اسرائيل واستقلال كوسفو د.جعفر هادي حسن

اعلنت كوسفو استقلالها في 17 من هذا الشهر(فبراير-شباط)بعد تدخل خارجي من الولايات المتحدة الأمريكية وبعض دول الإتحاد ألأوربي.وقد ارسل برلمان كوسفو رسائل إلى الدول يطلب منها الإعتراف بها.وقد اعترف بعضها ورفض بعضها الآخر وانتظرت دول أخرى. وبعض هذه الدول التي اعترفت هي من حلفاء اسرائيل واصدقائها.أماهي نفسها فقد تريثت ولم تعترف إلى الآن. واعلن  الناطق باسم خارجيتها في بيان موجز ومقتضب إن اسرائيل تابعت التطورات التي تتعلق باستقلال كوسفو وهي ستحدد موقفها في المستقبل”وهي أعلنت عن موقفها   على الرغم من أن هاشم ثاجي رئيس وزراء كوسفو يعتبر نفسه صديقا لإسرائيل وكان قد زارها من قبل واجتمع ببعض المسؤولين فيها وقال في تصريح له إنني أحب اسرائيل فهي بلد عظيم وكوسوفو صديقة لإسرائيل كما كان قد وصف شارون بأنه زعيم عظيم.وموقف إسرائيل هذا هو من المواقف النادرة الذي لم تتفق فيه مع حليفتها –الولايات المتحدة ألأمريكية. ولا شك أن اسرائيل ناقمة على حلفائها واصدقائها الذين كانوا السبب الرئيس في استقلال كوسفو إلا أن هذا على مايبدو ليس السبب في عدم الإعتراف بهذه الدولة الجديدة. فهناك سبب أعمق من ذلك عبر عنه بعض الإكاديميين والسياسيين الذين يرون بإن اسرائيل يجب أن تعارض فكرة أن النزاع السياسي والإقليمي يمكن أن يحل بطريقة تفرضه قوى خارجية من دون موافقة كل أطراف النزاع لأن هذا يعني امكانية فرض حل على إسرائيل فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية.وقال بعض المسؤولين الإسرائيليين نحن نحتاج إلى وقت نتأمل فيه في احتمالات نتائج إعلان الإستقلال وتأثيره على عملية السلام وكذلك على وضع العرب الإسرائيليين. كما أشار إلى هذا عضو الكنيست أرياه الداد بشكل أوضح في صحيفة معاريف بعد أن أُعلن استقلال كوسفو إذ قال “إذا اعترفت اسرائيل بكوسفو فليس لإسرائيل أي حق قانوني أو سياسي أو اخلاقي في أن تمنع ظهور دولة عربية في الجليل وشمال النقب لأنها اذا اعترفت بكوسفو فيجب أن تعترف باستقلال العرب(الفلسطينيين) إذلافرق بين الإثنين .وأضاف اننا يجب أن لاننسى بأن العرب والكارهين لإسرائيل في أوروبا يظهرون اسرائيل بنفس الصورة التي يظهرون بها الصرب حيث تتهم بارتكاب المذابح كما يتهم الصرب وعندما يأتي اليوم الذي يعلن فيه عرب الجليل استقلالهم فان اسرائيل ليس عندها الطريقة التي تمنعهم اذا هي اعترفت اليوم ببلد وجد على نفس الأسس”.وهذا التخوف ليس جديداً بل هو هاجس يعتمل في نفوس المسؤولين الإسرائيليين ويعبرون عنه كلما كانت هناك مناسبة له. وكان أرئيل شارون رئيس وزراء اسرائيل السابق قد عبر عن هذا التخوف أيضا عندما قصف حلف الناتو صربيا حيث قال “إن اسرائيل ترفض أن تعطي شرعية لاعتداء الناتو على صربيا الذي تقوده الولايات المتحدة..إذ أن اسرائيل يمكن أن تكون الضحية القادمة لما يحدث في كوسفو…تصوروا ماذا سوف يحدث لو أن العرب في يوم جميل أعلنوا الإستقلال الذاتي في منطقة الجليل وانضموا إلى السلطة الفلسطينية”.ويقول بعض المسؤولين الإسرائيليين بأن اعترافها باستقلال كوسفو بدون الأمم المتحدة سيكون سابقة يستغلها الفلسطينيون إذا لم تحقق المحادثات نتائج ملموسة أو تأتي حكومة(اسرائيلية)لاتلزم نفسها بالمحادثات. وهذا ماعبر عنه أمين اللجنة الفلسطينية لمنظمة التحرير الفلسطينية ياسر عبد ربه بقوله
“نحن مع المفاوضات، لكن اذا لم نحقق نتيجة في فترة قصيرة فإننا سندرس خياراتنا، ومنها اعلان الاستقلال من جانب واحد”.وموقف اسرائيل هذا يجعلها في مصاف الدول التي لم تعترف باستقلال كوسوفو مثل اسبانيا وسريلانكا وجورجيا وغيرها بسبب مطالبة بعض الأثنيات من سكانها بالإستقلال.
وربما تخشى اسرائيل أيضا أن اعترافها بكوسفو قد يؤثر على العلاقات مع روسيا التي رفضت منذ البداية استقلال كوسفو وحاولت إيقافه أو عرقلته ولكنها لم تنجح. وعلاقة اسرائيل مع روسيا هي اليوم على أفضل احوالها على الرغم من مساعدة روسيا لإيران في برنامجها النووي. وهي تريد لهذه العلاقة أن لاتتأثر .فهي لم تنتقد بوتين حول هذه المساعدة طيلة الفترة الماضية.إذ هي تأمل في أن يكون لروسيا دور في فرض الحصارعلى إيران التي يضيق عليها الغرب الخناق بسبب برنامجها النووي والتي هي تصر على الاستمرار فيه.واسرائيل هي من الدول الناشطة لإصدار قرارات من مجلس الأمن لفرض الحصار بكل أشكاله على إيران لأنها تعتقد بأنها هي المستهدفة دون غيرها بالبرنامج المذكور.وربما هي لاتريد أن تثيرغضب الشعب الروسي باعترافها بدولة يرفض بلده استقلالها كي لايكون هناك رد فعل منه يتمثل في العداء لليهود والذي عمل بوتين على التقليل منه في السنوات الماضية. كما أن ديمتري مدفيدف الذي اختاره بوتين لخلافته هو صديق لليهود وكان قد زار الجالية اليهودية قبل ثلاثة أيام من الإعلان عن ترشيحه. وبسبب علاقته مع الجالية اليهودية يتهمه القوميون الروس بانه يهودي. ويضاف إلى ذلك علاقة إسرائيل المتينة والمتطورة مع صربيا. كل هذا له أهمية استراتيجية تفوق أهمية الإعتراف بكوسفو على الأقل في الوقت الحاضر.

وليم بلاكستون(1841_1935) أشهر مسيحي أمريكي نذر حياته للعمل على انشاء وطن قومي لليهود في فلسطين د. جعفر هادي حسن    Dr Jaafar Hadi Hassan 

William Blackstone

كانت الولايات المتحدة الأمريكية في الفترة التي ولد فيها وليم بلاكستون تمر بفترة ما سمي بحركة الإنبعاث    الأنبعاث الديني الثالثة وكان لمدينة آدمز التي ولد فيها دور كبير ومهم في هذه الحركة إذ أنها كانت موطنا لمبشر مشهور وعالم في الدراسات الدينية اسمه تشارلس فنََي(ت1875م) الذي شارك في هذه الحركة مشاركة فعالة كان لها أثر  بعيد على الحياة الدينية الأمريكية وأصبح جزءا من تاريخها. وكان بلاكستون من الذين تأثروا منذ شبابه بهذه الحركة ودفعه حماسه للتفاعل معها .  فأخذ يحضر الإجتماعات الدينية  الكثيرة ويشارك في حلقات  تفسير الكتاب  المقدس ويبشر بين الشباب بما كان يتعلمه من هذه الحلقات والإجتماعات وأصبح بعد فترة من ذلك يميل إلى أفكار مدرسة تؤكد على التفسير الحرفي للكتاب المقدس، والتي أخذت تنتشر منذ النصف الثاني من القرن  التاسع عشر خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية

وكان أبرز منظري هذه المدرسة والداعين لأفكارها وأحد اهم الواضعين لأسسها واعظا بريطانيا من اصل ايرلنديً اسمه جون نلسون داربي (ت 1882م) الذي  لم يجد تجاوبا كثيرا لأفكاره  في بريطانيا فحملها إلى خارجها ليبشر بها وينشرها فقام بعدة رحلات طويلة إلى الولايات المتحدة الأمريكية. وكان الناس في هذا البلد أكثر قبولاً لها حيث لاقت هوى في نفوس الكثير منهم فاعتنقوها وآمنوا بها. وأصبحوا يعدون اليوم بعشرات  الملايين  وأصبحت هذه الأفكار مدرسة تعرف باسم Dispensationalism .
وطبقاً لأفكار داربي فإن العالم منذ بدايته لا بد وأن يمرّ بسبع مراحل أطلق عليها dispensations(ولهذا سميت المدرسة بالإسم المذكور) والعالم اليوم يمر في فترة المرحلة السادسة التي هي في رأيه على وشك الانتهاء. وقد انتهت كل مرحلة من المراحل السابقة بعقاب من الرب على شرور الناس وذنوبهم. وهذه المرحلة أيضاً ستنتهي بعقاب لهم.وبعدها تبدأ المرحلة السابعة والأخيرة التي هي مرحلة الخلاص الأخير حيث يظهر المسيح عيسى مرة أخرى وينشئ دولته التي يكون مركزها فلسطين، حيث ستستمر هذه الدولة لفترة ألف سنة ينعم فيها الناس بالعدل والخير والرفاه. ويرى المؤمنون بهذه المدرسة بأن العقاب الذي سينزل بالناس قبل ظهور عيسى سيتمثل في كوارث طبيعية واضطرابات سياسية واجتماعية وأوبئة وحروب، ثم بعدها يظهر الدجال، وتكون معركة الأرمغدون التي سيقتل فيها خلق كثير وخلال هذه الفترة سينقذ المسيح عيسى المؤمنين به ويصعد بهم إلى السماء وتسمى هذه العملية Repture وستستمر هذه الحوادث لسبع سنين حيث ينتصر المسيح عيسى في نهايتها وينزل بالمؤمنين معه ليبدأ حكمه الألفي.
ولكن داربي والمؤمنين بأفكاره أضافوا شيئا مهما إلى كل ذلك وهو شيئ  لابد من حدوثه  وهو ضرورة هجرة اليهود إلى فلسطين وانشاء دولتهم طبقا لنبوءات الكتاب المقدس كما يقولون. وقال هؤلاء إن هجرة اليهود هي جزء مهم من خطة الرب لتحقيق الخلاص. وأخذ هؤلاء منذ القرن التاسع عشر يقومون بنشاطات كثيرة من أجل جمع اليهود في فلسطين..

وكان بلاكستون من أخلص تلاميذ هذه المدرسة وأشدهم ايماناً بها وأكثرهم نشاطاً فيها. ولكي ينشر أفكاره بين الناس ويقنعهم بها، أصدر كتاباً عام 1878م بعنوان) Jesus is Comingعيسى قادم) يؤكد فيه على صحة تفسيرات هذه المدرسة ومستشهداً بعبارات كثيرة من التوراة والانجيل دعماً لها. وهو لم يكتف بهذا فترك عمله وتفرغ للتبشير وخصص أموالاً كثيرة – كان أبو زوجته الثري قد تركها له – لذلك. وأصبحت قضية تهجير اليهود وانشاء وطن قومي لهم من أهم نشاطاته وهدفاً مهماً من أهداف حياته يسافر ويكتب  من أجلها وينفق الأموال في سبيلها.
وبدأ مرحلة أخرى في هذا النشاط بعد أن انتقل إلى شيكاغو وأسس في عام 1887م جمعية عرفت فيما بعد بإسم ـوبعد فترة على إنشاء هذه الجمعية سافر بلاكستونAmerican Messianic Followship International إلى فلسطين لتشجيع من هاجر من اليهود إليها ومساعدتهم على الاستمرار والبقاء فلسطين. وعبر عن سروره بوجودهم وأثنى على عملهم، و قال في حينها إن وجودهم يجلب البركة للدولة العثمانية.
ومن أجل تحقيق هدفه بتهجير اليهود إلى فلسطين، قام بتنظيم مؤتمر كبير في شيكاغو عام 1889م جمع فيه لأول مرة  عدداً من الشخصيات اليهودية والمسيحية المعروفة. وعُقد المؤتمر تحت شعار “ماضي اليهود وحاضرهم ومستقبلهم”. وفي البيان الختامي طالب المؤتمرون بمساعدة اليهود على الهجرة إلى فلسطين وانشاء وطن قومي لهم. وطالبوا  الحكومة الأمريكية أيضا أن تستعمل نفوذها في التأثير على حكومات الدول التي يوجد فيها يهود كي تعاملهم معاملة أفضل. وطالبوا روسيا التي كان اليهود حينها يشكون معاملتها لهم “أن ترفع يدها القاسية عن هؤلاء الناس”. وارسلت نسخة من البيان إلى قيصر روسيا..
وفي عام 1891 قدم بلاكستون مذكرته الشهيرة إلى رئيس الولايات المتحدة الأمريكية بنيامين هريسون التي عنونها “فلسطين لليهود”. وقد تضمنت المذكرة دفاعاً عن اليهود وشرحا لوضعهم في روسيا الذي وصفه بالمزري. وبدأ مذكرته بالسؤال: “ماذا يجب أن يُعمل ليهود روسيا” وهو يجيب على هذا بالقول: “لماذا لا نرجع فلسطين لهم”. وهو يأتي بعبارات من التوراة يقول إنها تشير إلى رجوع اليهود إلى فلسطين..
ومن أجل مساعدة اليهود على الذهاب إلى فلسطين وانشاء وطن قومي لهم، اقترح على الرئيس ووزير خارجيته أن يقوما بعمل سياسي لتحقيق هذا الغرض وذلك باقناع الدول الأوربية والامبراطوريات بعقد مؤتمر دولي “للنظر في حال اليهود وإمكانية اسكانهم في فلسطين ومساعدتهم بطريقة عادلة ومؤثرة لإزالة معاناتهم”. وقال في مذكرته كذلك “إن الوقت قد حان لكي تعطف الشعوب المسيحية الغربية على اليهود وترجعهم إلى أرضهم”. كما اقترح أيضاً تعويض الدولة العثمانية مالياً على اقتطاع فلسطين منها ويكون أغنياء اليهود مساهمين في هذا التعويض..
ووقع بلاكستون المذكرة بصفته رئيس المؤتمر المسيحي اليهودي. ووقعها أربعمئة وثلاثة عشر شخصية معروفة منهم أعضاء في الكونغرس وقضاة وصناعيون ورؤساء كنائس ورؤساء تحرير صحف وكان من الموقعين على المذكرة جون روكفلر و وليم ماكينلي الذي أصبح فيما بعد رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية (واغتيل في الفترة الثانية لرئاسته)..
وارفق مع مذكرته رسالة إلى الرئيس ووزير خارجيته، وضح فيها أفكاره التي طرحها في المذكرة، وأكد فيها أن الموقعين على المذكرة هم نخبة ممثلة لأعداد كبيرة جداً من الناس الذين أيدوا مضمونها. وذكر انه كان في  فلسطين عام 1889 ووجد بان تحقيق مشروع الوطن القومي لليهود في فلسطين ممكن عمليا ومقبول سياسيا وربط في رسالته بين السياسي والديني .فمن جانب ذكر بعض نبوءات العهد القديم التي قال بأنها تشير إلى عودة اليهود إلى فلسطين. ومن جانب آخر أكد على فكرة عقد المؤتمر الدولي وأهميته السياسية وقال “أتمنى أن يكون الشرف للرئيس ووزير خارجيته بأن يهتما شخصياً بهذه القضية العظيمة ويضمنا عن طريق عقد مؤتمر وطناً لملايين اليهود المشردين”
.
كما لم يفته أن يذكر بأن عملهما سيكون كعمل الملك الفارسي قورش. (وكان قورش الثاني قد سمح لليهود في الرجوع إلى فلسطين من منفاهم في بابل لبناء هيكلهم وهو يعتبر بطلاً تاريخياً عندهم). وعندما تسلم الرئيس المذكرة وعد بأنه سينظر فيها باهتمام..
كما كتب أيضاً مقالة طويلة في مطبوعة مهمة حول الموضوع نفسه تحت عنوان “هل يمكن للولايات المتحدة أن تتدخل من أجل اليهود، أكد فيها على قدرة اليهود على انشاء دولة لهم تتسع لملايين منهم، كما أشار إلى الأهمية التجارية لموقع فلسطين، وقال “إن ألأمر يحتاج فقط إلى حكومة مستقلة تهيئ البلد لليهود المهاجرين إليه”. كما قال عن هذه الحكومة بأنها “يجب أن يكون لها سيطرة على الحرم وموقع الهيكل، وان إعادة بناء الهيكل تحت الرعاية الإلهية سيشجع اليهود الأرثودكس على الهجرة ويؤجج فيهم روح الحماس الديني ويهيئ الطريق لليهود الآخرين للمجيئ إلى أرض آبائهم”. وتعني فكرته حول سيطرة الدولة اليهودية المقترحة على الحرم الشريف هوأن يهدم من أجل أن يقام مكانه مايسميه اليهود “الهيكل الثالث” وهو ما ينشط اليهود المتطرفون اليوم لتحقيقه. .
وعندما ظهرت الحركة الصهيونية كان بلاكستون على اتصال بزعمائها يساندهم ويشجعهم على استيطان
فلسطين. ولما طرح خيار اوغندا كوطن قومي لليهود – الذي عرضته بريطانيا على هرتزل – بعد فشل مشروع  توطينهم في العريش والذي كان هرتزل قد قبله بعد أن ناقشه مع المسؤولين البريطانيين- أرسل بلاكستون نسخة من الكتاب المقدس مؤشراً على العبارات التي قال له – طبقاً لتفسيره – إنها تتنبأ بهجرة اليهود إلى فلسطين وليس إلى غيرها، وحثه على أن لايقبل بأي مكان أخر غير فلسطين. وتوجد هذه النسخة اليوم في متحف هرتزل في إسرائيل..
واستمر بلاكستون في الترويج لأفكاره والدعاية لها. وبعد أن نشر كتاب “بروتوكولات حكماء صهيون” في الولايات المتحدة الأمريكية ولاقى اقبالاً عند الناس، أخذ يكتب إلى الصحف مؤكدا على تزوير الكتاب و رافضاً صحة معلوماته وفكرة الحكومة العالمية لليهود، ومتهماً من يؤيد ذلك بالعداء للسامية. كما أنه سافر إلى عدة دول  كما سافرإلى الصين بعد أن ترجم كتابه إلى اللغة الصينية.
وأثناء الحرب العالمية الأولى نشر كتابه مرة أخرى بعد أن أضاف إليه الكثير مما يتعلق بظهور المسيح مرة أخرى ورجوع اليهود إلى فلسطين، وتُرجم الكتاب إلى لغات كثيرة، وأقبل عليه المسيحيون الاصوليون يقتنونه ويقرؤونه برغبة اعتقاداً منهم أن أحداث الحرب علامات على الظهور الثاني للمسيح عيسى. وكان الكتاب في حينه من أكثر الكتب مبيعا.
وأثناء فترة حكم الرئيس توماس ويدرو ويلسون قدم مذكرة ثانية ووقعها معه هذه المرة ثمانون شخصية معروفة وأرفق مع المذكرة أيضاً رسالة جاء في بعضها “كان لي الشرف أن أحصل على تأييد لتقديم المذكرة نيابة عن اليهود. واني مؤمن بأن تطور الأحداث ينبئ عن قرب حصول اللحظة المناسبة من أجل أن تأخذ قراراً كريماً مثل الذي اتخذه قورش ملك فارس. وأنا متأكد من تعاطفك ورغبتك في مساعدة اليهود في وضعهم المأساوي. وأنا اصلي أن تغتنم هذه الفرصة لتضمن لنفسك ولشعبنا البركة التي وعدها الرب لإبراهيم ونسله وأن تُري رحمة لشعب إسرائيل”.”.
وكان للمذكرة صدى ايجابي لدى زعماء الصهيونية. وكتب لويس برانديس زعيم الحركة الصهيونية في الولايات المتحدة الأمريكية رسالة إلى جيمس روتشايلد قال له فيها عن المذكرة “… وقد كُتبت مذكرة لهذا الغرض (لتأييد الفكرة الصهيونية) وقعها كثير من الشخصيات المسيحية المعروفة والتي ستقدم إلى الرئيس في الوقت المناسب لتدعم الأفكار المتعاطفة.””.
وكتب برانديس لبلاكستون رسالة مثمناً فيها جهوده، ومعبراً له عن سعادته العميقة لعمله لصالح الحركة الصهيونية ومقدراً التأثير الذي أحدثته مذكرته. وقال إنه يعتبره أباً للصهيونية “لأن عملك سبق عمل هرتزل ” كما قدمه في أحد المؤتمرات الصهيونية على أنه أهم حليف للصهيونية من غير اليهود..
وخصص بلاكستون قبل وفاته أموالاً كثيرة لبرانديس ينفقها في مساعدة اليهود على هجرتهم إلى فلسطين. وكتبت نشرة لجنة الطوارئ الصهيونية في الولايات المتحدة مقالاً بمناسبة مرور خمسين سنة على تقديم المذكرة، وقالت عنها “إنها في حقيقتها تقدم حلاً كالذي قدمه كتاب هرتزل” الدولة اليهودية”وان بلاكستون يستحق أن يُوصف بأنه رائد الصهيونية السياسية.”.
ويرى باحثون مثل ماكسويل كودر بأن أفكار بلاكستون ونشاطاته كان لها أثر في ظهور الفكرة الصهيونية. وقال آخرون بأن بلاكستون يعتبر واحداً من الأمريكيين القلائل الذين لعبوا دورا رئيساً في انشاء وطن قومي لليهود. ولأهمية الدور الذي لعبه بلاكستون في تحقيق الفكرة الصهيونية كتبت عنه دائرة المعارف اليهودية مقالاً-وهي نادرا ما تكتب عن غير اليهود- أشادت فيه بصهيونيته ونشاطه لتحويل فلسطين دولة لليهود. وقالت إنه ربما كان لمذكرته تأثير على الرئيس ويلسون في تأييده لوعد بلفور الذي أصدرته الحكومة البريطانية عام 1917م لانشاء دولة لليهود على أرض فلسطين. كما زرعت إسرائيل غابة كبيرة اطلقت عليها اسمه اعترافاً بجهوده في تحقيق الأهداف الصهيونية..
ولا بد أن نذكر هنا بأن الجمعية التي أنشأها بلاكستون قبل أكثر من قرن من الزمن ما زالت إلى اليوم تعمل بجد ونشاط ولها موقع مهم ونشط على الانترنت تتصدره نجمة داود كشعار لها. وهي تعرف نفسها بقولها “نحن في هذه الجمعية نؤمن بقوة بأن حبّ الرب للشعب اليهودي هو حب أبدي ووعده الذي قطعه له لا يمكن أن يلغى أو يبدل”.
وهذه الجمعية أيضاً تقوم بالدعاية لإسرائيل والدفاع عنها ومساعدة المهاجرين إليها،كما أنها تطالب بتحقيق أهداف مؤسسها  بتهديم الحرم الشريف وبناء الهيكل اليهودي مكانه. وهي واحدة من جمعيات كثيرة منتشرة في الغرب وخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية التي تقوم بهذا النشاط.

*نشر أصل هذه المقالة في مجلة الثقافية

 أوريل داكوستا ومحنته مع الحاخامين من سيرته الذاتية Dr Jaafar Hadi Hassanد. جعفر هادي حسن 

يعتبر أوريل داكوستا مفكرا وفيلسوفا ويعتبره مؤرخو الحركات الدينية والفكرية في أوروبا ضحية من ضحايا حرية الفكر. وقد كتبت حول آرائه وفلسفته كتب عدة بلغات مختلفة. كذلك ألفت بعض المسرحيات حول حياته وما لحقه من عذاب نفسي وجسدي حيث انتهت حياته نهاية مأساوية جراء اعتقاده. ومما زاد من أهميته أن اسمه اقترن باسم الفيلسوف اليهودي باروخ سبينوزا – الذي عاش في القرن نفسه وفي المدينة نفسها – امستردام- إذ يعتقد بأن داكوستا كان له شيئ من التأثير عليه، خصوصاً فيما يتعلق بآرائه الدينية نحو اليهودية.
وعلى الرغم من أن داكوستا كتب أكثر من كتاب إلا أن سيرته الذاتية التي كتبها قبل وفاته مباشرة هي التي جلبت انتباه الباحثين والمؤرخين له وأثارت تعاطفهم وبقيت موضع اهتمامهم.ففي سيرته هذه يتحدث داكوستا بتفصيل عما جرى له أثناء حياته وما لحقه من أذى وعذاب من ابناء جلدته الذين عاش معهم في هولندا، خصوصاً رجال الدين منهم لأنه انتقدهم وأبدى آراء تخالف آراءهم.وعلى الرغم من أن السيرة هي سيرة شخصية يتحدث فيها داكوستا عن حياته وتربيته لكنه أيضا يعطي فكرة ولو مختصرة عن وضع المرانوس( اليهود الذين أجبروا على اعتناق الكاثوليكية)،كاشارته مثلا إلى أن هؤلاء لم يكن يسمح لهم بمغادرة البلاد(البرتغال) إلا بموافقة الملك نفسه.وكذلك قوله إن الحديث في الدين ومناقشة موضوعاته يعرض الإنسان إلى خطر. كذلك تعطي السيرة فكرة عما كان يعانيه المرانوس من أذى نفسي بعد أن أجبروا على إعتناق دين ليس فقط لا يؤمنون به بل إنهم يعتبرونه عدوا لهم.ولذ لك كان الكثير منهم يمارسون اليهودية سرا من أجل أن يحافظوا على أصول تقاليدهم. وفي هذا المقال سنتحدث عما وقع لداكوستا من أحداث بهذا الخصوص من خلال سيرته الذاتية-التي لم تترجم إلى العربية حسب ما أعلم- دون التطرق الى مجمل آرائه وأفكاره.
ولد اوريل داكوستا (وكان اسمه غبريال داكوستا عند الولادة) في مدينة اوبورتو في البرتغال حوالي العام 1585م من عائلة غنية من المرانوس كان لها خدم وتملك خيول واصطبلات . ودرس الفلسفة والدين في جامعة كويمبرا وبعد أن تخرج منهاعيّن في وظيفة دينية في الكنسية لأنه كان كاثوليكيا ظاهرا وكان عمره آنذاك حوالي 25 عاماً. ومع أن أباه كان مؤمناً بالمسيحية،  بل ورجل دين فيها إلا أن أمه كانت تدين بالمسيحية ظاهراً وتؤمن سراً بشكل من أشكال اليهودية. وربما كان لهذا تأثير في عقيدته، إذ بدأت الشكوك تراوده حول عقيدته الكاثوليكية وتعاليمها.واتخذت الشكوك صورة صراع بين العقل والدين وهو يقول عن ذلك “ولما كنت مرتعبا من العذاب الأبدي فقد كنت ملتزما  بكل التفاصيل التي يفرضها الدين وقد تعمقت بدراسة الإنجيل وبعض الكتب الروحية ألأخرى وكذلك قرأت “المدافعون عن العقيدة “ولكنني كلما قرأت أكثر واجهت صعوبات أكبر وفي النهاية أصبحت الأمور مختلطة في ذهني وكان يسيطر علي الخوف والحزن والألم وقد تبين لي أنه من غير الممكن أن ألإعتراف بالذنوب طبقا للعقيدة الكاثوليكية يحقق الغفران. ثم إنني وجدت من غير الممكن أن أطبق ما هو مفروض وكنت فاقد ألأمل بفكرة أن خلاص النفس يتحقق فقط باتباع الديانة الكاثوليكية.وكان من الصعب علي أن اترك الدين الذي ربيت عليه والذي كان له أثر عميق على معتقداتي ومع ذلك أخذت الشكوك تراودني وأنا في الثانية والعشرين من عمري فيما إذا كان ما علموني عما يأتي في الحياة القادمة هو حقيقة شيئ صحيح. وقد حاولت أن أجمع بين العقل والدين لأن العقل كان يهمس في ذهني بأنه من الصعب ان يُجمع بينه وبين العقيدة  كذلك لم أكن أشعر بالسلام ضمن الديانة الكاثوليكية.” وبعد فترة من الشك والتي لاندري كم استمرت وكم كانت مدتها كان خلالها يريد أن يجد شيئا يطمئن اليه ويزيل شكوكه. وانجذب داكوستا إلى كتاب اليهود كتاب ابناء جلدته”العهد القديم”(الذي يشمل التوراة وأسفار ألأنبياء والمكتوبات).فهو يقول في سيرته ” ولأنني كنت أتطلع إلى أن أجد شيئا من الإطمئنان في أي دين فقد بدأت أقرأ التوراة وكتب الأنبياء منها مع علمي تماما بأن هناك صراعا بين اليهود والمسيحيين.وقد وجدت في العهد القديم الكثير من الأشياء التي تناقض الإنجيل تماما وما ذكر فيه عن الله خلق لي بعض المشاكل إضافة إلى ذلك فإن العهد القديم هو كتاب مقبول عند المجموعتين بينما الإنجيل مقبول عند المسيحيين فقط.”.وبعد دراسته للتوراة وكتب الأنبياء قرر كما يقول أن يلتزم بشريعة موسى فاعتنقها كما أقنع أخوته وأمه أيضا باعتناقها كما سنرى. وكان أبوه في هذه الفترة قد توفي. فهو يقول عن قراره هذا” وفي النهاية قررت أن التزم بشريعة موسى التي تسلمها من الله والذي اعتبر نفسه رسولا دُعي من قبل الله أو أنه أجبر على قبولها أوهكذا قيل.”(ربما يشبر داكوستا الى نصوص في التوراة تذكر أن موسى كان يقاوم تسلم الشريعة) ثم قرر داكوستا أن يترك بيته والحي الذي يعيش فيه إلى مكان آخر حتى لايشك فيه أحد وكذلك قرر أيضا أن يترك وظيفته. فيقول” وقد أخذت  بنظر الإعتبار أن البلد الذي أعيش فيه ليس فيه حرية دينية لذلك قررت أن أترك بيتي الذي عشت فيه وعاش فيه آبائي.ولم أتردد في ترك وظيفتي الدينية حيث عرضتها على شخص آخر ولم أفكر أبدا في مصلحتي أوسمعتي حيث كنت في خطر في هذا الوقت. إذ أن الحديث في الدين ومناقشته هو من الأمور الخطيرة في هذا البلد وهكذا غيرت سكني الجميل الذي كان في أحسن أحياء المدينة وهو البيت الذي بناه أبي”.وعزم داكوستا هو وعائلته على مغادرة البرتغال إلى أمستردام في هولندا حيث تعيش جالية يهودية كبيرة، تمارس ديانتها بحرية وبشكل علني من دون خوف أو مراقبة من أحد. وكان الكثير من المرانوس الذين يهربون من جزيرة ايبريا يذهبون إلى هولندا أو الدولة العثمانية ليمارسوا اليهودية علنا .وقد هرب سراً هو وأفراد عائلته.فيقول “وركبنا سفينة  وكنا في خطر عظيم إذ كان لايسمح للذين من أصل يهودي أن يتركوا البلد دون إذن خاص من الملك نفسه. كما كان من الممكن أن تفشل المحاولة.وكان معي إخوتي وأمي الذين أقنعتهم بالتحول إلى اليهودية.وكانت الرحلة طويلة وفي النهاية وصلنا إلى أمستردام حيث عرفنا أن اليهود يعيشون في حرية ويطبقون الوصايا ولما كنت متعطشا لذلك فقد قمت أنا واخوتي بالختان مباشرة.”.وعملية الختان هي أول عمل يقوم بها المرانوس عندما يريدون أن يعلنوا عن يهوديتهم.لأن الختان في معتقدهم هو المدخل اليها وهو يعتبر فرض واجب ويعتبره اليهود عهداً بينهم وبين ربهم حيث يسمى بالعبرية “بريت ملاه”(عهد الختان). وغالبا ما يدعو المرانوس بعض الناس ليشهدوا هذه العملية وقد قام بذلك داكوستا كما ذكرعنه ويعتقد أن داكوستا وصل امستردام حوالي عام 1616م ومن عادة المرانوس عند اشهار يهوديتهم أن يتخذوا اسما يهوديا ولم يكن داكوستا استثناء فغير اسمه إلى أوريل.
ويبدو أن صورة الديانة اليهودية عنده كانت تختلف عن تلك التي وجد اليهود عليها في امستردام. وتبيّن له الاختلاف بينه وبينهم بعد فترة قصيرة من وصوله.فهو يقول” وبعد فترة قصيرة أخذ يتبين لي أن التقاليد والممارسات اليهودية ليست متفقة مع شريعة موسى المكتوبة(التوراة) أبدا فإذا كان من الواجب تطبيق شريعة موسى المكتوبة بحذافيرها، اذن يكون اليهود على خطأ أن يبتدعوا أشياء كثيرة لاعلاقة لها بشريعة موسى”.وداكوستا يتحدث هنا عن ممارسات لم يجدها في التوراة التي عرف الديانة اليهودية من خلالها.وهو لم يعرف أن الكثير من التقاليد والطقوس الدينية التي مارسها اليهود وما زالوا كانوا قد أخذوها من التلمود (الذي اًصبح الكتاب الثاني بعد التوراة بل إنه المعادل لها) وهوالكتاب الذي بدأوا يعتمدون عليه منذ قرون. حتى أن واجبات بسيطة وواضحة مثل واجبات السبت لايمكن أن يطبقها اليهودي إلا من خلال تعاليم التلمود التي يفسرها له الحاخام. واثار سخطه وحفيظته كذلك سلوك رجال الدين اليهود. ومما قاله عنهم في سيرته “إن رجال الدين اليهود في الوقت الحاضر أبقوا على تقاليدهم وطرقهم الشريرة، وهم ما زالوا يناضلون بعناد من أجل استمرار طريقة الفريسيين السيئة الذكر من أجل مصلحة ذاتية. وما قاله الناس عنهم من إنهم يقومون بذلك لكي يحوزوا على احترام الناس في الأماكن العامة ولكي يجلسوا في الصفوف الأولى في المعبد ويحييهم الناس في الأسواق باحترام خاص ،هو كلام صحيح”.(الفريسيون إحدى الفرق اليهودية القديمة وهي التي ورث تقاليدها الحاخامون التلموديون إلى اليوم) وكان يرى كذلك بأن ما يقوم به إنما هو عمل من أجل رضا الله وخدمة في سبيله، فيقول: “وقد اعتقدت بأني أقوم بعمل يرضي الله إذا دافعت بشكل علني ومخلص عن شريعة النبي موسى” ولكن عندما حاول داكوستا أن يناقشهم، لم يجد منهم إلا اذناً صماء واصراراً على رأيهم وتحذيراً من مخالفته لهم وتهديداً له بالطرد من اليهودية إذا هو استمر في النقد. وحدثنا هو نفسه عن ذلك في السيرة نفسها فقال “وهم لا يسمحون لي بأن أخالفهم ولو قيد شعرة وقد أخبروني بأن من واجبي أن أقبل كل تفسير يقدمونه لي. وقد هددوني بأني إذا لم أسمع لهم فإنهم سوف يطردونني من الجالية اليهودية، ويحرمونني تماماً من العقيدة اليهودية”.
ولكن تهديد الحاخامين لم يسكت داكوستا واستمر بنقده ولم يتوقف. واعتقد بأنه ما دام قد ضحى بالكثير من أجل يهوديته، فإن له الحق في أن يقول رأيه علناً وأن يبيّن للجماعة اليهودية الفرق الكبير بين سلوك الحاخامين والشريعة اليهودية. ولكن ذلك عجَل بإصدار “حِرم”(طرد) بحقه من قبل الحاخامين وهو يقول عن ذلك في سيرته “واني أعتقد بأنه ليس من الصحيح لانسان قايض الأمن في بلده بالحرية في خارجه وضحى بكل منفعة ممكنة يجوّز لنفسه أن يهدد (من الآخرين). واني اعتقد بأنه في مثل هذه الظروف ليس من الصحيح وليس من العدالة بل والرجولة كذلك ان يخضع الإنسان لاناس ليسوا مؤهلين لاصدارالأحكام على الناس ولذلك قررت أن آخذ على عاتقي كل شيء وأصر على رأيي وهذا هو السبب الذي جعلهم يصدرون حرم(طرد) في حقي من الجالية اليهودية حتى إخوتي الذين كنت معلمهم يتجاوزوني في الطريق وهم خائفون من رؤساء الجالية والحاخامين “.ولم تذكر المصادر نص الطرد الذي صدر بحقه ولكنه لايختلف كثيرا عما سنراه فيما بعد.وربما لم يكن داكوستا يعرف قوة رجال الدين اليهود وسيطرتهم على العامة من الناس خاصة باستعمالهم سلاح”الحرم” لأنه لم يعش في مجتمع يهودي اذ هو عاش في مجتمع لم يبق فيه أثر يذكر لليهودية في أسبانيا والبرتغال بعد سقوط دولة الأندلس في العام 1492م حيث خير اليهود والمسلمون بين الطرد أو اعتناق الكاثوليكية. ثم رأى بأن آراءه وانتقاداته ستعرف أكثر وتشيع بين الناس فيما لو طبعت في كتاب. فألف كتاباً تحت عنوان “اختبار التقاليد الفريسية” ونشره العام 1624م. وكما هو واضح من العنوان،إن الكتاب يبحث في التلمود وغيره من كتب الشريعة الشفوية التي كتبها الحاخامون وعبّر عنها داكوستا بالتقاليد الفريسية وهو ينقدها ويقارنها بالشريعة المكتوبة التي هي التوراة والتي هي المصدر الرئيس للشريعة اليهودية. وتأكيداً على نقده لهم استعمل صفة “فريسية”انتقاصا منهم وثلبا لهم. وذكر في الكتاب أن هذه الشريعة الشفوية ما هي إلا بدعة جاء بها الحاخامون وليس لها علاقة بالتوراة بل إنهم جعلوا هذه التقاليد توراة جديدة. كما أنه تطرق الى بعض المسائل الفلسفية مثل مسألة خلود النفس التي جادل حولها الفلاسفة وما زالوا.وقال عنها إنها ليس لها ذكر أو تأكيد في التوراة وأنها فكرة جاء بها الحاخامون.وتحدث عن التناقض الموجود بين يهودية التوراة ويهودية الحاخامين.وقال إن يهودية هؤلاء ما هي إلا عبارة عن مجموعة كبيرة من الطقوس والشعائر.وفي رأيه أنها خالية من القضايا الروحية والفلسفية وغيرذلك  من المسائل الأخرى. وبعد ظهور الكتاب ثارت ثائرة الحاخامين واشتد غضبهم عليه فاصدروا  فتوى بطرده من اليهودية وعزله عن اليهود.وهم لم يكتفوا بهذا بل إنهم حرضوا عليه رجال الدين المسيحيين وقالوا لهم إن كتاب داكوستا يهدم العقيدة المسيحية أيضا لأن فيه نكرانا ليوم الدين. وفرضت عليه غرامة وأحرق كتابه. وأدخل السجن ولكنه أطلق سراحه بعد فترة قصيرة من مكوثه فيه.وقرر الذهاب إلى هامبورغ حيث توجد جالية يهودية من اليهود السفارديم(من يهود أسبانيا والبرتغال). وعندما كان في هامبورغ أرسل رسالة يعرض فيها آراءه إلى الجالية السفاردية في البندقية ( فينيسيا) في إيطاليا.وهناك ناقش أراءه رئيس حاخامي المدينة “ليون مودينا” ورد عليها كما دافع بحرارة عن التلمود. وقد نشرها في كتاب بالعبرية بعنوان “مغن وصيته” (الدرع والترس) يفند فيه آراء داكوستا حول التلمود. وأرسل رسالة  إلى حاخامي هامبورغ يطلب فيها منهم طرده من اليهودية إذا لم يقتنع بالرد(والغريب أن هذا الحاخام كان أيضا كتب كتابا معروفا ضد القمار حيث كان يهود البندقية في تلك الفترة معروفين بذلك وبعد وفاته اكتشف أنه كان مقامرا من الدرجة الأولى وخلف دينا كبيرا في ذمته للناس بسبب خسارته في القماراضطرت الجالية اليهودية ان توفي الدين نيابة عنه ) ولأن داكوستا كان مقتنعا بصحة رأيه وأنه يدافع عن اليهودية الصحيحة فقد أصرعلى مهاجمة الحاخامين ونقدهم .وبسبب إصراره على توجيه النقد لليهودية والحاخامين أصدرهؤلاء قرارا بطرده من اليهودية جاء فيه” الى السادة ممثلي الجماعة (جماعة أمستردام) نعلمكم أنه طبقا لمعلوماتنا فإن شخصا باسم أوريل أباداتا(ربما كان أحد أسمائه ) جاء إلى مدينتنا وهو يشيع بين الناس آراء منحرفة ضد شريعتنا المقدسة وبسبب ذلك فقد أصبح منحرفا.وقد طردناه من اليهودية في هامبورغ والبندقية.وقد حاولنا أن نرجعه إلى طريق الصلاح ونجعله ضمن الجماعة بطريقة ودية ولطيفة وبمساعدة العلماء ومسؤولي الجالية ولكنه أصر على عناده على الشر وعلى آرائه الخاطئة ولذلك قرر العلماء المذكورون وممثلو الجماعة طرده(من اليهودية) حيث صدر حرم(طرد) ولعن بحقه باسم الشريعة الالهية.لذلك يمنع أن يتكلم معه أحد، رجل أو إمرأة أو قريب ولا يجوز لأحد أن يدخل بيته أو يساعده بشيئ.وبصورة عامة لايجوز لأي أحد أن يكون له معه أي إتصال لأنه سيكون عرضة للحرم(الطرد)والإخراج من الجالية اليهودية وقد أعطي اخوته سبعة أيام ليقطعوا علاقتهم به”. وقد صدرت هذه الفتوى(الحرم) ضد داكوستا في مايو عام 1626 ووقعها عدد من الحاخامين وبسبب استمراره واصراره وضع عليه الحاخامون العيون والجواسيس يراقبونه ويخبرون عن تحركاته واتصالاته وما يقوم به، حتى أقرباؤه أخذوا يخبرون عما يقوله ويفعله
وهو قال عن ذلك في سيرته “إن ابن اختي الذي كان يعيش معي ذهب الى رؤساء الجالية اليهودية وأخبرهم بأنني أكلت طعاماً محرماً في الشريعة اليهودية وانني لا يمكن أن أكون يهودياً. وقد اقنع اخوتي بذلك، وبدأ اخوتي يحاربونني بالإضافة إلى الحرب التي كان يشنها عامة اليهود والحاخامين علنا.. وأخذوا يحقدون علي ويضطهدونني وقد قاموا باشياء كثيرة ضدي وكان رد فعلي هو الاحتقار الكامل لهم”. ورجع داكوستا إلى امستردام.وعند رجوعه قرر أن يصطلح مع المؤسسة الدينية وقال قولته المعروفة بأنه سيكون قردا بين القرود.فأخبر أحد أقربائه برغبته هذه فوافقت المؤسسة الدينية على رجوعه بعد أن طلبت منه أن يبدي ندمه وأن لا ينتقد المؤسسة الحاخامية مرة أخرى. ولكن لم تمر فترة طويلة على ذلك حتى وشى به شخصان أجنبيان كانا في زيارة لامستردام والتقاهما داكوستا صدفة. ويحدثنا في سيرته عما دار بينهم، فيقول “في هذه الأثناء حدث شيء جديد فقد صادفت شخصين جاءا من لندن الى امستردام أحدهما ايطالي والآخر اسباني، وكانا مسيحيين ولكنهما ليسا من اصل يهودي. وبعد أن أوضحت لهما حالتي، طلبا نصيحتي في اعتناق اليهودية، فنصحتهما بأن لا يعتنقاها وحبذت لهما أن يبقيا على ما هما عليه لأنهما لم يكونا يعلمان العبء الذي سينوءان به والنير الذي سيربطان نفسيهما به. وبعد انتهاء الحديث معهما طلبت منهما أن لا يتحدثا لرجال الدين اليهود عما دار بيني وبينهما وقد وعداني بذلك. ولكن هذين الوغدين لم يبرّا بوعدهما ولم يفكرا إلا بمصلحتهما حيث ظنا بأنهما سيحصلا على مردود من “أصدقائي ألأعزاء الفريسيين” وذهبا وأخبراهم عما دار بيننا. وما أن علم هؤلاء بذلك حتى اجتمع رؤساء الجالية اليهودية ورجال الدين الذين كانوا في غضب. وجاء العامة من اليهود اثناء الاجتماع وأخذوا ينادون “اصلبوه، اصلبوه” ثم طلب مني أن أحضر أمام المجلس الكبير. وهناك أخبرت بكل صراحة وبشكل مشدد وكأن القضية تتعلق بحياة أو موت بأنني إذا كنت يهودياً فيجب أن انتظر حكمهم وأعمل بمقتضاه وإذا رفضت فيجب أن اطرد من اليهودية. وعندها أخرجوا وثيقة وقرأوا منها الحكم، وهو: أنه يجب أن أظهر في الكنيس اليهودي لابساً ثياب حزن حاملاً شمعة سوداء مكرراً أمام المجتمعين في الكنيس عبارات سخيفة اذكر فيها بأن عملي كان شائناً مدنساً للمقدسات. ثم بعد ذلك اجلد أمام الناس وأطرح على عتبة باب الكنيس ليدوس عليّ كل من يخرج منه. بالإضافة الى أيام عدة يجب عليّ صيامها. وعندما كانوا يقرأون تلك الوثيقة كنت أغلي في داخلي من الغضب ولكنني سيطرت على نفسي. وعند الانتهاء من ذلك كان جوابي لهم بأنني لا يمكن أن أخضع لما قالوه. وعندما سمعوا ذلك قرروا إصدار طرد بحقي مرة أخرى  من اليهودية. ولم يرض بعضهم بهذا الحكم، فبصقوا في وجهي عندما رأوني في الشارع بل إن بعض الأطفال فعلوا ذلك إذ تعلموه من آبائهم”.
وبعد طرده من اليهودية بقي معزولاً تماماً عن المجتمع اليهودي لفترة سبع سنوات أو أكثر لم يكلمه في اثنائها أحد، ولم يزره أحد، ولم يسأل عنه أحد سوى خادم مخلص له لم يقطع علاقته به، وأكثر من تحاشاه هم أقرباؤه الذين عاملوه معاملة في منتهى السوء والقسوة من أجل أن يخضع لشروط التوبة. ومما زاد في عذابه أن زوجته أثناء ذلك كانت قد توفيت فبقي يعاني العزلة والوحدة والضغط النفسي.ولو كان داكوستا في عصرنا هذا وهو العصر الذي كثرت فيه المذاهب اليهودية لربما كان حاله مختلفا تماما حيث كان يمكنه ان ينضم إلى المذهب الإصلاحي أو مذهب اليهودية المحافظة وغيرهما من المذاهب غير المذهب الارثودكسي التي كانت سترحب بانضمامه ولكن المذهب الوحيد الذي كان موجودا آنئذ هو المذهب الارثودكسي ويبدو أن ضغط العزلة كان كثيرا عليه فاضطر أن يرجع الى الطائفة مرة أخرى. وكان يعتقد بأن مراسيم الرجوع التي ذكروها له لا تطبق عليه بتمامها ولم يكن يتوقع أن يصيبه ما اصابه في ما بعد من مذلة ومهانة. ولكن الحاخامين طبقوا عليه كل ما ذكروه في الوثيقة التي قرأوها عليه بكل حذافيره، لم ينقصوا منه شيئاً. ووصف لنا داكوستا تفصيلات ما حدث في سيرته المذكورة فقال: “دخلت الكنيس الذي كان مكتظاً بالناس من أجل مشاهدة هذا الحدث. وعندما حان الوقت ذهبت الى المكان الذي يعظ منه الحاخام وقرأت بصوت عالٍ قائمة باعترافاتي وقلت في ذلك بأنه يجب عليّ أن أموت ألف مرة بسبب ما اقترفته بحق يوم السبت ومن خيانة للعقيدة التي استهنت بها الى الحد الذي منعت الآخرين من الايمان بها واعتناقها ومن أجل أن يغفر ذنبي، فإنني أخضع لأي شيء يقرره رجال الدين بحقي. واقبل كل شيئ أؤمر به وكذلك اعطيت عهداً بأنني سوف لا أكرر ما عملته. وبعد أن أعلنت ذلك نزلت من المكان فاقترب مني رئيس الجالية اليهودية وهمس في اذني بأنه يجب علي أن أذهب الى إحدى زوايا الكنيس، فذهبت الى هناك واقترب مني رجل وأمرني بنزع ملابسي فنزعتها الى سرَتي وامرني بخلع حذائي ووضع قطعة من قماش على رأسي ومددت يديّ بين عمودين من أعمدة الكنيس، وشد الرجل يديَ الى العمودين بحبال، وجاء رجل آخر وفي يده سوط وجلدني 39 مرة بدلاً من أربعين التي ينص عليها الدين اليهودي، لأنهم يخشون أن تزيد على ما تقرره الشريعة لأن هؤلاء الناس أصحاب ضمائر!! وعندما انتهوا من جلدي، جلست على الأرض وجاء الحاخام ليعلن لي الغاء طردي من اليهودية، وفي هذه اللحظة شعرت وكأن أبواب السماء قد فتحت لي بعد أن كانت مغلوقة بوجهي. ولبست ملابسي ثم طرحت على عتبة الكنيس وقدأمسك رجل برأسي وجاء كل الخارجين من الكنيس من النساء والرجال والأطفال وداسوا عليّ وهم يخرجون من الكنيس. هذا العمل المثير للسخرية والخالي من الذوق لا تفعله حتى القرود. وعندما لم يبق أحد جاء شخص وساعدني على رفع جسمي من الأرض ونفض التراب عن ملابسي ومع أنهم جلدوني قبل لحظات إلا أنهم أبدوا عطفهم عليّ وربتوا على كتفي ثم ذهبت الى بيتي”.
ويبدو أنه بعد هذا الاذلال من أبناء جلدته ضاقت به الحياة وسئم العيش فيها، فقرر أن ينهي حياته بالانتحار.فحصل على مسدس لهذا الغرض وأطلق رصاصة على رأسه وانتحر وكان ذلك في نيسان العام 1640م. وعندما سمع الناس اطلاق النار جاءوا الى بيته فوجدوه ميتاً ونسخة من سيرته الذاتية التي عنوانها “حياة مثالية لإنسان” على طاولته.
ولم يسمح اليهود لأوريل داكوستا أن يدفن في مقبرة يهودية لأن الحاخامين هم المسؤولون عن إدارة المقابر اليهودية فدفن في قبر مجهول. ويتبين للقارئ من آخرمقطع من سيرته الذاتية شيء من المعاناة التي عاناها والألم الذي كان يحس به مما يثير العطف والشفقة حيث جاء فيه “إذن هذه هي القصة الحقيقية لحياتي التافهة غير المستقرة، وهذا هو الدور الذي لعبته على هذا المسرح التافه الذي يسمى العالم، والآن أنا أتوقع أن يصدر عليّ حكم الناس بعدالة من غير هوى أو انفعال وبالحرية التي تستلزم قول الحق. لأن ذلك ما يجب أن يعمله طلاب الحق وإذا وجدت في قصتي شيئا يثير العطف فلابد أن ترثي لما أصاب ذلك الرجل من حزن… وإنني قد ذكرت كل ما جرى (عليّ) دون أن أحذف منه شيئاً. لقد كنت ادعي غبريل داكوستا عندما كنت مسيحياً في البرتغال وعندما انضممت الى اليهود – ويا ليتني لم انضم اليهم – غيّرت اسمي قليلاً، فاصبحت ادعى اوريل”.