باكستان على طريق التطبيع مع إسرائيل  د.جعفر هادي حسن By Dr. Jafaar Hadi Hassan     

مبادرة باكستان الحالية في عقد محادثات مع إسرائيل للاعتراف بها وإقامة علاقات ديبلوماسية معها ليست الأولى، فقد سبقتها محاولة أخرى قبل أكثر من خمسين سنة كادت أن تؤدي الى اقامة علاقات ديبلوماسية بين البلدين. فبعد ظهور إسرائيل وقبولها عضواً في الأمم المتحدة، عُقدت لقاءات بين مندوب إسرائيل في الأمم المتحدة آبا ايبان (وزير الخارجية في ما بعد) ونظيره الباكستاني أحمد شاه بخاري. وكانت اللقاءات التي أصبحت محادثات حول اعتراف باكستان بإسرائيل بتشجيع من وزير خارجية باكستان ظفرالله خان – الذي كانت التقارير الإسرائيلية السريّة تسميه الأحمدي – توقفت بعد اغتيال رئيس الوزراء ليافت علي خان عام 1951، الذي ظلت أسباب اغتياله غامضة. وكان آبا ايبان ذكر في أحد تقاريره أن باكستان كانت على وشك الاعتراف بإسرائيل. ولا يعرف السبب الذي حدا بباكستان للقيام بهذه المبادرة، خصوصاً ان الشعب الباكستاني كان يتظاهر ضد التقسيم ويرفضه، كما أن دماء الفلسطينيين والعرب لم تكن قد جفت ولا عجاج المعارك قد انجلى بعد. وما ذكره آبا ايبان من أن باكستان كانت تريد أن تحرج الهند – التي لم تكن قد اعترفت بإسرائيل بعد – باعترافها بإسرائيل قبلها، لا يبدو سبباً مبرراً اطلاقاً. ثم كان هناك بعض اللقاءات القليلة، مثل لقاء السفير الإسرائيلي المتجول روزن شبتاي بوزير الخارجية الباكستاني فيروز خان نون في الخمسينات، ومنها اللقاءات بين الطرفين في الحفلات الديبلوماسية واللقاءات غير العلنية. وكان الشخصية اليهودية المعروفة روتشيلد يلعب دوراً في دفع باكستان للاعتراف بإسرائيل. ومبادرة الجنرال برويز مشرّف الحالية تأتي بعدما هيأ لها ببعض التصريحات، فهو قال في مقابلة مع فضائية خاصة: «يجب تقويم سياستنا نحو إسرائيل والنظر اليها نظرة جديد من دون عاطفة… لأننا لا نريد أن نكون فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين أنفسهم ولا كاثوليك أكثر من البابا». وعندما التقاه شمعون بيريز في المنتدى الاقتصادي في دافوس، قال له إن هناك اشاعات كثيرة بأن علاقة قد اقيمت بين بلدينا. فقال مشرف: إننا نبذل جهداً كبيراً لتحقيق هذا الغرض… ولكنكم يجب أن تتقدموا في حل القضية الفلسطينية. وهو كان يقول للإسرائيليين والأميركيين إنه ينتظر الوقت المناسب للاعتراف بإسرائيل. وكان وفد من شخصيات يهودية أميركية قد زاره في ايار (مايو) وتحدث معه حول موضوع الاعتراف ضمن مواضيع أخرى. وكان هذا الوفد نفسه قد اقترح عليه أن يلقي خطاباً في مؤتمر يهودي للأديان في أيلول (سبتمبر)، وهو قد وافق على ذلك. وطبقاً لما ذكرته صحيفة «جيروزاليم بوست»، فإن الجنرال برويز مشرّف هو الذي بادر الحكومة الإسرائيلية بأن يكون هناك اجتماع علني بين البلدين، وطلب من تركيا أن يكون الاجتماع في اسطنبول بين وزيري خارجية البلدين. وطبقاً لما ذكره سيلفان شالوم، وزير خارجية إسرائيل، فإن اجتماعات أخرى ستعقب هذا الاجتماع. وذكرت الصحيفة المذكورة أن مشرّف سيجتمع بأرييل شارون في نيويورك على هامش اجتماعات منظمة الأمم المتحدة في هذا الشهر (ايلول/ سبتمبر). وعلى رغم أن وزارة الخارجية الباكستانية نفت ذلك، فإن مندوب باكستان فيها جهانكير كرامت قال إذا حصل أي لقاء بين الزعيمين، فإن ذلك سيكون من باب المصادفة ولا ضرر في ذلك. وقد جرى ترتيب «المصادفة» وحصلت فعلاً في سياق احدى المناسبات التي رافقت القمة العالمية. وحاولت باكستان أن تقلل من أهمية هذه الخطوة وتؤكد أنها لا تعني إقامة علاقات ديبلوماسية على رغم تصريح وزير الخارجية الإسرائيلي بقوله إن «الاجتماع كان مهماً جداً… واننا نأمل بإقامة علاقات ديبلوماسية»، فهي أعلنت بلسان ناطق باسم مشرّف أن الاجتماع لا يعني إقامة علاقات ديبلوماسية الآن، وأنه من المبكر الحديث عن هذه العلاقة، ولكن هذا سيحدث بعد انشاء دولة فلسطينية مستقلة وبعد مشاورات مع الدول الإسلامية، وهذا الاتصال هو اتصال غير مباشر! وقال وزير خارجية باكستان إن هذه المحادثات لا تعني الاعتراف، إذ أن هذا يأتي بعد حدوث تقدم نحو القضية الفلسطينية. ولكن هذا الكلام، على ما يبدو، يراد منه تهدئة غضب المعارضين لهذه الخطوة في باكستان وغيرها. وقال أحد زعماء هؤلاء المعارضين: «إنه يوم اسود للشعب الباكستاني، وإننا نرفض العلاقات (مع إسرائيل)». ومهما حاولت باكستان أن تقلل من الخطوة التي قامت بها، فإنها البداية لمسيرة التطبيع، كما ذكرت المصادر الإسرائيلية، حيث ستكون الخطوة التالية إلغاء المنع على الباكستانيين من السفر الى إسرائيل، حيث تأمل إسرائيل بزيادة أعداد هائلة منهم لها. ثم يتبع ذلك تبادل الوفود على المستوى الوزاري وغير ذلك، تم تتوج هذه الخطوات بإقامة علاقة ديبلوماسية كاملة. ويتساءل البعض عن السبب الذي دفع باكستان لاتخاذ هذه الخطوة ذات الأبعاد المهمة والتي ستؤثر على طبيعة الوضع الحالي في المنطقة، وهل أن باكستان مضطرة لاتخاذ مثل هذا القرار. يرى الكثير من المحللين أن هناك قضيتين رئيسيتين لعبتا دوراً في هذا التحرك، وهما علاقة باكستان بالولايات المتحدة، وعلاقتها بالهند عدوها التاريخي. فبالنسبة الى علاقتها مع الولايات المتحدة، فقد وصلت باكستان – كما يقول المحللون – الى قناعة بأن رضا الولايات المتحدة والحصول على مساعدتها وكسب تأييدها لا بد وأن يمر عبر إسرائيل، خصوصاً بعد احتلال العراق الذي أصبح يخيف الآخرين ويرعبهم، وكانت الأولى قد طلبت من الثانية أن تقوم باتخاذ خطوة الاعتراف وتطبيع العلاقات. وهناك مجموعة من أعضاء الكونغرس المهمين كانوا يضغطون على باكستان في هذا الاتجاه، وكان الجنرال مشرّف يعدهم بذلك منتظراً الوقت المناسب كما ذكرت، وجاء إعلان إسرائيل عن نيتها بالخروج من غزة هو الظرف المناسب لذلك. أما بالنسبة الى علاقتها مع الهند، فهذه الدولة لها علاقات مع إسرائيل منذ سنين، وقد تطورت هذه العلاقات كثيراً، وأصبح للجانب العسكري دور مهم في ذلك، كتصدير إسرائيل معدات متقدمة وتبادل معلومات وتدريب على أسلحة متطورة… الخ. وتريد باكستان من علاقتها مع إسرائيل أن تحدث توازناً في هذه العلاقة حتى لا تكون علاقة إسرائيل بالهند على حسابها وتكون هي الطرف الخاسر. وبعضهم يضيف سبباً آخر وهو حاجة باكستان الى التقنية الحديثة التي كانت تحصل عليها في السابق من الولايات المتحدة عن طريق البعثات الطلابية والمنح التي وضعت عليها الولايات المتحدة بعد الحادي عشر من أيلول الكثير من القيود والشروط وستكون إسرائيل هي الخيار في هذا المجال. ومهما كانت الأسباب، فإن تطبيع باكستان – الدولة الإسلامية الثانية في عدد النفوس – علاقتها مع إسرائيل ستكون له نتائج خطيرة. فهي ستفتح الباب على مصراعيه لدول عربية – إسلامية تجري محادثات في السر حالياً – أو لا تجري في الوقت الحاضر – أن تتسابق مع بعضها في تطبيع علاقتها مع إسرائيل حتى قبل أن يحصل الفلسطينيون على قطعة أرض محررة، ناهيك عن دولة مستقلة. كما أن هذه العلاقة ستقوي من إسرائيل اقتصادياً، حيث ستكون باكستان سوقاً واسعة للبضائع الإسرائيلية والمعدات العسكرية، حيث تريد إسرائيل أن تصبح الدولة الأولى في تصدير هذه المعدات، إضافة الى قدوم السياح من باكستان إليها. وإسرائيل بهذه العلاقة ستكسب بلداً يصوّت الى جانبها في المحافل الاقليمية والدولية، حيث تشكو إسرائيل من أنها لا تلعب دوراً في هذه المحافل. ومن الطبيعي أن يجلب التطبيع معه التجسس تحت الغطاء الديبلوماسي وغيره، فوجود الإسرائيليين على مقربة من إيران – التي تعتبرها إسرائيل العدو الأول لها والتهديد الأخطر على وجودها – هي فرصة نادرة لا يمكن أن تفرط بها أو لا تستغلها. وهناك قضية أخرى لا يعرف عنها غير المهتمين بها، وهي أن المنظمات اليهودية مثل منظمة كلانو (كلّنا) ومنظمة عامي شاب (شعبي رجع) تقوم منذ سنين بمحاولات لتهويد قبائل توجد بين باكستان وأفغانستان (والهند)، ويصل عدد أفراد هذه القبائل الى الملايين، ومنها قبيلة البتان المعروفة. وهذه المنظمات اليهودية تقوم بعملياتها سراً وتصرّ على أن هذه القبائل اصولها يهودية ويجب أن ترجع إليها، ومن نشاطاتها طبع كتب دينية بلغات هذه القبائل. ووجود الإسرائيليين في باكستان سيسهل هذه العمليات (التبشيرية) بالديانة اليهودية، ويزيد من نشاطاتها. ومعروف عن بعض هذه القبائل أنها تطمح للاستقلال في منطقتها منذ عقود. ومن كل هذا وغيره ستكون إسرائيل هي المستفيد من هذه العلاقة والجانب الرابح فيها.

نشرهذا المقال في صحيفة الحياة 2005

يوستن غاردر وحرب إسرائيل على لبنان د.جعفر هادي حسن   

يوستن غاردر كاتب ومفكر نرويجي معروف على المستوى العالمي  وقد طبع من مؤلفاته ملايين النسخ وترجمت بعض رواياته إلى أكثر من أربعين لغة ومن أشهر رواياته روايةSophy’s World
وهو أيضا قد حصل على جوائز نروجية وغير نرويجية .وعندما كانت الحرب الإسرائيلية على لبنان على أشدها نشر مقالة مهمة بعنوان” شعب الله المختار” في بداية أب-أغسطس الماضي في صحيفة نرويجية واسعة الإنتشار. والمقالة في أغلبها نقد شديد ومباشرلإسرائيل وما قامت به في الحرب على لبنان وكذلك ما قامت به قبلها.وتبدى غاردر غاضبا وساخطا في مقالته وموجها لإسرائيل تهما من النادر أن يكون قد وجهها شخص أوربي غير يهودي  لسياسة إسرائيل في العصر الحديث خاصة إذا كان معروفا عالميا. بل إن نقده تعدى إسرائيل ومس المعتقدات اليهودية مباشرة لأنها في رأيه اعتمدت عليها دولة إسرائيل فيما تقوم به من أعمال وصفها بأنها لاإنسانية وعنصرية .وبسبب هذا المستوى من النقد الذي وصل حد التشكيك بوجودها كدولة وطالب بسحب الإعتراف بها, قيل إن المقالة بنت ساعتها وظرفها وإنها سورة غضب خرجت ثم قرت وأنها لم تكن نتيجة تأمل وإعمال فكر. ولكن الأمرلايبدو كذلك لأن مستوى النقد وطبيعته وما تضمنه من قضايا مهمه-  تتجاوز النقد المعروف لسياسة إسرائيل- يجعل الإنسان يعتقد بأن المقالة كتبت بعد تفكير وتأمل.لأن غاردر يعرف أهمية نفسه وعالمية إنتاجه. ولذلك فهو يحسب حسابا لما يقوله في مسألة ذات حساسية لإسرائيل خاصة واليهود عموما. فالمقالة لم تكن بنت لحظتها ولكن الظروف الماساوية من تدمير للبنية التحتية والقتل المتعمد للناس في لبنان الذي ارتكبته إسرائيل أثارت مشاعره وراى بأن الظرف مناسب لطرح أفكاره كي يعرفها الناس فأظهر ما كان يعتقده ويضمره.وهو قد أكد ذلك في مقابلة مع كيج نيوزعندما قال” إنني منذ فترة وأنا أفكر بمجابهة إسرائيل التي تستغل الدين من أجل مصالح سياسية.” .ولذللك فهو لما طولب أن يعتذر رفض الإعتذار ورفضه هذا يؤكد قناعته بما جاء في نقده مع أنه  كان يعرف مسبقا ما الذي  سيجلبه عليه هذا النقد.
وفي هذا المقال سأذكر بعض المقاطع التي وردت في مقالة غاردروالتي كنت  قد ترجمتها من الإنجليزية مع بعض التعليق عليها. وغاردر يبدأ نقده لإسرائيل بالدعوة إلى سحب الإعتراف بها فيقول ” لقد حان الوقت أن نتعلم لازمة جديدة(وهي) إننا لم  نعد نعترف بدولة إسرائيل وأنه لارجوع عن ذلك …. كما يجب أن نتعود على فكرة أن إسرائيل في وضعها الحالي أصبحت تأريخا… وإن دولة إسرائيل بحروبها اللاعقلانية وأسلحتها البغيضة قد ذبحت شرعيتها.فهي قد خرقت بانتظام القانون الدولي وكذلك الأعراف الدولية ورفضت عددا كبيرا من قرارات الأمم المتحدة. ولذلك لم يعد لها حق الحماية من هذه…. ونحن الآن في مرحلة فاصلة وليس هناك من تراجع.إذ أن إسرائيل قد قضت على اعتراف العالم بها وسوف لا ترى سلاما حتى تلقي سلاحها”  ….. ونحن لا نعترف بدولة إسرائيل اليوم وفي هذه اللحظة التي نكتب فيها الآن وهي لحظة أسف وغضب.” وهو يقول إنه يعترف بإسرائيل عام1948 ولكن ليس بإسرائيل عام 1967″فنحن نعترف بدولة إسرائيل لعام1948 ولا نعترف بها لعام 1967. إن هذه لاتعترف بقانونية دولة 1948 ولا تحترمها فهي تريد قرى أكثر وتريد ماء أكثر ومن أجل تحقيق ذلك فإن بعض هؤلاء(الإسرائيليين) يطلبون مساعدة الرب لإيجاد الحل النهائي للقضية الفلسطينية”
واستعمال غاردر لعبارة” الحل النهائي” إشارة مهمة وموحية لما كان يستعمله النازيون نحو اليهود حيث كانوا يستعملون العبارة نفسها بحق اليهود وهوهنا يماثل بين النازيين والإسرائيليين. والتشبيه هذا يثير حنق اليهود إلى حد كبير لأنه يشبههم بجلاديهم النازيين الذين يعتبرونهم مثالا حقيقيا للشر بسبب ما ارتكبوه بحقهم. ثم يقول “ونحن نتساءل فيما إذا كان إسرائيلي واحد يعادل أكثر من أربعين لبنانيا أو فلسطينيا.لقد رأينا في الصور كيف أن البنات في إسرائيل يكتبن رسائل حقد على القنابل التي تضرب السكان المدنيين من لبنانيين وفلسطينيين.إن البنات الإسرائيليات لسن ذكيات عندما يسعدن بموت الآخرين وعذاباتهم في الجانب الآخرمن جبهات القتال.  إننا لانقبل أبدا أن هؤلاء الناس لهم تفويض إلهي او تاريخي يبرر لهم القيام بمثل هذه الأعمال المخجلة.إننا لانقبل خطف الجنود ولكننا في الوقت نفسه لانعترف بطرد شعب كامل ولا بخطف برلمانيين منتخبين طبقا للقانون ولا نقبل خطف أعضاء مجلس وزراء أيضا”.
وغاردر يرفض مايسميه اليهود وعدا إلهيا لهم بالأرض ويعتبره معتقدا لايصلح للعصر الحاضر فهو يقول” إن صبرنا قد نفذ وتسامحنا قد وصل نهايته ونحن نرفض أي وعود الهية تكون تبريرا للإحتلال والأبرتايد فنحن تركنا القرون الوسطى خلفنا”.وهو يشير هنا إلى مايفترض أنه “وعد” أعطاه الرب للنبي إبراهيم في أكثر من مكان في التوراة ففي سفر التكوين 13-14 جاء النص التالي”وقال الرب لأبرام …ارفع عينيك وانظر من المكان الذي أنت فيه شمالا وجنوبا وشرقا وغربا:إن كل الأرض التي تراها لك أعطيها ولنسلك إلى الأبد” وكذلك في15-18 من السفر نفسه “لنسلك أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات”.واليهود يعتبرون هذا الوعد إن صح تأريخيا مختصا بهم وحدهم على الرغم من أن الكثير منهم-خاصة الصهيونيين العلمانيين- لايؤمنون بالتوراة ولا يعترفون بها. وغاردر وكثير غيره يرفضون مثل هذه النصوص التي يحيط بها وبأصولها الكثير من الشك.وهذا المعتقد لا يقتصر اليوم على اليهود وإنما هناك مجموعة كبيرة من المسيحيين الذين يطلق عليهم المسيحيون الصهيونيون يعتقدون بفكرة الوعد الإلهي بالأرض لليهود وما يسمى بإسرائيل الكبرى من منطلق ديني مبني على تأويلات محرفة ومنحرفة عن الأصول المعروفة لتفسيرنصوص التوراة والإنجيل. وهي تفسيرات ما أنزل الله بها من سلطان. ويقول جون هاغي وهو واحد من هؤلاء ومؤلف لعدد كبير من الكتب في الفكر المسيحي الصهيوني عن هذا الموضوع “إن حق إسرائيل في الأرض هو حق مفروض في الكتاب المقدس وهو وعد إلهي لإعطائهم(اليهود) هذه الأرض إلى ألأبد”. بل إنه يقول إن هذا الحق يشمل العراق .وقد قام هؤلاء بعقد الإجتماعات وجمع التبرعات في الولايات التحدة الأمريكية أثناء الحرب على لبنان.بل إن البعض منهم مثل بات روبرتسون ذهب إلى إسرائيل أثناءها لتشجيع الجيش والسكان فيها على الإستمرار في الحرب والقضاء على حزب الله كما قال. وهو قد قلد في تصريحاته رئيسه جورج بوش حيث وصف المقاومين بأنهم مسلمون فاشيون وهو وصف لابد للمسلمين أن يحاربوه ويحتجوا ضده ويرفضوه وإلا فإنه سيصبح وصفا عاديا يكرره أعداء المسلمين بمناسبة وغير مناسبة.
ثم ينتقد غاردر عقيدة “الشعب المختار ويعتبرها ليست فقط غباء وغطرسة بل خدعة  وعنصرية فيقول”إننا لانؤمن بخدعة شعب الله المختارو نضحك من فكرة هؤلاء الناس ونصرخ من سوء أعمالهم. وسلوكهم  على أنهم شعب الله المختارهو ليس غباء وغطرسة  حسب وإنما هو إجرام ضد الإنسانية.بل إننا نسمي هذا عنصرية”.ويقول أيضا” إننا لمحرجون بما يعتقده أولئك الذين يقولون بأن إله النبات والحيوان والمجرات قد اختار شعبا خاصا وفضله على الأخرين وأعطاه الواحا حجرية مضحكة عند عليقة تشتعل فيها النار ثم أعطاه إجازة بالقتل. إن من يقتل ألأطفال نسميه قاتل أطفال وإننا لانقبل ابدا أن مثل هؤلاء الناس عندهم تفويض تاريخي أو إلهي يبرر لهم هذه الأعمال المخجلة. وإننا نقول العار لكل أبارتايد وللتطهير العرقي ولكل أعمال الإرهاب ضد المدنيين سواء أكانت من حماس أم حزب الله أم من دولة إسرائيل”
واليهود بصورة عامة يؤمنون بفكرة الشعب المختار ولها موقع مهم في وعيهم وكثيرا ما تحدد سلوكهم وعلاقتهم مع الآخرين. كما أن اليهود يذكرونها في صلاتهم بالقول “وأنت الذي اخترتنا”. وتذكر دائرة المعارف اليهودية” أن هذه الفكرة تعني أن اليهود لهم موقع خاص وفريد في العلاقة مع رب الكون. وهي ظلت فكرة مركزية خلال تاريخ الفكر اليهودي ومتجذرة بعمق في التوراة وطورت في التلمود والفلسفة والفكر الصوفي اليهودين وفي اليهودية المعاصرة كذلك”.كما أن التلمود أكد “على أن دور اليهود هو كونهم معلمين للشعوب”. واعتقاد اليهود بأنهم شعب الله المختار معتمد أساسا على ما جاء في التوراة من نصوص كثيرة. ”  ونقد غاردر لفكرة الشعب المختار تثير حفيظة اليهود وغضبهم  لأنه اعتبرها فكرة عنصرية كما في نصه المذكور أعلاه.  وهذه الفكرة أيضا ترفض من قبل غير اليهود من الفلاسفة والمفكرين والمؤرخين مثل برنادشو وفولتير وأرنولد توينبي وغيرهم. كما أن هناك بعض اليهود في العصر الحاضر ممن لايعترف بها ويعطيها تفسيرات أخرى.ولكن المسيحيين الصهيونيين الذين ذكرناهم  هم أيضا  يعتبرون اليهود شعب الله المختار ويجب أن يجمعوا في فلسطين كعلامة مهمة لظهور المسيح عيسى مرة أخرى. وأن من يعاديهم فهو معاد للرب. وهؤلاء يختلفون عن بقية المسيحيين الآخرين الذين يعتقدون أن مجيئ المسيح عيسى قد ألغى كون اليهود مختارين وأنه لا دور لهم في الظهور الثاني للسيد المسيح . وقد أدان الكثيرمن المسيحيين غير الصهيونيين الحرب على لبنان وأصدروا بيانات بذلك.
ونقد غاردر للألواح (اللوحين) هو نقد لصميم الدين اليهودي والشريعة اليهودية وهو يشيربذلك  إلى ماورد في التوراة في سفر الخروج 24—12 بالنص التالي”وقال الرب لموسى”اصعد إلى الجبل وأقم هنا حتى أعطيك لوحي الحجارة والشريعة والوصية التي كتبتها لتعليمهم”. وسمي اللوحان في مكان آخر من التوراة “لوحي الشهادة”كما أن ذكر العليقة المشتعلة ورد في سفر الخروج أيضا3-2 “فتراءى ملاك الرب في لهيب نار وسط عليقة. فنظر فإذا العليقة تشتعل بالنار وهي لا تحترق.”
وغاردر ينتقد الدين اليهودي ويعتبره دينا عفا عليه الزمن لايصلح لعصرنا هذا خاصة وأنه كما يقول هو دين متعصب لقومية كما أنه دين حرب.فهو يقول” وإننا لانعترف بدولة أسست على مبادئ غير إنسانية وبقايا دين عتيق دين قومية وحرب” وقد أزعج اليهود كثيرا نقده لرب إسرائيل الذي وصفه بأنه سادي لايشبع من تعذيب الناس
كما جاء في قوله ” ونحن لا نصدق أن إسرائيل قد حزنت على أكثر من أربعين طفلا لبنانيا(قتلوا) أكثر مما حزنوا(اليهود) على الأربعين سنة في الصحراء قبل ثلاثةآلاف سنة لأن الكثير من الإسرائيليين قد فرحوا بهذا النصر كما فرحوا يوما ما بعذابات المصريين(القدماء) “كعقاب مناسب” (حيث يظهر رب إسرائيل وكأنه سادي لايشبع)”
.والكلام ضد الرب  في الشريعة اليهودية يعتبر جرما كبيرا لمن يعتقد بهذه الشريعة بل حتى القسم به باطلا يعتبرمن الذنوب الكبيرة لأنه من الوصايا العشر. وقد جاء ذلك في نص التوراة في سفر الخروج 20-7″لاتلفظ اسم الرب الهك باطلا لأن الرب لايبرئ الذي يلفظ اسمه باطلا”.ولذلك فهم حتى عندما يذكرون اسمه فإنهم يشبرون له بالكلمة العبرية “هاشم” وهي تعني “الاسم” بأداة التعريف(ها).وعندما يأتون على اسم يهوه في التوراة فإنهم يقولون”أدوناي” أي “سيدي” احتراما وتبجيلا.
وهو في النص أعلاه يتهم إسرائيل بالكذب أيضا لأن حزنها كما ادعت إنما كان حزنا مزيفا وغير صادق.كما يتهم الإسرائيليين بأنهم يفرحون بالقتل.
ومما أثارانزعاج اليهود وسخطهم أيضا هو اقتباسه لبعض أقوال السيد المسيح معارضا بها ماجاء في الدين اليهودي ومفضلا لها عليه.كقوله” نحن لا نعترف بدولة داود القديمة كنموذج لخريطة الشرق الأوسط في القرن الواحد والعشرين إن الحبر اليهودي(المسيح عيسى) قد قال قبل الفي سنة إن مملكة الله ليست إحياء دولة داود  إن المملكة الحقيقية هي تلك التي فينا وبيننا إن مملكة الله هي مملكة الرحمة والعفو”. وهو هنا يلمح بهذا إلى أن دولة إسرائيل التي يشير لها بدولة داود القديمة هي دولة خالية من الرحمة والعفو.
كذلك هو ينتقد اليهود كيهود عندما يذكر الحادثة المشهورة التي ورد ذكرها في الإنجيل حيث قال”لألفي سنة ظللنا نؤكد على المنهج الإنساني ولكن إسرائيل لم تسمع إذ لم يكن الفريسي(اليهودي) هو الذي ساعد الرجل الذي كان ممدداعلى جانب الطريق والذي كان قطاع الطرق قد انهالوا عليه بالضرب بل الذي ساعده هو السامري واليوم نسميه الفلسطيني”. وقد وردت هذه الحادثة في إنجيل لوقا في:30:10-35بالنص التالي”فأجاب يسوع(بالقول) كان رجل نازل من أورشليم إلى أريحا فوقع بأيدي اللصوص فعروه وانهالوا عليه بالضرب.ثم مضوا وقد تركوه بين حي وميت.فاتفق أن كاهنا كان نازلا في ذلك الطريق فرآه فمال عنه ومضى.وكذلك وصل لاوي إلى المكان فرآه فمال عنه ومضى ووصل اليه سامري مسافر ورآه فأشفق عليه فدنا منه وضمد جراحه وصب عليه زيتا وخمرا ثم حمله على دابته وذهب به إلى خان واعتنى بأمره.وفي الغد أخرج دينارين ودفعهما إلى صاحب الخان وقال له”اعتن بأمره وما أنفقت زيادة على ذلك أؤديه أنا اليك عند عودتي”
وذكر هذه الحادثة هو نقد موجع لليهود حيث يظهر اليهودي هنا مجردا من أبسط المشاعر الإنسانية من عطف ومواساة للضعفاء ومساعدة للمساكين حتى لو كان هذا اليهودي كاهنا أو لاويًا يخدم الرب.إضافة إلى أن هذه الحادثة ذكرت على لسان المسيح عيسى.ومعروف أن اليهود لايعترفون بالسيد المسيح بل ويرفضونه بل هم يرفضون حتى اليهود الذين يؤمنون به مسيحا وهم اليهود اليسوعيون. وكذلك بسبب العلاقة المتوترة لقرون طويلة بين اليهود والمسيحيين لأسباب دينية معروفة خاصة في أوربا. وهو أيضا قد قال في النص نفسه إن أوائل الإرهابيين هم من الصهيونيين الذين كانوا في زمن المسيح عندما قال”قبل ألفي سنة نزع الحبر اليهودي(المسيح عيسى) سلاح خطاب الحرب البالي بشكل كامل وأضفى عليه مسحة إنسانية عندما كان في وقته إرهابيون صهيونيون”.وهو هنا يوجه تهمة الإرهاب للصهيونيين كما يريد أن يقول بأن هذا الإرهاب ليس جديدا بين الصهيونيين بل إنه يعود إلى الفي سنة مضت.

ثم هويتمنى بل ويدعو أن تتهدم جدران الأبارتايد في إسرائيل ويسقط بعضها على بعض وهو  يسترجع دعوات بعض أنبياء التوراة الذين كانوا يستنزلون العقاب على بني إسرائيل ويدعون عليهم لمخالفتهم أوامر الرب وانحرافهم عن الطريق المستقيمة.ولكنه في الوقت نفسه لايتمنى لسكان إسرائيل الضرر والأذى بل إنه يطلب من الناس أن يعطفوا عليهم ويرأفوا بهم ويرحموهم ويقدموا لهم العسل والحليب عندما يهربون من الأراضي المحتلة إلى شتات آخر فيقول” فلتدمر الروح والكلمات جدران الأبارتايد بعضها على بعض فإسرائيل لا دفاعات لها وقد سلخ منها جلدها ولكن لتكن للعالم رحمة على السكان المدنيين فنبوءاتنا بالقدر المشؤوم ليست موجهة نحو الأشخاص لأننا نريد لشعب إسرائيل كل خيرولكننا نحتفظ بحقنا أن لانأكل من برتقال يافا مادام ساما وسيئ الطعم وهوشيئ من السهولة تحمله كما احتملنا العيش بدون عنب الأبرتايد الأزرق لعدة سنين” ويقول في مكان آخر”وإذا ما تهاوى شعب إسرائيل بسبب أعماله واضطرت مجموعات منه للهرب من الأراضي المحتلة إلى شتات آخرفليرحمهم الذين حولهم وليطمئنوهم وليقدموا لهم عسلا وحليبا فإنه لإجرام في ظروف تخفيف الألم أن يؤذى اللاجئون والذين لاوطن لهم.
إنه من الضروري أن يفسح المجال بسلام للمدنيين الهاربين الذين لابلد لهم يحميهم وأن لا يكونواهدفا للسلاح إذهم عرضة للأذى مثل حلزون فقد صدفته.وهم مثل قافلة فيها فلسطينيون ولبنانيون لاجئون من نساء وأطفال وشيوخ تتحرك ببطئ من قانا ومن غزة وصبرا وشاتيلا لادفاع لهم”.
وغاردر في دعوته إلى عدم إيذاء المدنيين اليهود من سكان إسرائيل بل ويدعو للعطف عليهم والرأفة بهم  يريد أن يؤكد أنه لايعادي اليهود كيهود. وهذا ينفي عنه صفة اللاسامية التي الصقها به الكثير من اليهود في النرويج وغير النرويج حيث قالوا عنه إنه لاسامي متطرف بل إن البعض منهم قالوا إنهم لم يقرأوا شيئا  يتسم بروح اللاسامية والعداء لليهود مثل مقالته منذ كتاب “كفاحي” لهتلر.وقال بعضهم تعليقا على مقالة غاردر إنه لم يبق شيئ ضد اليهود لم يقل فيهم.وقد  نشر معهد روزنثال رسالة مفتوحة إلى الشعب النرويجي ينتقد فيها غاردرويدافع فيها عن اليهود ويطلب من الشعب أن يقول قولته فيه..كما قالوا عنه إنه يحابي الفلسطينيين ويقف إلى جانبهم ويتعاطف معهم حتى أن أحد اليهود الناقدين له سماهم أحباءه على الرغم من نقده لحماس في مقالته.ولكن الناقدين له أعتبروا الإشارة السلبية إلى حماس من باب ذرَ الرماد في العيون. وقال غاردر بعد ما سمع من نقد من اليهود إن كل من ينتقد إسرائيل يتهم باللاسامية.
وعلى الرغم من أن مقالة غاردر بصورة عامة هي في نقد إسرائيل إلا أنه لم يفته أن ينتقد الولايات المتحدة الأمريكية التي قال عن رئيسها بأنه الحامي الأعلى لإسرائيل.وهو يسخر منه بالقول”إن طفلا صغيرا سأل أمه عن قوله(الرئيس)ليستمر الرب في مباركة أمريكا لماذا ينهي الرئيس دائما خطاباته بالقول ليبارك الله أمريكا؟ لماذا لا يقول ليبارك الله العالم.
ويبدو لي أن مقالة غاردر سيكون لها تأثير واسع وعميق على الأقل على مستوى أوربا وسيشمل هذا التأثير المثقفين والمفكرين أيضا لما لغاردر من منزلة بينهم وكذلك عامة الناس خاصة قراء أعماله وهم يعدون بعشرات الملايين حيث ستثير مقالته هذه فضولهم وتساؤلهم ورغبة التحري  عندهم  لقضايا وردت في مقالته ربما لم تثر اهتمامهم كثيرا من قبل.

د.جعفر هادي حسن المهاجرون إلى إسرائيل والتاركون لها

التقرير الذي أصدرته الوكالة اليهودية في أسرائيل عن عدد المهاجرين الذين وصلوا إليها لسنة2006  أصاب المسؤولين بالقلق والذعر حيث بلغ العدد فيها اقل من عشرين الفا مع أن رئيس الوكالة اليهودية كان قد توقع بأن الرقم للسنة المذكورة هو أربعة وعشرون الفا. ومع أن عدد المهاجرين بدأ بالتناقص منذ العام2004 إلا أن عدد السنة الماضية هوالاقل منذ ثمانية عشرة سنة على الرغم مما تبذله الوكالة اليهودية من جهود في إرسال مبعوثيها الكثر إلى مناطق العالم المختلفة وما تقدمه من  محفزات للمهاجرين اليها من سكن مريح ومنح مالية كبيرة وغيرهما .ومما زاد الطين بلة أن عدد التاركين لها يزداد من سنة إلى أخرى وهم يهاجرون منها ويتركونها على الرغم من أن الدولة قد وضعت موانع مادية ونفسية ودينية أمام من يريد ترك البلد. كأن يرجع المهاجر المبالغ التي صرفتها الدولة عليه  كما يطلق عليهم”رسميا” صفة سلبية وهي “يُرديم” وتعني الهابطين أو المنحدرين إلى ألأسفل(الأدنون)(والكلمة من الجذر العبري “يرد” (بمعنى انحدر أو هبط إلى ألأسفل).كما أن الحاخامين شددوا كثيرا على حرمة ترك اسرائيل لفترة طويلة لمن اتخذها سكنا له حتى شمل تحريمهم الشخص الذي يريد أن يسافرمن أجل مساعدة أبويه المسنين ولم يمنع هؤلاء ما يوصفون به وما يطلق عليهم، وفضلو مغادرة إسرائيل والبحث عن حياة أفضل بعد أن أصبحت حياتهم في إسرائيل محفوفة بالمشاكل والمخاطروالكثير من هؤلاء هم من الروس.ومن جانب آخرتطلق الدولةعلى الذين يهاجرون إليها صفة “عوليم”(من الجذر العبري عله=علا بالعربية) وهي صفة تتضمن مدحا وهي تعني الصاعدين إلى الأعلى أو المرتقين(الأعلون) .بل إن الصفة تتسم بشيئ من القدسية فالذي ينادى عليه لقراءة التوراة بالكنيس يقال عنه أدى”العالياه”والذي يهاجر إلى إسرائيل يقال عنه إنه قام بالعالياه وكأنه قام بعمل مقدس..
ويعتقد أن أحد أسباب تناقص اعداد المهاجرين هو انخفاض عدد المهاجرين الروس حيث وصلت نسبتهم إلى أقل من عشرة بالمئة في السنة المذكورة. ويعطي  افرايم سنيه نائب وزير الدفاع سببا آخر لذلك وهووجود البرنامج النووي الإيراني الذي قال عنه ” إنه يخيف المهاجرين ويخيف السكان بصورة عامة” بينما قال آخرون بأن الوضع غير المستقر في الشرق الأوسط ساهم في هذا التناقص.
ومن الإحصائيات النادرة التي نشرتها وزارة الاستيعاب عن المهاجرين من إسرائيل وذكرتها صحيفة هآرتس في عددها بتاريخ 19/11/2003 بأن مئات الآلاف من الإسرائيليين قد غادروا البلد ولكن اندرو كلغور ناشر تقريردبليو ارام اي اي يقول إنه ليس من مصلحة إسرائيل أن تذكر الأرقام الحقيقية للمهاجرين منها.
. وهو يؤكد بأن هناك مليونا أو أكثر في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها من هؤلاء،وهو يشير إلى ما ذكرته النيويورك تايمز في عددهافي 22/12/1980 بأنه حتى عام 1980م كان قد هاجر نصف مليون إسرائيلي إلى الولايات المتحده الأمريكية. وهو يضيف بأن نصف مليون آخر كان قد هاجر حتى عام 2000م. وهذا عدا عن الأعداد التي هاجرت إلى دول أخرى. وطبقا لما ذكرته صحيفة هآرتس (11/11/2000) إن المهاجرين إلى الولايات المتحده من إسرائيل يكونون 60% من مجموع المهاجرين كما ذكرت الصحيفة نفسها بأن ثلث الإسرائيليين يرغبون في الهجرة منها.. وكانت إسرائيل قد بنت آمالا كبيرة على المهاجرين الروس ( يقصد بهم المهاجرون من الاتحاد السوفياتي السابق وليس روسيا وحدها) في نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات، حيث بلغ عددهم  مليون مهاجرأو أكثر قليلا. ولكن الذي تبين فيما بعد بأن ثلث هؤلاء على الأقل هم ليسوا يهودا وأن الكثير منهم مسيحيون وآخرون مشكوك في يهوديتهم بسبب تزويرهم لوثائق أو غير ذلك من أسباب. كما إن عددا كبيرا من المعترف بيهوديتهم لم يهاجروا بدافع صهيوني.بل بدوافع أخرى بعضها اقتصادية وبعضها خوفا من العداء من السامية أوتحقيق حياة أفضل وغير ذلك. وقد اعترف المسؤولون الإسرائيليون بهذه الحقيقة وقالوا “إن الحقيقة هي أن هؤلاء الروس ليسو صهاينة وهم قد جاؤوا إلى هنا لأنه ليس هناك بلد آخر يريدهم..وقال بعض هؤلاء المهاجرين “إن سبب مجيئنا هو سبب اقتصادي، إذ كانت حياتنا في الاتحاد السوفياتي السابق في منتهى الصعوبة وأخذت قيمة رواتبنا تقل كلما تقدم الزمن”. وأن منهم من ندم على مجيئه إلى إسرائيل وقال: “إننا صدقنا بالكثير من الخيالات عن الدولة اليهودية وقد تبين أنها قصص غير صحيحة”. وقد صدم المهاجرون الروس بسبب عدم حصولهم على عمل أو حصولهم على عمل أقل بكثير مما تؤهلهم له شهاداتهم. وقد قال مسؤول قسم الهجرة في الوكالة اليهودية في بداية التسعينات: “إن عملية استيعاب المهاجرين تمر في أزمة وأن الحكومة ليس عندها جواب لقضية البطالة”. وفي استطلاع أجري بين المهاجرين الروس للفترة نفسها قال ثلاثون بالمئة منهم أنهم سيهاجرون من إسرائيل. وفي إحصائية لمجلة جيروسلم ربورت (25-12-1997) أن 8% من المهاجرين الروس قد تركوا إسرائيل إلى الغرب ولكن مقالات تنشر على الإنترنت من قبل المهاجرين أنفسهم تذكر بأن العدد أكثر من ذلك بكثير. كما أن الكثير من هؤلاء رجعوا إلى روسيا.وفي تقرير حديث من سفارة إسرائيل في موسكوفي عام 2006 أن عدد الروس الذين عادوا إلى روسيا  قد تضاعف ست مرات منذ ثلاث سنوات. كما قامت أعداد قليلة من هؤلاء في السنوات الماضية بتقديم طلبات لجوء إلى دول أخرى، حيث ذهب بعضهم إلى ألمانيا من أجل هذا الغرض وطلب بعضهم اللجوء إلى جنوب أفريقيا كما أن البعض الآخر قدم طلب اللجوء إلى هولندا وقد وجدوا صعوبة في الحصول على موافقة هذه البلدان ولكن كندا وافقت على استقبال عدة مئات منهم وكاد ذلك أن يحدث أزمة في العلاقات مع إسرائيل (جيروسلم ريبورت 8/9/94) وفي ربيع عام 2003م كتبت الواشنطن بوست مقالة أشار فيها كاتبها إلى الجموع المحتشدة من الإسرائيليين أمام سفارات كندا والولايات المتحدة الأمريكية واستراليا للهجرة إلى هذه البلدان. بل ذكرت المقالة أن جموعا احتشدت أمام السفارة التشيكية والبولندية. وأثناء الإنتفاضة الفلسطينية الثانية  أخذت أعداد كبيرة من الإسرائيليين من أصول ألمانية تقف أمام السفارة الألمانية للحصول على جواز سفر وهؤلاء هم أبناء وأحفاد اليهود الألمان الذين انتزع منهم الحكم النازي جنسياتهم، حيث يحق لهؤلاء طبقا للقانون الألماني الحصول على الجنسية الألمانية. وقد تضاعف عدد الذين يطالبون بالحصول على جواز سفر في تلك الإنتفاضة. وذكرت صحيفة ديلي تلغراف (2/4/2004م) بأن السفارة الألمانية قد اضطرت إلى تقنين عدد المراجعين لها من هؤلاء. ويتحدث بعض الذين هاجروا إلى ألمانيا عن سعادتهم ويقارنون بين الوضع المستقر في ألمانيا وبين الوضع في إسرائيل، الذي خيب أملهم-كما يقولون- . ويحدث هذا على الرغم من ظاهرة العداء لليهود اليوم في أوروبا. وتذكر الصحيفة أيضا بأن أكثر من نصف اليهود في إسرائيل حصلوا على جوازات أخرى لاستعمالها عند الضرورة. ومن المحتمل أن يزداد عدد المهاجرين من إسرائيل بعد أن انضم  عدد من الدول الأوربية في الفترة ألأخيرة إلى الاتحاد الأوروبي حيث توجد جاليات كبيرة من هذه الدول في إسرائيل. وكانت إسرائيل قد تطلعت بشغف إلى جلب يهود الأرجنتين الذين يبلغ عددهم اكثر من مئتي ألف شخص عندما عصفت أزمة حادة باقتصاد هذا البلد قبل بضع سنين. وكانت الوكالة اليهودية تعمل عى إقناعهم بالهجرة وتشجيعهم عليها. ولكن نسبة الذين هاجروا كانت ضئيلة جدا . وفضل هؤلاء الهجرة إلى إسبانيا والمكسيك وإيطاليا والولايات المتحدة الأمريكية. وذكرت جيروسلم ربورت 14/1/2002 أن الوكالة اليهودية تقوم اليوم بجلب فتيان من هذه الجالية إلى إسرائيل ووضعهم في مدارس خاصة لفترة سنة على أمل أن تلتحق بهم عوائلهم بعد ذلك(ويبلغ عدد المهاجرين من الإرجنتين الذين استوطنوا إسرائيل  منذ العام1948 حوالي سبعين ألفا) كما أنها ستجلب أعدادا من هؤلاء الفتيان من دول أخرى لنفس الغرض. وفي بداية التسعينات كانت الوكالة اليهودية ووزارة التربية قد أعلنتا بأنهما ستشجعان الفتيان من روسيا على ترك عوائلهم والهجرة إلى إسرائيل. وكان وزير التربية قد قال يومها بأنه يأمل أن يترك آلاف من الفتيان الروس عوائلهم ويهاجرون إلى إسرائيل. وتركز الوكالة اليهودية اليوم على إغراء يهود فرنسا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة ألأمريكية. ولكن هذه المحاولات لم تنجح في إقناع أعداد كبيرة منهم في الهجرة إلى إسرائيل. ومازال هؤلاء يصرون على البقاء حيث هم.وفي هذه السنة(2007) قام رئيس الوكالة اليهودية الجديد زئيف بيالسكي بزيارة لندن لإقناع اليهود بالهجرة وقال لهم في كلمة له”إن اسرائيل هي المكان الوحيد الذي يمكن لليهودي أن يعيش فيه يهوديا  ولا يفكر بذلك مرتين” وبدأت إسرائيل بتهجير الفلاشا مورا -المشكوك في يهوديتهم- منذ سنين لينضموا إلى الفلاشا الآخرين الذين مازال الكثير منهم غير معترف بيهوديتهم من قبل المؤسسة الدينية في الدولة.وهي تهجر منهم بضع مئات كل شهر منذ سنين دون ضجيج. وإلى جانب المحاولات الرسمية لجلب أكبر عدد ممكن من اليهود أو المشكوك في يهوديتهم، فإن هناك جمعيات أهلية تقوم ببحث مكثف عما يسمى بقبائل بني إسرائيل الضائعة. وهذه الفكرة قائمة أساسا على ما جاء في التوراة من أن الآشوريين قد نفوا هذه القبائل وشتتوها في بلدان مختلفة بعد أن قضوا على السامرة في القرن الثامن قبل اليلاد. وتقول هذه الجمعيات إنها اكتشفت في الفترة الأخيرة بضع مئات من هذه القبائل في البيرو وجلبتهم إلى إسرائيل، كما اكتشفت – كماتقول – بضعة آلاف على الحدود بين الهند ومينمار(بورما) حيث يدعي هؤلاء بأنهم من أحفاد منسًة بن يوسف بن يعقوب!! وقد جلبت منهم بضع مئات إلى إسرائيل وهناك الآلاف ينتطرون التهجير. و مازال أعضاء هذه الجمعيات يجوبون البلدان طولا وعرضا في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية بحثا عن هؤلاء اليهود الضائعين بل إن هذه الجمعيات تحاول تهويد قبائل كبرى مسلمة تسكن الحدود الأفغانية الباكستانية بحجة أنها ترجع في أصولها إلى القبائل الضائعة.ومع ذلك فإن المصادر الإسرائيلية تتوقع بأن عدد المهاجرين في هذه السنة الحالية سوف لايزيد على أربعة عشر الفا. ويبدو أن أمل أرئيل شارون الذي أعلن أثناء رئاسته للوزراء بأنه يأمل في تهجير مليون شخص إلى إسرائيل خلال عشر سنوات سوف لايتحقق. كما أن نسبة الولادة المتدنية بين اليهود الإسرائيليين هي أخبار سيئة للمسؤولين– الذين يرعبهم العامل الديمغرافي– خاصة وانها عند الفلسطينيين هي اكثر منها بكثير. وللمرء أن يتساءل- في ضوء كل هذا- فيما اذا كان المشروع الصهيوني قد حقق أهدافه أو أنه فشل في ذلك كما يرى بعض المراقبين الإسرائيليين، الذين يطالبون الدولة اليوم بتغيير جذري في سياستها نحو الفلسطينيين حفاظا على بقاء اليهود في هذه المنطقة..