محاولة يوسف ناسي في القرن السادس عشرلإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين By  Dr. Jaafar Hadi Hassan  1 min read

د.جعفر هادي حسن

صاحب هذه المحاولة  يهودي يدعى خوان ميكاس، والذي عرف فيما بعد باسم يوسف ناسي، واعتبر في زمانه  من أشهر اليهود إسما وأكثرهم ثراء وتأثيرا..
وكان يوسف ناسي قد ولد في البرتغال لعائلة يهودية معروفة من المرانوس (مسيحيون ظاهراً ويهود باطناً)، تسمى عائلة مندس. وعلى الرغم من شهرته، فإن المؤرخين لحياته لا يتفقون على تأريخ ولادته، ولكن يعتقد أنها كانت بين الأعوام 1515 و 1520م. توفى والده عندما كان صغيراً، فرعته عمته (بياتريس دي لونا)، وقامت على تربيته ووجهته إلى التجارة ليساعد زوجها الذي كان من كبار تجار المال والأحجار الكريمة. ومنذ الصغر، لقن يوسف بعض الطقوس والشعائر اليهودية، وعندما بلغ الثالثة عشرة من عمره (سن البلوغ للذكر عند اليهود) أخبرته العائلة عن أصله اليهودي، وأن عليه أن يطبّق الفرائض اليهودية سرّاً كما تطبقها العائلة..
وبعد وفاة زوج عمته، قررت هذه مغادرة البرتغال لعدم شعورها بالأمن، فصحبت عائلتها ويوسف معها وتوجهت إلى بلجيكا حيث كان أخو زوجها يدير مصرفاً تملكه العائلة في مدينة أنتورب..
نشط يوسف في أعماله التجارية التي شملت بلجيكا وفرنسا وهولندا، وأصبحت لعائلته شراكة تجارية مع العائلة المالكة البلجيكية، ولكي تدفع الشبهة عنها كانت العائلة تداوم على الصلاة في الكنيسة والتبرع لها، ومع ذلك، فقد وشي بيوسف فقبض عليه واتهم بكونه يهودياً باطناً، وقد ظل معتقلاً لبضعة أسابيع إلى أن تدخلت العائلة المالكة لإطلاق سراحه.
وبعد هذه الحادثة بفترة من الزمن، قررت عمته مغادرة بلجيكا إلى دار السلطنة العثمانية، حيث كانت تنوي أن تعلن عن يهوديتها هناك، إذ كان لليهود حرية إظهار دينهم وممارسة شعائره. وكانت السلطنة العثمانية قد استقبلت عشرات الآلاف من اليهود الذين طردوا من شبه جزيرة من أسبانيا بعد العام1492م وبعد ذلك من البرتغال أيضا..
ولكن عمته لم تعلن عن نيتها وخططت لسفرها سرّاً، وللتمويه على ذلك، سافرت أولاً إلى البندقية – وكان ذلك في العام 1545 م- ولم يصحبها يوسف وبقي في بلجيكا للإشراف على تجارة العائلة، ولكنها عندما أرادت أن تغادر البندقية منعتها الحكومة وابنتها من السفر وحجزت على ممتلكاتها. وقيل إن أختها كانت قد وشت بها لنزاع مالي بينهما، وبقيت ممنوعة من السفر لسنتين إلى أن تدخل السلطان سليمان القانوني لإطلاق سراحها. وكان ذلك بتأثير طبيبه السلطان اليهودي موسى هامون (ت 1554 م) الذي كان على معرفة وعلاقة بعائلة مندس. وغادرت البندقية إلى القسطنطينية. وبعد فترة من وصولها، أشهرت يهوديتها وأبدلت اسمها إلى “غراسيا” حيث عرفت بهذا الاسم فيما بعد.
بعد بضع سنوات، التحق يوسف بالعائلة، وعند وصوله إلى حاضرة الإمبراطورية العثمانية، أشهر يهوديته هو الآخر واختتن كذلك، وتزوج من ابنة عمته.
وعن طريق اليهود المتنفذين – ومنهم طبيب السلطان – أصبح يوسف ناسي من حاشية السلطان وتوثقت علاقته كذلك بالصدر الأعظم رستم باشا زوج مهري ماه بنت السلطان من زوجته المفضلة روكسلانه – خرم التي كانت ذات تأثير كبير عليه. وأصبح كذلك على علاقة وثيقة بسليم الثاني – الذي أصبح سلطاناً فيما بعد- وصار من المقربين له، والمتنفذين عنده إلى حد أنه أعطي احتكار استيراد بعض السلع. وكان السلطان يستفيد من يوسف ناسي كثيراً في علاقات الدولة الخارجية بسبب انتشار وكلائه من اليهود في الدول الأوربية خاصة والذين كانوا مسيحيين في الظاهر، حتى أنه اعتبر مستشاراً سياسياً غير رسمي للسلطان..
وكان يوسف يهتم بأوضاع اليهود في أوربا وبمساعدتهم. وكانت تصله أخبار عن اضطهاد اليهود من قبل بعض الدول الأوربية، وأكثر ما أثار حفيظته ما قام به البابا بولس الرابع عام 1555م من إصدار قرارات ضد اليهود، كان منها أمر اليهود بالسكن في أحياء خاصة بهم (غيتو) ومنعهم من تطبيب المسيحيين أو استخدام عمال وخدم مسيحيين. كذلك فرضه عليهم لبس قبعات صفراء تميّزهم عن غيرهم. وقد عين مندوبون لتطبيق هذه القرارات. كما جاءت الأنباء بحرق خمسة وعشرين يهوديا بتهمة الارتداد. وكانت الحالة تزداد سوءاً حيث طُرد اليهود من بعض المقاطعات التي كانت تحت نفوذ الكنيسة..
وعزم يوسف على القيام بعمل لمساعدة أبناء جلدته في هذه المناطق، ولكنه أيضاً قرر أن يثأر لهم. فأرسل – هو وعمته – رسائل إلى التجار اليهود في العالم بمقاطعة موانئ فينيسيا التي طبّقت القرارات فيها، وطلبا منهم – كذلك – أن يفرضوا حصاراً على ميناء أنكونا في إيطاليا. ويعتبر هذا الحصار أول حصار اقتصادي قام به اليهود..
وفي الوقت نفسه، التمس يوسف من السلطان سليمان أن يتوسط لدى البابا من أجل اليهود، وقد استجاب السلطان إلى ذلك وأرسل رسالة للبابا بيد مبعوث خاص له، ويقول اليهود إن تدخل السلطان هذا كان من الحالات النادرة التي قام بها حاكم لمصلحتهم طوال تاريخهم..
ولم يكتف يوسف بهذا، ورأى أن حل مشكلة اليهود في أوربا هوفي إيجاد مكان خاص بهم، ورأى أن المكان المناسب لذلك هو فلسطين. وقر رأيه أن يعرض الفكرة على سليم الثاني الذي لم يمانع في ذلك واعداً بأن يكلم السلطان سليمان في الأمر. ويبدو أن يوسف ناسي قد اقترح مدينة طبرية لتكون نواة لمشروعه، ووافق السلطان على ذلك، وأصدر فرماناً بهذا الخصوص عام 1561م نص على تخصيص طبرية وسبع قرى حولها للمشروع، على أن يدفع يوسف نظير ذلك مبلغاً معيناً من المال. وقد وقع الفرمان – بالإضافة إلى السلطان – ابناه مراد وسليم، وربما كان سبب ذلك هو ألا يبطل الفرمان بموت السلطان.
وكانت طبرية على ما يبدوخرائب كما ذكر مَن زارها في هذه الفترة وما قبلها، فقد زارها أحد اليهود عام 1522م وقال عنها “كانت طبرية في الماضي مدينة عظيمة ولكنها الآن خرائب وأكوام من حجر أسود كأنه حرق بالنار، ولا يمكن أن يذهب أحد إلى هناك إلا مع قافلة وتحت حماية حاكم صفد حيث تدفع له أجور من أجل هذه الحماية. ويوجد في طبرية نخيل كثير كما توجد قرى عربية”، وكانت طبرية أيضاً مهملة قبل هذا التاريخ، فقد قال عنها الرحّالة ابن بطوطة (ت 1377م) “ثم سافرت منها (صيدا) إلى مدينة طبرية، وكانت فيما مضى مدينة كبيرة ضخمة، ولم يبق منها إلا رسوم تنبئ عن ضخامتها وعظم شأنها. وفيها الحمامات العجيبة التي لها بيتان أحدهما للرجال والآخر للنساء. وماؤها شديد الحرارة وفيها البحيرة الشهيرة (التي طولها ستة فراسخ وعرضها أزيد من ثلاثة فراسخ، وفيها مسجد يعرف بمسجد الأنبياء”
ويبدو أن اختيار طبرية كان مقصوداً من قبل يوسف ناسي، فهو يعرف أهميتها عند اليهود المتدينين حيث يعتبرها هؤلاء من المدن الأربع المقدسة عندهم في فلسطين وهي القدس وصفد وطبرية والخليل  وكانت طبرية في فترة من الفترات مركزاً دينياً لهم، حيث كتب فيها جزء من التلمود الفلسطيني، كذلك شكّل فيها نص التوراة ووضعت عليه الحركات (وكان،هذا تأثراً بما قام به المسلمون نحو القرآن إذ لم تكن التوراة مشكولة قبل هذه الفترة). كما توجد فيها قبور لبعض الحاخامين الذين لهم قدسية عندهم مثل قبر الحاخام والفيلسوف المعروف موسى بن ميمون، حيث مازالوا يزورونها إلى اليوم. وربما كان من الأسباب التي دعت يوسف إلى اختيارها وجود البحيرة وصلاحية الأراضي للزراعة..
لم يذهب يوسف بنفسه إلى فلسطين بل أناب عنه شخصاً يهودياً كان يثق به ويعتمد عليه. وقد قابل هذا اليهودي السلطان وتسلم منه الفرمان ورسائل إلى حاكم صفد ووالي دمشق يطلب منهما مساعدته في توفير العمال الذين يحتاج إليهم في البناء خاصة مَن كان قرب طبرية، كما خصص له بعض المال وأرسل معه بعض خدمه. كما أرسل يوسف معه بعض مستخدميه، وصحبه أيضاً بعض اليهود الذين أرادوا السكن في طبرية، وكانت مواد البناء – كالرمل والجص متوفرة في المنطقة، وكذلك توفر الحجر بكثرة من بقايا الأبنية القديمة..
وشُرع في إعادة بناء المدينة في حدود عام 1564م، حيث بني سور لها بطول 1500 متر، وبني له بابان، كما أعيد بناء البيوت وأقيم كنيس يهودي كذلك، وأخذ اليهود يتوافدون على المدينة بعد أن شجعهم يوسف على ذلك ووجه نداء لهم – خاصة المرانوس منهم – للهجرة إلى طبرية والسكن فيها. وقد أنشأ وكالة سرية هو وعمته لتهريب اليهود إلى فلسطين وتركيا، كما استخدم سفنه من أجل هذا الغرض، وأخبرهم بأن نقلهم سيكون على حسابه الخاص. وقد هوجم بعض هؤلاء في عرض البحر، وقد ذكر مؤرخ من هذه الفترة “أن كثيراً من اليهود قد ذهبوا في تلك السنة إلى الشرق، وفي أثناء رحلتهم هاجمهم فرسان مالطة وغرق بعضهم في البحر، وأخذ البعض الآخر منهم أسرى”، وكان يوسف يدفع فدية هؤلاء ويفك أسرهم.
وكان من اليهود المهاجرين إلى طبرية مجموعة من العمال المهرة من البرتغال واليونان وإيطاليا. وقد شجع يوسف هؤلاء – خاصة – على الهجرة لأنه خطط لإقامة صناعة للأنسجة الصوفية والحريرية..
وصناعة هاتين المادتين تمر بمراحل عدة، حيث يمكن تشغيل عدد كبير من الناس فيها، وربما كان هدفه من ذلك – أيضاً – منافسة البندقية( فينيسيا) التي عرفت وقتها بصناعة المنسوجات الحريرية، وأيضاً للثأر منها لما فعلته بعمته.
وقام يوسف بجلب المواد الأولية لهاتين الصناعتين، حيث أستورد كمية من الصوف من إسبانيا، وجلب كمية من أشجار التوت لزراعتها وتربية دودة القز لإنتاج الحرير منها.
وظهر جلياً من كل هذا أن هدف يوسف ناسي لم يكن من أجل الربح فهو كان رجلاً ثرياً – حتى قيل بأنه كان من أثرياء العالم في وقته، بل إنه كان يقدم قروضاً إلى بعض الدول مثل فرنسا وبولندا – ولكن طريقة تخطيطه تشير إلى أن دوافعه كانت سياسية، وكان سفير فرنسا لدى الباب العالي قد أكّد هذه الدوافع في رسالة إلى حكومته مؤرخة في سبتمبر عام 1563م. وقد جاء في الرسالة ما نصّه “إن يوسف ناسي قد حصل على فرمان من الباب العالي ووقعه كل من سليم ومراد ابني السلطان لبناء مدينة على بحيرة طبرية ليسكنها اليهود فقط. وهو بهذا يريد أن يحقق هدفه، فيبدأ من هنا ليجعل نفسه ملكاً على اليهود، لذلك يطالب فرنسا بأمواله”..
وقد أثار المشروع مخاوف سكان فلسطين من غير اليهود، فقد قدم المسيحيون الفلسطينيون شكوى إلى الباب العالي قالوا فيها “إن الغرض من هذا المشروع هو جعل طبرية مملوءة بالأفاعي الخبيثة التي هي أكثر خبثاً من تلك التي تسكن الخرائب. وأن هؤلاء (اليهود) يريدون أن يحّولوا الكنيسة إلى كنيس”، وقد حمل هذه الشكوى ممثل عنهم إلى الباب العالي، ولكنه لم يتمكن من مقابلة السلطان، بل قابل الصدر الأعظم، لكن ذلك لم يؤثر على سير المشروع، كما أبدى سكان المنطقة معارضة شديدة للمشروع، حيث حذرّهم شيوخهم من مغبة بناء مدينة يهودية في أوساطهم. وقالوا لهم إن بناء مثل هذه المدينة سيؤثر على حياتهم وعلى عقيدتهم. وقد تمثلت هذه المعارضة بقيام العمال منهم بالعصيان والإضراب، مخالفين بذلك أوامر الباب العالي. وقد توقف العمل لفترة، ولكن ممثل يوسف ناسي ذهب إلى والي الشام وأخبره بإضراب العمال وتوقفهم عن العمل ومخالفتهم لأوامر الباب العالي. وقد وجه الوالي مجموعة من الجند على وجه السرعة إلى المنطقة وقبضوا على اثنين من شيوخ المنطقة واعتبروهما محرضين على الإضراب وعاقبوهما بشدة. وذكرت بعض المصادر أنهما أعدما، وعلى إثر ذلك، اضطر العمال إلى الرجوع إلى العمل، ولكن سكان المنطقة استمروا بمهاجمة موقع البناء بين الحين والآخر، وبسبب ذلك، تأخر البناء لبعض الوقت، ولكنه أكمل فيما بعد. وكان من المباني التي شيّدت بيت لعمة يوسف ناسي حيث كانت تنوي السكن في طبرية، ويبدو أن بناء المدينة قد أكمل في السبعينيات من القرن السادس عشر. فقد وصفها زائر من هذه الفترة وقال عنها “إن المدينة (طبرية) ترى من بعيد وهي قريبة من البحيرة وتبدو وكأن قسماً منها في وسط البحيرة وهي محاطة بسور قوي وتكثر فيها الأشجار”
واستمر اليهود بالهجرة إلى المدينة، وكان من ضمنهم بعض الحاخامين وطلاب الدراسات الدينية الذين كانت ترعاهم وتنفق عليهم غراسيا عمة يوسف، ولا يعرف على وجه التحديد عدد اليهود الذين هاجروا إلى طبرية، إذ ليس هناك سجلات بهذا الخصوص، ولا يعرف كذلك حجم النجاح الذي حققه المشروع، ولم يذهب يوسف ناسي نفسه إلى طبرية طوال تنفيذ المشروع أو حتى بعد اكتماله، وقد ذكر من الأسباب لذلك خوفه من تآمر أعدائه الكثر عليه والذين كان منهم محمد صوقللي الذي أصبح صدراً أعظم. وقد ظلت علاقته بالمشروع عن طريق وكلائه إلى أن توفى عام 1579م..
وبعد وفاته، تبنى المشروع يهودي من أصل برتغالي اسمه سلومون أبينياس، وكان هذا دبلوماسياً ومقرّباً من الباب العالي أيضاً، وقد تحمّس للمشروع كثيراً وأرسل ابنه نيابة عنه، وأول ما قام به هذا هو عقد صلح مع سكان المنطقة الذين لم يكونوا قد قبلوا بوجود المهاجرين اليهود، كما أنه بنى لنفسه بيتاً كبيراً يشبه القلعة، ولكن هذا الصلح لم يدم طويلاً، وعاد السكان يهاجمون المدينة حتى أصبح وضعها غير آمن، ولم يكن اليهود ليخرجوا منها إلا على شكل جماعات، وبسبب ذلك، أخذ بعض اليهود بالهجرة من المدينة إلى مدن فلسطين الأخرى، إضافة إلى حدوث نزاعات بين اليهود أنفسهم حول ملكية بعض العقارات..
وبعد وفاة سلومون أبينياس عام 1603م، وتحول ابنه للدراسة الدينية تدهور حال المدينة، وعندما زارها إغوني روجر عام 1630م لم يجد فيها إلا عوائل يهودية قليلة لا تزيد على عدد أصابع اليدين. واستمر تدهور المدينة حتى وصل وضعها إلى ما يشبه ما كانت عليه قبل إعمارها، ولفظ مشروع يوسف ناسي أنفاسه..
وفي عام 1740م، جاء من مدينة أزمير إلى طبرية حاخام مشهور اسمه حاييم بن موسى أبو العافية – وهو من عائلة سفاردية معروفة بين اليهود – مصطحباً معه أبناءه وبعض أقربائه. وكان هذا الحاخام يريد إعمار طبرية بدافع ديني وليس بدافع صهيوني، فهو كان يعتقد بأن ظهور المسيح المخلص اليهودي قد قرب وقته، وأن إعمار طبرية سيعجل بظهوره. وقد طلب من الشيخ ظاهر العمر – الذي كان يسيطر على أجزاء واسعة من فلسطين في هذه الفترة، وفيما بعد على أجزاء من الأردن ولبنان – أن يسمح له بإعادة بناء المدينة، ووافق الشيخ ظاهر على ذلك. وقد أرسل الحاخام أبو العافية أبناءه إلى سوريا وغيرها من البلدان لجمع الأموال من الجماعات اليهودية. كما أنه دعا اليهود الحسيديم – الذين كانت حركتهم قد بدأت بالظهور في هذه الفترة – أن يلتحقوا به وأقنعهم بأن إعمار طبرية سيعجّل بظهور المخلص اليهودي، ووصل منهم جماعة إلى طبرية.
وأخذ الحاخام وجماعته يعملون بجد وحماس لإعادة بنائها. ولكن لم تمض على عمل هؤلاء إلا سنتان حتى بدأت المعارك بين سليمان باشا العظم – والي دمشق – والشيخ ظاهر العمر الذي رفض الخضوع لسلطة والي الشام. وفي عام 1742 – 1743م تحصن العمر في طبرية فحاصرها العظم وأخذ يضربها بالمدافع. وعلى الرغم من تشجيع الحاخام لليهود على البقاء، فإن مجموعة منهم هربت وكان منهم ابنه. ولم تتوقف المعارك إلا بعد أن توفي العظم فجأة وفك الحصار عن المدينة..
وبعد انتهاء المعارك، أصلح ظاهر العمر سور المدينة الذي كان قد تضرر أثناء القصف. وكان الحاخام قد طلب من أتباعه مساندة العمر تعبيراً عن امتنانه للسماح لهم بالسكن في المدينة، وجعل انتصار العمر مناسبة ليهود طبرية يحتفلون بها سنوياً. كما أن صهر الحاخام كتب كتيباً بالعبرية يتحدث فيه عن المعارك التي دارت بين العظم والعمر وعن انتصار هذا الأخير. وبعد انتهاء المعارك، رجع بعض اليهود إليها ومنهم ابن الحاخام الذي أصبح رئيس الجماعة اليهودية الصغيرة في طبرية بعد وفاة أبيه. وظلت المدينة كما هي، وظل عدد اليهود قليلاً حتى أن عددهم في عام 1839م، لم يزد على بضع مئات من مجموع السكان، ولم تحي فكرة المشروع الصهيوني في المدينة إلا في بداية القرن العشرين بعد ظهور الحركة الصهيونية، حيث أصبحت طبرية مركزاً لاستيطان المناطق التي حولها. كما أنها أصبحت أول مدينة يطرد سكانها العرب كلهم في عام 1948م، ويحل محلهم مهاجرون يهود.
ويعتبر مشروع يوسف ناسي المشروع الصهيوني الرئيسي قبل ظهور الحركة الصهيونية الحديثة
وقد قالت عنه دائرة المعارف اليهودية “إن مشروع يوسف ناسي هو وحده الذي كان المحاولة العملية لإنشاء مركز سياسي يهودي في فلسطين بين القرن الرابع الميلادي والقرن التاسع عشر”، وفي المناهج الدراسية الإسرائيلية في الوقت الحاضر يدرس مشروع يوسف ناسي ضمن منهج التاريخ كونه محاولة لإنشاء كيان يهودي في فلسطين..

نشرت في مجلة “العربي” الكويتية

0 replies

Leave a Reply

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *