفاق عليها وفائدتها لإسرائيل.وتولى يادين مهمة البحث والتنقيب يساعده عدد كبير من المختصين وعدد أكبر من المتطوعين.وأقام معسكرا لهؤلاء المتطوعين اليهود الذين وصل عددهم إلى المئات وعمل يادين لفترة طويلة في البحث ولم يبق مكان في هذه القلعة إلا ونبشه.وقد عثر على بعض الأماكن المحترقة التي اعتقد بأنها كانت تستعمل من قبل اليهود المحاصرين كمخازن واكتشف كومة من الفحم والى جانبها بقايا بعض الملابس وغيرها من أشياءأخرى وزعم أنها كانت قد جمعت قبل الإنتحار واشعلت النار فيها.واكتشف كذلك بعض الهياكل العظمية التي اعتقد بأنها كانت بقايا من السيكاري لعائلة واحدة (وقد دفنت هذه البقايايا فيما بعد في احتفال عسكري مهيب أقامته الدولة)واكتشف كذلك بعض القطع الخزفية من أهمها إحدى عشرة قطعة كتب على كل واحدة اسم .وظن يادين بان هذه القطع هي التي ذكرها جوزيفوس والتي استعملها آخر عشرة أشخاص لإجراء القرعة لمن يقوم بعملية قتل الآخرين ولتأكيد ظنه هذا قرأ أحد هذه الأسماء على أنه”بن ياعير” حيث يكون هذا مطابقا لإسم الزعيم المفترض اليعازر بن ياعير.وهكذا ربط يادين هذه البقايا والمخلفات البسيطة بالسكاري وأخذ يقوم بكثير من الدعاية لها في وسائل الإعلام فاصبحت قلعة مصداه مزارا مهما يزوره اليهود عامة والإسرائيلون خاصة جماعات جماعات.من المدارس والمنظمات حيث يقف الطلاب وغيرهم على حافة القلعة وينادون بأعلى أصواتهم أيها الرومان سوف لانستسلم. وجعلها الجيش الإسرائيلي مكانا يقسم عنده العسكريون قسم الولاء للدولة ويرددون في قسمهم عبارة “إن مصداه سوف لاتسقط مرة أخرى”وأخذ الإسرائيليون يكتبون هذه العبارة على بعض الأشياء والملابس واصبحت قصة السيكاري المفترضة مع الرومان رمزا لمقاومة الإسرائيليين للعرب.وألف إيغال يادين كتابا عام 1968عنوانه “مصداه”.

وأصبح الإسرائيليون مأخوذين بما ذكر عن مصداه بل أخذوا ينظرون لها نظرة تقديس.واعتبرتها غولدا مئير من العقد التي تتحكم باليهود إلى جانب عقدة هتلر والمذبحة وشكلت مجموعة من اليهود منظمة باسم سيكاري.

وفي السنين الأخيرة أخذت الشكوك والتساؤلات تكثر حول ما اعتقد بأنه حقائق مؤكدة والذين أثاروا ذلك هم الباحثون والمؤرخون اليهود الإسرائيليين خاصة. فمن الأمور التي أثيرت حولها هو الشك في حقيقة حدوث الإنتحار الجماعي الذي ذكره جوزيفوس ويقولون إن هذا لايمكن إثباته لأن الراوي لهذه القصة هو جوزيفوس وحده دون مؤرخ آخر وهو لم ير الحادثة التي يرويها بنفسه فهو نسبها إلى المرأة العجوز التي ذكرناها.ويرى بعض الباحثين أن جوزيفوس ربما قرأ هذه القصة في أحد المصادر القديمة ثم زاد عليها وبالغ فيها ويقول جونثان برايس أستاذ اللغات القديمة والتاريخ في جامعة تل أبيب إن جوزبفوس يصف السيكاري في كتابه المذكور(حرب اليهود في القسم الثاني في الصفحات432وما بعدها) بأقبح الصفات وأشنعها وهو يكرههم ويحتقرهم.ويذكر هذا الباحث وهنا يتساءل المرء لماذا إذن ذكر جوزيفوس هذه القصة التي تعتبر فضيلة لهم ومدحا بحقهم؟وهو يرى بأن جوزيفوس أراد أن يؤكد رأيه الذي كان يراه وهو دعوة اليهود إلى عدم الثورة ضد الرومان واستدل بذكره للإنتحار الجماعي كدليل على عدم مقدرة اليهود على مقاومة الرومان.

وبالنسبة إلى القطع الخزفية التي ادعى يادين أنه عثر عليها ذكر هؤلاء الباحثون بأن الفكرة التي جاء بها يادين إنما هي من اختراعه وأنه ظنها ظنا من دون أي دليل يدعمها أما الهياكل العظمية التي اعتقد أنها لعائلة واحدة انتحرت سوية فان شيئا من هذا لم يؤكد أبداً وليس هناك دليل على صحة الفكرة

ومن المسائل التي أثير حولها الشكوك هو موضوع فترة الحصارفقد اشيع بأنها كانت لفترة ثلاث سنوات أو أربع وذكرت وكانها حقيقة ثابتة ولكن حنه كوثن وهي مدرسة تاريخ ولغات قديمة في الجامعة العبرية تقول انه بالمقارنة مع ماحدث تاريخيا في حصارات الرومان في اماكن أخرى فإن حصار “مصداه” لايمكن أن يكون قد استمر لسنوات بل لأسابيع من ستة اسابيع إلى ثمانية وليس أكثر من ذلك وتقول إن فترة الحصار هذه قد بولغ بها بشكل متعمد من أجل تأكيد اسطورة “مصداه” لأنه كلما كان الحصار أطول يكون الإعجاب بالمحاصرين أكثر حيث جعل الحصار من العام 70م إلى العام 73م كما ان هناك مبالغة بالمقاومة وهي والحصارقد انتزعا من سياقهما.

كما أن من الباحثين من انتقد إيغال يادين نقدا لاذعا واعتبره مبالغا بنشره أفكارا لاصحة لها أثرت على جيل أوجيلين من الإسرائيليين وكان من هؤلاء نيل آشر سيلبرمان الذي أصدر عام1994 كتابا عن إيغال يادين اعتبره فيه صانع أساطير .وفي عام 2002 كتب الأستاذ نحمان بن يهودا استاذ علم الإجتماع والأنثروبولوجي في الجامعة العبرية كتابا عنوانه “إخفاء الحقيقة: علم الآثار واسطورة مصداه” اتهم فيه يادين بالكذب وأنه أخفى الحقائق وهو في كتابه يتقفى أيضا الطرق التي اتبعها في اخفاء الحقائق بعد أن اطلع على التقارير عن المكتشفات.أما عن المجموعة التي يفترض أنها كانت تقاوم فقد قال عنهم في كتابه الآخر”اسطورة مصداه والذاكرة الجماعية وخلق الأسطورة في إسرائيل “ان أبطال مصداه لم يكونوا سوى مجموعة من قطاع الطرق والقتلة الذين يسمون سيكاري الذين أرعبوا القرى اليهودية وذبحوا سكانها وهم قد التجاوا إلى مصداه بعد أن اجبرهم يهود القدس على الهرب. فهم لم يفعلوا شيئا لحماية القدس من الهجوم الروماني عليها وعلى الرغم من أنه كان هناك دفاع بطولى عن المدينة ضد الجيش الروماني إلا أنه لم يكن هناك شيئ من هذا في مصداه والتي كانت في حقيقتها مأوى للعصابات وقد انتحر هؤلاء بعد أن حاصرهم الجيش الروماني وهي ليست كما صورت واعتبرت جزءا من هوية أسرائيل”وبالرغم من كل هذه الشكوك فإن الإسرائليين لايريدون الإعتراف بها لأن اسطورة مصداه قد أصبحت جزءاً من هويتهم ومترسخة
وقت غير قصير لتزول من أذهانهم وتختفي من وجدانهم. في تفكيرهم وهي تحتاج إلى

0 replies

Leave a Reply

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *