محاولة يوسف ناسي في القرن السادس عشرلإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين By  Dr. Jaafar Hadi Hassan  

د.جعفر هادي حسن

صاحب هذه المحاولة  يهودي يدعى خوان ميكاس، والذي عرف فيما بعد باسم يوسف ناسي، واعتبر في زمانه  من أشهر اليهود إسما وأكثرهم ثراء وتأثيرا..
وكان يوسف ناسي قد ولد في البرتغال لعائلة يهودية معروفة من المرانوس (مسيحيون ظاهراً ويهود باطناً)، تسمى عائلة مندس. وعلى الرغم من شهرته، فإن المؤرخين لحياته لا يتفقون على تأريخ ولادته، ولكن يعتقد أنها كانت بين الأعوام 1515 و 1520م. توفى والده عندما كان صغيراً، فرعته عمته (بياتريس دي لونا)، وقامت على تربيته ووجهته إلى التجارة ليساعد زوجها الذي كان من كبار تجار المال والأحجار الكريمة. ومنذ الصغر، لقن يوسف بعض الطقوس والشعائر اليهودية، وعندما بلغ الثالثة عشرة من عمره (سن البلوغ للذكر عند اليهود) أخبرته العائلة عن أصله اليهودي، وأن عليه أن يطبّق الفرائض اليهودية سرّاً كما تطبقها العائلة..
وبعد وفاة زوج عمته، قررت هذه مغادرة البرتغال لعدم شعورها بالأمن، فصحبت عائلتها ويوسف معها وتوجهت إلى بلجيكا حيث كان أخو زوجها يدير مصرفاً تملكه العائلة في مدينة أنتورب..
نشط يوسف في أعماله التجارية التي شملت بلجيكا وفرنسا وهولندا، وأصبحت لعائلته شراكة تجارية مع العائلة المالكة البلجيكية، ولكي تدفع الشبهة عنها كانت العائلة تداوم على الصلاة في الكنيسة والتبرع لها، ومع ذلك، فقد وشي بيوسف فقبض عليه واتهم بكونه يهودياً باطناً، وقد ظل معتقلاً لبضعة أسابيع إلى أن تدخلت العائلة المالكة لإطلاق سراحه.
وبعد هذه الحادثة بفترة من الزمن، قررت عمته مغادرة بلجيكا إلى دار السلطنة العثمانية، حيث كانت تنوي أن تعلن عن يهوديتها هناك، إذ كان لليهود حرية إظهار دينهم وممارسة شعائره. وكانت السلطنة العثمانية قد استقبلت عشرات الآلاف من اليهود الذين طردوا من شبه جزيرة من أسبانيا بعد العام1492م وبعد ذلك من البرتغال أيضا..
ولكن عمته لم تعلن عن نيتها وخططت لسفرها سرّاً، وللتمويه على ذلك، سافرت أولاً إلى البندقية – وكان ذلك في العام 1545 م- ولم يصحبها يوسف وبقي في بلجيكا للإشراف على تجارة العائلة، ولكنها عندما أرادت أن تغادر البندقية منعتها الحكومة وابنتها من السفر وحجزت على ممتلكاتها. وقيل إن أختها كانت قد وشت بها لنزاع مالي بينهما، وبقيت ممنوعة من السفر لسنتين إلى أن تدخل السلطان سليمان القانوني لإطلاق سراحها. وكان ذلك بتأثير طبيبه السلطان اليهودي موسى هامون (ت 1554 م) الذي كان على معرفة وعلاقة بعائلة مندس. وغادرت البندقية إلى القسطنطينية. وبعد فترة من وصولها، أشهرت يهوديتها وأبدلت اسمها إلى “غراسيا” حيث عرفت بهذا الاسم فيما بعد.
بعد بضع سنوات، التحق يوسف بالعائلة، وعند وصوله إلى حاضرة الإمبراطورية العثمانية، أشهر يهوديته هو الآخر واختتن كذلك، وتزوج من ابنة عمته.
وعن طريق اليهود المتنفذين – ومنهم طبيب السلطان – أصبح يوسف ناسي من حاشية السلطان وتوثقت علاقته كذلك بالصدر الأعظم رستم باشا زوج مهري ماه بنت السلطان من زوجته المفضلة روكسلانه – خرم التي كانت ذات تأثير كبير عليه. وأصبح كذلك على علاقة وثيقة بسليم الثاني – الذي أصبح سلطاناً فيما بعد- وصار من المقربين له، والمتنفذين عنده إلى حد أنه أعطي احتكار استيراد بعض السلع. وكان السلطان يستفيد من يوسف ناسي كثيراً في علاقات الدولة الخارجية بسبب انتشار وكلائه من اليهود في الدول الأوربية خاصة والذين كانوا مسيحيين في الظاهر، حتى أنه اعتبر مستشاراً سياسياً غير رسمي للسلطان..
وكان يوسف يهتم بأوضاع اليهود في أوربا وبمساعدتهم. وكانت تصله أخبار عن اضطهاد اليهود من قبل بعض الدول الأوربية، وأكثر ما أثار حفيظته ما قام به البابا بولس الرابع عام 1555م من إصدار قرارات ضد اليهود، كان منها أمر اليهود بالسكن في أحياء خاصة بهم (غيتو) ومنعهم من تطبيب المسيحيين أو استخدام عمال وخدم مسيحيين. كذلك فرضه عليهم لبس قبعات صفراء تميّزهم عن غيرهم. وقد عين مندوبون لتطبيق هذه القرارات. كما جاءت الأنباء بحرق خمسة وعشرين يهوديا بتهمة الارتداد. وكانت الحالة تزداد سوءاً حيث طُرد اليهود من بعض المقاطعات التي كانت تحت نفوذ الكنيسة..
وعزم يوسف على القيام بعمل لمساعدة أبناء جلدته في هذه المناطق، ولكنه أيضاً قرر أن يثأر لهم. فأرسل – هو وعمته – رسائل إلى التجار اليهود في العالم بمقاطعة موانئ فينيسيا التي طبّقت القرارات فيها، وطلبا منهم – كذلك – أن يفرضوا حصاراً على ميناء أنكونا في إيطاليا. ويعتبر هذا الحصار أول حصار اقتصادي قام به اليهود..
وفي الوقت نفسه، التمس يوسف من السلطان سليمان أن يتوسط لدى البابا من أجل اليهود، وقد استجاب السلطان إلى ذلك وأرسل رسالة للبابا بيد مبعوث خاص له، ويقول اليهود إن تدخل السلطان هذا كان من الحالات النادرة التي قام بها حاكم لمصلحتهم طوال تاريخهم..
ولم يكتف يوسف بهذا، ورأى أن حل مشكلة اليهود في أوربا هوفي إيجاد مكان خاص بهم، ورأى أن المكان المناسب لذلك هو فلسطين. وقر رأيه أن يعرض الفكرة على سليم الثاني الذي لم يمانع في ذلك واعداً بأن يكلم السلطان سليمان في الأمر. ويبدو أن يوسف ناسي قد اقترح مدينة طبرية لتكون نواة لمشروعه، ووافق السلطان على ذلك، وأصدر فرماناً بهذا الخصوص عام 1561م نص على تخصيص طبرية وسبع قرى حولها للمشروع، على أن يدفع يوسف نظير ذلك مبلغاً معيناً من المال. وقد وقع الفرمان – بالإضافة إلى السلطان – ابناه مراد وسليم، وربما كان سبب ذلك هو ألا يبطل الفرمان بموت السلطان.
وكانت طبرية على ما يبدوخرائب كما ذكر مَن زارها في هذه الفترة وما قبلها، فقد زارها أحد اليهود عام 1522م وقال عنها “كانت طبرية في الماضي مدينة عظيمة ولكنها الآن خرائب وأكوام من حجر أسود كأنه حرق بالنار، ولا يمكن أن يذهب أحد إلى هناك إلا مع قافلة وتحت حماية حاكم صفد حيث تدفع له أجور من أجل هذه الحماية. ويوجد في طبرية نخيل كثير كما توجد قرى عربية”، وكانت طبرية أيضاً مهملة قبل هذا التاريخ، فقد قال عنها الرحّالة ابن بطوطة (ت 1377م) “ثم سافرت منها (صيدا) إلى مدينة طبرية، وكانت فيما مضى مدينة كبيرة ضخمة، ولم يبق منها إلا رسوم تنبئ عن ضخامتها وعظم شأنها. وفيها الحمامات العجيبة التي لها بيتان أحدهما للرجال والآخر للنساء. وماؤها شديد الحرارة وفيها البحيرة الشهيرة (التي طولها ستة فراسخ وعرضها أزيد من ثلاثة فراسخ، وفيها مسجد يعرف بمسجد الأنبياء”
ويبدو أن اختيار طبرية كان مقصوداً من قبل يوسف ناسي، فهو يعرف أهميتها عند اليهود المتدينين حيث يعتبرها هؤلاء من المدن الأربع المقدسة عندهم في فلسطين وهي القدس وصفد وطبرية والخليل  وكانت طبرية في فترة من الفترات مركزاً دينياً لهم، حيث كتب فيها جزء من التلمود الفلسطيني، كذلك شكّل فيها نص التوراة ووضعت عليه الحركات (وكان،هذا تأثراً بما قام به المسلمون نحو القرآن إذ لم تكن التوراة مشكولة قبل هذه الفترة). كما توجد فيها قبور لبعض الحاخامين الذين لهم قدسية عندهم مثل قبر الحاخام والفيلسوف المعروف موسى بن ميمون، حيث مازالوا يزورونها إلى اليوم. وربما كان من الأسباب التي دعت يوسف إلى اختيارها وجود البحيرة وصلاحية الأراضي للزراعة..
لم يذهب يوسف بنفسه إلى فلسطين بل أناب عنه شخصاً يهودياً كان يثق به ويعتمد عليه. وقد قابل هذا اليهودي السلطان وتسلم منه الفرمان ورسائل إلى حاكم صفد ووالي دمشق يطلب منهما مساعدته في توفير العمال الذين يحتاج إليهم في البناء خاصة مَن كان قرب طبرية، كما خصص له بعض المال وأرسل معه بعض خدمه. كما أرسل يوسف معه بعض مستخدميه، وصحبه أيضاً بعض اليهود الذين أرادوا السكن في طبرية، وكانت مواد البناء – كالرمل والجص متوفرة في المنطقة، وكذلك توفر الحجر بكثرة من بقايا الأبنية القديمة..
وشُرع في إعادة بناء المدينة في حدود عام 1564م، حيث بني سور لها بطول 1500 متر، وبني له بابان، كما أعيد بناء البيوت وأقيم كنيس يهودي كذلك، وأخذ اليهود يتوافدون على المدينة بعد أن شجعهم يوسف على ذلك ووجه نداء لهم – خاصة المرانوس منهم – للهجرة إلى طبرية والسكن فيها. وقد أنشأ وكالة سرية هو وعمته لتهريب اليهود إلى فلسطين وتركيا، كما استخدم سفنه من أجل هذا الغرض، وأخبرهم بأن نقلهم سيكون على حسابه الخاص. وقد هوجم بعض هؤلاء في عرض البحر، وقد ذكر مؤرخ من هذه الفترة “أن كثيراً من اليهود قد ذهبوا في تلك السنة إلى الشرق، وفي أثناء رحلتهم هاجمهم فرسان مالطة وغرق بعضهم في البحر، وأخذ البعض الآخر منهم أسرى”، وكان يوسف يدفع فدية هؤلاء ويفك أسرهم.
وكان من اليهود المهاجرين إلى طبرية مجموعة من العمال المهرة من البرتغال واليونان وإيطاليا. وقد شجع يوسف هؤلاء – خاصة – على الهجرة لأنه خطط لإقامة صناعة للأنسجة الصوفية والحريرية..
وصناعة هاتين المادتين تمر بمراحل عدة، حيث يمكن تشغيل عدد كبير من الناس فيها، وربما كان هدفه من ذلك – أيضاً – منافسة البندقية( فينيسيا) التي عرفت وقتها بصناعة المنسوجات الحريرية، وأيضاً للثأر منها لما فعلته بعمته.
وقام يوسف بجلب المواد الأولية لهاتين الصناعتين، حيث أستورد كمية من الصوف من إسبانيا، وجلب كمية من أشجار التوت لزراعتها وتربية دودة القز لإنتاج الحرير منها.
وظهر جلياً من كل هذا أن هدف يوسف ناسي لم يكن من أجل الربح فهو كان رجلاً ثرياً – حتى قيل بأنه كان من أثرياء العالم في وقته، بل إنه كان يقدم قروضاً إلى بعض الدول مثل فرنسا وبولندا – ولكن طريقة تخطيطه تشير إلى أن دوافعه كانت سياسية، وكان سفير فرنسا لدى الباب العالي قد أكّد هذه الدوافع في رسالة إلى حكومته مؤرخة في سبتمبر عام 1563م. وقد جاء في الرسالة ما نصّه “إن يوسف ناسي قد حصل على فرمان من الباب العالي ووقعه كل من سليم ومراد ابني السلطان لبناء مدينة على بحيرة طبرية ليسكنها اليهود فقط. وهو بهذا يريد أن يحقق هدفه، فيبدأ من هنا ليجعل نفسه ملكاً على اليهود، لذلك يطالب فرنسا بأمواله”..
وقد أثار المشروع مخاوف سكان فلسطين من غير اليهود، فقد قدم المسيحيون الفلسطينيون شكوى إلى الباب العالي قالوا فيها “إن الغرض من هذا المشروع هو جعل طبرية مملوءة بالأفاعي الخبيثة التي هي أكثر خبثاً من تلك التي تسكن الخرائب. وأن هؤلاء (اليهود) يريدون أن يحّولوا الكنيسة إلى كنيس”، وقد حمل هذه الشكوى ممثل عنهم إلى الباب العالي، ولكنه لم يتمكن من مقابلة السلطان، بل قابل الصدر الأعظم، لكن ذلك لم يؤثر على سير المشروع، كما أبدى سكان المنطقة معارضة شديدة للمشروع، حيث حذرّهم شيوخهم من مغبة بناء مدينة يهودية في أوساطهم. وقالوا لهم إن بناء مثل هذه المدينة سيؤثر على حياتهم وعلى عقيدتهم. وقد تمثلت هذه المعارضة بقيام العمال منهم بالعصيان والإضراب، مخالفين بذلك أوامر الباب العالي. وقد توقف العمل لفترة، ولكن ممثل يوسف ناسي ذهب إلى والي الشام وأخبره بإضراب العمال وتوقفهم عن العمل ومخالفتهم لأوامر الباب العالي. وقد وجه الوالي مجموعة من الجند على وجه السرعة إلى المنطقة وقبضوا على اثنين من شيوخ المنطقة واعتبروهما محرضين على الإضراب وعاقبوهما بشدة. وذكرت بعض المصادر أنهما أعدما، وعلى إثر ذلك، اضطر العمال إلى الرجوع إلى العمل، ولكن سكان المنطقة استمروا بمهاجمة موقع البناء بين الحين والآخر، وبسبب ذلك، تأخر البناء لبعض الوقت، ولكنه أكمل فيما بعد. وكان من المباني التي شيّدت بيت لعمة يوسف ناسي حيث كانت تنوي السكن في طبرية، ويبدو أن بناء المدينة قد أكمل في السبعينيات من القرن السادس عشر. فقد وصفها زائر من هذه الفترة وقال عنها “إن المدينة (طبرية) ترى من بعيد وهي قريبة من البحيرة وتبدو وكأن قسماً منها في وسط البحيرة وهي محاطة بسور قوي وتكثر فيها الأشجار”
واستمر اليهود بالهجرة إلى المدينة، وكان من ضمنهم بعض الحاخامين وطلاب الدراسات الدينية الذين كانت ترعاهم وتنفق عليهم غراسيا عمة يوسف، ولا يعرف على وجه التحديد عدد اليهود الذين هاجروا إلى طبرية، إذ ليس هناك سجلات بهذا الخصوص، ولا يعرف كذلك حجم النجاح الذي حققه المشروع، ولم يذهب يوسف ناسي نفسه إلى طبرية طوال تنفيذ المشروع أو حتى بعد اكتماله، وقد ذكر من الأسباب لذلك خوفه من تآمر أعدائه الكثر عليه والذين كان منهم محمد صوقللي الذي أصبح صدراً أعظم. وقد ظلت علاقته بالمشروع عن طريق وكلائه إلى أن توفى عام 1579م..
وبعد وفاته، تبنى المشروع يهودي من أصل برتغالي اسمه سلومون أبينياس، وكان هذا دبلوماسياً ومقرّباً من الباب العالي أيضاً، وقد تحمّس للمشروع كثيراً وأرسل ابنه نيابة عنه، وأول ما قام به هذا هو عقد صلح مع سكان المنطقة الذين لم يكونوا قد قبلوا بوجود المهاجرين اليهود، كما أنه بنى لنفسه بيتاً كبيراً يشبه القلعة، ولكن هذا الصلح لم يدم طويلاً، وعاد السكان يهاجمون المدينة حتى أصبح وضعها غير آمن، ولم يكن اليهود ليخرجوا منها إلا على شكل جماعات، وبسبب ذلك، أخذ بعض اليهود بالهجرة من المدينة إلى مدن فلسطين الأخرى، إضافة إلى حدوث نزاعات بين اليهود أنفسهم حول ملكية بعض العقارات..
وبعد وفاة سلومون أبينياس عام 1603م، وتحول ابنه للدراسة الدينية تدهور حال المدينة، وعندما زارها إغوني روجر عام 1630م لم يجد فيها إلا عوائل يهودية قليلة لا تزيد على عدد أصابع اليدين. واستمر تدهور المدينة حتى وصل وضعها إلى ما يشبه ما كانت عليه قبل إعمارها، ولفظ مشروع يوسف ناسي أنفاسه..
وفي عام 1740م، جاء من مدينة أزمير إلى طبرية حاخام مشهور اسمه حاييم بن موسى أبو العافية – وهو من عائلة سفاردية معروفة بين اليهود – مصطحباً معه أبناءه وبعض أقربائه. وكان هذا الحاخام يريد إعمار طبرية بدافع ديني وليس بدافع صهيوني، فهو كان يعتقد بأن ظهور المسيح المخلص اليهودي قد قرب وقته، وأن إعمار طبرية سيعجل بظهوره. وقد طلب من الشيخ ظاهر العمر – الذي كان يسيطر على أجزاء واسعة من فلسطين في هذه الفترة، وفيما بعد على أجزاء من الأردن ولبنان – أن يسمح له بإعادة بناء المدينة، ووافق الشيخ ظاهر على ذلك. وقد أرسل الحاخام أبو العافية أبناءه إلى سوريا وغيرها من البلدان لجمع الأموال من الجماعات اليهودية. كما أنه دعا اليهود الحسيديم – الذين كانت حركتهم قد بدأت بالظهور في هذه الفترة – أن يلتحقوا به وأقنعهم بأن إعمار طبرية سيعجّل بظهور المخلص اليهودي، ووصل منهم جماعة إلى طبرية.
وأخذ الحاخام وجماعته يعملون بجد وحماس لإعادة بنائها. ولكن لم تمض على عمل هؤلاء إلا سنتان حتى بدأت المعارك بين سليمان باشا العظم – والي دمشق – والشيخ ظاهر العمر الذي رفض الخضوع لسلطة والي الشام. وفي عام 1742 – 1743م تحصن العمر في طبرية فحاصرها العظم وأخذ يضربها بالمدافع. وعلى الرغم من تشجيع الحاخام لليهود على البقاء، فإن مجموعة منهم هربت وكان منهم ابنه. ولم تتوقف المعارك إلا بعد أن توفي العظم فجأة وفك الحصار عن المدينة..
وبعد انتهاء المعارك، أصلح ظاهر العمر سور المدينة الذي كان قد تضرر أثناء القصف. وكان الحاخام قد طلب من أتباعه مساندة العمر تعبيراً عن امتنانه للسماح لهم بالسكن في المدينة، وجعل انتصار العمر مناسبة ليهود طبرية يحتفلون بها سنوياً. كما أن صهر الحاخام كتب كتيباً بالعبرية يتحدث فيه عن المعارك التي دارت بين العظم والعمر وعن انتصار هذا الأخير. وبعد انتهاء المعارك، رجع بعض اليهود إليها ومنهم ابن الحاخام الذي أصبح رئيس الجماعة اليهودية الصغيرة في طبرية بعد وفاة أبيه. وظلت المدينة كما هي، وظل عدد اليهود قليلاً حتى أن عددهم في عام 1839م، لم يزد على بضع مئات من مجموع السكان، ولم تحي فكرة المشروع الصهيوني في المدينة إلا في بداية القرن العشرين بعد ظهور الحركة الصهيونية، حيث أصبحت طبرية مركزاً لاستيطان المناطق التي حولها. كما أنها أصبحت أول مدينة يطرد سكانها العرب كلهم في عام 1948م، ويحل محلهم مهاجرون يهود.
ويعتبر مشروع يوسف ناسي المشروع الصهيوني الرئيسي قبل ظهور الحركة الصهيونية الحديثة
وقد قالت عنه دائرة المعارف اليهودية “إن مشروع يوسف ناسي هو وحده الذي كان المحاولة العملية لإنشاء مركز سياسي يهودي في فلسطين بين القرن الرابع الميلادي والقرن التاسع عشر”، وفي المناهج الدراسية الإسرائيلية في الوقت الحاضر يدرس مشروع يوسف ناسي ضمن منهج التاريخ كونه محاولة لإنشاء كيان يهودي في فلسطين..

نشرت في مجلة “العربي” الكويتية

شبتاي صبي وظهورفرقة الدونمة ودورها في تركيا الحديثة  د.جعفر هادي حسن   

Shabtai Zevi 1666

 

 

 

 

د.جعفر هادي حسن
تعتبر حركة شبتاي صبي من اكبر الحركات اليهودية التي كان لها أثر سلبي على
اليهود في العصر الحديث.
وكان شبتاي قد ادعى كذباً أنه المسيح المخلص لليهود وصدقه الآلاف من اليهود في كل مكان وجدوا فيه من اليمن حتى بولندا، وبعد سنة أو تزيد اهتزت فيها الجاليات اليهودية ظهر كذبه ولكن ذلك لم ينه حركته بل استمرت مجموعة كبيرة منهم تؤمن به حتى يومنا هذا ويوجد الغالبية العظمى من هؤلاء اليوم في تركيا ويطلق عليهم الدونمة.
ولد شبثاي صبي عام 1626م في مدينة إزميرالتركية لأبوين يهوديين( وطبقا لتقاليد أتباعه كانت ولادته في التاسع من آب الذي يولد فيه المسيح المخلص)ويعتقد أنه ينحدر من عائلة من اليهود السفارديم هاجرت من جزيرة ايبريا (اسبانيا والبرتغال) بعد أن طرد هؤلاء من هذه الجزيرة. وكان أبوه مردخاي يعمل بتجارة الدجاج والبيض وكان أيضاً وكيلاً لبعض الشركات البريطانية والهولندية. وكان شبناي أحد اخوة ثلاثة ولدوا لمردخاي ومنذ صغره توسم فيه أبوه ملامح ذكاء فأراد أن يحقق رغبة في نفسه في أن يصبح أحد أبنائه حاخاماً، وارسل شبثاي منذ صغره الى المدارس الدينية اليهودية ودرس أيضاً على بعض الحاخامين المعروفين وأصبح حاخاماً وهو لم يتجاوز العشرين من عمره.
ومنذ أن كان طالباً أخذ شبثاي يهتم بدراسة القبلاه (العلوم الباطنية اليهودية) حيث كان يجلس الساعات الطوال يتعمق بدراسة كتبها والتعمق بها والكشف عن أسرارها. ومنذ وقت مبكر في حياته أعجب به بعض الطلاب وانجذبوا إليه فتحلقوا حوله يدرسون معه ويناقشونه. وكان شبثاي يذهب بهم مرة أو مرتين في الأسبوع الى خارج المدينة يتناقشون ويتدارسون معه.
وتزوج شباي في الثانية والعشرين من عمره ولكنه لم يقرب زوجته وطلقها بعد بضعة أشهر وبعد فترة تزوج بامرأة أخرى ولكنه أيضاً لم يقربها وطلقها وكان طلابه والمقربون له يفسرون ذلك على أنه نوع من الطهارة والتبتل. وأما هو فكان يقول بأن روح القدس قد أوحى له بأن زواجه من المرأة المناسبة لم يحن بعد. وفي الوقت نفسه أخذ شبتاي يسلك سلوكاً مخالفاً للسلوك العام وكان مزاجه يتراوح بين نشاط وهيجان بالغين، يعقبهما حالة انقباض وقنوط وقد لازمته هذه الحالة في كل حياته.
وكان شبثاي عندما تعتريه الحالة الأولى يتغنى بالأشعار وينشد المزامير بصوت عال (وعرف شبثاي بصوته الجميل) ويرقص أمام طلابه وزواره ولكنه كان يلجأ الى الوحدة والاعتزال عندما تصيبه الحالة الثانية. وعندما كان يسأل عن اعتزاله كان جوابه بأنه كان يصارع قوى الشر والشياطين. وبدأ شبتاي يلمح الى طلابه بأنه سيحقق أشياء عظيمة في المستقبل، كما أخذ يتحدث عن المسيح المخلص ووقت ظهوره ولم يكن هذا ليجلب انتباه اليهود لولا أنه كان يقوم بأعمال مخالفة لليهودية.
وفي أحد الأيام عندما كان يقرأ أحد مقاطع التوراة نطق الاسم “يهوه” كما هو مكتوب في التوراة. ونطق هذا الاسم محرم على الإنسان العادي اليهودي ويجب أن يقول مكانه “أدوناي” (سيدي). وقد تكرر هذا العمل من قبل شبتاي، ثم بعد فترة أخذ يلمح إلى طلابه وأصحابه بأنه سيكون المخلص لليهود.
ولا ندري كيف اعتقد شبثاي في نفسه أنه المسيح المخلص ولكن يُنسب له أنه أخبر أحد الحاخامين في حلب فيما بعد (عام 1665) بالقصة التالية: “إنه في إحدى الليالي من عام 1648 هبط عليه روح الله عندما كان يتمشى في الليل على بعد ساعتين من المدينة (أزمير) حيث سمع صوت الله يقول له أنت مخلص إسرائيل وأنت المسيح بن داوود المختار من قبل رب يعقوب وأنت المقدر لك انقاذ إسرائيل وجمعهم من أركان الأرض الأربعة”.
ولم يبق ادعاء شبتاي محصوراً بين الحلقة القريبة له من الناس، بل سمع بذلك حاخامو المدينة وعندما استدعوه للمثول أمامهم رفض ذلك وسخر منهم. فاصدروا “حِرم” بحقه (الطرد من اليهودية والعزل عن اليهود)، وكذلك طالبوه بالخروج من المدينة. واضطر شبثاي للخروج من أزمير – ربما بضغط من عائلته – وذهب الى سالونيك التي كانت جزءاً من الامبراطورية العثمانية وفيها واحدة من أكبر الجاليات اليهودية. وفي أحد الأيام أولم وليمة لبعض الحاخامين ثم جاء بمظلة زواج (التي تستعمل في احتفال الزواج اليهودي)، وأحضر نسخة من التوراة وأخذ يقوم بمراسيم عقد الزواج بينه وبين التوراة، وعندما اعترض عليه قال بأن كل من يؤمن بالتوراة ويلتزم بها فهو زوج لها. وقال بأن هناك اشارات في العهد القديم لذلك، كما استمر على نطق الاسم يهوه، وقال لأن ذلك من خصائص المسيح المخلص. وأثارت أعماله غضب الحاخامين في هذه المدينة، فطلبوا منه أن يخرج منها، فذهب الى أثينا التي كانت أيضاً فيها جالية يهودية. ولا ندري كم بقي هناك، ولكن يعتقد أنه رجع منها الى تركيا عام 1658.
ولم يذهب إلى أزمير، بل ذهب الى مدينة القسطنطينية. وفي بداية قدومه استقبله الحاخامون استقبالاً حسناً، ولكن نظرتهم تغيرت بعد أن رأوا الغريب من سلوكه ومن أعماله الغريبة التي قام بها في هذه السنة. انه اشترى سمكة كبيرة ولفها بقماش ووضعها في مهد وعندما سمع الحاخامون بذلك سألوه، فقال لهم إن خلاص بني إسرائيل سيكون من خلال رمز الحوت وان المهد يرمز إلى النمو البطيء لخلاص إسرائيل.
ثم كان من أعماله المخالفة للشريعة اليهودية أنه احتفل بأعياد يهودية ثلاثة في أسبوع واحد، وهو عمل غير جائز في اليهودية. وعندما نوقش بذلك شبتاي استشهد بنص من سفر اشعيا 51/4 وهو: “انصتوا إليّ يا شعبي ويا أمتي اصغي لأن شريعة تخرج من عندي”. وهذا يعني أنه يمكنه أن يشرع تشريعات جديدة وأصدر الحاخامون “حرم” بحقه مرة أخرى، وكذلك حكموا عليه بالجلد أربعين جلدة. وخرج شبثاي من المدينة واتجه الى مدينته أزمير. وقضى فيها فترة طويلة نادرا ما يخرج من بيته كما كان الناس يتحاشون الاتصال به بسبب “الحرم” الذي صدر بحقه.
واقترح عليه أخواه الإبتعاد عن المدينة والخروج من عزلته والذهاب الى فلسطين.
ورحب شبتاى بذلك وكأنه كان ينتظره  فغادر أزمير على ما يبدو  في عام 1662 وفي طريقه إلى فلسطين مرّ بجزيرة رودس ثم ذهب من هناك الى سوريا ومن سوريا ذهب الى مصر ونزل ضيفاً على مسؤول الخزانة في مصر رفائيل يوسف شلبي الذي كان يهوديا ثرياً وكان ينفق على بعض الحاخامين الذين كانوا يعيشون في كنفه. وخلال وجوده هنا أصبحت علاقته وثيقة برفائيل يوسف وبعد فترة توجه الى فلسطين وسكن في غرفة ظل يعتكف فيها لقترات طويلة وكان يخرج ليلاً لزيارة بعض قبور أولياء اليهود، وكان يقول إنه كان يسمع اصواتاً تخرج من هذه القبور، وكان يأمل أن تحل أرواح الأولياء فيه.
وتعرف شبثاي هناك على بعض الحاخامين ومجموعة من اليهود، وربما لم يكن هؤلاء قد عرفوا بالحِرم الذي صدر بحقه أو بادعائه ولذلك لما احتاجت الجالية اليهودية في أورشليم الى الأموال، طلبت منه أن يذهب الى مصر لطلب المساعدة من رفائيل يوسف. ووافق شبثاي على هذه المهمة ولكنه هذه المرة أخبر رفائيل يوسف أنه المسيح الذي ينتظره اليهود ويقال بأن هذا صدقه. وأثناء ما كان في مصر سمع عن امرأة تعيش في ايطاليا اشتهرت بجمالها اسمها سارة، وكان يحكى عنها حكايات غريبة وتتنبأ للناس بمستقبلهم وكان الناس يشكُون بسلوكها وكانت تقول إنها ستتزوج المسيح المخلص. وعندما سمع شبتاي بها ارسل لها خبراً برغبته في الزواج منها، فوافقت دون تردد والتحقت به فتزوج منها وقد رعى الزواج وأنفق عليه رفائيل يوسف.
كما سمع وهو في مصر عن شخص يسكن غزة اسمه ناثان بنيامين اشكنازي الغزي وكان هذا حاخاماً ومتبحراً بالقبلاه ويقال إنه كان يتنبأ للناس (وقد أصبح لهذا الحاخام فيما بعد دور مهم ومتميز في حركة شبتاي). ولا ندري ما الذي جذب شبتاي له فوصل الى غزة والتقى به، ومنذ اللقاء الأول ارتبط الإثنان بعلاقة وثيقة وبعد عدة لقاءات آمن ناثان بأن شبتاي هو المسيح المخلص وأخذ يستدل على ذلك من كتب القبلاه وغيرها. ثم سافرا سوية الى مدينة الخليل وزارا بعض قبور الأولياء من اليهود ورجعا الى غزة.
ويبدو أن الاثنين قد اتفقا على أن يعلن شبتاي نفسه الى العالم بأنه هو المسيح المخلص وهيأ ناثان لذلك ببعض الأمور منها أنه أثناء ما كان ينشد هو وطلابه بعض الأناشيد تظاهر بالاغماء وقال أثناء ذلك الجملة التالية: “اسمع يا ناثان الى محبوبي واعمل كما يقول لك. اسمع لمحبوبي شبتاي صبي” وكرر ذلك عدة مرات.
ثم أدعى أنه عثر على وثيقة من القرن الثاني عشر كتبها حاخام اسمه ابراهام جاء فيها أن شخصاً اسمه شبتاي صبي سيولد لمردخاي في عام 5386 (1626م) وسيكون هو المسيح الحق الذي يكون خلاص اليهود على يديه وتكون مملكته أبدية( تبين فيما بعد أن الوثيقة مزورة) كما أخذ يعطي أدلة من خلال نصوص في القبلاه أن شبتاي هو المخلص. وصدقه الناس حتى الحاخامون في غزة صدقوا هذا الإدعاء وأعلن المتنبئ ناثان أمام الناس أن شبتاي هو مخلص اليهود وأنه هو المسيح المنتظر وقد وقع الإعلان عن هذا بين 14 و17 من الشهر العبري سيوان الذي صادف 28-32 مايو من عام 1665.
وطلب ناثان من الناس أن يتوبوا ويكفروا عن ذنوبهم. وذهب شبتاي ومجموعة من أتباعه الى القدس وركب فرساً وطاف بالمدينة سبع مرات وقام بارتكاب أعمال مخالفة للشريعة اليهودية للتدليل على أنه المسيح المخلص. وهناك التقى شخصاً اسمه صموئيل فريمو أصبح مستشاراً وكاتباً له يدافع عنه ويؤكد مسيحانيته. كما عين شبتاي مجموعة من أتباعه ممثلين لقبائل إسرائيل الاثنتي عشرة وأخذ هؤلاء يجوبون فلسطين مبشرين بظهور المخلص شبتاي.
وأعلن شبثاي أنه سيذهب الى تركيا ويقود السلطان أسيراً. ومن فلسطين رحل شبتاي الى سوريا حيث استقبل من قبل اليهود بالحفاوة والتكريم حيث كانوايتبركون برؤيته ويقبلون يديه ويتطلعون إلى لقائه.
وقرر المتنبئ ناثان الالتحاق بشبتاي وأثناء ذلك كان يبعث برسائل الى الجاليات يؤكد لها انتصار اليهود القريب على أعدائهم وقال في إحدى رسائله: “في وقت قريب سوف يكشف لكم عن كل الأشياء بجلاء ووضوح وسوف تعلمون ذلك من قبل الاله نفسه مبارك هو الذي ينتظر، ومبارك كل من يشمله خلاص المسيح الحق الذي سيتحقق في وقت عاجل ويتحقق معه حكمه وتتحقق مملكته فينا الآن وإلى الأبد”.
وأخذ اليهود يذكرون اسمه في كنسهم على أنه ملك إسرائيل والمسيح المخلص حتى في الدولة العثمانية ابدل اسم السلطان باسم شبتاي. وقسم شبتاي العالم إلى بلدان عين عليها ملوكاً من اليهود ومنهم أخواه اليشع ويوسف كما أصبحت زوجته سارة ملكة لفلسطين. وأخذ شبتاي يوقع رسائله بـ “ابن الله البكر” ومثلها من العبارات كماان بعض الكتب اليهودية التي نشرت في هذه الفترة كانت تذكر عبارة “شبتاي صبي ملك إسرائيل مسيح رب يعقوب”. وحث شبتاي اليهود على أن يكونوا سعداء مسرورين، كما أخذ يعدهم بالسلطة والسيطرة على الآخرين فقال في إحدى رسائله: “وكل يوم مخصص للحزن والآلام اجعلوه يوم فرح وسرور، لأنه يوم ظهوري ولا تخافوا شيئاً لأنه سوف تكون لكم سلطة على كل الشعوب وسوف لا تكون سلطتكم على من في الأرض فقط، بل كذلك على المخلوقات التي هي في أعماق البحر…”.
وكان لرسائل شبتاي وقع كبير في نفوس العامة من اليهود ورفع لمعنوياتهم حتى أنه قد ذكر أن بعض اليهود أخذوا ينظرون الى المسيحيين بعين الاحتقار، بل ويهددونهم ويتوعدونهم بالتأثر لمعاملتهم لهم. كما كانوا يعتقدون بأن خلاصهم اصبح وشيكاً.
وكانت هذه الرسائل تقرأ في الكنس، وكانت تفرح اليهود وتسرهم وكان البعض منهم يخرجون الى الشوارع ويرقصون. وذكر أحد الحاخامين المعارضين لشبتاي عما كان اليهود بعملونه في امستردام “كان الناس يرقصون على ضرب الدفوف وكانت نسخ التوراة قد جددت أغطيتها وكان اليهود يحملونها ويطوفون بها في الشوارع  وأخبار المسيح المخلص تقرأ على الناس دون خوف من المسيحيين” ويذكر المؤرخون بأن مظاهرات في هذه الفترة خرجت في بولندا حمل اليهود فيها صور شبثاي واغضبت هذه المظاهرات المسيحيين، فاعتدوا على اليهود فاشتكى هؤلاء الى الملك جان كسيمير واصدر مرسوماً حول هذه الحوادث كان بعضه  ينص على عدم حمل اليهود لصور شبتاي.
كما أهمل الكثير من اليهود تجارتهم منتظرين الذهاب الى أورشليم مع مسيحهم المخلص، بل إن البعض باع أملاكه وقد ذكر بعض المؤرخين بأن ثلث يهود أوربا باعوا أملاكهم وكان بعض المزارعين في ايران قد امتنعوا عن اداء الضريبة وقالوا إنهم يؤدونها الى شبتاي صبي. وفي تركيا كان اليهود يخرجون في الليل حاملين الشموع ويتغنون باسم شبتاي.
وكتبت الجالية اليهودية في هامبورغ رسالة الى شبتاي قالت فيها “نأمل من سيدنا وملكنا ان يخبرنا أي طريق يجب أن نسلكه وهل يجب أن نتهيأ الآن الى مقصدنا من أجل أن نسجد عند قدميك وننفض التراب عنهما أو اننا يجب أن ننتظر رحمة الاله الى يوم يجتمع فيه بنو إسرائيل كلهم”، والغريب أن أحد الموقعين كان عالماً معروفاً وفيلسوفاً هو بنيامين موسيفا.
وكان المتنبئ ناثان يبعث بالرسائل الى اليهود ويطلب منهم التوبة ويؤكد لهم قرب خلاصهم. وكان أيضاً على اتصال مع رفائيل يوسف شلبي الذي كان يهتم كثيراً لسماع أخبار شبتاي، وكان من الرسائل التي ارسلها المتنبئ ناثان الى رفائيل رسالة مؤرخة في سبتمبر من عام 1665 جاء فيها “انه (ناثان) سمع صوتاً من الأعلى يعلن أن المسيح بن داود سيستلم الملك من حاكم الأتراك خلال سنة وبضعة اشهر وبدون حرب، وان ذلك سيكون بطريقة تتسم بالأغاني ومدائح الرب المبارك، وأن حاكم الأتراك سيضع نفسه بين يدي شبثاي وسيكون خادماً له في مملكته وسيعهد بكل شيء الى شبتاي… وبعد أن يخضع شبثاي كل ملوك الأرض سينزل الهيكل من السماء على أورشيلم بعد أن يكون قد بني هناك وسيأتي شبثاي مع موسى معلمنا واليهود…”. وفي رسالته حثه على التوبة وقال له إن الأحداث تسير بسرعة.
وكان الكثير من اليهود قد توافدوا على غزة لرؤية ناثان والسماع منه أخبار شبتاي والتوبة عنده وكان هؤلاء ينامون في الشوارع لكثرتهم.
واستجابة لدعوة ناثان وشبتاي بالتوبة، أخذ المؤمنون بدعوته يؤدون طقوساً اعتقدوا أنها تؤدي الى غفران ذنوبهم، فقد كان بعضهم يتجردون من ملابسهم ويحفرون حفراً في الحدائق ويدفنون أنفسهم الى رقابهم الى أن تقرحت أجسادهم من ذلك، وفي الشتاء كان البعص منهم يرمي نفسه في المياه المتجمدة أو يستلقي عرياناً على الصقيع، وآخرون كانوا يصبون على أجسادهم شمعاً حاراً وكان البعض الآخر يوخز جسمه بآلة حادة ثم يضرب نفسه بالسياط، أما البعض الآخر فكان يحرم نفسه من النوم وآخرون كانوا يصومون لفترات طويلة متواصلة حتى ان البعض منهم لقي حتفه بسبب ذلك.
وفي هذه الأثناء ذهب المتنبئ ناثان الى الخليل مع مئات المؤمنين بشبثاي في فترة الشتاء الى القدس ليعذب نفسه بالثلج، وكان يقوم بذلك هو والمجموعة التي صحبته وكان المسلمون ينظرون اليهم ويعجبون مما كانوا يقومون به.
وظهرت في هذه الفترة اشاعات بين المسيحيين أن مئات الآلاف مما يسمى بقبائل بني إسرائيل الضائعة قد ظهرت فجأة لتلتحق بالمسيح المخلص وبعضها قد سيطر على مدينة مكة ويطالب السلطان العثماني بترك فلسطين وبعضها وصل الى المغرب العربي وهم يلبسون لباساً خاصاً ولا يتكلمون إلا اللغة العبرية، وأنهم سيلتحقون بالمسيح المخلص.
كما شاع بين هؤلاء بأن سفينة أشرعتها من حرير يقودها ملاحون لا يعرفون إلا اللغة العبرية لغة وتحمل علماً كتب عليه أسباط بني اسرائيل الاثنا عشر جاءت لتلتحق بالمسيح المخلص. وكان بعض اليهود يتطلعون الى السحاب ليأخذهم الى القدس. وقد ذكر قسيس من اليونان بأن اتباع شباي في إحدى الجزر كانوا يتطلعون الى ركوب السحاب وقد وقف  احدهم على السطح انتظاراً لذلك ولكنه سقط ومات. وفي فينسيا استعد بعض اليهود لأخذ رفات موتاهم الى القدس، بل إن بعضهم حفروا القبور وأخرجوا عظام هؤلاء منتظرين ذهاب المخلص الى أورشليم.
واثناء هذا كله كان شبتاي في أزمير يلقى الترحيب والتقديس وكان عندما يذهب الى الكنيس يحيط به العشرات من اليهود من أتباعه وكان هو يعطي أوامره لهم بما يجب أن يعملوه ويقوموا به. وفي إحدى المرات عندما كان في الكنيس يلقي عظة أعلن فجأة أن زوجته سارة حامل وأنها ستلد ولداً وولدت زوجته ولداً فيما بعد وهو الولد الحيد الذي ذكر له.
كما كان الكثير من الناس يتنبأون بأن شبتاي هو المسيح المخلص وكان الكثير من هؤلاء نساء بل حتى الأطفال. وكانت هذه الأخبار تصل الجاليات اليهودية فكانت تثيرهم وتجعلهم تصدقهم أكثر وأعمق.
وأعلن شبثاي لأتباعه بأنه سيذهب إلى القسطنطينية وأخبرهم بأن الرب قد دعاه الى الذهاب لاتمام الجزء الأخير والأهم من مهمته. ولا نعرف ما الذي كان يدور في خلد شبثاي وما الذي كان يتوقع أن يحدث وما كانت حقيقة أهدافه. فهل كان يعتقد في نفسه أنه المسيح المخلص حقا؟ أوهل كان يتوقع بأن معجزة ستحدث وهل كان يعتقد حقيقة أن السلطان محمد الرابع (ت 1692 ) كان سيسلمه مقاليد حكم الامبراطورية العثمانية، أم أن شبتاي كان رجلاً حالماً وكان يفكر في عالم آخر متشجعا بمئات الآلاف الذين صدقوه. لا اعتقد أن بإمكان أحد أن يجيب على هذا السؤال بشكل أكيد. ولكن الذي حدث هو ان شبتاي ركب البحر في شهر كانون الأول  من العام 1665 أو في كانون الثاني من العام 1966 مع عدد من أتباعه قاصداً القسطنطينية وكان الكثير منهم قد ذهبوا الى هناك بعد أن عرفوا عزمه على السفر ليكونوا في استقباله والترحيب به، وكان الصدر الأعظم أحمد كوبورلو يعلم بمجيء شبتاي الى العاصمة وكان قد قرر أن يلقي القبض عليه بسبب خشيته من إثارة الاضطرابات، فأرسل مجموعة من الجنود الى حيث يتوقف مركب شبثاي وعندما سأله الضابط المكلف بالقبض عليه عن شخصه أجابه شبتاي بأنه رجل دين جاء الى العاصمة لجمع الصدقات لفقراء اليهود في فلسطين. فأقتيد الى سجن صغير مظلم. وشاع الخبر بين اتباعه ولكن ذلك لم يؤثر عليهم وعلى ايمانهم به، خاصة وأن المتنبئ ناثان أخذ يكتب لأتباع شبتاي بأن سجنه شيء طبيعي وأنه جزء من تحقيق مهمته حيث أن المسيح المخلص يجب أن يعاني ويتألم “قبل أن يتحقق مجده وتظهر عظمته”.
وأخذ اليهود من أتباعه يذهبون الى زيارته في السجن، صغيرهم وكبيرهم، يظهرون له الطاعة والتصديق به وظل شبتاي شهرين في هذا السجن.
ولما كان الصدر الأعظم على وشك الذهاب في حملة عسكرية وكان السلطان وقتها في أدرنة، ارتؤي أنه من الحكمة ابقاء شبتاي في القسطنطينية خشية حدوث اضطرابات، فنقل شبتاي الى قلعة في غاليبولي على بحر الدردنيل وهي قلعة غالباً ما كانت تأوى السجناء السياسيين. وعندما نقل الى هذه القلعة أخذ أتباعه يؤكدون للناس بأنه المسيح حقاً لأن الحكومة لم تتعرض له حتى عندما ادعى أنه سيأخذ السلطان أسيراً وأنه قد أخذ الى مكان يوضع فيه المشهورون. وبعد فترة اطلق اتباعه على القلعة مجدل عُز (برج القوة) وهذه مأخوذة من عبارة وردت في سفر الأمثال.
وأخذ أتباعه يتوافدون عليه بأعداد كبيرة وكانت السفن تأتي وتروح محملة بهؤلاء حتى قيل إنها ضاقت بهم لكثرتهم حتى أن السكان المحليين قد زادوا في أسعار النقل وزادوا في أسعار الأكل والسكن وكان الوافدون ينتظرون أياماً لزيارته وكان شبتاي يعد الوافدين عليه بالنصر ويحثهم على الصبر ويمنيهم بدنو الخلاص وأخذ يبعث برسائله الى الجاليات اليهودية مع الوافدين عليه، وأخذ يغير ببعض الشعائر اليهودية فقد غيّر صيام يوم 9 آب (الذي يعتقد فيه اليهود انه اليوم الذي هدم فيه الهيكل، وهو يعتبر يوم حزن) الى يوم فرح.
وكان عدد من الحاخامين يرفضون ادعاء شبتاي ولكن هؤلاء كانوا يخشون من إعلان معارضتهم ورفضهم بسبب الجو العام المؤيد لشبثاي على الرغم من سجنه. وكان من الحاخامين الذين اعترضوا على شبثاي حاخام بولندي اسمه نحميا كوهن وقد جاء هذا الحاخام خصيصاً لمناقشة شبثاي صبي حول المسيح المخلص وبقي مع شبتاي لثلاثة أيام بلياليها يناقشه حول شروط المخلص وأوصافه في ضوء المعتقد اليهودي. وقال هذا الحاخام ان من الشروط أن يظهر قبل المسيح بن داود مسيح آخر من نسل افرايم بن يوسف (بن يعقوب) يخوض حروباً ويسقط قتيلاً في إحدى هذه الحروب ثم يظهر النبي الياهو (الذي ما زال حياً طبقاً للمعتقدات اليهودية) ويعلن ظهور المسيح المخلص وعلى هذا طبقا للحاخام نحميا كوهن فإن ادعاء شبتاي بأنه المسيح بن داود غير صحيح، إذ لم يظهر المسيح بن يوسف ولا النبي الياهو قبل شبتاي. ويقال بأن هذا الحاخام ادعى بأنه هو المسيح بن يوسف ولكن شبتاي قال له بأن المسيح بن يوسف قد ظهر وقتل في المذبحة التي ارتكبها الأوكراني بوغدان جملنسكي عام 1648 ضد اليهود ولكن نحميا كوهن رفض ادعاء شبثاي.
وعزم هذا الحاخام على افساد الأمر على شبتاي واتفق مع حاخامين آخرين ممن رفضوا ادعاء شبتاي على الذهاب الى السلطان وابلاغه عن كذب شبثاي وعن خطره على الدولة. والتقى هؤلاء مصطفى باشا نائب الصدرالأعظم حيث كان هذا الأخير في حملة عسكرية وأخبروه عن شبثاي وعن تاريخ حياته وأنه رجل فاجر منغمس باللذات ورجل دجال يريد أن يغير حياة اليهود وطاعتهم للسلطان ويشجعهم على الثورة ضد الدولة وعلى الدولة أن تتخلص منه ومن شروره. ويقال بأن هؤلاء قد قابلوا السلطان وعندما أخبر السلطان بذلك طلب أن يؤتى بشبتاي بأسرع وقت إلى ادرنة حيث كان مقر السلطان.
وأرسل جنود لجلب شبتاي الى قصر السلطان فأخذ شبتاي بعض الحاخامين المؤيدين له وصحبهم معه وذُكر أن شبتاي كان خائفاً مرتعباً وهو في طريقه الى السلطان وعجب الحاخامون اللذين في صحبته من ذلك، حيث كان شبثاي يدعي أنه سيقود السلطان أسيرا
وادخل شبـتاي الى غرفة كان فيها مفتي الدولة وشيخ الإسلام وطبيب السلطان جدعون الذي كان يهودياً وأظهر إسلامه. وكان السلطان يجلس في مكان آخر بحيث يرى شبتاي وهو لا يراه وسُئل شبتاي عن مدعاه واتهم بإنه يريد إثارة القلاقل والاضطرابات في الدولة العثمانية وانه يريد ان ينتزع جزءاً منها وهو أرض فلسطين ولذلك فإنه يجب أن يعاقب. وأجاب شبثاي بأجوبة غير مقنعة وأخذ يقول إنه ليس المسيح المخلص وانه مجرد حاخام فقير. وقد ذكر بأنه عرض عليه اختبار لمدعاه وهو أنه يجرد من ملابسه وتصوب نحوه السهام فإن أثرت فيه فهو كاذب، فخاف شبتاي من ذلك وارتعب وفي هذه الأثناء عرض عليه الإسلام، ويقال بأن طبيب السلطان هو الذي قال له إنه من الأفضل له أن يعتنق الإسلام إذا كان يريد أن يسلم من الاذى، فوافق شبتاي وقال للحاضرين إنه منذ فترة وهو يفكر باعتناق الإسلام، وانه يتشرف أن يشهر إسلامه أمام السلطان. وأظهر شبتاي إسلامه أمام الحاضرين وقبل منه ذلك، فأدخل الحمام وأبدلت ثيابه وألبس عمامة وأعطى اسماً إسلامياً وهو محمد عزيز افندي واعطي لقباً تشريفياً وهو قابجي باشي (حارس أبواب القصر) وخصص له راتب شهري وعين له استاذ يدرسه اللغة العربية وأصول الإسلام. وقد أظهر الحاخامون الذين صحبوه إسلامهم وكذلك زوجته سارة فيما بعد. وكانت الحكومة هي التي أعلنت أولاً إسلام شبثاي وشاع الخبر بين الناس وكانت صدمة كبيرة لأتباعه وارتد الكثير عنه، بل ان بعضهم ارتد عن اليهودية ولكن بعضهم ظل على التصديق به حيث اعطى المتنبئ ناثان وغيره تفسيرات لما حدث. فمن جملة ما قاله إن ما حدث هو سرّ من الأسرار لا يعرفه أحد وسيكشف عنه في الوقت المناسب. وقال بعض هؤلاء إن شبتاي قد اخفى نفسه حتى تأتي اللحظة المناسبة لظهوره وبعضهم قال إن شبثاي الحقيقي قد غاب وسيظهر في الموعد المخصص لظهوره.
وبعض هؤلاء قال أن تظاهر شبثاي بالإسلام يثبت أنه المسيح المخلص مثلما عاش موسى في قصر فرعون متبعاً دين الفراعنة. وأخذ شبثاي يدعو أتباعه الى اعتناق الإسلام وكان بعض هؤلاء يذهبون الى القصر ويعلنون إسلامهم.
وكان الحاخامون المعارضون الذين كانوا يخشون العامة من رفع أصواتهم يشددون على دجل شبتاي ويكتبون الى الجاليات اليهودية والحاخامين يطلبون منهم إلغاء الأعياد والمناسبات التي وضعها شبتاي وطلبوا من حاخامي الجاليات طرد كل من بقي يؤمن بشبتاي صبي، ولكن الكثير من أتباع شبتاي استمروا على الايمان به واصطحب شبتاي معه مرة اثني عشر من أتباعه رجالاً ونساء الى القصر وأعلن هؤلاء ايضاً إسلامهم .وظل هؤلاء المتحولون ظاهراً الى الإسلام لا يظهرون إسلامهم خوفاً من المسلمين الأتراك حتى لا يثيروا غضبهم ولا أمام اليهود حتى لا يطردونهم من اليهودية.
وكان نشاط شبتاي يثير غضب الحاخامين المعارضين له وكان هؤلاء يرون خطراً في تحركه حيث أن حركته بقيت حية نشيطة. فعزموا على الاتصال بالدولة وتقديم شكوى ضده كونه خطرا على الدولة وعلى اليهود ويقال إنهم أرشوا مسؤولاً كبيراَ لهذا الغرض.
وعندما جاء شبتاي من أدرنة الى القسطنطينية من عام 1672 مع مجموعة من أتباعه، القي القبض عليه بتهمة انه كان ومجموعة من النساء في وضع مخالف للاخلاق، كما وجهت له تهمة أنه يدعو المسلمين لترك دينهم وارسل الى ادرنة.
وبع رجوع السلطان محمد الرابع مع الصدر الأعظم من الحملة العسكرية اخبر عن شبثاي وعن التهمة الموجهة اليه حيث شهد شهود على ذلك.
وكان من رأي الصدر الأعظم إعدام شبتاي ولكن حكم الإعدام لم ينفذ وإلى اليوم لا يعرف سبب ذلك، والذي حصل هو أن الحكومة قررت نفيه الى البانيا إلى مدينة دولسجنو والتي تسمى ألسنج على البحر الأدرياتيكي وكان نفيه في صيف عام 1673.
وظل أتباعه على اتصال به يتسقطون أخباره ويذهبون إلى لقائه وكان ناثان المتبنئ يتصل به ويؤكد لاتباع شبتاي بقرب انتصار المسيح المخلص وكان هؤلاء يصدقون ما يقوله لهم. وفي عام 1674 توفيت زوجته سارة وفي السنة نفسها تزوج ابنة حاخام معروف من سالونيك.
ويذكر أنه صنع حية من فضة ووضعها على عمود عند احتفاله بعيد الفصح، وهو بهذا يحاكي ما ورد عن النبي موسى في سفر العدى 12/5 “فصنع موسى حية من نحاس ووضعها على العمود فكان إذا لدغت الحية انساناً ونظر الى حية النحاس شفي”.
وكذلك كتب رسالة تبنى فيها دور موسى وختمها بالقول: “هكذا قال الأسد والأيل السماوي مسيح رب إسرائيل ويهودا شبثاي  محمد صبي”. وفي اغسطس من سنة 1676 كتب رسالة الى الجالية اليهودية في البانيا يطلب منها كتاب صلوات للسنة اليهودية الجديدة ويوم الغفران، وقد وقع الرسالة هكذا: “مسيح رب إسرائيل ويهودا شبتاي صبي”. وفي 17 سبتمبر من هذا العام (1676) توفي شبتاي ودفن في مكان قرب البحر عينه بنفسه وظل أتباعه يزورون قبره ويتبركون به لسنين طويلة.ظهور فرقة الدونمةبعد تظاهر شبتاي بالإسلام انقسم المؤمنون به الى مجموعتين احداهما ظلت تؤمن به ولكنها لم تتحول إلى الإسلام والأخرى تحولت الى الإسلام كما تحول هو في الظاهر.
والدونمة هي كلمة تركية أطلقها الأتراك على أتباع شبتاي الذين أظهروا الإسلام، وهي تعني المتحولين من دين إلى آخر أو المرتدين عنه، لأنه في نظر هؤلاء انهم تحولوا  من اليهودية الى الإسلام.
وكان عدد الدونمة قليلاً وأكثرهم كان من دول البلقان ولكن في الثمانينات من القرن السابع عشر أظهرت ما يقرب من ثلثمئة عائلة اسلامها ممن لم تتظاهر بالإسلام من قبل  في سالونيك (وهي كانت تابعة للدولة العثمانية)، ثم انضم الى هؤلاء مجموعة من البولنديين وأصبحت سالونيك مركزهم الرئيس ووصل عددهم في بداية القرن العشرين الى عشرين ألفاً طبقاً لوثيقة بريطانية سرية بعث بها السفير البريطاني في اسطنبول في 29 مايو/ مايس عام 1910 جاء فيها:
“إن عدد سكان سالونيك هو مائة وأربعون ألفاً منهم ثمانون ألفاً من اليهود من اصل اسباني وعشرون ألفاً من فرقة شبتاي صبي أو اليهود الباطنيين الذين تظاهروا بالإسلام”..
وبعد الحرب التركية – اليونانية وتبادل السكان في العشرينات من القرن الماضي نزح الغالبية العظمى منهم الى تركيا وأصبحت منذئذ مركزهم الرئيس الى الوقت الحاضر.عقيدة الدونمةترتكز عقيدة الدونمة على مبادئ وضعها شبثاي نفسه وتسمى بـ “وصايا سيدنا شبتاي صبي”، وكل مبدأ يبدأ بصيغة المتكلم المفرد مثل أؤمن، اطبق، اقسم، وهي على الشكل التالي:
أؤمن باله واحد وأؤمن بمسيحه المخلص شبتاي صبي حفيد الملك داوود وأقسم ان لا اذكر اسمهما بالباطل.
وأقسم بأنني سأنقل اصول عقيدة مسيحنا من جالية إلى جالية وأجتمع بأخواني في السادس عشر من شهر كسلو (في هذا اليوم طبقاً لتقاليد الدونمة أعلن شبثاي إسلامه).
وأقسم بأنني سوف لا أعرض عقيدة العمامة التي تسمى الإسلام على أحد من الناس.
وأطبق دين الأتراك بحذافيره حتى لا أثير شكوكهم ليس بصيام شهر رمضان فقط، بل بكل العبادات الأخرى الظاهرة للعيان ولا أتزوج من عائلة مسلمة ولا أصادق أحداً من المسلمين، لأننا نمقتهم خصوصاً نساؤهم.
وأتعهد بختان أولادي.
وأؤمن بأن التوراة قد أنزلت على معلمنا موسى، وهي توراة الحق.
وأؤمن بأن هذه التوراة لا تبدل سوى أن الوصايا قد ألغيت ولكن يجب التمسك بالتوراة الأبدية.
وأؤمن بأن شبتاي جل جلاله هو الذي سيجمع شتات إسرائيل من أطراف الأرض.
وأؤمن بأن الأموات سيبعثون من تراب الأرض وأنهم سيعيشون.
وأؤمن بأن إله إسرائيل سيرسل من السماء إلى الأرض معبداً بُني من جديد والله وحده هو الذي يبني الهيكل.
وأؤمن ايماناً مطلقاً بأن إله الحق إله إسرائيل سوف يكشف عن نفسه في هذا الكون الذي يسمى “تبل” (كلمة عبرية تعني الكون/ العالم).
ويختم الدونمي هذه الوصايا بالقول: “اللهم إله الحق إله إسرائيل الذي يسكن مجد إسرائيل ارسل لنا المخلص العادل منقذنا شبتاي صبي وعجل لنا ظهوره في أيامنا هذه، آمين”. وكثيراً منهم يقفون في الصباح الباكر عند أبواب منازلهم يحدقون في الأفق انتظاراً لشبتاي صبي.
ومن واجبات الدونمي أن يظهر الإسلام ويخفي عقيدته اليهودية ولذلك فهم يذهبون إلى المساجد للصلاة- وكان الدونمه قد بنوا مسجدا كبيرا في هذه المدينة عام 1903 باسم ياني جامع.- ولكن في الوقت نفسه لهم معابدهم اليهودية التي هي عادة  ماتكون في أمكنة خفية ولكل فرد منهم اسمان اسم إسلامي وآخر يهودي يعرف به بين أبناء جلدته وهم لا يتزوجون من غيرهم.
وتدور أعيادهم حول حياة شبتاي صبي فاليوم الذي ولد فيه شبثاي واليوم الذي أعلن فيه انه المسيح ويوم تقديس ناثان له ويوم كشف له أنه المسيح المخلص كما يعتقدون واليوم الذي أعلن نفسه فيه ملكاً… وهكذا كل هذه تعتبر أعيادا عندهم.
وهناك احتفال مهم يمارسه هؤلاء وهو ما يسمى احتفال ليلة الجدي(الحمَل) ويقع في شهر آذار كل سنة، ويتميز هذا الاحتفال بأن يكون في الليل ويكون للمتزوجين فقط، او الكهنة المتزوجون وذكر مؤرخو هذه الفرقة بأن أهم ما يميز هذا الاحتفال أن المحتفلين يتبادلون الزوجات في الليل من هذا اليوم بعد الصلاة واطفاء الشموع، وقال البعض منهم إن المولود الذي يولد من تلك الليلة يكون قديساً.ويعتقد اسحق بن صبي—الرئيس الأسبق لإسرائيل- في كتابه عن الجاليات اليهودية وكذلك غرشوم شولم في كتابه عن العقيدة المسيحانية ان هذا الطقس كان معمولا به حتى منتصف القرن العشرين على الأقل بين بعض فروع الفرقة
(وقد ذكر ليون ألأفريقي في كتابه “وصف أفريقيا” طقسا لايختلف عن هذا كثيرا كان يمارسه الوثنيون القدماء فيما يسمى المغرب الآن كل سنة عند شجرة)
وبعد سنين من وفاة شبتاي انقسمت فرقة الدونمة الى ثلاث فروع رئيسة: اليعقوبيون أوالقره قش (الكونيوزوس) والأزميريون (القبندجي) وكثيراً ما يتميز هؤلاء عن بعضهم البعض بمظهرهم الخارجي كاللحى وشعر الرأس وكذلك بلباسهم.وخلال تاريخهم استعمل الدونمه اللادينو وهي لغة خليط من الأسبانية والعبرية
الدونمة في تركيا الحديثة
كان لأعضاء فرقة الدونمة دورً مهم في جمعية الاتحاد والترقي التي ألغت حكم السلاطين في الدولة العثمانية حيث بدأ عصر تركيا الحديثة بزعامة مصطفى كمال أتاتورك. والغالبية العظمى ممن أرخ لتركيا الحديثة ذكر هذا الدور وتأثيره ومن هؤلاء وي لوكاخ الذي قال: “بعد أن بقيت فرقة الدونمة لأكثر من قرنين من الزمن مجهولة عند الناس اصبح لها بروز سياسي مهم في تركيا الحديثة وذلك للدور البارز الذي لعبه بعض أعضائها في جمعية الاتحاد والترقي”.
كما ذكر ذلك أيضاً سينوفنسن حيث قال: “العقول الحقيقة للحركة (جمعية الاتحاد والترقي) كانت يهودية أو يهودية – إسلامية (دونمة) وقد جاءت لهم المساعدات من أغنياء الدونمة وكذلك من اليهود الذين كانوا في سالونيك الى جانب المساعدات من الرأسماليين العالميين وشبه العالميين في فينا وبودابست وبرلين، ومن المحتمل أيضاً من باريس ولندن”. وذكر يوقايم برنز في كتابه “اليهود السريون” : “إن مجموعة من قادة حزب تركيا الفتاة عبدوا الله في الظاهر ولكنهم في الحقيقة كانوا يؤمنون في دخيلة أنفسهم بأن شبتاي هو نبيهم”.
بل إن السلطان عبدالحميد نفسه كان عالماً بدور الدونمة في الجمعية، وكان قد طلب من حاخام اسطنبول (موشي ليفي) أن يؤلف له كتاباً عن تاريخهم، فطلب هذا بدوره من حاخام سالونيك حيث كان أكثر الدونمة يعيشون هناك أن يقوم بالمهمة، فأنجز هذا الأخير العمل وأعطاه 400 ليرة مكافأة على ذلك.
وذكر رامسور، أحد مؤرخي الجمعية، بأن السلطان كان حذراً ومتردداً في القيام بعمل ضد الدونمة بل وغير قادر، حيث ذكر في كتابه “حركة تركيا الفتاة” أن “عبدالحميد كان يعلم بحقيقة الدونمة وكونهم أعضاء نشيطين في الحركة ضده ولكنه كان متردداً في أخذ قرار ضدهم بسبب تاريخهم الغريب الذي سبب له خوفاً وهمياً منهم”.
وبعد إلغاء الخلافة وتشكيل الحكومة الجديدة اصبح بعض أعضاء الدونمة مسؤولين مهمين فيها.
وكان من هؤلاء محمد جاويد بك الذي كان من قادة الجمعية وأصبح أحد أهم الوزراء الثلاثة من الدونمة في أول حكومة تشكلت بعد الانقلاب على السلطان، حيث شغل وزارة المالية لثلاث مرات، وهو أحد أحفاد مؤسس فرع القره قش وكان رئيسا في وقته لهذا الفرع.
وقد ذكرت الوثيقة البريطانية السرية التي أشرت اليها أعلاه دوره في النص التالي: “ان طلعت بك وزير الداخلية الذي هو من اصل غجري من كرجالي في مقاطعة أدرنة وجاويد بك وزير المالية الذي هو يهودي باطني (دونمة) هما التجسيد الرسمي للقوة الخفية للجمعية وهما فقط كانا الوزيرين اللذين يحسب لهما حساب حقيقي وهما أيضاً يمثلان قمة الماسونية في تركيا”. وجاء في نص آخر منها “وكان من نتيجة ذلك أن المحفل الانكليزي قد أغلق أبوابه بوجه جميع الماسونيين الجدد وبضمنهم أعظم الوزراء نفوذاً وتأثيراً وهما طلعت بك وجاويد بك وهذان الوزيران هما اللذان يسيطران على جيوش تركيا وماليتها والأحكام العرفية والبرلمان وبكلمة واحدة يسيطران على أقدار الامبراطورية بصورة عامة…”.
كما كان هناك بعض الوزراء الآخرين من الدونمة مثل نزهت فائق ومصطفى عارف وكان منهم نواب وزراء وغيرهم. وفي أيامنا هذه كان هناك مسؤولون في الحكومة التركية مثل اسماعيل جم وزير الخارجية الأسبق وهومن عائلة إبكجي الدونمية المعروفة التي برز منها شخصيات في أكثر من مجال.ومن هؤلاء رحشان ارال زوجة رئيس الوزراء الأسبق بولند أجويد وهي أيضا من عائلة دونمية معروفة.أيضا وأطلان أويمن الذي أصبح في التسعينات رئيس هذا الحزب وهو صحفي معروف ومؤسس وكالة ألأخبار “أنكا” وكان وزيرا في حكومة أجويد الثانية وتانسوجلر وزيرة خارجية ورئيسة وزراء تركيا في التسعينات هي من عائلة دونمية من طرف الأم وما زال الجيش فيه الكثير من الضباط الكبار من الدونمة. ولكن من الصعب معرفة هؤلاء بسبب الأسماء التي يستعملونها.وقدرت صحيفة الجويش كرونكل اليهودية عدد أعضاء الدونمة في تسعينات القرن الماضي بأربعة وأربعين الفا.ولكن الغاز زورلو ذكرفي كتابه ” نعم انا سالونيكي”(دونمي) أن عدد أعضاء الدونمه يبلغ مائة ألف.وكان هذا الكتاب قد أثار نقاشا واسعا في تركيا في نهاية التسعينات من القرن الماضي بسبب كثير من الإعترافات حول الفرقة.
أما بالنسبة الى كمال أتاتورك الذي ذكربعض المؤرخين أنه كان منهم، فقد وجدت نصين في مصادر يهودية يؤكدان ذلك، وأحد هذين النصين وجدته في دائرة المعارف اليهودية التي جاء فيها: “لقد أكد الكثير من يهود سالونيك أن كمال أتاتورك كان أصله من الدونمة وهذا هو أيضاً رأي الإسلاميين المعارضين لكمال أتاتورك ولكن الحكومة تنكر ذلك”.
والنص الآخر جاء في كتاب يوقايم برنز “اليهود السريون” الذي ذكرته سابقا “كان محمد جاود بك وكمال أتاتورك من أعضاء الدونمة المتحمسين والنشيطين وان بعض الأتراك كانوا يعرفون أن كمال أتاتورك كان منهم فحاولوا استعمال هذا الانتماء من أجل القضاء عليه سياسياً، ولكنهم لم يفلحوا في ذلك”.وقدرت صحيفة الجويش كرونكل اللندنية عدد أعضاء الدونمة في التسعينات بأربعة وأربعين الفا.وأرى  من المناسب هنا أن أذكر ماجاء في إحدى رسائل الشاعرة الكبيرة المرحومة فدوى طوقان لي بتاريخ18-9-1993 عن الدونمه لفائدتها وأهميتها”يرجع سماعي لأول مرة بكلمة الدونمه إلى عام 1969.وظللت أجهل مدلولها ومصدرها إلى أن قرأت كتابك فشكرا لك.أما عن سماعي بها لأول مرة فهو كالتالي:كان هناك مستشار لموشي ديان في شؤون الضفة الغربية المحتلة اسمه داود فرحي(توفي غرقا قبل سنوات)التقيت به في إحدى المناسبات تحدث فيها عن حكاية طريفة حدثت حين كان طالبا في احدى جامعات اسطنبول.قال إنه كلف ذات يوم بالقيام بمهمة الترجمة لإسرائيلي ذي شأن زار تركيا بصفة رسمية وقد أبدى الزائر رغبته في زيارة ضريح شخصية كبيرة من جماعة الدونمه فرافقه فرحي بصحبة ضابط تركي مسلم إلى حيث الضريح وأثناء وقوفهم المتخشع في المكان ظهرت على وجه الضابط علامات تأثرعميق وانهمرت دموعه ولما سأله الزائر الإسرائيلي عن سبب بكائه أعلن عن حقيقة كونه من فرقة الدونمه”
وللمزيد من التفصيل والإطلاع على مصادر البحث  يراجع كتابنا “فرقة الدونمة بين اليهودية والإسلام” الذي توجد نسخة منه على موقعنا هذا.

من مفكري الحركة الصهيونية يعقوب كلتزكن د.جعفر هادي حسن

لا يعرف القارئ العربي في الغالب من قادة الصهاينة ومنظريها إلا أولئك الذين كانت لهم أدوار قيادية أو سياسية معروفة في الحركة الصهيونية، خصوصاً بعد إقامة الكيان الصهيوني. ولكن هناك مفكرون صهاينة آخرون يجهلهم أغلب القراء العرب مع أنهم أسهموا في تطور هذه الحركة وفي تطرفها ولعبوا دوراً مهماً فيها وكان لهم تأثير عميق على المؤمنين بها. ومن هؤلاء يعقوب كلتزكن.
ويعقوب كلتزكن لم يكتب فقط عن هذه الحركة وإنما كان مفكرا ومنظرا فيها.وكذلك عرف بدراساته الفلسفية ولذلك عرَفته دائرة المعارف اليهودية  بأنه “كاتب وفيلسوف وصهيوني”.وكلتزكن هو روسي الأصل، ولد في مدينة بريزا كوتوسكيا عام 1882م.وهذه السنة كانت من السنين التي عانى فيها اليهود اضطهادا في روسيا بعد اغتيال القيصر الأسكندر الثاني في السنة التي قبلها حيث بدأت فيها أول الهجرات الصهيونية إلى فلسطين والتي نظمتها جمعية “حبة صهيون” وجماعة” البيلو” وأقامتا أولى المستوطنات فيها.
وكان يعقوب كلتزكن قد تلقى دراسته الأولية في مسقط رأسه كما درس على يدي أبيه الذي كان حاخاما معروفا والذي اشتهر بتبحره في القضايا اليهودية الدينية, خاصة الدراسات التلمودية منها. كما أنه كان يجيد عددا من اللغات. وكانت دراسة كلتزكن هذه معمقة وموسعة وكانت في مجملها دراسة دينية وبسبب دراسته هذه اهتم بالحاخامين وتاريخهم حتى أنه كتب كتابا عن تقاليد  الحاخامين وتاريخهم وهولما يزل في العشرين من عمره. وقد أثرت دراسته هذه فيما بعد على نظرته الضيقة للناس وللعالم كما يتبين ذلك من كتاباته. كما أصبح وضع اليهود ومصيرهم ومستقبلهم بالنسبة له شغله الشاغل وهوسه الدائم  طيلة حياته حيث انعكس ذلك بوضوح على أعماله. ولما بلغ الثامنة عشرة من عمره هاجر الى المانيا ودرس في إحدى جامعاتها الفلسفة ثم غادر ألمانيا وذهب إلى سويسرا وأكمل دراسته في مدينة بيرن وحصل على الدكتوراه منها في الفلسفة ثم رجع إلى المانيا..
كتب يعقوب كلتزكن كثيراً وخاصة في الصحف والمجلات  اليهودية التي كانت تصدر في المانيا وسويسرا.وأصبح رئيس تحرير صحيفة”دي ولت” بين 1909_1911
وكانت هذه الصحيفة ألأسبوعية قد أنشأها مؤسس الحركة الصهيونية هرتزل في فيينا ثم أصبحت رسميا لسان حال الحركة الصهيونية الدولية منذ المؤتمر الصهيوني الخامس عام 1903 ثم كان بعد ذلك رئيس تحرير مجلة صهيونية أخرى كانت تصدر في هيدلبرج في ألمانيا من عام 1912م الى عام 1915م وفي نفس الوقت كان مدير الصندوق الخيري اليهودي. ثم أنشأ مجلة تُعنى بشؤون اليهود في العالم بالإضافة الى دار نشر اسماها عالهمشمار تنشر الكتب التي تعالج مشاكل اليهود في العالم وتهتم بقضاياهم.كما أنشأ أيضاً دارا للنشر مع ناحوم غولدمان الصهيوني المعروف اسماها اشكول. وفي عام 1914 نشر كتابا  يحتوي على مجموعة مقالات كان قد نشرها سابقا بعنوان عبري وهو”تخوم” (حدود وهو نفس المعنى العربي) وومضمونه بالألمانية. وفي عام 1924 بدأ مع ناحوم غولدمان بنشر دائرة المعارف اليهودية وكان هو المسؤول عن تحريرها. وقد ظهر منها عشرة أجزاء بالألمانية ثم توقفت عام 1934  بعد صعود النازية في المانيا.وقد ترجمت خمسة اجزاء منها إلى العبرية.
وإلى جانب ذلك الَف قاموسا في المصطلحات الفلسفية العبرية في أربعة مجلدات وكتابا بالإنجليزية بعنوان
وقد نشره عام 1943 In Praise of wisdom
ومن أهم كتبه كتاب بعنوان “ألأزمة والحكم في اليهودية”وعندما جاء النازيون إلى الحكم في المانيا غادرها الى سويسرا ثم استقر في الولايات المتحدة عام1941 حيث أصبح استاذاً  في كلية الدراسات اليهودية في شيكاغو ثم ترك أمريكا واستوطن فلسطين ومات فيها(أو في سويسرا) عام 1948م. واهتم كلتزكن باللغة العبرية والحفاظ عليها لأنها في رأيه جزء من هوية اليهودي لأنه يعتقد أن الذي يجعل ألأمة أمة هما اللغة وألأرض وأن على اليهود أن يتكلموا اللغة العبرية عندما يحصلوا على ألأرض(1).ولما علم في عام 1930م أن الإتحاد السوفياتي أخذ يشدد على اليهود في استعمال اللغة العبرية حيث اعتبر اليدش لغتهم واللغة العبرية لغة أجنبية كتب رسالة احتجاج الى المسؤولين ووقعها معه شخصيات يهودية مهمة منهم البرت اينشتاين العالم الفيزيائي المعروف وصاحب نظرية النسبية. ويعتبر مؤرخو الحركة الصهيونية يعقوب كلتزكن من الذين كان لهم تأثير واضح على الحركة الصهيونية(2)
وقد انتقد يعقوب كلتزكن وهاجم بعض الفلاسفة اليهود من السابقين عليه والمعاصرين له لأنهم لم يؤمنوا بما آمن به ولم ينهجوا تماماً نفس النمط من التفكير الذي نهجه.وأهم هؤلاء هم ثلاثة بندكت( باروخ) سبينوزا(ت 1677) الذي ولد وعاش في هولندا وكوهن هرمان(ت1918) وهو الماني وآشر هرش غنزبرغ المعروف  باسمه المستعار”أحد هاعام” (أحد الناس) (ت1927) وهو روسي.فالفيلسوف سبينوزاعرف كفيلسوف أوربي شارك مشاركة مهمة في تطور الفلسفة الغربية و أصبحت آراؤه جزءا منها ولايذكر تاريخ هذه الفلسفة إلا ويذكرسبينوزا كأحد المساهمين الرئيسن فيها.ولكن سبينوزا كونه يهوديا تطرق أيضا إلى قضايا تخص اليهود واليهودية مثل قضية الشعب المختار وكذلك طبيعة التوراة باعتبارها الكتاب الرئيس للشريعة اليهودية .فسبينوزا يرفض فكرة الشعب المختار التي يتمسك بها اليهود.اعتمادا على ماورد عنها في التوراة وغيرها من الكتب اليهودية.فهو قد رفضها جملة وتفصيلا إذ لايرى  الشعب اليهودي متميزعن غيره. وقال في هذا الخصوص ” إن الرب لايفرق بين الشعوب وهو يحبهم جميعا ويرغب في أن تكون حالهم طيبة. كما أن الرب لم يختر اليهود من أجل التوراة( وهذا ما يقول به اليهود وخاصة المتدينين منهم فهم يعتقدون بأن يهوه اختارهم لأنه عندما عرض التوراة على الشعوب ومنهم العرب فإنهم رفضوها بينما قبلها اليهود ولذلك أصبحوا مختارين عنده).  وقال أن اليهود ليس لهم وضع خاص عند الإله وهم ليسوا أكثر فهما من ألاخرين ولا أكثر فضائل منهم. وقال ايضا وإذا كان اليهود يعتقدون حقيقة أنهم شعب مختار فليعتقدوا ذلك ولكن ليس هناك فرق على الإطلاق بين اليهود وشعوب العالم الأخرىمن حيث ماحققوه روحيا وفكريا. واليهود إنما بقوا هذه الفترة الطويلة على قيد الوجود ليس بسبب عناية خاصة من الرب وإنما بسبب كره الشعوب لهم. بل ذهب سبينوزا الى أبعد من ذلك، واعتقد بأن العبريين القدماء كانوا جهلة غير مستنيرين وما وضع في التوراة من نبوءات وأحكام وتهديد ووعد ووعيد وشريعة إنما كان ذلك من أجل كبح جماح حياة الفوضى التي كانوا يعيشونها ومن أجل تنظيمها. كما انتقد سبينوزا التوراة وقال إنها كتبت على أيدي كتبة بعد قرون من وفاة النبي موسى.ومعروف أن الحاخامين في هولندا أصدروا  “حِرم”(طرد) بحقه ( وهو يعني العزل عن اليهود والطرد من اليهودية) بسبب آرائه هذه.(3) وانتقد يعقوب كلتزكن كذلك أستاذه هرمان كوهن وكان هذا الفيلسوف قد كتب كثيرا خاصة عن الفيلسوف الألماني “كنت” حيث أعطى تفسيرا نقديا جديدا لفلسفته وأصبحت تسمى فيما بعد مدرسة ملبورغ للكانتية الجديدة  (ملبورغ هي الجامعة الألمانية الـي درَس فيها هرمان لفترة طويلة) .وهرمان من أتباع المذهب اليهودي الإصلاحي وكتب عن اليهودية والدفاع عنها. ومن أهم كتبه “فلسفة اليهودية”.ولكن هرمان لم يكن متحمساً للصهيونية السياسية ولامؤمنا بها. وكان من رأيه امكانية أن يصبح يهود الشتات جزءاً من المجتمعات التي يعيشون فيها. ونفى أن يكون لهم ولاء مزدوجا ولكنه كان يرى أن على اليهود أن يحافظوا بصدق على  دينهم  وتراثهم.وهو ينتقد الصهيونية السياسية لأن أدبياتها ترفض فكرة المسيح المخلص بانشائها الدولة “إذ بدون المعتقد المسيحاني اليهودي لايوجد دين” كما أن هذه الأدبيات مليئة بالهزء الرخيص للدين كما يقول كما أنه يرى أيضا بأن الصهيونية تضعف الدين.وانتقد خلط الصهيونيين في موضوع القومية فاليهود في رأيه لهم قومية خاصة بهم حتى لو كانوا يعيشون مع شعب آخر (4) كما فسرفكرة” الشعب المختار” التي يؤمن بها اليهود تفسيرا مختلفا عما هو معروف بين اليهود. وكلتزكن يرفض أن يبقى اليهود جزءا من المجتمعات التي يعيشون بينها. ويقول انه عندما يكون الشعب مشتتا بين البلدان ومقسما بين الشعوب فإنه في النهاية سيُبتلع من قبل هؤلاء عندما يكون الدين غير قادر على منع ذلك. أما بالنسبة إلى يهود الشتات فإنه يرى بأنهم يجب أن يضعوا الحدود بينهم وبين الشعب الذي يعيشون بينه وإذا لم يفعلوا ذلك فإنهم
سيندمجون ويختفون كما اختفت في القديم شعوب كثيرة. ويرى بأن مكان اليهودي هو فلسطين وإن اليهودي لا حياة حقيقية له إلا في الهجرة إليها وربما يتمكن اليهود من البقاء على وجودهم في الشتات ولكن هذا الوجود سيكون وجودا غير حقيقي لأن اليهود لا يمكن أن يحققوا صفاتهم القومية في الشتات ،إذ يبقى اليهودي فيه ناقصا غير كامل فيه.(وهذا الكلام يقول به أيضا الحاخام أبراهام اسحق كوك ت1938 رائد الصهيونية الدينية) ويرى بان اليهودي ليس له أية قيمة في بقائه خارج فلسطين وأية قيمة تذكر للشتات فهي بالتحضير للهجرة إلى فلسطين.وجعله وطنا قوميا لهم. وهو من الذين يرون بأن الشتات في آخر المطاف سينتهي وهو لا يرى حلا وسطا فإما فلسطين أو الإندماج. وهو قد قال كلاما شديدا عن الذين لايمانعون في الإندماج ويرى بأن الذي يدعو إلى الإندماج يخرج عن كونه يهوديا كالذي يتحول إلى ألممسيحية(5) ويرى كذلك بأن وضع الشتات اليهودي بعد عصر الأنوار أصبح أضعف مما كان عليه قبله إذ أصبح اليهود أقل تمسكا بالدين والتقاليد ولذلك أصبح الإندماج سهلا. وهو يعطي سببين لاختفاء اليهود في الشتات أحدهما  سبب خارجي وهو اللاسامية والسبب الآخر هو سبب داخلي وهو ألإندماج التدريجي.
وانتقد كذلك إحد هاعام الذي كان يعتقد بأن حل المشكلة اليهودية يكمن بما يسميه “إحياء الروح اليهودي” وتقوية العلاقة بين اليهود وتراثهم وضرورة تعميق التربية والثقافة اليهوديتين وكانت هذه من الأسباب التي جعلته يرفض الصهيونية السياسية التي جاء بها هرتزل حيث اعتقد أن هرتزل ونوردو(زميل هرتزل) قد أهملا القََيم اليهودية والثقافة وهو ما يجب التأكيد عليه في رأيه . واعتقد بأن فلسطين يجب أن تكون مركزاً روحياً لليهود وموطن اشعاع والهام لهم .ومع أنه كان زعيما لمنظمة “حبة صهيون” وكان يدعو إلى هجرة اليهود التدريجية فهو كان يعتقد أيضاً بأن يهود الشتات سوف تحل مشاكلهم في نهاية الأمر ويحصلون على حقوقهم المدنية من قبل الدول التي يعيشون فيها.ولكن كلتزكن اعتبر الصهيونية الروحية خطراً عظيماً على النهضة القومية لليهود جمعيا ولهم كاشخاص لأنها في رأيه”تربط أرواح اليهود بسلاسل التقاليد والقيم القديمة”.والغريب أنه اعتبر الدعوة إلى الصهيونية  الروحية نوعا من الشوفينية كما رفض أن تكون هوية اليهودي قائمة على أساس روحي.
وكان إحد هاعام قد استقر في فلسطين وتوفي فيها.وعندما زار فلسطين أول مرة اعترف بوجود سكان فلسطينيين كثيرين فيها وقال إنهم سيرفضون المستوطنين اليهود واعتبر ذلك مشكلة تواجه الحركة الصهيونية.و قال عن أرض فلسطين وناسها ” نحن في خارج فلسطين نميل للإعتقاد بأنها بلد خالية(من الناس) تماما وأنها صحراء لانبت فيها وأن بإمكان أي شخص أن يذهب إلى هناك ويشتري أرضا كما يحب ولكن واقع الحال ليس كذلك إذ من الصعب أن يجد ألإنسان في البلد أي أرض غير مزروعة” وقال “إن على اليهود أن لايعتبروا أنفسهم متفوقين على العرب بل إنهم يجب أن ينظروا إليهم على أنهم  أناس يعتزون بأنفسهم كثيرا.كما أننا نحن نميل إلى ألإعتقاد بأن كل العرب هم صحراويون برابرة وأنهم أناس مثل الحمير لايعرفون ما يدور حولهم ولا يفهمونه وهذا خطأ كبير…إن العرب خاصة سكان المدن منهم يفهمون جيدا ماذا نريد وماذا نحن نعمل في البلد ولكنهم يتظاهرون بأنهم لايعرفون ولاينتبهون لأنهم لايرون في الوقت الحاضر أي خطرعلى أنفسهم أو مستقبلهم فيما نقوم به  ويحاولون أن يحولوا عمل هؤلاء الضيوف الجدد لصالحهم ولكن عندما يأتي اليوم الذي تكون فيه حياة شعبنا في أرض إسرائيل قد وصلت إلى درجة بحيث تدفع الناس المحليين جانبا كثيرا أو قليلا فانه سوف لايكون من السهولة أن يتخلوا عن أرضهم.”وقال “إن المستوطنين يجب أن يتعاملوا مع السكان المحليين بحب واحترام”(6) وهو في آرائه هذه يختلف عن الكثير من الصهيونيين الذين كانوا يرددون زيفا بأن فلسطين أرض بلا شعب لشعب بلا أرض.
وهذه بعض الآراء التي تعطي فكرة أوضح عن أفكاركلتزكن الصهيونية ونظرته اليها وهي أفكار عبرعنها قبل حدوث المحرقة النازية.
فهو يرى في اليهود شعبا مختارا ومنتقى وأنه نسيج وحده في دينه وثقافته وعقليته لا يدانيه في هذا شعب ولا تطاوله أمة ولذلك فإن هذا الشعب يجب أن يعيش في بلد لا يشاركه فيه أحد من بقية الشعوب تمييزاله واعترافاً بأهميته.  وهو يرىبأن اليهودي الحقيقي هو الذي لا يخلص للبلد الذي يعيش فيه، بل يكون اخلاصه ليهوديته وقوميته، وفي نص كتبه عام 1921م مأخوذ من كتابه “الأزمة والحكم في اليهودية” يقول كلتزكن فيه: “نحن يهود بلا قيد أو شرط، ونحن يهود بلا تحفظ. نحن ببساطة غرباء في وسطكم ونؤكد بأننا نرغب أن نظل كذلك. إن بيننا وبينكم فرقاً شاسعاً لا يمكن أن يمد عليه جسر. إن روحيتكم وأساطيركم وقصصكم وعاداتكم وتقاليدكم كلها غريبة عنا وتراثكم القومي ومقدساتكم الدينية والقومية والوطنية وكذلك آحادكم وأعيادكم أيضاً غريبة عنا. تاريخ انتصاراتكم وهزائمكم وأغانيكم الحربية وأشعار معارككم وأبطالكم وأعمالهم العظيمة وطموحاتكم القومية وأمانيكم وآمالكم كلها غريبة عنا. وحدود بلدانكم لا يمكن أن تحدّ من تحركنا ونزاعاتكم الحدودية ليست من اهتماماتنا وإن وحدتنا اليهودية تقف شامخة عالية فوق حدودكم وتقسيمات بلدانكم. وكل يهودي يسمي الأرض التي يعيش فيها أرض الآباء فهو خائن لليهود وكل الأبطال اليهود الذين خاضوا حروباً مع غير اليهود لا يعنون شيئاً لنا وعلى اليهود أن لا يعلقوا على صدورهم النياشين والميداليات فهؤلاء ليسوا أبطالا يهوداً. فاليهودي المخلص لا يمكن أن يكون غير يهودي.
نحن نؤمن بالوحدة القومية لليهود في أرض يعيشون فيها ولذلك فإنه ليس هناك حدود تمنعنا من أتباع سياستنا اليهودية الخاصة بنا. إن ديننا اليهودي غني بالوقاية التي تجعل شعبنا ذا مناعة ضد التأثيرات الأجنبية فهو على العكس من الأديان الأخرى التي هي عبارة عن مجموعة من التعاليم والمعتقدانت. بل إنه مجموعة قوانين منظمة وبحفاظنا على هذه القوانين، فإننا برهنا على حقنا في تقرير المصير، أي أن الذي يحكمنا هو قوانينا فقط. لقد اضعنا دولتنا ولكننا لم نضع دستورنا. إن الحقيقة اليهودية هي سرّ الدين اليهودي. إنها جعلتنا ننشدُّ الى بعضنا البعض في وحدة لأنفسنا فقط حتى في الشتات، فإنها أبقتنا شعباً داخل شعب ودولة داخل دولة. نحن لم نكن أبداً مجموعة دينية فقط…
إن هناك سوراً قوياً محكم البناء بنيناه بأنفسنا وهذا السور هو الذي يفصلنا عن الشعب الذي نعيش فيما بينه. وخلف هذا السور تعيش دولة يهودية مصغرة.
إن الفرق لعظيم بين اليهود والشعوب الأخرى، وانه لا توجد ذرة من الشعور في ضمير اليهودي للتعلق بالقومية الألمانية… نحن من الممكن فقط أن نعيش أحراراً في الشتات بين تلك الشعوب التي لم تنضج عندها بعد روح الوطنية، ولذلك فإذا بلغت الولايات المتحدة مرحلة النضج، فإننا عندئذ سنفقد مستعمراتنا فيما وراء البحار”وهذه العبارة الأخيرة لها من الدلالات الشيئ الكثير.
وعندما جاء النازيون الى الحكم في المانيا وأرادوا أن يثبتوا للعالم بأن اليهود
لايشعرون برابط نحو البلد الذي يعيشون فيه، ولا ينتمون إليه ولا يعتبرون    أنفسهم ذوي صلة به، وإنما هم يضعون مصالحهم القومية والدينية فوق مصلحة ذلك البلد قاموا بتكليف مجموعة  من المنظرين النازيين منهم ثيودور
فرتش وك. ت. وولف، وف. روز، وف. ملر لكي يبحثوا في كتابات اليهود     ويستخرجوا نماذج منها تكون دليلاً يدعم ما كان يراه النازيون في اليهود فوقع اختيار جميع هؤلاء المنظرين على نماذج من كتابات
كلتزكن لتأكيد وجهة نظرهم وإثباتها(7)
1-A.Hersburg,The Zionist Idea,p315
2  -Encyclopedia Judaica:kletzkin,Jacob
3- ibid, Spinoza
4- Walter Laqueur,The History of Zionism p395
5- Gideon Shimoni,The Zionist Idea,p326
6   – Dan Cohen- Sherbok, Judaism,p.292                                    .
7     -Moshe Menuhim,The Decadence of Judaism in Our
Time,pp482-3.