التحول إلى اليهودية وشرط السكن في اسرائيل Dr Jaafar Hadi Hassan د. جعفر هادي حسن 

كثر في السنين ألأخيرة التحول إلى اليهودية بسبب الزواج المختلط بين اليهود وغيرهم. فنسبة الزواج المختلط في تصاعد مستمر في العشرين السنة الأخيرة، خصوصاً في الولايات المتحدة الأمريكية حيث وصلت اليوم إلى أكثر من50 بالمئة. ولا بد لمن يعتنق اليهودية من أن يؤدي بعض الشعائر والطقوس الخاصة بذلك مثل الإغتسال للرجل والمرأة والختان للرجل وغير ذلك. وتختلف المذاهب اليهودية المعاصرة اليوم اختلافاً كبيراً في تطبيق شروط التهود ولكنها عند اليهود الارثودكس تكون أكثر تعقيداً وتستمر أطول فترة مما هي عند المذاهب الأخرى حيث تكون أخف وطأة وأقصر فترة  بل إن بعض المذاهب اليهودية لم يشترط  حتى الختان على الرجل بينما يعتبر هذا الأمر من أهم الشروط في التحول إلى اليهودية عند اليهود ألأرثودكس ولا يصبح يهوديا من لايختتن.
وفي هذا المقال سأقتصر على حالة واحدة من حالات التهود التي أحدثت ضجة واثارت قدراً كبيراً من الجدل والنقاش بين اليهود أنفسهم وبين اليهود وغيرهم.في السنين الماضية. وهي قد  وصلت ليس الى المحاكم فحسب، بل الى مجلس اللوردات في بريطانيا(لان صاحبة القضية بريطانية) مع أنها سبق وأن أدت مراسيم التهود وشعائره في إسرائيل. وتأتي أهمية هذه الحالة ليس فقط من الشروط التي يضعها الأرثودكس بل أيضا لدور إسرائيل كدولة في هذا ألأمر وهو شيئ لامثيل له في حالات التهود.
وصاحبة القضية هذه إمرأة اسمها بولا. ولدت في بريطانيا لعائلة لم تعتبر يهودية على الرغم من أن أم والدها كانت يهودية. وعندما كانت شابة قررت الذهاب الى إسرائيل للعمل في أحد “القبوصيم” (المستعمرات) لفترة شهر كما ذهب الآلاف من الشباب والشابات من غير اليهود قبلها وبعدها حيث تشجع إسرائيل على ذلك للتأثير على أفكار هؤلاء في نظرتهم إلى الصراع العربي الإسرائيلي وكذلك نظرتهم إلى العرب وقد أحرزت إسرائيل نجاحا في ذلك. وأثناء وجودها هناك تعرفت على شخص إسرائيلي يعمل في القبوص اسمه يوسي كوهن.(وكثيرا ماحدث مثل هذا للائي يذهبن إلى العمل هناك). وبعد شهر غادرت إسرائيل ثم رجعت إليها بعد سنة ودخلت مدرسة في القبوص متخصصة في تعليم اللغة العبرية للكبار (تسمى الفان) ثم قررت أن تعتنق اليهودية. وقد بررت ذلك بالقول إنه من الصعب أن يعيش الإنسان في إسرائيل دون ان يكون يهودياً. واتصلت برئيس الحاخامين الاشكنازيم وهو آنذاك شلومو غورن(هناك أيضا رئيس حاخامين لليهود الشرقيين الذين يسمون أيضا سفارديم ولابد أن يكون كلاهما من الأرثودكس). وكان الحاخام غورن قد عمل قبل ذلك في الجيش ووصل إلى رتبة رئيس الحاخامين فيه وأنشأ مركزين في القبوصيم لمن يريد أن يعتنق اليهودية حيث تُدَرس فيهما الشريعة اليهودية  وتُمارس فرائضها من قبل هؤلاء مع اليهود الآخرين. وتستمر الدروس لأشهر عدة، ثم بعد ذلك يختبرالرجل او المراة فيما إذا كان مخلصاً في نيته أو كانت مخلصة في نيتها أم لا. وإذا تبين صدقه،او صدقها فإنه يؤخذ-والمرأة تؤخذ إلى المحكمة الشرعية (بيت دين)  لأداء مراسيم اعتناق اليهودية (في بريطانيا يستمر التحضير للتهود ثلاث أو اربع سنوات عند اليهود الارثوذكس). ويقول رئيس الحاخامين عن “بولا” إنه قابلها ثلاث مرات، مرة قبل أن تبدأ التحضير للتهود والثانية بعد أن انتهت منه والثالثة عندما أرادت أداء مراسيم التهود.
وسألها فيما إذا كان عندها صديق، فأجابت بالنفي ( الكثير من حاخامي اليهود الارثوذكس لا يوافقون على أداء مراسيم التهود لأمرأة تريد أن تعتنق اليهودية لسبب عاطفي ). وطلب منها رئيس الحاخامين أن تقسم بالتوراة في أنها ستؤدي الفرائض اليهودية وتطبقها كما يطلب ذلك من الآخرين. ويفسرهذا الأمر أن الكثير ممن يعتنق اليهودية لا يلتزم بتطبيق الفرائض، لذلك يُرسل مفتشون  بين فترة وأخرى للـتأكد من أن هؤلاء يأكلون طعاماً كوشر (طاهر) ولا يعملون في يوم السبت ويذهبون إلى الكنيس الى غير ذلك. وطلب منها كذلك ان تتعهد بالإقامة في إسرائيل.وهذا الشرط هو شرط فريد ولم يكن يشترطه الحاخامون لمن تحول في فلسطين قبل ظهور الدولة.
واعتبر رئيس الحاخامين حالتها مرضية فاتخذت اسماً يهودياً( وهو مايفعله المتهود عادة) ومنحت وثيقة اعتناق اليهودية التي تثبت تهودها. لكن رئيس الحاخامين اضاف عبارة مهمة الى الوثيقة وهي “غير صالحة خارج إسرائيل”.والغرض من هذا الشرط هو أن تبقى في إسرائيل وتتخذها سكنا دائما لها وبهذه العبارة بدأت مشكلة المرأة ، إذ أن العبارة تشير الى أن صاحبة الوثيقة هي يهودية(بظرف المكان) في إسرائيل وغير يهودية خارجها. إضافة الى مشكلة أن زوجها كوهن، كما سنرى.
ويقول رئيس الحاخامين في تبريره لوضع العبارة ان الغرض منها “غير صالحة خارج إسرائيل” ليس أن الشخص يهودي في إسرائيل وغير يهودي خارجها، وإنما بهدف حتى لا ينكث المتهود عهده ويترك إسرائيل. إذ أن البقاء في الدولة – كما يقول – هو جزء مهم من عملية التهود. والعيش فيها يذكر الشخص بيهوديته، بينما إذا عاش خارجها، فإنه ينسى أنه متهود ويحتاج الى أن يذَكر دائماً بذلك. فاليهودية دين جديد له وأن الذي ينوي العيش في إسرائيل بعدما يتحول الى اليهودية يعطي للحاخام الذي يقوم بالعملية ثقة أكبر باخلاصه وصدقه.ولكن السبب الحقيقي فيما يبدو لي هو سبب ايديولوجي إذ أن هدف رئيس الحاخامين هو هدف صهيوني بحت فالرجل معروف بصهيونيته المتشددة وتشجيعه للمهاجرين ونظرته الدونية إلى العرب فهو منذ عام 1967 دعا لتهديم مسجد قبة الصخرة وبناء مايسمى بالهيكل الثالث مكانه.
وبعد حصول “بولا” على وثيقة التهود تزوجت من صديق اسمه يوسي كوهن  وجاءت بعد سنوات الى بريطانيا مع زوجها للسكن فيها. وبدأت المشكلة عندما أخذت ولديها الى المدرسة اليهودية لتسجيلهما فيها وهي مدرسة تابعة لليهود الارثوذكس. وسألها مسؤول المدرسة فيما إذا كانت يهودية أو متحولة إلى اليهودية فأخبرته بأنها متحولة الى اليهودية. ولما أثار المسؤول بعض الشكوك حول الموضوع، ذهبت الى حاخام المدينة وأطلعته على الوثيقة. ولما رأى فيها عبارة “غير صالحة خارج إسرائيل” قال لها إن العبارة تثير الشك. فقالت له ان العبارة يقصد منها أن تكون وسيلة لمنع المتهود من مغادرة اسرائيل مباشرة وبالنسبة لها فقد بقيت فيها ما يقرب من عشر سنوات. فأخبرها الحاخام بضرورة ارسال الوثيقة الى المحكمة الدينية اليهودية في لندن لأخذ رأيها في الموضوع. فأرسلت الوثيقة الى المحكمة وكان جواب المحكمة أن وثيقتها غير صالحة خارج إسرائيل وعليها أن تخرج ولديها من المدرسة. فذهبت الى لندن لتقابل أحد قضاة المحكمة وتسأله شخصياً عن موضوعها، فأخبرها بأن تهودها غير نافذ المفعول خارج إسرائيل… ولما سألته ماذا تقول لأولادها في هذه الحالة، قال لها قولي لهم الحقيقة انهم يهود في إسرائيل وغير يهود خارجها.! وأخبرها القاضي أنه بالإمكان إعادة مراسيم تهودها لكن عليها أن تُطلق من زوجها لأنه كوهن (كاهن). وكوهن في التقاليد اليهودية يكون  من أحفاد “هارون” من قبيلة اللاويين الذين اختصوا بالكهانة في المعبد وامتازوا على بقية ابناء اسرائيل بذلك. ولو كان المعبد اليهودي اليوم قائماً لكان كوهن زوج “بولا” يخدم فيه شهراً في السنة على الأقل يشرف على نحر الأضاحي وحرق البخور والاعتناء بزيت الفوانيس في المعبد ويتسلم أوائل الثمارالأولى ويبارك من يأتي لزيارة المعبد الى غير ذلك من أعمال وشعائر.
وإضافة إلى ذلك، فإن الكاهن يتميز أيضاً  بميزات خاصة به فهو أول من يدعى لقراءة التوراة في الكنيس ولا يجوز له أن يتزوج بمومس ولا بإمرأة مطلقة ولا يجوز له كذلك أن يتزوج من متهودة. وهذه القضايا ما زالت تطبق في العصر الحاضر عند اليهود الارثوذكس، خصوصاً في اسرائيل. لذلك أخبرت المرأة بأنها يجب أن تطلق زوجها إذا تحولت مرة أخرى إلى اليهودية لأنه كاهن وهو لايجوز له أن يتزوج مطلقة كما ذكرت.
واشتكت “بولا” رئيس حاخامي اليهود في بريطانيا عن طريق محاميها. ورد محامي رئيس الحاخامين عليها بقوله: “إنه يجب أن تدركي أنه في الحالات الأخرى المشابهة لحالتك التي وضع عليها الشرط نفسه لم تعترف المحكمة الشرعية اليهودية بالوثيقة في بريطانيا. وأمكن اصلاح بعض تلك الحالات في هذا البلد (بإعادة مراسيم التهود)، لكن ذلك غير ممكن في حالتك، لأنك متزوجة من كاهن ولا يجوز للمتهودة أن تتزوج منه، وان زواجك من كاهن يجعل إعادة تهودك غير ممكنة”.
عندها رفعت قضيتها الى مجلس اللوردات البريطاني لينظر فيها. وعندما تطورت القضية الى هذا الحد، أخذ رئيس الحاخامين الاشكناز شلوموغورن قراراً بإبطال تهود “بولا” وتجريدها من يهوديتها حتى في إسرائيل.(وهذا القرار من النادر أن يحدث مثله) وقال في سبب ذلك أن تهودها كان على أساس باطل حين بني على تشويه الحقائق وتحريفها، لأنها (بولا) أخفت عنه بأن لها صديقاً على رغم قسمها بأنها ستلتزم بالفرائض (وترد بولا انها لم تكن تخرج مع يوسي كوهن قبل تهودها) ثم أنها سكنت خارج إسرائيل على رغم أنها قد أعطت تعهداً بأنها ستعيش في إسرائيل. ثم قال رئيس الحاخامين “ولو كانت قد أخبرتني بأن الذي ستتزوجه هو كاهن لكنت قد أوقفت التهود حالاً ودون تردد” وقال إن الطفلين ليسا يهوديين لأن امهما ليست يهودية (في نظر اليهود الارثوذكس لا يمكن لشخص أن يكون يهودياً عن طريق الأب). ومع ذلك يجب أن يربيا تربية يهودية وعندما يصلا الى سن البلوغ يطلب منهما ان يتهودا بشكل رسمي. وقالت الأم لا أدري ماذا سيكون شعورهما عندئذ إذ أن هويتهما قد اهتزت. ورفضت أن تبقي ولديها في المدرسة وأدخلتهما مدرسة حكومية وظلت تهاجم الحاخامين الارثوذكس واعتبرت ان ما حصل لها من عذاب نفسي كان بسببهم.
وأخيراً انضمت هي وزوجها الى اليهود الاصلاحيين – إذ اعتبرها هؤلاء يهودية – وقالت عنهم انهم هم اليهود الحقيقيون. واكتشفت من خلال مشكلتها بأن هناك تناحراً شديداً وخلافاً عميقاً بين المذهبين الاصلاحي والارثودكسي وأنها لم تكن تعلم حدة العداوة وشدتها بين المذهبين إلا بعد أن حدثت لها هذه المشكلة.

توجد مصادر هذه المقالة في الترجمة الإنجليزية   بعض اليهود الذين ادعوا أنهم المسيح المخلص قبل شبتاي صبي   د.جعفر هادي حسن                    

تعتبر حركة شبتاي صبي في القرن السابع عشر من أشهر الحركات المسيحانية في تاريخ اليهود على الإطلاق .وقد استمرت حركته لفترة سنة ثم بعد ما قبض عليه من قبل السلطان العثماني تحول إلى الإسلام ظاهرا وظل أتباعه الذين يوجد أغلبهم اليوم في تركيا يظهرون الإسلام ويبطنون اليهودية.ولكن قبل ظهور شبتاي ظهر ظهر عدد من اليهود الذين ادعوا انهم المسيح المخلص منذ وقت مبكر. وكان من أوائل هؤلاء رجل من فلسطين اسمه ثيودوس ادّعى في حدود عام 44 ميلادية أنّه نبي وأقنع كثير من اليهود بأن يأخذوا أمتعتهم ويتبعوه إلى نهر الأردن حيث يفلقه بأمر منه ـ كما فلق موسى البحر ـ فيعبرونه مشياً ولكن الحاكم الروماني كاسبيوس فدس أرسل له جيشاً وفاجأه فقتل بعض أتباعه وأسر آخرون وكان ثيودس ضمن الأسرى فقطعوا رأسه وحملوه إلى أورشليم.
ويبدو أنَّ هذه الحادثة عرفت واشتهر أمرها في فلسطين حتى جاء ذكرها في بعض كتب العهد الجديد بالنص التالي «إيَّاكم وما توشكون أن تفعلوه بهؤلاء الناس، فقد قام ثيودس قبل هذه الأيام وادعى أنَّه رجل عظيم فشايعه نحو أربعمائة رجل فقتل وتبدد جمع الذين انقادوا له ولم يبق له أثر».
وبين الأعوام 52 و54 للميلاد ظهر رجل يهودي من مصر وادعى بأنَّه نبيّ وتبعه ـ كما ذكر، ثلاثون ألف رجل فقادهم إلى جبل الزيتون عند أورشليم وقال لهم بأنَّ حيطانها ستسقط بأمره وسيحررها من سيطرة الرومان ثم دارت بينه وبين الجيش الروماني معركة حامية قضى فيها الجيش الروماني على أتباعه. ويبدو ممَّا ورد في العهد الجديد أنَّ هذا المتنبىء بقي حياً بعد هذه المعركة.
وكان من أشهر الذين اعتقد فيهم أنَّه المسيح من اليهود في القرن الثاني الميلادي هو شمعون باركوخبا الذي قاد ثورة ضد الرومان في الأعوام 132م ـ 135م.
وهناك من يرى بأنَّ باركوخبا لم يدع بأنَّه المسيح المخلص إذ لم يكن من نسل داوود وإنَّما الذي اعتقد فيه ذلك الحاخام الشهير عقيبا الذي أيده وسانده وكان يجوب القرى اليهودية يدعو اليهود ليؤمنوا به مسيحاً مخلصاً. وكان يفسر العبارة الواردة في سفر العدد 24/17 «إنَّ كوكباً سيخرج من يعقوب» بأنَّها إشارة إلى باركوخبا ومن كلمة كوخب في العبرية أخذ اسمه وأصبح يعني «ابن الكوكب»، وكان كلَّما رآه يقول هذا المسيح الملك. وكان بعض الحاخامين مثل يوحنان بن تورتا يعارضون عقيبا وكان هذا الحاخام يقول لعقيبا «سينبت خدَّاك حشيشاً والمسيح ابن داوود لما يظهر بعد». ولما فشلت ثورة باركوخبا أبدل اسمه من باركوخبا إلى باركوزبا التي تعني «ابن الكذاب».
ومهما يكن من أمر فإنَّ باركوخبا يعتبر بطلاً قومياً عند الكثير من اليهود وكتبوا عن مقاومته للرومان، وثورته عليهم بل إنَّ البعض من الكتَّاب اليهود في العصر الحديث يرى بأنَّ باركوخبا قد تحققت فيه صفات المسيح المخلص أكثر من غيره وكان على وشك تحقيق النصر في حروبه ضد الرومان إلاَّ أنَّ الحظ لم يحالفه. وكان باركوخبا قد سيطر على مناطق واسعة من فلسطين قبل هزيمته التي نتج عنها إضافة إلى العدد الكبير من القتلى منع اليهود من دخول أورشليم.
وفي حدود عام 448 م ادعى يهودي من جزيرة كريت بأنَّه موسى وأنَّه أرسل ليخلص اليهود وقد وعد من كان في الجزيرة منهم بأن يأخذهم عن طريق البحر إلى فلسطين دون مراكب حيث يفلق لهم البحر كما فلقه موسى وقد ضرب لهم موعداً لذلك فلما جاءوا البحر نادى على البحر أن ينشق ولكنَّه لم ينشق ومع ذلك فقد أمرهم أن يقفزوا فيه فأطاعوه وقفزوا فغرق منهم من غرق ونجا منهم من نجا. أما هو فقد اختفى ولم يعثر له على أثر.
وفي حوالي عام 645 م أعلن رجل يهودي عن ظهور المسيح وجمع حوله ما يقرب من أربعمائة رجل من الحاكة والقصارين وهجم بهم على مجموعة من أديرة المسيحيين وحرقوا ثلاثة منها وقتلوا أحد رؤسائهم فقبض على اليهودي فصلب وقتل أتباعه.
وفي عام 720 م أيام يزيد الثاني ادعى يهودي من سوريا أو من بابل (في العراق) اسمه سفيروس أو سيرنوس بأنَّه المسيح المخلص لليهود وقد صدقه جمع كبير من اليهود بل وحتى من المسيحيين وجمع منهم أموالاً ومتاعاً بحجة استعمالها في طرد المسلمين من فلسطين وإقامة دولة اليهود. وقد غيّر سفيروس بعض أحكام الفقه اليهودي التي مصدرها التلمود وليس التوراة كإلغاء الأحكام الرئيسة في الطلاق والزواج والأحكام التي تتعلق بالطاهر والحلال من الأطعمة بل ذكر عنه وعن أتباعه بأنهم لم يكونوا يصلون. وقد ألقي عليه القبض بعد بضع سنوات في عام 724 في أيام هشام بن عبد الملك الأموي (ت743). ولما سأله هشام عن مدّعاه أجابه بأنَّ دعوته كانت لتضليل اليهود والسخرية منهم وأنَّ ادّعاءه لم يكن عن إيمان وعقيدة فترك أمره إلى أبناء ملّته وقيل بل أمر بقتله. ولما انتهى أمره لم يدر اليهود كيف يتعاملون مع أتباعه فسألوا الحاخام الغاؤون نطروناي الأول عنهم فكان جوابه «مع أن هؤلاء الأشرار الذين ضلوا الطريق قد أنكروا كلام الحاخامين وخالفوا (أحكام) المناسبات الدينية والوصايا ونجسوا أنفسهم بأكلهم لحم الميتة فلا بد من استرجاعهم (إلى اليهودية) بدل طردهم (منها) وأما ما قاموا به من مخالفات كأكل غير المذبوح وعدم التزامهم بعقد الزواج (فجزاؤهم) أن يجلدوا أمام المحكمة (الدينية) وتفرض عليهم غرامات كل حسب عمله الشرير وأن يعاقبوا بوقوفهم في الكنيس ويتعهدوا بعدم الرجوع إلى فعلتهم وحينئذٍ يجب أن يقبلوا ولا يرفضوا.
وكان من الحركات المسيحانية التي ظهرت في هذه الفترة وكتب عنها مؤرخو الفرق من المسلمين أيضاً حركة إسحاق بن يعقوب (عوبادياه) الذي اشتهر بأبي عيسى الأصفهاني. وكان أبو عيسى قد ادّعى بأنه نبي وأنه يمهّد لظهور المسيح المخلص فصدقه الكثير من اليهود وكان ظهوره في نهاية العصر الأموي ويعتقد أن حركته استمرّت حتى أيام أبي جعفر المنصور العباسي. وكان أبو عيسى خياطاً أمياً لا يقرأ ولا يكتب وقال لليهود إنَّ للمسيح خمسة رسل يأتون قبله واحداً بعد الآخر منهم عيسى والرسول محمد _ا. وزعم بأنَّ الله كلّمه وأمره بتخليص اليهود من أيدي الأمم العاصية الظالمة وأنَّه هو رسول المسيح المخلص الذي هو أفضل ولد بني آدم وأنَّه أعلى منزلة من الأنبياء الماضيين. ولما كان هو رسوله فإنَّه يكون أفضلهم. وحرّم أبو عيسى أكل اللحوم وشرب الكحول والطلاق وأوجب سبع صلوات طبقاً لما ورد في المزمور 119/164 «سبع مرّات في النهار سبَّحتك على أحكام برّك» وأمر أصحابه بإقامتها، كما أنَّه حرَّم الطلاق لأي سبب من الأسباب وخالف اليهود في كثير من أحكام شريعتهم.
وقد نسب إليه عدة كتب واعتبر أتباعه ذلك معجزة لأنَّه لم يكن يقرأ أو يكتب. وظلّ أبو عيسى ثائراً ضد الدولة لعدد من السنين، وكان لما هوجم خط حول أصحابه خطاً بعود آس وقال لهم أقيموا داخل هذا الخط فليس ينالكم عدو أو سلاح. ثم خرج هو من الخط وقاتل فقتل عدداً من المسلمين ثم قتل هو وهزم أصحابه وكان ذلك في الري في حدود عام 755م.
ويعتقد أصحابه بأنَّه لم يقتل ولكنَّه دخل في كهف في الجبل واختفى فيه ينتظر الوقت المناسب للظهور. وقال آخرون منهم: بأنَّه ذهب إلى أبناء موسى في الصحراء يتنبأ بينهم. وقد بقيت جماعة من أتباعه تسمى العيسوية، وبقي هؤلاء حتى القرن العاشر الميلادي على الأقل.
وقد ادّعى أحد أتباعه واسمه يودغان أو يهودا من مدينة همدان في الفترة نفسها أنَّه نبي وقد اعتقد فيه أتباعه بأنَّه المسيح المخلص وقد حرم الخمر وأكل اللحم كما فعل أبو عيسى وشرَّع أيضاً صلوات وصياماً وكان يرى بأنَّ الأعياد والسبت ما هي إلاَّ رموز قد بطلت بعد أن هُدم الهيكل وكان أتباعه يجبرون اليهود على اتباع ممارستهم وكان أيضاً يحث على الزهد والإكثار من الصلاة وكان يقول بأنَّ للتوراة ظاهراً وباطناً وتنزيلاً وتأويلاً وقد خالف في تأويلاته عامة اليهود. وقد ذكر بأنَّ شرذمة من أتباعه كانت باقية إلى عام 938م.
وممَّن ادعى أنَّه المسيح المخلص في بداية القرن الثاني عشر رجل يهودي اسمه سلومون الكاهن ظهر في فلسطين وادعى بأنَّه هو الذي تنتظره اليهود كما ذكر في سفر ملاخي 3/1 «ها إنِّي مرسل رسولي فيعدّ الطريق أمامي ويأتي فجأة إلى هيكله، السيد الذي تلتمسونه وملاك العهد الذي ترضون به. ها إنَّه آتٍ قال رب الجنود» وكان يسافر من مكان إلى آخر يعد اليهود بأنَّه سيجمعهم بعد شهرين ونصف إلى أورشليم، وقد عجب اليهود من ادعائه لأنَّه كان كاهناً والكاهن هو من نسل قبيلة «لاوي» وليس من نسل داوود الذي هو شرط في المسيح المخلص كما ذكرنا سابقاً. وكان يقول للناس إنَّه سيذهب إلى مصر «وآتي بإخوتنا منها إلى أورشليم» وكان سلومون الكاهن من القرائين وهو أول قرائي يدعي أنَّه المسيح.
وفي عام 1127 ظهر يهودي في فاس اسمه موسى الدرعي وكان من علماء اليهود المعروفين وقال لليهود بأنَّه المسيح وأنَّه سيحقق معجزته في الليلة الأولى من الفصح اليهودي. وقد أمر أتباعه أن يبيعوا أمتعتهم وأن يصبحوا مدانين للمسلمين وذلك بشراء ما قيمته ديناراً بعشرة دنانير من أجل أن يحققوا ما جاء في التوراة في سفر الخروج 12/36 «وأعطى الرب نعمة للشعب في عيون المصريين حتى أعاروهم فسلبوا المصريين». وقال لهم في تعليل ذلك لأنَّهم سوف لا يرونهم بعد ذلك ولكن الفصح جاء ومضى ولم يحدث شيء وأصبح الذين صدقوه فقراء صعاليك بسبب دينهم للمسلمين. وهرب الدرعي إلى فلسطين ومات هناك.
ومن الحركات المسيحانية الشهيرة حركة مناحم بن سلومون الذي اشتهر فيما بعد بداوود الرُئي. كان داوود هذا قد ولد قرب العمادية (شمال العراق) ورحل إلى بغداد ودرس فيها لبضع سنين. وعلى الرغم من أنَّ هناك خلطاً في الأشخاص والأحداث إلاَّ أنَّ المعتقد أنَّ الحركة هذه كانت في النصف الأول من القرن الثاني عشر في كردستان وكانت بطبيعتها عسكرية وكان بطلها داوود رجلاً ساحراً ومغامراً وعالماً وشجاعاً. وقد ادعى أبوه سلومون بأنَّه الياهو النبي (الذي يبشِّر بالمسيح) وابنه داوود هو المسيح. وأخذ داوود يدعو يهود العراق وما جاوره للتصديق به فتبعه جمهور منهم وكان نشيطاً لحركته يبعث بالرسائل والمندوبين إلى الجاليات اليهودية في الشرق وكان يعدها وعداً أكيداً أنَّه سيجمع اليهود من أطراف الأرض إلى فلسطين حيث أرسله الإله لهذه المهمة وطلب من اليهود التوبة والاستغفار تمهيداً لذلك. وقد جيش جيشاً ضخماً ضم الكثير من اليهود الذين جاؤوا من بلدان مختلفة وقد أعلن الحرب على الخليفة العباسي واحتل قلعة العمادية ثم عزم على احتلال المنطقة المجاورة والسيطرة عليها. وقبل أن يقوم بذلك كانت هناك خطة للخلاص منه ولا يعرف على وجه الدقة كيف كان ذلك، فبعضهم يقول إنَّ الحكومة دبَّرت أمر قتله بينما يرى آخرون أنَّ والد زوجته هو الذي اغتاله في نومه. ويقول الرحالة اليهودي بنيامين التطيلي إنَّ ذلك كان في عام 1160م. ومن طريف ما يذكر في هذا الصدد والذي يدلُّ على سرعة تصديق العامة من اليهود لما يدعيه هؤلاء أنَّ داوود الرُئي أرسل رسالة إلى اثنين من اليهود في بغداد يخبرهما عن الانتصارات القادمة ويبشِّرهم بالتحرر من سيطرة أعدائهم وأن يمهدوا له الأمور ليجيء إلى بغداد كما قال. ولما وصل الخبر إلى بغداد اتفق شخصان من محتالي اليهود وزورا على لسان مناحم كتاباً يبشِّرهم بالفرج الذي ينتظرونه ويعين لهم ليلة يصعدون فيها على سطوح منازلهم حيث يطيرون على أجنحة الملائكة إلى أورشليم، وجاء النساء بأموالهن وحليهن لهذين الرجلين وكذلك الآخرون لكي يتصدقا بها نيابة عنهم عندما يكونوا في أورشليم. ولبس هؤلاء ثياباً خضراً كما طلب منهم وصعدوا ليلاً فوق السطوح في الموعد المعين ينتظرون لحظة الطيران وكانت النساء يبكين على أطفالهن الرضع خشية أن لا يحصلوا على رضعاتهم وكان المسلمون يعجبون ممَّا قام به هؤلاء بل ويسخرون منهم. ومرت تلك الليلة ولم تأت الملائكة ولم يطيروا إلى أورشليم وأخذ المحتالان الأموال وهربا بها. ويقول السموأل المغربي: «وسمي ذلك العام بعام الطيران.. وهو تاريخ البغداديين من المتهودة» ويذكر السموأل الذي كان معاصراً لهذه الحركة بأنَّه رأى جماعة من يهود الأعاجم بمدينة خوي وسلماس وتبريز ومراغة قد جعلوا اسمه (مناحم) قَسمهم وأما من في العمادية من اليهود فصاروا أشد مباينة ومخالفة في جميع أُمورهم لليهود.
وعندما وصل الرحالة اليهودي بنيامين التطيلي إلى إيران بعد عدة سنوات من موت داوود وجد مجموعة من اليهود يعتقدون بمناحم المسيح المنتظر الذي سيظهر مرة أُخرى، كما وجد أتباعاً له في العمادية وغيرها يسمون «المناحمية».
وقد كتب بنيامين دزرائيلي رئيس وزراء بريطانيا في الأعوام 1874 ـ 1880 الذي كان من أصل يهودي رواية عن داوود الرُئي صوره فيها بطلاً قومياً فاتحاً.
وفي حدود عام 1172م ادعى يهودي من اليمن بأنَّه الموطىء لظهور المسيح المخلص وقد أخبر الناس بأنَّ المسيح في اليمن وقد اجتمع حوله خلق كثير من اليهود وجعل مقر حركته في الجبال. وقال لأتباعه بأنَّ المسيح قد أخبره بأن يعطي الأغنياء أموالهم للفقراء لكي يصبحوا أغنياء والأغنياء فقراء ثم يرجعونها لهم لكي يصبح الفقراء أغنياء وهكذا حتى تصبح الأموال متداولة بينهم. وعندما سئل ابن ميمون عنه أخبر زعماء الجالية أن يقيدوه ويخبروا إمام اليمن أنه مجنون ولكنهم لم يفعلوا.
وعندما قبض عليه وسأله الوالي عن سبب ادعائه أجاب بأنَّ ذلك كان بأمر من الله وإطاعة له وأنّه دائماً يقول الحق. ولما سأله عن الدليل قال له: اقطعوا رأسي وسوف أرجع إلى الحياة مرة أُخرى فقال له الوالي: ليست هناك حجَّة أقوى من هذه ولئن رجعتَ فسأقرُّ أنا والعالم كلّه على أنَّ عقيدة أجدادنا هي عقيدة باطلة، فقطع رأسه وانتهى أمره. وذكر موسى بن ميمون: «أنَّ هناك الكثير من الحمقى ظلّوا يعتقدون بأنه سيقوم من قبره».
وكان الحاخام أبراهام أبو العافية (ت بعد 1291) قد ادّعى بأنَّ العصر المسيحاني كان سيبدأ في عام 1290م. وأبو العافية هو من مواليد الأندلس، اختص بعلم القبلاه وأصبح له تأثير كبير على هذا العلم وتطوره. وعندما كان في العشرين من عمره سافر إلى فلسطين للبحث عن قبائل بني إسرائيل الضائعة ونهر سمباتيون ولكنه غادرها بسبب الحرب بين الصليبيين والمسلمين. وفي حوالي الثلاثين من عمره ادّعى أنَّ له القدرة على تسلم الوحي كما يتسلمه الأنبياء، وأخذ يذكر هذا لطلاَّبه والمقربين له وكتب كتاباً عن هذا الموضوع أسماه «الكتاب النبوي». وفي عام 1280 ذهب إلى روما ليلتقي البابا نقولاوس الثالث ليؤنبه على اضطهاد الكنيسة لليهود ويطلب منه تغيير الحال ولكن البابا أصدر عليه حكماً بالحرق. ولما وصل الخبر إلى «أبو العافية» لم يهتم ولم يكترث واعتمد على معرفته بعلم القبلاه والاستفادة منه، ووضع في السجن لبضعة أسابيع انتظاراً لتنفيذ الحكم ولكن البابا توفي فجأة وأطلق سراح «أبو العافية» وكتب كتاباً عن تجربته هذه أسماه «كتاب الشهادة» ذكر فيه أنَّ نجاته من الموت كان معجزة.
وكان عندما أعلن عن وصول العصر المسيحاني صدقه بعض اليهود وهاجروا إلى فلسطين انتظاراً لظهور المخلِّص وبسبب دعوته هذه اشتكاه بعض الحاخامين إلى الحاخام الأكبر في الأندلس واتهموه بأنَّه هو نفسه يدعي أنَّه المسيح المخلص فأصدر هذا الحاخام قراراً أعلن فيه أنَّ أبو العافية شخص دجَّال. فهرب أبو العافية إلى جزيرة معزولة في البحر المتوسط وألف بعض الرسائل دفاعاً عن نفسه وردّاً للتهمة التي اتهم بها. وانتقد الحاخامين وقال عنهم إنَّهم قرود لا يعرفون من العلم المقدَّس شيئاً وانتقد التلمود كذلك وقال عنه إنَّه كتاب عقيم مليء بالمتناقضات وانتقد المثناة واعتبرها قبراً للفقه اليهودي وشريعة موسى كما كتب أيضاً نقداً شديداً للمسيحية.
وكان أول يهودي إشكنازي (من المانيا) يدعي بأنَّه المسيح أو أنَّه الموطىء للمسيح المخلِّص هو أشر لاملن وظهر في منطقة قرب البندقية (فينيسيا). ولا يعرف الشيء الكثير عنه سوى أنَّه درس القبلاه وذكر بعض المؤرخين لحياته أنَّه كان حاخاماً».
وأعلن بأنَّ المخلِّص سيظهر بين الأعوام 1500 ـ 1502. وصدقه الكثير من اليهود وكان منهم رؤساء بعض الجاليات اليهودية وانتشرت حركته إلى ألمانيا حيث روَّج لها طلاَّبه والمؤمنون به. وقد ذكر عنه أنَّه أعطى الكثير من الأدلة والبراهين على صحة دعواه وطلب من اليهود أن يتهيئوا ليوم الخلاص بإعلان التوبة وطلب المغفرة. وأقبلت أعداد كثير من الناس على ذلك حتى أنَّ العام سمي بعام التوبة وأخذ الكثير من اليهود يتهيئون للذهاب إلى فلسطين كما أعلن بأنَّ الكنائس والمساجد ستدمر ومع ذلك فقد مرَّت الفترة ولم يظهر المسيح ولم يبن شيء يشير إلى ظهوره واختفى لاملن ولم يعرف مصيره. وارتدَّ عدد كبير من اليهود واعتنقوا المسيحية وألف بعض الذين اعتنقوا المسيحية من اليهود كتاباً يطلب من أبناء جلدته التحول إلى المسيحية واستمرت حركة لاملن لسنين بعد وفاته.
وكان من الذين اعتقد فيهم مخلصاً لليهود في القرن السادس عشر داوود الراؤوبيني ويعتقد أنَّ هذا ليس اسمه الحقيقي (وهو هنا ينسب نفسه إلى قبيلة راؤوبين في جزيرة العرب الضائعة ليؤكد وجودها) كذلك لا يعرف أصله ولكنَّه وصف بأنَّه كان شديد السمرة. وكان داوود قد ادعى بأنَّه من أحفاد سليمان بن داوود وهو لم يدع بأنَّه المسيح المخلِّص لكنَّه كان يبشِّر بقرب خلاص اليهود وأخذ فلسطين من المسلمين.
وكان أول ظهور له في مدينة الاسكندرية في مصر ومن الاسكندرية رحل إلى فلسطين وفي القدس استقبله رئيس الجماعة اليهودية هناك ورحب به ومن القدس ذهب إلى صفد ومن صفد سافر إلى سوريا مستمراً بالدعاية إلى قرب ظهور المخلص ثم رجع إلى الاسكندرية ومنها أخذ الباخرة إلى البندقية. ويعتقد أنَّ ذلك كان في عام 1524م. وربَّما ذهب إلى البندقية لوجود عدد كبير من اليهود وأثريائهم وكان يقول لليهود بأنَّه سفير لأخيه الملك يوسف الذي يحكم بعض القبائل الضائعة وأنَّ له جيشاً من ثلاثمائة ألف شخص وأنَّ أخاه أو هو (داوود) رئيسه. وفي البندقية طلب مساعدة اليهود لإتمام مهمته وكان يضع درعاً كتب عليه أسماء الإله المقدَّسة وادعى أنَّ الدرع هو الذي استعمله النبي داوود في حروبه.
ومن البندقية رحل إلى الفاتيكان ليلتقي البابا كلمنت السابع (ت 1534) ودخل المدينة راكباً حصاناً أبيض وأخبر البابا بأنَّ عنده رسالة من أخيه يوسف إليه. وقال بأنَّه قائد جيش بني إسرائيل ويريد أن يشترك مع المسيحيين لمقاتلة المسلمين وأخذ فلسطين منهم «إنَّ أخي أرسلني إلى هنا لأقابلك لكي تساعدني فساعدنا الآن كي نتمكن من مقاتلة (السلطان) سليمان التركي لنأخذ الأرض المقدَّسة منه» واقترح على البابا أن يساعده في الحصول على أسلحة يسلّح بها قبائل بني إسرائيل (الضائعة) التي تعيش على ضفتي البحر الأحمر استعداداً لشن الحرب على المسلمين. ورحّب البابا بالفكرة ـ خاصة وأنَّ الجيش العثماني كان قد سيطر على بلغراد ورودس قبل هذا الوقت بثلاث سنوات ـ ووافق البابا على مساعدته ولكنه طلب من داوود بعد انتصاره على المسلمين أن يعامل الكاثوليك معاملة طيبة في فلسطين. وبعد مقابلته مع البابا كبر الراؤوبيني في أعين اليهود فأخذوا يغدقون عليه الأموال والهدايا وزوّدته إحدى النساء الثريات بقماش نادر لعلم كتبت عليه الوصايا العشر. وكان الراؤوبيني قد طلب من البابا رسائل لملوك أوروبا وبعد طول انتظار زوّده برسالتين إحداهما لملك البرتغال والأُخرى لملك أثيوبيا وقال له: لقد كتبت إلى المسيحين في البلدان التي تمرّ بها وطلبت منهم أن يساعدوك من أجلي ومن أجل الربّ وذكر الراؤوبيني أنَّ البابا قال له: «كن قوياً ولا تخف وأنَّ الربّ معك» وزوّده ببعض المال. وسافر إلى البرتغال على سفينة ترفع علماً عليه شعارات يهودية وعند وصوله استقبل استقبالاً حافلاً من المرانوس (كاثوليك ظاهراً ويهود باطناً) واستقبله كذلك ملك البرتغال. وذكر بأن ملك البرتغال وعده بتزويده بسفن وأسلحة. وبقي الراؤوبيني في البرتغال ما يقرب العام، وفيها كان المرانوس يجتمعون به ويتحلقون حوله يحدثهم قصصاً عن الدولة اليهودية المزعومة وعن المعادن الثمينة المبتذلة فيها. وكان هؤلاء يستمعون إليه بشغف وتلهف يجلسون عنده لساعات لا يملون ولا يسأمون. وأثناء وجوده في البرتغال التقى ممثل مملكة فاس وقال له «إننا وبمساعدة الربّ سننتزع أورشليم وأرض إسرائيل من المسلمين لأنَّ وقت الخلاص قد حان». كما أنَّه كان يرسل الرسائل إلى يهود شمال إفريقيا يخبرهم بقرب خلاصهم. وبسبب تأثير كلامه حول الخلاص وقربه، تشجع بعض المرانوس ورجعوا إلى اليهودية وكان منهم شخص معروف اسمه سلومون ملخو الذي اختتن وتحول إلى اليهودية على الرغم من محاولات الراؤوبيني لمنعه من ذلك لأنه يعرّضه للعقوبة من الدولة. وسنتحدث عن هذا قريباً. وبسبب ذلك اتّهم الراؤوبيني بأنَّه يرجع المرانوس إلى اليهودية فطرد من البرتغال فذهب إلى إيطاليا ومنها إلى جنوب فرنسا حيث سجن هناك مع ملخو ومنها ذهب إلى إسبانيا وضاع أثره. وظلت حركة الراؤوبيني في مخيلة اليهود وذاكرتهم حتى أنَّ ماكس برود صاحب كافكا كتب عنه رواية. وكان من الذين بشَّروا بظهور المخلِّص بل وحدد سنة ظهوره الحاخام أبراهام اليعازر هاليفي (ت بعد 1528). وكان هذا الحاخام بعد خروجه من بلده إسبانيا في نهاية القرن الخامس عشر سافر إلى كثير من البلدان الأوروبية وبعد رحلة طويلة فيها واستقراره في أورشليم أخذ يعلن أنَّ العصر المسيحاني كان قد بدأ عام 1524 ودعا الناس إلى تحضير أنفسهم له والتوبة من ذنوبهم. ثم قال بعد ذلك بأنَّ المسيح سيظهر عام 1530 ـ 1531 وأخذ يستدل على ذلك من التوراة والتلمود والزهر وغيرهما ويرسل رسائله باستمرار إلى اليهود يطلب منهم أن لا يتوقفوا عن الاستمرار في توبتهم. وكان الكثير من اليهود قد صدقوه بل وممَّا يعجب له الإنسان أنَّ بعض الحاخامين الكبار مثل داوود بن أبي زمرا كان قد صدقه أيضاً ربَّما لما له من منزلة علمية بينهم. واعتبر الفتوحات العثمانية في أوروبا إحدى علامات الظهور وتنبأ بسقوط المسيحية. كما اعتبر ظهور مارتن لوثر (ت 1546) أيضاً علامة من علامات ظهور المخلص.
والغريب أنَّه كان يقول إنَّ قلبي يخبرني بأنَّ قبيلة راؤوبين وبعض قبائل بني إسرائيل الضائعة قد بدأت بالتحرك بل أخذ الخلاص يشملها! ولكن هذا الحاخام توفي قبل أن يرى خطأ حساباته.
وكان من هؤلاء دياغوس بيرس الذي اشتهر فيما بعد باسم سلومون ملخو وهو من مواليد لشبونة في البرتغال وكان قد ادعى أنَّه المسيح لليهود، وكان ملخو قد درس في مدارس الدولة ولكن يعتقد أنَّه درس القبلاه سرّاً. وعندما كان في الواحدة والعشرين من عمره عين سكرتيراً لمجلس الملك الاستشاري وكاتباً في محكمة الاستئناف، وقد ذكرنا سابقاً أنَّه عند لقائه داوود الراؤوبيني اختتن وأعلن عن يهوديته وعندما قام بذلك على رغم ممانعة الراؤوبيني لذلك ـ طلب منه هذا أن يهرب من البلد إذ كان حكم من يقوم بذلك هو الإعدام في هذه الفترة في البرتغال وبعض الدول الأُخرى في أوروبا.
وقال ملخو فيما بعد أنَّ سبب هروبه هو أنَّه تلقى أمراً إلهياً بالخروج من البرتغال بينما قال الراؤوبيني إنَّه أرسله في مهمة سريَّة دبلوماسية إلى القسطنطينية. ولم يعرف إلى أين كانت وجهته ولكن ذكر أنَّه ذهب إلى إيطاليا ومنها إلى فلسطين ثم إلى دمشق بل وقيل إنَّه سافر إلى القسطنطينية كما بقي لفترة يدرس القبلاه في سالونيك.
وفي هذه المدينة التف حوله بعض المعجبين من الطلاب وتأثروا به وطلبوا أن يجمع خطبه ومواعظه في كتابه فجمعها ونشرها تحت عنوان «مفوئر» (الرائع). وأخذ ملخو يقتنع بأنَّه المسيح المخلِّص بسبب التفاف اليهود حوله وربَّما بعد أن تنبأ بحدوث فيضان في روما عام 1531 وحدوث الهزَّة الأرضية في البرتغال. وربَّما بسبب هذا أيضاً كان قد كسب ثقة البابا كلمنت السابع وبعض كبار القساوسة فأعطاه البابا ضماناً على حياته. ولأنَّ التلمود يذكر أنَّ من خصائص المسيح المخلِّص هو أنَّه يعاني بل هناك بعض الإشارات في التوراة لذلك عزم ملخو على القيام بذلك عملياً وهو يحدثنا عن ذلك بنفسه ويقول «لقد تركت لباسي الجميل وفرسي عند صاحب النزل ووضعت صبغاً أسود على وجهي ولبست أسمالاً ممزقة.. ورحت أتجول كشخص محتقر ومرفوض من قبل الناس وكإنسان أصابه الحزن والأسى العميق وسرت في شوارع المدينة (روما) حتى وصلت إلى جسر نهر «تبر» قرب قلعة البابا حيث يتجمع المرضى والمنبوذون وظللت بينهم مثل شخص أصابته ضربة من الله وبقيت هناك لثلاثين يوماً.
ونشب خلاف بينه وبين بعض اليهود المعروفين في الجالية وقيل إنَّ سبب الخلاف هو أنَّ هؤلاء خشوا على أبناء جلدتهم من ادعائه بأنَّه المسيح فاتّهم من قبل محاكم التفتيش في أنَّه يحول المرانوس إلى اليهودية وحكم عليه بالموت حرقاً ولكن البابا تدخل وأنقذ حياته. فسافر إلى شمال إيطاليا والتقى الراؤوبيني هناك وذهب ملخو معه في مهمة إلى الأمبراطور تشارلس الخامس الذي كان حينها في إيطاليا وكان ملخو يحمل علماً كتب عليه كلمة «مكابي» وهي هنا على ما يبدو لا تعني الاسم المعروف ولكنَّها مختصر عبارة عبرية تعني «من هو من بين العظماء من يشبه الرب». وهي عبارة فيها الكثير من التحدي للحكَّام.
وقد ذكر أنَّ مهمتهما كانت من أجل إقناع الأمبراطور بإرسال أسلحة إلى القبائل الضائعة ورفض الأمبراطور ذلك بل وسخر منهما وأمر بوضعهما في السجن وحكم على مخلو بالموت حرقاً عام 1538م. وتدخل البابا لإنقاذه شرط أن يرجع إلى الكاثوليكية ولكنَّه رفض وكان عمره حوالي ثمانٍ وثلاثين سنة.
هؤلاء هم بعض الذين تنبأوا وادعوا أنَّهم المسيح المخلص أو الموطئون له، وعلى الرغم من أنَّ واحداً من هؤلاء لم تثبت صحة ادعائه إلاَّ أنَّ ظهور هؤلاء بقي مستمراً بل وبقي تصديق اليهود لهم وليس أدل على ذلك من تصديق اليهود لشبتاي عندما أعلن للعالم أنَّه المسيح المخلص.  
 

تاريخ “أورشليم” في الألف الثاني قبل الميلاد   د. جعفر هادي حسن Dr. Jaafar Hadi Hassan

تشير بعض الأدلة الأثارية إلى أن المنطقة المحيطة بأورشليم كانت مأهولة في القرون الأخيرة من الألف الرابع قبل الميلاد. ولكن من الصعوبة بمكان أن نعرف هوية أول من سكن من الشعوب في هذه المنطقة. ويعتقد الأثاريون الذين عثرو على بعض الأواني الفخارية من الألف الثالث قبل الميلاد بأن هذه الأثار تعود ألى الشعب الأموري . ويبدو أن موطن الأموريين (العموريين) الأصلي هو سوريا وأن ظهورهم على مسرح التاريخ كان في فترة الأسرة الثالثة التي حكمت “أور” في نهاية الألف الثالث قبل الميلاد، وكانت هذه الأسرة قد أنشأها “أور نامو” الذي أطلق على نفسه ملك “سومر وأكد”. ولكن الأموريين أيضا كانوا قد ذكروا في نصوص متفرقة قبل هذا التاريخ. وفي النصوص التي عثر عليها في بلاد ما بين النهرين أطلق على هؤلاء “أمورو” و “مارتو” ويصنف الأموريون على أنهم من الشعوب السامية، وأن لغتهم كانت لغة سامية وربما كانت الأصل للكنعانية – العبرية أو الآرامية. ووجد الاسم “الأموريون” كذلك في نقوش من الألف الأول قبل الميلاد، وكذلك في العهد القديم حيث تكرر الاسم خمسا وثلاثين مرة. ومن النصوص المشهورة التي تشير إلى علاقة “الأموريين” بأورشليم ما جاء في سفر حزقيال 16/1 : “وكانت لي كلمة الرب قائلا يا ابن الإنسان أخبر أورشليم بقبائحها وقل هكذا قال السيد الرب لأورشليم أصلك ومولدك من أرض الكنعانيين أبوك أموري وأمك حثية”. وطبقا لما تذكره عالمة الآثار البريطانية كاثرين كنيون فإن الأموريين اجتاحوا فلسطين في نهاية الألف الثالث قبل الميلاد ثم وصلها بعدهم الكنعانيون الذين عمروا مادمره الأموريون من مدن. ومنذ بداية الألف الثاني أصبح هناك عدد من المدن في فلسطين ذات طابع استقلالي لكل منها حاكمها. وكان من هذه المدن أورشليم. وأقدم ذكر لأورشليم اكتشف إلى الآن كان في ما يسمى “بنصوص اللعنة”. وكانت هذه النصوص قد اكتشفت في القرن التاسع عشر الميلادي في “الأقصر” في مصر، وهي تعود إلى فترة حكم الفرعون سوستريس الثالث (1879-1842 ق.م). وسميت هذه بنصوص اللعنة لأنها تلعن الأشخاص والأماكن التي تذكر في النص. وتحتوي هذه النصوص على أسماء مدن وأسماء حكام من فلسطين وغيرها، اعتقد المصريون أن هؤلاء الحكام من الأعداء وكذلك المدن. وكانت هذه الأسماء تكتب على أوان فخارية ثم تكسر هذه الأواني حيث تؤدي أثناء ذلك طقوس سحرية خاصة. وكان المصريون يعتقدون أنهم بكسرهم لهذه الأواني وهي تحمل أسماء الأعداء فإن الأعداء يدمرون وينكبون. ومن بين هذه الأسماء كان هناك اسمان لحاكمين من حكام أورشليم وهما “يقرعمو” و”شيزانو”. والاسمان المذكوران هما اسمان ساميان ويعتقد أنهما أموريان. وذكرت أورشليم في هذه النصوص بصيغة “أورشليمو” (اورسليمو)، ويترجم الاسم عادة بجزئيه إلى “شالم قدأسس”. و”شالم” (سالم) هو الإله السامي المعروف والذي كان أيضا إلها للأموريين. والجزء الأول من الاسم له صلة بجذر حميري يدل على معنى التأسيس. وقد ذكر الاسم “شالم” أول مرة في العهد القديم في سفر التكوين 14/18 حيث جاء فيه “وأخرج ملك يصدق ملك “شالم” خمرا وخبزا لأنه كان كاهنا للرب العلي وبارك ابرام وقال: “على ابرام بركة الرب العلي خالق السموات والأرض”. واعتقد بعض الباحثين بأن الاسم “أورشليم” يعني “مدينة” (الإله) شالم”. وأعطوا الجزء الأول معنى “مدينة” (أورو باللغة السومرية) ولكن هذا التفسير غير مؤكد. كما أنه ليس من المؤكد أن “شالم” في نص العهد القديم يشير إلى مدينة أورشليم. أما الاسم العبري “يروشلايم” أو “يروشلم” فهو مأخوذ من الاسم السامي “اورشليمو”. وأما استعمال “مدينة السلام” (شالوم) إشارة إلى أورشليم، فهو استعمال شعبي متأخر رمز به إلى المدينة. وخلال القرنين السادس عشر والخامس عشر قبل الميلاد اجتاح الهكسوس – وهم خليط من الجنس الهندو-أري والجنس السامي سوريا وفلسطين وكذلك مصر. وقد اسماهم المصريون القدماء “حكام البلاد الأجنبية”. ونحن لا نعرف الكثير عن خلفية هؤلاء وطبيعة حياتهم، كما أن هناك أكثر من رأي حول علاقة الهكسوس بأورشليم. فهناك من يرى بأن هؤلاء قد جعلوا أورشليم مركزا لهم لفترة ما يقرب من قرنين. ويذكر الكاتب ورجل الدين المصري مثينو (حوالي 300 ق.م) بأن الهكسوس الذين سماهم “الحكام الرعاة”- ليس فقط سكنوا أورشليم، بل انهم بنوها”. بينما يرى بعض الباحثين بأن الهكسوس كانوا قد دمروا المدينة. والذين يرون هذا الرأي يستدلون على عدم وجود آثار بناء لهم في أورشليم مثل نظام الدفاع الذي يعتمد على المنحدرات والذي تميزوا به عن غيرهم، ونوع الخزف الخاص الذي عرفوا به دون غيرهم. وفي نهاية القرن السادس عشر قبل الميلاد أخرج المصريون الهكسوس من مصر وكان ذلك على يد الفرعون أحمس من الأسرة الثامنة عشرة. ثم بعد ذلك أخرجوهم من فلسطين وأصبحت أورشليم إمارة تابعة لمصر. ولم تكن أورشليم وحدها في هذا الوضع، بل كانت هناك إمارات أخرى في فلسطين تابعة لمصر. وقد وصف نقش مصري هؤلاء الحكام بأنهم لم يكونوا فقط تابعين لمصر، بل كانوا على حد ما جاء في النص يطلبون الهواء (من مصر) لتنفسهم. ومما يجدر ذكره هنا أن المؤرخ اليهودي فلافيوس جوزيفوس (القرن الأول الميلادي) اعتقد بأن الهكسوس هم أجداد بني إسرائيل الذين كانوا في مصر، وهو بهذا ربما كان متأثرا بمنيثو الذي لمح إلى ذلك أيضا. وقد تبع بعض الباحثين المحدثين هذا الرأي وحددوا تاريخ خروج بني إسرائيل من مصر بنفس الفترة التي أخرج فيها الهكسوس منها، أي في نهاية القرن السادس عشر قبل الميلاد. ومنذ بداية القرن الخامس عشر قبل الميلاد بدأ الحوريون ينتشرون من مملكتهم “ميتاني” في الأناضول إلى مناطق سورية وفلسطين. وقد ذكر هؤلاء أكثر من مرة في العهد القديم باسم “الحوريين” وأحيانا بصيغة “حويين”. وقدعثر على كثير من أسماء الحوريين المتميزة في نقوش من القرن الخامس عشر والقرن الرابع عشر قبل الميلاد في سوريا وفي فلسطين. وهم يختلفون عن سكان المنطقة الذين كانوا ساميين بأنهم من أصل أري وهم لم يدخلوا إلى فلسطين محاربين، بل انتشروا فيها بطريقة سلمية، وكان لهم تأثير على الناس والحياة في أورشليم. ويعزى لهؤلاء حركة إعمار نشطة وطرق للدفاع متطورة أدخلوها إلى منطقة أورشليم. وهؤلاء على ما يبدو هم الذي جلبوا معهم اللغة الأكدية وخطها حيث تعلمها الناس وأصبحت اللغة الرسمية في المخاطبات الدبلوماسية. وخلال القرن الرابع عشر قبل الميلاد توسعت أورشليم نحو الجنوب ونحو الغرب، وأصبحت ذات أهمية بالمقارنة مع الإمارات المجاورة. ومعرفتنا بأورشليم في هذه الفترة تعتمد أساسا على ألواح اكتشفت في تل العمارنة في مصر في القرن التاسع عشر الميلادي. وتعود هذه الألواح إلى القرن الرابع عشر قبل الميلاد والغالبية العظمى منها تعود إلى فترة الفرعونين امنحوتب الثالث وابنه أخناتون. وتضم هذه الألواح بضع مئات من الرسائل التي أرسل الكثير منها أمراء وملوك من الشرق والأناضول. وبعض هذه الرسائل -التي كتبت بالخط المسماري وباللغة الأكدية وبالخليط منها ومن الكنعانية أحيانا- كتبها أمراء من فلسطين- وتشير هذه الرسائل إلى أن أمراء فلسطين كانوا في صراع مع بعضهم البعض كما أنهم كانوا يواجهون عدوا خارجيا. وهناك ست رسائل من أمير “أورشليم” المسمى “عبد – حبا Abd -Hiba). وهذا الاسم يشبه بعض الأسماء العربية من العصر الجاهلي المركبة من “عبد” واسم المعبود مثل “عبد العزى” “وعبد اللات”. و”حبا” في الاسم “عبد-حبا” هي إلهة حورية معروفة عبدها الحوريون في الأناضول وفي أماكن أخرى. ويؤكد “عبد-حبا” من خلال رسائله ولاءه للفرعون وينفي عن نفسه تهمة الثورة عليه التي اتهمه بها بعض الامراء، بل إنه يؤكد في إحدى رسائله على امتنانه للفرعون على تعيينه حاكما على أورشليم، فيقول: “… لم يضعني أبي ولا أمي في هذا الموقع وإنما يد الملك العظيم هي التي وضعتني.. فكيف لي أن أقوم بما يسيء الملك”. وهو يبدي حسن نيته بإرسال هدايا للملك، فيقول :” … وأتمرغ عند أقدام ملكي وسيدي سبع مرات… وقد أرسلت عشرة عبيد وإحدى وعشرين جارية بيد “شوطا” كهدية إلى سيدي الملك…”. وهو يشكو من اعتداء حصل عليه ويطلب مساعدة الفرعون له”… ليفكر سيدي الملك في أرضه … إذ أن هناك حربا ضدي … وقد أصبحت مثل سفينة في وسط البحر…”. وفي أحدى هذه الرسائل يشتكي الأمير من قبائل تهاجم المنطقة يسميهم “أبيرو” “حبيرو” ويقول “ليرسل سيدي الملك جنودا من رماة النبال إذ لم تبق للملك أرض فإن الابيرو (الحبيرو) يسلبون أرض الملك…”. وهؤلاء الابيرو (الحبيرو) الذي ذكرهم “عبد-حبا” أيضا ذكرهم أمراء فلسطين الآخرون. وكان يعتقد عندما حل لغز هذه الألواح أن الابيرو (الحبيرو) المذكورين قد يكونون أنفسهم العبرانيين الذين ذكروا في العهد القديم. ولكن الباحثين اليوم لا يميلون إلى الأخذ بهذا الرأي ويرون بأن هؤلاء كانوا خليطا من القبائل المتنقلة غير المستقرة بعضها سامي وبعضها غير سامي يبحثون عن مصادر رزق لهم. وكان بعضهم يهاجم القوافل التجارية كما كانوا يوجدون في الكثير من مناطق الشرق الأدنى. كما أن هؤلاء يفوقون في عددهم عدد العبرانيين الذين ذكروا في العهد القديم. وقد جاء ذكرهم في التاريخ قبل ذكر العبرانيين، كما أنهم قد ذكروا في وثائق من مصر ومن بلاد ما بين النهرين تعود إلى الألف الثاني قبل الميلاد، ويبدو من رسائل “عبد -حبا” وبعض الأمراء الآخرين في فلسطين أن الأبيرو (الحبيرو) كانوا يهاجمون أورشليم وغيرها من المدن المجاورة، ولكنهم لم يتمكنوا من السيطرة على أورشليم أو الأراضي التي حولها. وفي القرن الثالث عشر قبل الميلاد تأثرت فلسطين، كما تأثر غيرها، بانتشار شعوب في منطقة الشرق الأدنى أسمتهم الوثائق المصرية شعوب البحر”. وكان هؤلاء قد سيطروا على مملكة الحثيين في آسيا الصغرى وهاجموا مصر – التي كانت ضعيفة في هذه الفترة- خلال حكم الفرعون رمسيس الثالث الذي عقد اتفاقية معهم كما تذكر وثائقه. وكان بعض هؤلاء قد دخل فلسطين من سواحلها وأخذوا ينتشرون في أجزاء منها كما ذكرتهم الوثائق المصرية والآشورية باسم الفلستيين، فعرف البلد بعد ذلك باسمهم في فلسطين. واكتشفت لهم بعض القلاع شمال أورشليم، كما اكتشف قرب هذه المدينة بعض الأواني والنقوش الفخارية التي تميزوا بها. واكتشفت في مناطق أخرى من فلسطين بعض الأفران لصناعة أدوات حديدية حيث كان للفلستييين مهارة بها كما جاء في العهد القديم في سفر صموئيل الأول /19-21 “ولم يكن يوجد في كل أرض اسرائيل حداد لأن الفلسطينيين قالوا: “يجب ألا يحمل العبرانيون سيفا أو رمحا” فكان كل إسرائيلي ينزل إلى الفلسطينيين ليسن سكته وفأسه ومنجله وكان السن بثلثي مثقال للسكك، والمعاول، والمثلثات الأسنان، والفؤوس، ولتدبيب المناخس”. ويذكر العهد القديم أن معارك كثيرة دارت بينهم وبين العبرانيين، كما وصفهم في (صموئيل الأول) بأنهم “شعب مثل الرمل على ساحل البحر كثرة”، وأن إبراهيم النبي سكن أرضهم ، اتفاقا مع ملكهم ابيملك (تكوين 21/24). ولم تذكر أورشليم في هذه الفترة في الوثائق المصرية ولا نعرف عن حالها الشئ الكثير ولكن ملكا لها يحمل اسما ساميا (أموريا) هو أونيصدق جاء ذكره في العهد القديم في سفر يشوع 10/1-2 “ولما سمع أونيصدق ملك أورشليم أن يشوع قد استولى على العي وحرمها وفعل بالعي وملكها كما فعل بأريحا… خاف خوفا شديدا”. وطبقا لما ذكر في بقية النص أن هذا الملك عقد حلفا مع بعض الملوك الآخرين- الذين قال عنهم العهد القديم إنهم أموريون- لمحاربة يشوع وأن يشوع هزمهم في معركة حاسمة في منطقة اسمها “جبعون”. ويبدو أن أورشليم كانت في القرنين الأخيرين من الألف الثاني قبل الميلاد مثل بقية المدن المجاورة لها سكنها خليط من الأناس كما يذكر العهد القديم. فعدا عن الأموريين كان هناك الحوريون والحثيون واليبوسيون وغيرهم، ونفهم مما جاء في العهد القديم أيضا أن اليبوسيون كانوا هم الغالبية من السكان وكانوا ذوي قوة وبأس كما جاء في سفر صموئيل الثاني 5/6-7 “وزحف الملك ورجاله على أورشليم على اليبوسيين سكان تلك الأرض فكلموا داوود وقالوا له إنك لا تدخل إلى هنا حتى العميان والعرج يصدونك”. والمقصود بالملك هنا هو الملك داود. وتتمة هذا النص هي “لكن داوود أخذ حصن صهيون وهو مدينة داوود”. ويعتقد أن هذا الحصن الذي كان خارج أورشليم قد بناه اليبوسيون وهم الذي أطلقوا عليه “صهيون” (واستعمل اليهود هذا الاسم فيما بعد). كما بنو سورا حول المدينة للدفاع عنها اكتشفه الآثاريون في القرن الماضي. ويذكر العهد القديم أيضا أن قبيلتي يهوذا وبنيامين اضطرتا إلى العيش مع اليبوسيين بعد أن لم تتمكنا من طردهم. فقد جاء في سفر يشوع 15/63 “وأما اليبوسيون سكان أورشليم فلم يقدر بنو يهوذا على طردهم، فأقام اليبوسيون مع بني يهوذا في أورشليم إلى هذا اليوم”. وجاء في سفر القضاة 1/21 “فأما اليبوسيون المقيمون بأورشليم فلم يطردهم بنو بنيامين. فأقام اليبوسيون مع بني بنيامين بأورشليم إلى هذا اليوم”. بل إن أورشليم كانت تسمى يبوس أيضا كما جاء في سفر يشوع 18/28: “… ويبوس وهي أورشليم” وكذلك في سفر القضاة 19/10: “… حتى انتهى إلى قبالة يبوس التي هي أورشليم). والباحثون اليوم غير متفقين حول أصل اليبوسيين. فبعضهم يرى أنهم من الحوريين استنادا إلى بعض أسماء ملوكهم في أورشليم مثل “عبد-حبا” و “أرونا/أرنان” الذي ورد اسمه في سفر صموئيل الثاني 24/16 وفي سفر الأخبار الأول 21/18 حيث يعتقد أن الاسم تحريف للكلمة الحورية “أيوري” التي تعني “سيد” أو “رئيس”. البعض الآخر يعتقد بأن اليبوسيين هم ساميون لأن اسم أحد ملوك أورشليم المتأخرين وهو أونيصدق – الذي ذكرناه سابقا- هو اسم سامي كما أن العهد القديم يجعلهم من سلالة الكنعانيين في ما يسمى بقائمة الشعوب في سفر التكوين 10/15 حيث جاء فيه “وكنعان ولد صيدون بكره وحثا واليبوسي والأموري …”. ومنهم من يرى بأن اليبوسيين هم من الحثيين وأنهم وصلوا إلى فلسطين بعد سقوط الامبراطورية الحثية- والتي كانت في شمال تركيا الحالية- في حوالي القرن الثاني عشر قبل الميلاد. ويرى البعض من الباحثين بأن اليبوسيين في أورشليم كانوا طبقة من الجنود المحترفين وكان من مهامهم حماية ملك أورشليم، كما أنهم كانوا من أصول مختلفة وربما كانوا قد سيطروا على أورشليم بعد هزيمة أدونيصدق والمتحالفين معه في معركة جبعون. وأصبح هؤلاء جزءا من جيش الملك داود بعد دخوله المدينة. وقد كان لليبوسيين تأثير ثقافي وديني على القبائل الإسرائيلية وكان الكتبة الذين عملوا في إدارة داوود من اليبوسيين وهم الذين علموا هذه القبائل الأبجدية الفينيقية. وكان يعتقد سابقا بأن داود قد دخل أورشليم في بداية الألف الأول قبل الميلاد، ولكن بعض الآثاريين اليوم خاصة الإسرائيليين منهم يعتقدون بأن دخول داوود إلى المدينة كان في حدود عام 900 قبل الميلاد. وهذا موضوع خارج نطاق هذه الدارسة