فكرة الإختيار ودورها في ظاهرة العنف ضد الفلسطنييين في إسرائيل

فكرة الإختيار ودورها في ظاهرة العنف ضد الفلسطينيين في اسرائيل
د.جعفر هادي حسن
لم يتوقف عنف اليهود الإسرائيليين من متطرفين قوميين وأصوليين متشددين ، ضد الفلسطينيين منذ ظهور الدولة، وهو آخذ بالإزدياد كلما تقدم الزمن وطال أمد الإحتلال، حتى أصبح ظاهرة واضحة المعالم .وعلى الرغم من أن الظروف السياسة قد تكون أحيانا عاملا من عوامل هذا العنف وسببا من أسبابه، لكن أحد أسبابه المتجذرة في الوجدان اليهودي فيما أرى،هو اعتقاد الغالبية العظمى من اليهود بأنهم شعب مختار ومتميز، اختارهم الإله يهوه وفضلهم على الشعوب. وقد ورد التأكيد على هذه الفكرة أولا في كتابهم الرئيس “التوراة” في مواضع كثيرة ومتعددة، ثم في أدبياتهم فيما بعد كالتلمود ثم في أقوال الحاخامين . ففي التوراة نقرأ في سفر تثنية الإشتراع7: 6-8 بالنص التالي” لأنك شعب مقدس للرب الاهك، وإياك اختار الرب إلهك لتكون له شعبا خاصا له من بين جميع الشعوب، التي على وجه الأرض، لا لأنكم أكثر من جميع الشعوب، تعلق الرب بحبكم واختاركم، فانتم أقل من جميع الشعوب، بل لمحبة الرب لكم، ومحافظته على القسم الذي أقسم به لآبائكم، وهو أخرجكم بيد قوية وفداكم من دار العبودية من يد فرعون ملك مصر”. وغير هذا النص كثير. وعندما ألف التلمود انتشرت في ثناياه أقوال تؤكد هذه الفكرة وتعمقها ،وفي الوقت نفسه صاحبتها أقوال سلبية بحق غير اليهود. ففي رسالة سنهدرين أحد ى رسائل التلمود أن بني إسرائيل هم الأتقياء ،وهم الذين سيرثون الحياة الأبدية.وفي رسالة أخرى منه إن عمل بني إسرائيل هو دائماا عمل خير، بينما الآخرون قادرون فقط على عمل الشر. وأخذ الحاخامون يجذرون هذه الفكرة في أذهان اليهود بشتى الطرق .وينتقصون من الآخرين. وقد جاء عن حاخاميهم أقوال كثيرة في هذا الخصوص.ومن هذه الأقوال ما قاله أشهر حاخاميهم وفلاسفتهم موسى بن ميمون” أما الذين خارج المدينة فهم كل ِشخص لا عقيدة عنده، لا نظرية ولاتقلدية كأطراف الترك المتوغلين في الشمال، والسودان المتوغلين في الجنوب ومن ماثلهم، ممن معنا في هذه الأقاليم، فحكم هؤلاء كحكم الحيوان غير الناطق، وما هؤلاء عندي بمرتبة الإنسان، وهم من مراتب الموجودات دون مرتبة الإنسان ،وأعلى من مرتبة القرد، إذ قد حصل لهم شكل الإنسان، وتخطيطه وتمييز فوق تمييز القرد . وكذلك ماقاله مؤسس فرقة اللوبافتش الحاخام المعروف شنيور زلمان في كتابه “تانيا” ” إن لليهودي نفسين إحداهما قدسية خالصة هي جزء من الإله، وهذه النفس لاتكون إلا في اليهود، وألأخرى حيوانية وهي التي تمد ألإنسان بالحياة، وهي تكون في اليهود وغيرهم، ولكنها في اليهود هي خليط من خير وشر.أما في غير اليهود فهي تكون شرا خالصا، لا خير فيها إطلاقا” .وهذا الكتاب الذي كتبه مؤلفه بالعبرية ،قد صدرت منه على ألأقل خمسا وستين طبعة، وهو ما يعني الإقبال على اقتنائه وكثرة قراءته والتأثر به. وقال حفيده الحاخام المشهور مندل شنيرسون، إن جسم اليهودي من أصل يختلف عن أجسام كل الشعوب الأخرى .ومن هذه الأقوال، كذلك قول الحاخام أبراهام اسحق كوك(ت1938) الذي يعتبر وابنه الحاخام زفي الأبوين الروحيين للأصوليين الصهيونيين في وقتنا الحاضر،”بأن الفرق بين النفس اليهودية والنفس غير اليهودية ،أكبر وأعمق مما بين النفس الإنسانية والنفس الحيوانية” .إلى غير ذلك من أقوال.كما أن هذا الإعتقاد دخل في صلاتهم بقولهم”الحمد لله الذي اختارنا”. وقد ترسخت فكرة التفوق هذه – بسبب التركيز عليها—في وجدان اليهودي وفي لا شعوره إلى جانب النظرة الدونية للآخرين التي صاحبت فكرة الإختيار لليهود أيضا كما ذكرت .وهذه النظرة الدونية لللآخرين أيضا بدأت بالتوراة ،ومن أمثلة ذلك، ماورد في سفر تثنية الإشتراع 1:7 –5 “وإذا أدخلك الرب ألهك إلى الأرض التي أنت داخل إليها ،لترثها وتطرد من أمامك أمما كثيرة…. سبع أمم أكثر وأقوى منك وأسلَمَهم الرب الهك بين يديك وضربتهم فحرَمهم تحريما(قتلهم عن آخرهم) لا تقطع معهم عهدا ولاترأف بهم ،ولا تصاهرهم ولا تعط ابنتك لأبنه ولا تأخذ ابنته لإبنك، لأنه يبعد ابنك عن السير ورائي…بل اصنعوا بهم هكذا: تدمرون مذابحهم وتكسرون أنصابهم وتحطمون أوتادهم المقدسة وتحرقون تماثيلهم بالنار” وغير هذا من أمثلة والتي تعمقت في الأدبيات اللاحقة حتى العصر الحاضر.ولذلك أطلق على غير اليهود صفات سلبية متعددة مثل غويم (الأغيار) ومنيم(كافرين) وعقوميم(منحرفين)وغيرها من صفات. وفي تراث اليهود فإن النظرة إلى اسماعيل، الذي يعتقد فيه أنه أبو العرب ليست نظرة إيجابية. فاسحق الأبن الأصغر لإبراهيم، هو الذي قدمه النبي إبراهيم ليضحي به-كما تذكر التوراة – ولم يقدم اسماعيل وأن الرب قد أقام العهد معه، وليس مع اسماعيل الذي هوابن الجارية الذي طرد معها، وأن أصول الشعب اليهودي ترجع إلى اسحق. وفي كتبهم أيضا أن الرب عرض على العرب الشريعة، التي أنزلها وعندما سألوه عما فيها ذكر لهم الوصايا العشر، التي منها لا تقتل لاتسرق لا تزن، رد عليه العرب بأنهم يرفضونها ولايريدونها، وقالوا إننا نريد أن نمارس هذه الأمور.ومثل هذه الأساطير مازالت تدرس في مدارسهم الدينية إلى اليوم ، وكذلك يطلقون على العرب عماليق وهم طبقا للتوراة أعداء العبرانيين التاريخيين”وأن الرب في يوم من الأيام سيمحو ذكر العماليق”كما يعزون ذلك إلى النبي موسى.وكان رئيس الحاخامين السفارديم ألأسبق في إسرائيل عوفاديا يوسف، قد وصف الفلسطينيين بأنهم عماليق هذا الزمان، وقد دعا عليهم أكثر من مرة ليزيلهم يهوه من الوجود.وهكذا تشكات عقلية هؤلاء نحو العرب وأصبح لهم حصة كبيرة من هذه النظرة التي تتسم بالإحتقار واالكره. ولذلك ليس من الغريب أن نجد الغالبية العظمى من طلاب المدارس في إسرائيل يصفون الفلسطينيين بأنهم قتلة ولصوص، عندما أجري أستطلاع بينهم قبل بضع سنوات عند سؤالهم عن تعريف الفلسطيني. وصاحَب الإعتقاد بهذه الفكرة الإعتقاد أيضا بأن فلسطين أعطيت لليهود وحدهم دون غيرهم ولايشاركهم فيها أحد، إذ الآخر يدنسها ويخبثها، والإستيلاء عليها كما يعتقدون وطرد الآخرين منها وقتلهم هو عمل مقدس، لأنه تطهيرلها من هذا الدنس.
وقد حمل الغالبية العظمى من المهاجرين هذه النظرة معهم إلى فلسطين فبعد إعلان وعد بلفور وازدياد المستوطنين في فلسطين وتعاظم شوكتهم أخذوا يقومون بتطبيق نظرتهم هذه ضد الفلسطينيين.ولما رأى “أحد هاعام” زعيم الصهيونية الروحية تعاملهم مع الفلسطينيين من هذا المنطلق وعلى أساس هذه النظرة حذرهم من ذلك، وقال لهم في كلام معروف “إن على اليهود أن لايعتبروا أنفسهم متفوقين على العرب، بل إنهم يجب أن ينظروا إليهم على أنهم أناس يعتزون بأنفسهم كثيرا.والإعتقاد بأن كل العرب هم صحراويون برابرة، وأنهم أناس مثل الحمير لايعرفون ما يدور حولهم ولا يفهمونه هوخطأ كبير…إن العرب بخاصة سكان المدن منهم يفهمون جيدا ماذا نريد وماذا نحن نعمل في البلد، ولكنهم يتظاهرون بأنهم لايعرفون ولاينتبهون لأنهم لايرون في الوقت الحاضر أي خطرعلى أنفسهم، أو مستقبلهم فيما نقوم به ، ويحاولون أن يحولوا عمل هؤلاء الضيوف الجدد لصالحهم، ولكن عندما يأتي اليوم الذي تكون فيه حياة شعبنا في أرض إسرائيل قد وصلت إلى درجة ،بحيث تدفع الناس المحليين جانبا، كثيرا أو قليلا فانه سوف لايكون من السهولة أن يتخلوا عن أرضهم.”وقال أيضا “إن المستوطنين يجب أن يتعاملوا مع السكان المحليين بحب واحترام” ولكن هؤلاء المستوطنين صموا آذانهم عن نصائح أبناء جلدتهم، واستمروا في الإعتداء على الفلسطينيين والتنكيل بهم، والاأبالية نحوهم، ولذلك ثار الفلسطينيون ضدهم أكثر من مرة كما حدث في عام 1929 و1936. ثم أخذت هذه ألأفكار تظهر بشكل أوضح بعد نشوء الدولة وظهورقوتها ودعمها لهؤلاء- فأصبحت الدولة القوية تحمي اليهودي ولاتحمي ألآخر وأصبح اضطهاد الآخر، واستعمال العنف ضده وقتله أمرا سهلا .فأخذوا يجاهرون بالقول بأن وصية لاتقتل لاتنطبق عليهم، إذا قتلوا الفلسطينيين، حتى الأطفال منهم ،وكان الحاخام يسحق شابيرا قد أصدر كتابا عام 2009 بعنوان “توراة الملك” قال فيه إنه يجوز قتل غير اليهود حتى الأطفال منهم ،لأن هؤلاء سيصبحون أشرارا مثل آبائهم عندما يكبرون.وعند صدور الكتاب انتقد بعض المسؤولين مضمون الكتاب في ضجة كاذبة ومفتعلة ،ولكنها مالبثت أن اختفت وخمدت ونشر الكتاب ووزع على نطاق واسع في إسرائيل..وأصبحنا نسمع كلاما من هؤلاء يخز الضمير الإنساني بعمق ، ويخدش المشاعر البشرية بقوة ،ويجعل من حقوق الإنسان مهزلة حقيقية.مثل قول رئيس الحاخامين السفارديم الأسبق،مردخاي إلياهو “إن حياة طالب المدرسة الدينية (اليشيفاه) تعادل حياة ألف عربي” وكذلك ماقاله الحاخام يعقوب فرن، في رثائه لباروخ غولدشتاين”إن مليون عربي لايساوون ظفر يهودي”.ولذلك فنحن لانستغرب من إقدام بعض هؤلاء،على حرق أناس أبرياء  حتى الأطفال وهم أحياء، بل أصبح من يقتل الفلسطينيين من هؤلاء قديسا، كما هو حال باروخ غولدشتاين، الذي قتل 29 فلسطينيا فبُني له صرح على قبره يزوره هؤلاء، ويتبركون به.
———————————————–
*لابد أن نشير هنا إلى أن من اليهود من لايؤمن بفكرة الإختيار،ويعتبرها فكرة عنصرية وبالية لاتتفق مع صفات العدل للإله.ومن هؤلاء، الفيلسوف اليهودي سبينوزا (الذي كتبنا عنه فصلا في كتابنا قضايا وشخصيات يهودية). وبعض هؤلاء قد أسسوا فرقا يهودية في القرن العشرين، لها أتباعها الكثيرون والمؤمنون بأفكارها، مثل الحاخام مردخاي قبلان والحاخام شيرون واين.

 

 

 

مثقفون يهود يهجرون إسرائيل إلى المانيا

د. جعفر هادي حسن

عندما انهار الاتحاد السوفياتي السابق وسمح لليهود بالهجرة منه كان هؤلاء المهاجرون يفضلون الذهاب إلى ألمانيا بدل إسرائيل، ولذلك تضاعف عدد يهود ألمانيا أربع مرات منذ العام1989. ولم ينقطع تدفق هؤلاء المهاجرين إلى ألمانيا على الرغم من ضغوط إسرائيل عليها. ومنذ سنين بدأت شريحة من يهود إسرائيل تهاجر إلى المانيا للعمل والإقامة على الرغم من تاريخ المانيا في معاملة اليهود السيئة الذي توج بالمذبحة المعروفة (الهولوكوست). ويتميز هؤلاء المهاجرون عن غيرهم ممن يهاجر من اسرائيل أنهم نخبة من بين شرائح المجتمع، ومن المبدعين من فنانين ورسامين وكتاب ومنتجين سينمائيين وموسيقيين وغيرهم، ولذلك ترحب بهم ألمانيا ترحيبا بالغا وتعطي لهم أفضلية بمنحهم «فيزا الفنانين»، بل هي تساعدهم باعطائهم منحة مالية أيضا وبدون تعقيدات بيروقراطية. حتى أن احد الممثلين المعروفين يقول إنه يوجد اليوم فنانون في برلين أكثر مما هم موجودون في إسرائيل.
ومن الذين يهاجرون أيضا عدد من أقرباء الناجين من المحرقة، ويعتبر هذا تطورا في نظرة اليهود إلى الألمان، حيث كان بعض اليهود من هؤلاء إلى وقت قريب، يصيبهم التوتر والغضب عند رؤيتهم لهؤلاء بل ويكرهون حتى الكلام معهم. وأصبح هؤلاء المهاجرون اليوم مجموعة مميزة يصل عددها إلى مايقرب من عشرين ألفا أو أكثر، لهم إذاعتهم العبرية وبعض الصحف بهذه اللغة أيضا ولهم منظماتهم ونشاطاتهم الأخرى، ومازال الكثير منهم في إسرائيل يخططون للهجرة إلى هذا البلد والعيش فيه. يقول دانيال بيرنباوم الذي يقود الأوركسترا في برلين منذ التسعينات إنه يشعر أكثر ارتياحا في ألمانيا من إسرائيل، ودانيال هذا هو أحد البارزين من المجموعة المهاجرة اليوم.
ومما يشجع هؤلاء على الهجرة نظرة الدولة إلى اليهود بخاصة قوانينها ضد العنصرية والتي هي في صالح اليهود خاصة. كما أن المانيا اليوم تختلف نظرتها إلى الأقليات في أنها أكثر احتراما لها وتسامحا معها، وهو ما يشجع اليهود على الهجرة. كما أنها قد شرعت أشد القوانين ضد العنصرية. وهي من الدول التي تعتبر إنكار المذبحة النازية من الجرائم التي يعاقب عليها القانون بسجن من تثبت عليه/ها التهمة بعقوبة أقصاها خمس سنين، وكان بعض الألمان الذين يتبنون هذه الفكرة قد سجنوا أو غرموا، وقد سجنت امرأة عمرها تسعة وثمانون عاما (لأربعة عشر شهرا) في العام الماضي لهذا السبب. ومما يشجع المهاجرين اليهود أيضا، أنهم يرون في الألمان ندما على ما حصل من النازية نحو اليهود والشعوب الأخرى مثل النور وغيرهم، يتمثل ذلك في إنشاء المراكز التي تعنى بالبحث والدراسة حول النازية وتاريخها، وما قامت به من مذابح نحو الآخرين. وبعض هذه المراكز سميت على أسماء شخصيات يهودية. ومما يشجعهم على الهجرة أيضا ان اقتصاد المانيا هو اقتصاد قوي يتفوق على اقتصادات دول الاتحاد الأوربي وأن الديمقراطية فيها تعتبر نموذجية. ويقولون أيضا إنهم يشعرون أكثر امنا في المانيا وأكثر تقديرا فيها.
وهم يعطون أسبابا لهجرتهم من إسرائيل يذكرون منها أنهم محبطون بمرارة وبخيبة الأمل بالطريق الذي تسير فيه إسرائيل اجتماعيا وسياسيا وثقافيا، حيث الصهيونية في رأيهم لم تعد كما كانت عندما ظهرت، ويفترض فيها أن لايكون هدفها بناء مخابئ وملاجئ تنقذ الناس من الموت الذي يلاحقهم في بلد يفترض فيه أنهم سيكونون في أمن فيه. وكانت إسرائيل قد أنشئت كما هو معروف كملجأ لليهود من الاضطهاد، ولكن أهمية هذا الهدف وقيمته قد قلت في القرن الواحد والعشرين في عصر الاتحاد الأوربي، وقد اعتبر أحد الصحافيين الإسرائيليين الاتحاد الأوربي هوالملجأ للإسرائيليين بدل إسرائيل نفسها.
ومن الأسباب التي يذكرونها لمغادرتهم هو الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الذي لا يبدو له حل في الأفق كما يقولون. كذلك يذكرون من الأسباب عداء الدول العربية والإسلامية المستمر.
وكذلك الأسعار الآخذة في التصاعد دائما. وهناك الفساد المنتشر ووجود الحريديم وتكاثرهم الذين يمتصون دم الدولة، «وإننا نأتي هنا لنتخلص من هذه الضغوط.
واسرائيل لم تعد الأرض الموعودة، بل انها أصبحت ارض الوعود التي لم تتحقق والقنبلة الموقوتة للإنفجار السكاني لفلسطيني إسرائيل، وعلى الحكومة الإسرائيلية أن تعالج المشاكل التي تتسبب في كل هذا قبل أن تفقد شبانا وفنانين أكثر». ويبدو لي أن هاجس القلق من التهديد الوجودي الذي يسكن اليهود الإسرائيليين هو أحد هذه الأسباب، وقد عبر عنه أحد أساتذة التاريخ في جامعة تل أبيب بالقول «إننا نعيش في تهديد وجودي دائم، وهناك شعور(لدى الإسرائيليين) بأننا على بعد دقيقة واحدة فقط من القطار الذي سيأخذنا لمعسكر أوشوتز(أحد معسكرات النازية التي استعملت في المذبحة).
والذين يرفضون هذه الهجرة يرون فيها نزفا ثقافيا لإسرائيل، واعتبر أحد عمداء الكليات اليهودية في ألمانيا ذلك من المشاكل الرئيسة التي تواجهها إسرائيل، ولكنه اعترف بأن الحياة فيها ضاغطة وصعبة، وأن الأفق فيها ضيق.

 

 

  احتفال اليهود بالسنة العبرية الجديدة  د.جعفر هادي حسن

النفخ بالشوفار

تشليخ

لليهود تقويم خاص بهم وهو يختلف عما عند الآخرين فهو يبدأ عندهم من بداية الخلق طبقاً لما ورد في التوراة من عدد سنين آدم ونوح وغيرهم. والسنة العبرية في هذا العام(2007) هي8-5767 .وهم يعتمدون في السنين على دورة الشمس وفي الشهورعلى دورة القمر. فسنتهم هي شمسية- قمرية وعدد الأشهر في السنة العبرية هي أثنا عشر شهرا ولما كانت دورة الشمس تزيد في أيامها على دورة القمر فقد أزادوا شهرا في بعض السنين واسموه آذار الثاني فتصبح السنة ثلاثة عشر شهرا  فتضاف سبعة أشهر في كل تسع عشرة سنة.وتكون الإضافة في السنة الثالثة والسادسة والثامنة والحادية عشرة والرابعة عشرة والسابعة عشرة والتاسعة عشرة كل ذلك من أجل أن تبقى المناسبات الدينية في أوقاتها التي بدأت بها أول مرة . وعدد ايام الشهر هي 29 أو 30 .وهم يحتفلون بالسنة الجديدة  في اليوم الأول من الشهر العبري تشري.وهذه هي المناسبة الوحيدة التي تكون في أول الشهر ويعتبرهذا اليوم الذي يسمى بالعبري (روش هاشناه) ثاني أقدس يوم عند اليهود بعد يوم الكبور.ولايكون هذا اليوم في يوم الأحد ولا في يوم الأربعاء ولا في يوم الجمعة حتى لا يكون يوم الكبور (الذي ياتي بعد عشرة أيام من رأس السنة ) في اليوم الذي يسبق السبت أو اليوم الذي يليه إذ في هذه الحالة تكون مناسبتان يمنع فيهما العمل ويكون ذلك شاقا على اليهود.
ووردت بعض الاشارات في التوراة الى أهمية هذا اليوم. فقد ورد في سفراللاويين /الاحبار 23/24-25″وخاطب الرب موسى قائلا :في اليوم الاول من الشهر السابع يكون لكم يوم راحة تذكاراً بهتاف وبوق محفل مقدس. عمل خدمة لا تعملوا وقربوا ذبيحة بالنار للرب”. كما وردت له اشارة ثانية في سفر العدد 29/1 “وفي اليوم الاول من الشهر السابع محفل مقدس يكون لكم فلا تعملوا فيه عمل خدمة، يكون لكم يوم هتاف”. ولا بد هنا من توضيح نقطتين حول ما جاء في التوراة الاولى: ان الشهر تشري لم يذكر اسمه في النصين وانما ذكر بدله الشهر السابع، لان العبرانيين كانوا يعدون شهورهم بالعدد، هكذا :الشهر الاول، الشهر الثاني الخ الى ان اسرهم البابليون واخذوهم الى العراق فتعلموا اسماء الشهور واستعاروها كما استعاروا أشياء أخرى غيرها.ولذلك  فاسماء الشهور التي يستعملها اليهود اليوم هي التي كان قد استعملها البابليون في تقويمهم السنوي.وهي نيسان،أيَار،سيوان،تموز، آب، أيلول، تشري، مرحشوان،كسلو،طبث،شبط،آذار
والنقطة الثانية هي ان الشهر تشري قد اشير له في التوراة بأنه الشهر السابع لان العبرانيين كانوا يعدون شهورالسنة من نيسان (ابريل) وما زالوا كذلك ربما لأنه هكذا ورد في التوراة ولذلك يكون شهر تشري هو الشهر السابع. وأصبح الاول من تشري بداية السنة العبرية الجديدة في وقت متأخر بعد الاسر البابلي. ويعتقد بأن هذا ايضاً كان بسبب تأثر اليهود بالتقويم البابلي، اذ كانت السنة تبدأ عند البابلييين في هذا الشهر، وكانوا يحتفلون في الاول منه احتفالاً خاصاً واسموه “ريش شتين” (رأس السنة). وربما استعمل اليهود الاسم البابلي نفسه لاننا نجدهم قد استعملوا الاسم الارامي “ريش شيتا” – وهو لا يبعد كثيراً عن البابلي – قبل استعمالهم للعبري “روش هاشناه” الذي ورد مرة واحدة في أحد كتب العهد القديم المتأخرة بالمعنى العام وليس الخاص الذي يشير إلى الإحتفال. ويقع احتفال السنة العبرية الجديدة في وقتنا الحاضر في أيلول(سبتمبر) وتشرين الأول(اكتوبر)وفي التلمود رسالة خاصة عن هذا اليوم وفيه تأكيد على أهمية الإحتفال برأس السنة الجديدة كما ويشبر إلى أن أحداثا مهمة كانت قد حدثت فيه.
ويؤدي اليهود شعائر هذه المناسبة ليومين، وليس ليوم واحد، سواء أكانوا في اسرائيل ام في خارجها.(بعض المذاهب تؤديه في يوم واحد). واعتبر هذان اليومان يوماً واحداً ولذلك سميا “يوما اريخا” وهي عبارة آرامية تعني”اليوم الطويل”. ويبدو أن هذه التسمية قديمة عندهم لأنهم استعملوا لها اللغة الأرامية التي كانت مستعملة بينهم منذ ما قبل الميلاد
وسبب تقديس اليومين – وهو طقس بداً منذ عصر التلمود – هو ان هذه المناسبة هي المناسبة الدينية الوحيدة التي تقع في اليوم الاول من الشهر. وكان الاول من الشهر يحدد برؤية الهلال ويناط ثبوت الهلال او عدمه بالمؤسسة الدينية… وعن طريق هذه المؤسسة تخبر الجماعات اليهودية داخل فلسطين وخارجها بثبوت رؤية الهلال. وكان هذا يتم بواسطة الرسل و بإشعال النار على رؤوس التلال والاماكن العالية. ولما كان من الصعوبة التأكد من ذلك بواسطة هذه الطرق، اذ ان ايصال الخبر كان كثيراً ما يتأخر على الجماعات اليهودية ليس خارج فلسطين بل وفي داخلها كذلك، اصبح اضافة اليوم الثاني من الشهر الى الاول منه تقليداً سار عليه اليهود الى اليوم حتى بعد ان وضعوا تقويمهم السنوي الثابت في نهاية القرن الميلادي الرابع الذي  ذكرناه أعلاه.
وأصبح اليوم الثاني من هذه المناسبة يوماً اختيارياً في مذهب اليهودية المحافظة. اما  مذهب اليهودية الاصلاحية فقد الغاه تماماً ويحيي اتباعه هذه المناسبة ليوم واحد فقط. وهذا من الاختلافات الدينية المعاصرة التي اصبح مذهب اليهودية الاصلاحية يتميز بها عن المذاهب الأخرى. واعتبار الاول من شهر تشري بداية للسنة اليهودية الجديدة هو اعتقاد لاكثر يهود هذا العصر وليس لكلهم اذ ان بعض الفرق اليهودية مثل السامريين والقرائين والفلاشا وغيرهم لا تعتبر هذا اليوم هو اليوم الاول من السنة الجديدة، وان كانت تقدسه طبقاً لما ورد عنه في التوراة.
اسماء اليوم
يطلق اليهود عدة اسماء على هذا اليوم فهم يسمونه “يوم تروعاه” (يوم النفخ بالبوق) كما ورد في التوراة. وكانت هذه التسمية شائعة في القرون الاولى للميلاد. ويسمونه ايضاً “يوم هازخارون” (يوم الذكرى) واستعمل التلمود هذا الإسم وهو يتكرر كثيراً في الاناشيد والمدائح الدينية. ويعلل اليهود هذه التسمية بأن الرب يذكر خلقه في هذا اليوم ويريهم رحمته.
ويسمونه كذلك “يوم هادين” (يوم الدينونة او يوم الحساب). فاليهود يعتقدون بأن الرب يحاسب عباده في هذا اليوم على ما عملوه خلال السنة. وذكر في التلمود أنه في هذا اليوم يمر الناس من أمام عرش الله وفيه تكون  ثلاثة سجلات لاعمال الناس، احدها للاخيار والآخر للاشرار والثالث للذين بين الاثنين. ويكون البت بمصير المجموعة الاخيرة في يوم الكبور الذي يأتي بعد بضعة ايام من رأس السنة. ويرى اليهود كذلك بأن الرب يعفو عن كثير من هذه الذنوب ويغفرها بهذه المناسبة من أجل ان لا تتكاثر ولا يزداد عددها اذ ان كثرتها – كما يرون – تفسد العالم وتحطمه. وتكون هناك عملية جدلية بين الذنوب والعالم فكلما كانت الذنوب كثيرة فالعالم يصبح فاسدا ويدمر وكلما كانت الذنوب أقل بقي العالم واستمر بالبقاء ولذلك يكون بقاء العالم والحفاظ عليه مرتبط بهذا الغفران.
أحداث اليوم
تذكر ادبيات اليهود بأن احداثاً مهمة وقعت في هذا اليوم اكثرها مرتبط بتاريخهم. فهم يعتقدون بأن الله قد خلق الكون في هذا اليوم كما يذكر التلمود وأن كلاً من قابيل وهابيل قد قدم اضحيته في هذا اليوم. وأن النبي ابراهيم والنبي يعقوب ولدا وماتا في هذ اليوم. كما وأن الرب استجاب في هذا اليوم دعوات حنه أم النبي صموئيل عند معبد شيلوه ودعوة سارة زوجة النبي ابراهيم وكذلك راحيل زوجة يعقوب فرزقهن بأولاد بعد أن كنَ عواقر وأن اسحق كان قد ولد في هذا اليوم
وان النبي ابراهيم قدم ابنه أضحية في اليوم نفسه، والقصة التي تتعلق بهذا الحدث وردت في سفر التكوين من التوراة تقرأ بهذه المناسبة. ويعتقدون كذلك بأن النبي يوسف كان قد اطلق من سجنه في هذا الوقت وان بني اسرائيل قد اعتقوا من العبودية في مصر في هذا اليوم وان كان خروجهم قد تأخر الى وقت الفصح. ويقولون كذلك ان سليمان كان قد انهى بناء الهيكل في هذا اليوم ,.وبأن الخلاص لليهود على يد مخلص مرسل يظهر في آخر الزمان سيكون في الاول من السنة اليهودية.
التحضير للمناسبة
يتهيأ اليهود لهذه المناسبة بتنظيف بيوتهم كما ينظفونها لاية مناسبة دينية اخرى كما أنهم يشعلون عددا من الشموع. وعادة ما تقوم المرأة باشعال الشموع كما في حالة يوم السبت.ويقرأون دعاء (يسمونه بركات كما يسمونه في يوم السبت) ولكن الدعاء يختلف عن ذلك الذي في يوم السبت.وكذلك يختلف عنه في أنه يجوز أن تشعل الشموع بعد دخول وقت المناسبة وإن كانوا يفضلون أن يكون ذلك قبلها بينما يجب إشعالها قبل دخول وقتها في يوم السبت.وهم يشترطون أن يكون إشعال الشموع من نار موجودة كإشعالها من نار طباخ وغيره.ويكون اشعال الشموع في اليوم الثاني بعد مغيب الشمس بساعة أو بعد ظهور ثلاث نجوم .وقبل دخول اليوم الاول من السنة بيوم يحلق الكثيرمن اليهود شعورهم ويغتسلون ويلبسون ملابس نظيفة وهي غالبا ما تكون بيضاء وهو ماذكر في التلمود.كما أكد أيضا على ضرورة الفرح والسرور في هذا اليوم وأن لا يظهر اليهودي كآبة أو حزنا. وبعض اليهود المتدينين يصومون عن الكلام الدنيوي قبل شهر من هذه المناسبة حتى دخولها ويركزون في كلامهم على مسائل تتعلق بالدين وترتبط به، ويعللون ذلك بأنه تطهير للنفس. وبعض هؤلاء يبدأون بالصلاة منذ منتصف ليلة الاول من الشهر ويذهبون صباحاً الى الكنيس ويؤدون الصلاة الخاصة بالمناسبة.
الصلاة الخاصة
قبل ان يؤدي اليهود صلاتهم الخاصة بهذا اليوم فإن صلاة شحريت (صلاة الصبح) تؤدى في وقت مبكر حيث يبدأ اداؤها مبكراً على غير المعتاد فتكون في الساعة السابعة والنصف او في حدودها صباحاً وتنتهي بين الثانية عشرة والنصف والواحدة وتبدأ الصلاة مع نداء “الحزَان”(المنشد) بصوت عال جداً يقول فيه “هاملخ، هاملخ” (الملك، الملك) اشارة الى الرب. وتذكر في هذه صلاة خاصة بها هي “افينو ملكينو” ( يا أبانا ياملكنا) وفي أثنائها يضربون بيدهم اليمنى على صدورهم تعبيرا عن الندم ويقولون”يا ابانا لقد اذنبنا أمامك” اما المقاطع الخاصة التي تقرأ من التوراة بهذه المناسبة فهي:
1 – قصة تضحية النبي ابراهيم بابنه اسحق طبقا للتوراة
ومعروف أن التضحية لم تتم لأن الرب أوقف إبراهيم قبل أن يذبح ابنه
2 – قصة سارة زوجة النبي ابراهيم.
3 – قصة حنّة ام النبي صموئيل التي كانت عاقراً – كما ذكر – وصلَت من اجل ان يرزقها الله بولد وكانت تقرأ صلاتها بإخفات ولذلك فإن اليهود يقرأون هذه المقاطع اخفاتاً كذلك. وتعتبر هذه الصلاة هي الصلاة الرئيسة للمناسبة.
4 – وهناك كذلك صلاة خاصة اسمها “ابينوملخينو” (يا أبانا يا ملكنا).
5 – وهناك صلاة اسمها “زخرنو” (تذكرنا) تكون جزءاً من هذه الصلاة الخاصة.
6 – يقرأ كذلك المزمور السابع والعشرين.
7- وتقرأ مقاطع من التوراة ترتبط بالبوق(الشوفار) تسمى “شوفاروت” وهي عادة تتعلق بالوحي لموسى على جبل سيناء
8- وتقرأ كذلك مقاطع من التوراة تتعلق بمايسمونه الأمهات الثلاث( حنه وساره وراحيل)
8- وتقرأ كذلك ثلاثة نصوص من كل من التوراة(الكتب الخمسة الأولى) ومن قسم المكتوبات ومن قسم الأنبياء
9– وفي اليوم الثاني من هذه المناسبة تقرأ كذلك في الصلاة مقاطع من “سفر إرميا” التي تتعلق براحيل زوجة النبي يعقوب اذ يذكر ان راحيل ندبت شتات اليهود وبكت من اجلهم، وان اليهود سيرجعون من ارض العدو. وهناك صلوات اخرى غير هذه يطول ذكرها.وبهذه المناسبة يلبس الحاخام والحزان والنافخ بالبوق لباسا أبيض. يغطى صندوق التوراة ومنصة التوراة(البيماه) والتوراة نفسها بقماش أبيض.

النفخ بالبوق (الشوفار)
من الشعائر التي يتميز بها هذا اليوم هو شعيرة النفخ بالبوق (الشوفار). ولا يعرف اليهود السبب الذي يوجب النفخ بالبوق في هذا اليوم ولا اعطى التلمود سبباً لذلك عند ذكره له، إلا ان حاخامي اليهود وعلماءهم ذكروا أسباباً لذلك اوصلوها الى اكثر من عشرة لا أرى ضرورة لذكرها هنا.
وقال موسى بن ميمون إن النفخ بالبوق هو من أجل تنبيه المذنبين كي يتوبوا.ولكن هذا فيما أرى تعليل ضعيف و ربما يكون سبب النفخ أن هذه المناسبة مهمة كبقية المناسبات الأخرى التي ينفخ فيها اليهود بالشوفار كالصيام العام والمناسبات المهمة والكوارث وغيرها.والبوق الذي ينفخ فيه اليهود هو عبارة عن قرن حيوان طاهر طبقاً للشريعة اليهودية كالغزال والشاة والعنز. ولا يجوز استخدام قرن البقرة أو الثور لعلاقته بالعجل الذهبي الذي صنعه بنو اسرائيل وعبدوه اثناء غياب النبي موسى عنهم. وقد اصبح قرن الغنم هو المفضل في الفترة الاخيرة.
وبمرور الزمن اصبحت هناك شروط خاصة بالبوق وبالشخص الذي ينفخ فيه. فالبوق يجب ان يكون مقوساً ولا يجوز ان يحاط طرفه عند الفم بالذهب أو غيره. اما النافخ فيجب ان يغتسل وان يتوجه الى جهة الشرق عند النفخ ويجب ان يمسك البوق باليد اليمني وان يرفع نهاية البوق الى الاعلى ويلبس لباساً ابيض خاصاً بهذه المناسبة كما ذكرنا.
وعند النفخ يقف بجانب النافخ شخص اسمه “المنادي” ولا يبدأ النفخ إلا عندما يطلب منه المنادي ذلك.
ويضع النافخ الى جانبه عدة ابواق لاستعمالها في حالة الحاجة إليها. وفي الغالب يكون عدد النفخات ثلاثين نفخة كل مجموعة مقسمة الى ثلاث نفخات تختلف طولاً وقصرا .وقد أطلق على انواع هذه النفخات الثلاث اسماء خاصة بها. وعند بعض الجماعات اليهودية يصل عدد النفخات الى مئة نفخة. وأوجب الحاخامون على كل يهودي ذكر ان يسمع صوت البوق ولا يجب على الطفل والمرأة. واذا كان اليهودي مقعداً في بيته او مريضاً في مستشفى فإن نافخاً بالبوق خاصاً يذهب له وينفخ عنده.
وفي العصر الحاضر افتى رئيس الحاخامين الأسبق شلومو غورن بعدم وجوب سماع النفخ بالبوق في رأس السنة على الجنود الاسرائيليين القريبين من القواعد العسكرية العربية حتى لا تعرف أماكن وجودهم
ممنوعات اليوم
ولا يجوز لليهودي في هذا اليوم ان يطبخ طعاماً لا يأكله. ولا يجوز له اشعال النار او اطفاءها ولذلك يشعل الكثير من اليهود النار قبل يوم من هذه المناسبة وينقصونها ويزيدونها فقط في هذا اليوم. وبسبب عدم جواز اشعال النار فإن المدخنين من اليهود في باحة الكنيس يشعلون سجائرهم من بعضهم البعض او يشعلونها من شمعة وضعت في مكان معين من اجل هذا الغرض. وهم لا يطفئون هذه الجسائر ولا يطفئون الشمعة كذلك ويتركونهما تحترقان لوحدهما. والذي يشعل الشموع في هذا اليوم – وهي احدى الشعائر الواجبة – عليه ان يشعلها من نار موجودة وان الكثير من اليهود يشعل الشموع قبل حلول هذه المناسبة بوقت.
ويمنع في هذه المناسبة اصلاح الألات المعطوبة، وكذلك منع الحاخامون الجماع في هذا اليوم. ولا يجوز النوم كذلك بعد وجبة طعام الظهر وقبل صلاة العصر. ولا يجوز ضرب الصدر في الصلاة في هذا اليوم كما يضربون في صلاة ايام الاسبوع وفي يوم الكبور عندما يقولون “يا ابانا يا ملكنا لقد اخطأنا امامك”.
الطعام الخاص
يأكل اليهود انواعاً خاصة من الطعام بهذه المناسبة بعضها يعدونه بانفسهم والبعض الآخر يشترونه. فهم يخبزون خبزاً (حلاّه) لهذه المناسبة يعملونه على شكل دائرة يتفاءلون بهذا بأن تكون دورة الحياة لهم مستمرة وتكون دورة غير منتهية. وبعض الجاليات اليهودية تعمل هذا الخبز على شكل سلم اشارة الى صعود الناس وهبوطهم في حظوظهم. وهم يقطعون الخبز قطعاً صغيرة ويغمسونه في العسل ثم يأكلونه ويقرأون عليه  دعاء بالنص التالي “اللهم جدّد لنا سعادة السنة وفرحها”.أويقولون “لتكن السنة حلوة وطيبة”. وهم كذلك يأكلون التفاح بعد تقطعيه قطعاً وغمسه بالعسل ايضاً ويقرأون الدعاء نفسه. ويعملون كذلك فطائر بإضافة شيء من العسل إليها. ويأكلون كذلك بعض الفواكه المجففة وكذلك فواكه الموسم في الليلة الثانية قبل الصلاة. وذكر التلمود استحباب أكل الخضروات التي توحي أسماؤها بالإيجابية. وهم كذلك يأكلون رأس شاة او رأس سمكة  ويتذوقه كبير العائلة اولاً ثم يديره على افرادها واحداً واحداً وهم يدعون عند ذلك بقولهم “اللهم اجعلنا الرأس ولا تجعلنا الذنب”.وكذلك يقولون “لنكن كثيرين ومثمرين مثل السمك أو الغنم” وطبق السمك هو جزء من هذا الطعام الخاص على أن لا يطبخ السمك مع الخل لانهم لا يأكلون شيئاً حامضاً او مراً في هذه المناسبة.
ويعمل اليهود الاشكنازيم طبقاً من الجزر لان الجزر باللغة اليديشية هو Mahren وهذه الكلمة نفسها تدل ايضاً على الزيادة (في الحظ والبنين)(3). وهم يمتنعون في هذا الوقت عن أكل الجوز لانه يحدث السعال كما يقولون وهذا يؤثر على اداء الصلاة. اضافة الى ان كلمة “اجوز” العبرية والتي لها المعنى العربي نفسه تساوي قيمتها العددية بحساب الجّمل قيمة اعداد حروف كلمة “خطأ” (ذنب) في اللغة العبريةّ.وقبل القيام بعمل التشليخ يقوم اليهود بأداء صلاة ـتسمى”نتاناه توقف” (اعطانا قوة) وهي صلاة يعتبرونها من اكثر الصلوات إثارة للحزن والشجن حيث تتصاعد عند قراءتها الأصوات بالبكاء والنحيب رجالا ونساء.
طقس التشليخ
اصبح التشليخ جزءاً مهماً من تقاليد هذه المناسبة الدينية حتى غير المتدينين منهم يقومون بذلك اذ يذهب اليهود الى ضفاف البحار والانهار يؤدون طقوساً خاصة. وكلمة “تشليخ” مشتقة من الجذر العبري “شلخ” (ارسل، رمى، نزع الخ وهي مثل شلح العربية). ووردت هذه الكلمة ضمن عبارة في العهد القديم في سفر ميخا 7/19 وهي “(وتشليخ) وترمي في اعماق البحر جميع خطاياهم”.ويبدو أن هذا الطقس يعتمد على هذا النص.
والطريقة المتبعة في ذلك هي ان اليهود بعد ان ينتهوا من صلاة العصر وقبل مغيب الشمس يذهبون الى موضع الماء في طوابير. واشترط الحاخامون في هذا الماء ان يكون فيه سمك كما منعوا ان يطعم هذا السمك وعند اداء طقس التشليخ يؤدي لليهود صلاة خاصة يقرأون فيها فقرات من سفر ميخا 7/18 – 20 وهي “من هو اله مثلك يتحمل الآثام ويصفح عن معاصي ميراثه. ولا يشتد غضبه ويحب الرحمة. وسيعود فيرأف بنا ويدوس آثامنا وتطرح في اعماق البحر جميع خطاياهم وتمنح يعقوب الصدق وابراهيم الرحمة كما اقسمت لآبائنا منذ الايام القديمة”.
ويقرأون كذلك المزمور 118/5 – 6 “في الضيق دعوت الرب فاستجاب  لي وفي الرحب اقام الرب معي فلا أخاف وماذا يصنع بي البشر والرب معي وهو بين ناصريَ فأرى خيبة مبغضيَ. الاعتصام بالرب خير من الاتكال على البشر والاعتصام بالرب خير من الاتكال على العظماء”. وكذلك المزمور33 والمزمور 130 .
ثم بعد ذلك ينفضون اطراف ملابسهم و”جيوبهم” وهم يرمزون بهذا الى نقل ذنوبهم الى الماء ليجرفها والى السمك ليأخذها. وفي اوروبا يذهب اليهود الحسيديم(راجع عن هؤلاء كتابنا :اليهود الحسيديم) في مسيرة جماعية الى النهر وهم يحملون شموعاً وبعد الانتهاء من شعائر التشليخ يشعلون اكواماً من التبن ويرمونه في البحر فتبدو وكأنها مراكب صغيرة من نار. ويعتقد الحسيديم انهم بعملهم هذا يتطهرون من ذنوبهم التي جرفها تيار الماء وأخذها معه وان النار احرقتها كذلك.وبعض الحسيديم في اسرائيل-كما في مدينة صفد- يصعدون فوق سطوح بيوتهم باتجاه بحيرة طبرية حيث يرونها من بعيد ويؤدون طقس التشليخ
وفي بعض الجاليات اليهودية لا يكتفي اليهود بالوقوف عند الماء بل انهم بعد صلاة التشليخ يدخلون النهر ويسبحون فيه وذلك بدلاً من نفض ثيابهم وهم يقولون بأن عملهم هذا يكون اكثر تطهيراً للنفس من الذنوب من غيره لان ماء النهر يغسل كل الذنوب التي اقترفها الانسان في السنة السابقة!!
وفي بعض الاماكن حيث لا توجد انهار او بحار فإن اليهود يذهبون الى بئر او نبع ماء يؤدون هذه الشعائر عنده. وتعمل بعض الجاليات اليهودية حوضاً للماء وتضع فيه سمكاً حيَا وغالباً مايضعون هذا الحوض في الكنيس بل ان البعض منهم لحرصه على اداء هذا العمل يذهب الى الحمام العام للجماعة ويؤدي الطقس عنده ويعفي نفسه من وجود السمك. ولا يعرف اليهود السبب في اشتراط وجود السمك في الماء. واعطى الحاخامون بعض الأسباب لذلك فبعضهم قال ان ذلك تفاؤلاً بكثرة عدد السمك ليكون اليهود كثيرو العدد. وبعضهم قال بأن عيون السمك دائماً مفتوحة فيأمل اليهودي ان تكون عين ربه لا تغمض عنه يرعاه دائماً ويرأف به ويعطف عليه. وبعضهم قال بأن عين الشرلا تؤثر في السمك! فكذلك يأمل اليهود ان لا تؤثر فيهم عين الشر.ومعروف أن السمكة تُرسم في التمائم والحروز اليهودية وخاصة في الكف الذي يصنع من معدن ويوضع في مكان حيث يوضع الوليدالجديد لطرد العين الشريرة واثرها كما يعتقدون.
وعلى الرغم ان اليهود يؤدون طقس التشليخ منذ قرون طويلة(منذ القرن الرابع عشر على مايعتقد) إلا انهم لا يعرفون اصل هذه الطقوس ولا كيف بدأت. ولكن احد حاخاميهم – من القرن الخامس عشر – ربط بين هذا العمل والقصة التي وردت في المدراش عن النبي ابراهيم عندما كان ذاهباً ليضحي بأبنه ورفض أن يمنعه أي شيئ عن إداء ذلك  حتى بعد أن حول الشيطان نفسه الى نهر غامر واعترض طريقه!. وبعض الباحثين اليهود ليسوا مقتنعين بهذا وذهبوا الى ان اصل هذا الطقس هو اصل وثني لا علاقة له بالشريعة اليهودية ولا صلة له بها
التهاني
التهنئة التي يقولها اليهودي لصاحبه بهذه المناسبة هي “لشناه طوباه تكتبو وتختمو (بصيغة الجمع)” ومعناها “ليكتب (اسمك) ويختم لسنة طيبة” ويكون الجواب “غام اتم” (وانتم كذلك) وهذه التهنئة تقال منذ بداية شهر سبتمبر الى حلول الاول من السنة الجديدة. ولكن بعد  حلوله تختلف صيغة التهنئة وتكون “غمر ختيماه طوباه” ومعناها “ليكمل (سجلك) بختام سعيد”. ويرجع التغيير الى ما قاله الحاخامون وذكروه وهو ان هناك ثلاث مراحل قبل ان يكتب الانسان في الاشرار او الاخيار. الاولى هي الانكتاب والتسجيل والثانية “الختم” والثالثة “الختم النهائي” الذي لا رجوع فيه.
فالانكتاب يكون في الاول من السنة والختم يكون بعده في يوم الكبور والختم النهائي يأتي بعده بعشرة ايام في “هوشناه رباه” وهي المناسبة التي تأتي بعد عشرة أيام من يوم الكبور بعد أن يكون الحكم الإلهي قد نزل في ذلك اليوم. والناس الاخيار والاشرار يسجلون في رأس السنة في الساعات الثلاث الأولى من اليوم. اما الذين يكونون بين الاخيار والاشرار فيبقى قدرهم معلقاً الى يوم الكبور كما ذكرنا سابقا ولذلك فإن اليهود في اليوم الاول من السنة الجديدة يهنئون بعضهم بعضاً على افتراض ان كل واحد منهم قد كتب في الصالحين ولذلك لا يقال للشخص بعد حلول رأس السنة “ليكتب اسمك…” لان هذا يعني ان قدره ما زال معلقاً مع المعلقة اقدارهم، وفي هذا اهانة للشخص واساءة له. ولهذه الصيغ تأثير على تجارة بطاقات التهنئة بهذه المناسبة. فبعد دخول الاول من السنة تكون البطاقات التي تحمل العبارة الاولى رخيصة جداً، اما التي تحمل العبارة الثانية فإنها تبقى محافظة على اسعارها كاملة حتى حلول يوم الكبور. وقد اصبح الآن من العادات الشائعة بين الكثير من اليهود ان يرسلوا بطاقات التهنئة بهذه المناسبة اضافة الى ارسال التهاني عن طريق الصحف والنشرات التي تصدرها الكنس بعد استيفاء الاجور من المرسلين.واضافة إلى إقبال اليهود على شراء البطاقات فإن شراء أنواع الشوفار تزداد وكذلك الإقبال على الروزنامات وغطاء خبز “الحلاًه” الذي يعمل من قماش وغيره
نشرت في صحيفة الحياة