مثقفون يهود يهجرون إسرائيل إلى المانيا

د. جعفر هادي حسن

عندما انهار الاتحاد السوفياتي السابق وسمح لليهود بالهجرة منه كان هؤلاء المهاجرون يفضلون الذهاب إلى ألمانيا بدل إسرائيل، ولذلك تضاعف عدد يهود ألمانيا أربع مرات منذ العام1989. ولم ينقطع تدفق هؤلاء المهاجرين إلى ألمانيا على الرغم من ضغوط إسرائيل عليها. ومنذ سنين بدأت شريحة من يهود إسرائيل تهاجر إلى المانيا للعمل والإقامة على الرغم من تاريخ المانيا في معاملة اليهود السيئة الذي توج بالمذبحة المعروفة (الهولوكوست). ويتميز هؤلاء المهاجرون عن غيرهم ممن يهاجر من اسرائيل أنهم نخبة من بين شرائح المجتمع، ومن المبدعين من فنانين ورسامين وكتاب ومنتجين سينمائيين وموسيقيين وغيرهم، ولذلك ترحب بهم ألمانيا ترحيبا بالغا وتعطي لهم أفضلية بمنحهم «فيزا الفنانين»، بل هي تساعدهم باعطائهم منحة مالية أيضا وبدون تعقيدات بيروقراطية. حتى أن احد الممثلين المعروفين يقول إنه يوجد اليوم فنانون في برلين أكثر مما هم موجودون في إسرائيل.
ومن الذين يهاجرون أيضا عدد من أقرباء الناجين من المحرقة، ويعتبر هذا تطورا في نظرة اليهود إلى الألمان، حيث كان بعض اليهود من هؤلاء إلى وقت قريب، يصيبهم التوتر والغضب عند رؤيتهم لهؤلاء بل ويكرهون حتى الكلام معهم. وأصبح هؤلاء المهاجرون اليوم مجموعة مميزة يصل عددها إلى مايقرب من عشرين ألفا أو أكثر، لهم إذاعتهم العبرية وبعض الصحف بهذه اللغة أيضا ولهم منظماتهم ونشاطاتهم الأخرى، ومازال الكثير منهم في إسرائيل يخططون للهجرة إلى هذا البلد والعيش فيه. يقول دانيال بيرنباوم الذي يقود الأوركسترا في برلين منذ التسعينات إنه يشعر أكثر ارتياحا في ألمانيا من إسرائيل، ودانيال هذا هو أحد البارزين من المجموعة المهاجرة اليوم.
ومما يشجع هؤلاء على الهجرة نظرة الدولة إلى اليهود بخاصة قوانينها ضد العنصرية والتي هي في صالح اليهود خاصة. كما أن المانيا اليوم تختلف نظرتها إلى الأقليات في أنها أكثر احتراما لها وتسامحا معها، وهو ما يشجع اليهود على الهجرة. كما أنها قد شرعت أشد القوانين ضد العنصرية. وهي من الدول التي تعتبر إنكار المذبحة النازية من الجرائم التي يعاقب عليها القانون بسجن من تثبت عليه/ها التهمة بعقوبة أقصاها خمس سنين، وكان بعض الألمان الذين يتبنون هذه الفكرة قد سجنوا أو غرموا، وقد سجنت امرأة عمرها تسعة وثمانون عاما (لأربعة عشر شهرا) في العام الماضي لهذا السبب. ومما يشجع المهاجرين اليهود أيضا، أنهم يرون في الألمان ندما على ما حصل من النازية نحو اليهود والشعوب الأخرى مثل النور وغيرهم، يتمثل ذلك في إنشاء المراكز التي تعنى بالبحث والدراسة حول النازية وتاريخها، وما قامت به من مذابح نحو الآخرين. وبعض هذه المراكز سميت على أسماء شخصيات يهودية. ومما يشجعهم على الهجرة أيضا ان اقتصاد المانيا هو اقتصاد قوي يتفوق على اقتصادات دول الاتحاد الأوربي وأن الديمقراطية فيها تعتبر نموذجية. ويقولون أيضا إنهم يشعرون أكثر امنا في المانيا وأكثر تقديرا فيها.
وهم يعطون أسبابا لهجرتهم من إسرائيل يذكرون منها أنهم محبطون بمرارة وبخيبة الأمل بالطريق الذي تسير فيه إسرائيل اجتماعيا وسياسيا وثقافيا، حيث الصهيونية في رأيهم لم تعد كما كانت عندما ظهرت، ويفترض فيها أن لايكون هدفها بناء مخابئ وملاجئ تنقذ الناس من الموت الذي يلاحقهم في بلد يفترض فيه أنهم سيكونون في أمن فيه. وكانت إسرائيل قد أنشئت كما هو معروف كملجأ لليهود من الاضطهاد، ولكن أهمية هذا الهدف وقيمته قد قلت في القرن الواحد والعشرين في عصر الاتحاد الأوربي، وقد اعتبر أحد الصحافيين الإسرائيليين الاتحاد الأوربي هوالملجأ للإسرائيليين بدل إسرائيل نفسها.
ومن الأسباب التي يذكرونها لمغادرتهم هو الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الذي لا يبدو له حل في الأفق كما يقولون. كذلك يذكرون من الأسباب عداء الدول العربية والإسلامية المستمر.
وكذلك الأسعار الآخذة في التصاعد دائما. وهناك الفساد المنتشر ووجود الحريديم وتكاثرهم الذين يمتصون دم الدولة، «وإننا نأتي هنا لنتخلص من هذه الضغوط.
واسرائيل لم تعد الأرض الموعودة، بل انها أصبحت ارض الوعود التي لم تتحقق والقنبلة الموقوتة للإنفجار السكاني لفلسطيني إسرائيل، وعلى الحكومة الإسرائيلية أن تعالج المشاكل التي تتسبب في كل هذا قبل أن تفقد شبانا وفنانين أكثر». ويبدو لي أن هاجس القلق من التهديد الوجودي الذي يسكن اليهود الإسرائيليين هو أحد هذه الأسباب، وقد عبر عنه أحد أساتذة التاريخ في جامعة تل أبيب بالقول «إننا نعيش في تهديد وجودي دائم، وهناك شعور(لدى الإسرائيليين) بأننا على بعد دقيقة واحدة فقط من القطار الذي سيأخذنا لمعسكر أوشوتز(أحد معسكرات النازية التي استعملت في المذبحة).
والذين يرفضون هذه الهجرة يرون فيها نزفا ثقافيا لإسرائيل، واعتبر أحد عمداء الكليات اليهودية في ألمانيا ذلك من المشاكل الرئيسة التي تواجهها إسرائيل، ولكنه اعترف بأن الحياة فيها ضاغطة وصعبة، وأن الأفق فيها ضيق.

 

 

  احتفال اليهود بالسنة العبرية الجديدة  د.جعفر هادي حسن Dr Jaafar Hadi Hassan

النفخ بالشوفار

تشليخ

لليهود تقويم خاص بهم وهو يختلف عما عند الآخرين فهو يبدأ عندهم من بداية الخلق طبقاً لما ورد في التوراة من عدد سنين آدم ونوح وغيرهم. والسنة العبرية في هذا العام(2007) هي8-5767 .وهم يعتمدون في السنين على دورة الشمس وفي الشهورعلى دورة القمر. فسنتهم هي شمسية- قمرية وعدد الأشهر في السنة العبرية هي أثنا عشر شهرا ولما كانت دورة الشمس تزيد في أيامها على دورة القمر فقد أزادوا شهرا في بعض السنين واسموه آذار الثاني فتصبح السنة ثلاثة عشر شهرا  فتضاف سبعة أشهر في كل تسع عشرة سنة.وتكون الإضافة في السنة الثالثة والسادسة والثامنة والحادية عشرة والرابعة عشرة والسابعة عشرة والتاسعة عشرة كل ذلك من أجل أن تبقى المناسبات الدينية في أوقاتها التي بدأت بها أول مرة . وعدد ايام الشهر هي 29 أو 30 .وهم يحتفلون بالسنة الجديدة  في اليوم الأول من الشهر العبري تشري.وهذه هي المناسبة الوحيدة التي تكون في أول الشهر ويعتبرهذا اليوم الذي يسمى بالعبري (روش هاشناه) ثاني أقدس يوم عند اليهود بعد يوم الكبور.ولايكون هذا اليوم في يوم الأحد ولا في يوم الأربعاء ولا في يوم الجمعة حتى لا يكون يوم الكبور (الذي ياتي بعد عشرة أيام من رأس السنة ) في اليوم الذي يسبق السبت أو اليوم الذي يليه إذ في هذه الحالة تكون مناسبتان يمنع فيهما العمل ويكون ذلك شاقا على اليهود.
ووردت بعض الاشارات في التوراة الى أهمية هذا اليوم. فقد ورد في سفراللاويين /الاحبار 23/24-25″وخاطب الرب موسى قائلا :في اليوم الاول من الشهر السابع يكون لكم يوم راحة تذكاراً بهتاف وبوق محفل مقدس. عمل خدمة لا تعملوا وقربوا ذبيحة بالنار للرب”. كما وردت له اشارة ثانية في سفر العدد 29/1 “وفي اليوم الاول من الشهر السابع محفل مقدس يكون لكم فلا تعملوا فيه عمل خدمة، يكون لكم يوم هتاف”. ولا بد هنا من توضيح نقطتين حول ما جاء في التوراة الاولى: ان الشهر تشري لم يذكر اسمه في النصين وانما ذكر بدله الشهر السابع، لان العبرانيين كانوا يعدون شهورهم بالعدد، هكذا :الشهر الاول، الشهر الثاني الخ الى ان اسرهم البابليون واخذوهم الى العراق فتعلموا اسماء الشهور واستعاروها كما استعاروا أشياء أخرى غيرها.ولذلك  فاسماء الشهور التي يستعملها اليهود اليوم هي التي كان قد استعملها البابليون في تقويمهم السنوي.وهي نيسان،أيَار،سيوان،تموز، آب، أيلول، تشري، مرحشوان،كسلو،طبث،شبط،آذار
والنقطة الثانية هي ان الشهر تشري قد اشير له في التوراة بأنه الشهر السابع لان العبرانيين كانوا يعدون شهورالسنة من نيسان (ابريل) وما زالوا كذلك ربما لأنه هكذا ورد في التوراة ولذلك يكون شهر تشري هو الشهر السابع. وأصبح الاول من تشري بداية السنة العبرية الجديدة في وقت متأخر بعد الاسر البابلي. ويعتقد بأن هذا ايضاً كان بسبب تأثر اليهود بالتقويم البابلي، اذ كانت السنة تبدأ عند البابلييين في هذا الشهر، وكانوا يحتفلون في الاول منه احتفالاً خاصاً واسموه “ريش شتين” (رأس السنة). وربما استعمل اليهود الاسم البابلي نفسه لاننا نجدهم قد استعملوا الاسم الارامي “ريش شيتا” – وهو لا يبعد كثيراً عن البابلي – قبل استعمالهم للعبري “روش هاشناه” الذي ورد مرة واحدة في أحد كتب العهد القديم المتأخرة بالمعنى العام وليس الخاص الذي يشير إلى الإحتفال. ويقع احتفال السنة العبرية الجديدة في وقتنا الحاضر في أيلول(سبتمبر) وتشرين الأول(اكتوبر)وفي التلمود رسالة خاصة عن هذا اليوم وفيه تأكيد على أهمية الإحتفال برأس السنة الجديدة كما ويشبر إلى أن أحداثا مهمة كانت قد حدثت فيه.
ويؤدي اليهود شعائر هذه المناسبة ليومين، وليس ليوم واحد، سواء أكانوا في اسرائيل ام في خارجها.(بعض المذاهب تؤديه في يوم واحد). واعتبر هذان اليومان يوماً واحداً ولذلك سميا “يوما اريخا” وهي عبارة آرامية تعني”اليوم الطويل”. ويبدو أن هذه التسمية قديمة عندهم لأنهم استعملوا لها اللغة الأرامية التي كانت مستعملة بينهم منذ ما قبل الميلاد
وسبب تقديس اليومين – وهو طقس بداً منذ عصر التلمود – هو ان هذه المناسبة هي المناسبة الدينية الوحيدة التي تقع في اليوم الاول من الشهر. وكان الاول من الشهر يحدد برؤية الهلال ويناط ثبوت الهلال او عدمه بالمؤسسة الدينية… وعن طريق هذه المؤسسة تخبر الجماعات اليهودية داخل فلسطين وخارجها بثبوت رؤية الهلال. وكان هذا يتم بواسطة الرسل و بإشعال النار على رؤوس التلال والاماكن العالية. ولما كان من الصعوبة التأكد من ذلك بواسطة هذه الطرق، اذ ان ايصال الخبر كان كثيراً ما يتأخر على الجماعات اليهودية ليس خارج فلسطين بل وفي داخلها كذلك، اصبح اضافة اليوم الثاني من الشهر الى الاول منه تقليداً سار عليه اليهود الى اليوم حتى بعد ان وضعوا تقويمهم السنوي الثابت في نهاية القرن الميلادي الرابع الذي  ذكرناه أعلاه.
وأصبح اليوم الثاني من هذه المناسبة يوماً اختيارياً في مذهب اليهودية المحافظة. اما  مذهب اليهودية الاصلاحية فقد الغاه تماماً ويحيي اتباعه هذه المناسبة ليوم واحد فقط. وهذا من الاختلافات الدينية المعاصرة التي اصبح مذهب اليهودية الاصلاحية يتميز بها عن المذاهب الأخرى. واعتبار الاول من شهر تشري بداية للسنة اليهودية الجديدة هو اعتقاد لاكثر يهود هذا العصر وليس لكلهم اذ ان بعض الفرق اليهودية مثل السامريين والقرائين والفلاشا وغيرهم لا تعتبر هذا اليوم هو اليوم الاول من السنة الجديدة، وان كانت تقدسه طبقاً لما ورد عنه في التوراة.
اسماء اليوم
يطلق اليهود عدة اسماء على هذا اليوم فهم يسمونه “يوم تروعاه” (يوم النفخ بالبوق) كما ورد في التوراة. وكانت هذه التسمية شائعة في القرون الاولى للميلاد. ويسمونه ايضاً “يوم هازخارون” (يوم الذكرى) واستعمل التلمود هذا الإسم وهو يتكرر كثيراً في الاناشيد والمدائح الدينية. ويعلل اليهود هذه التسمية بأن الرب يذكر خلقه في هذا اليوم ويريهم رحمته.
ويسمونه كذلك “يوم هادين” (يوم الدينونة او يوم الحساب). فاليهود يعتقدون بأن الرب يحاسب عباده في هذا اليوم على ما عملوه خلال السنة. وذكر في التلمود أنه في هذا اليوم يمر الناس من أمام عرش الله وفيه تكون  ثلاثة سجلات لاعمال الناس، احدها للاخيار والآخر للاشرار والثالث للذين بين الاثنين. ويكون البت بمصير المجموعة الاخيرة في يوم الكبور الذي يأتي بعد بضعة ايام من رأس السنة. ويرى اليهود كذلك بأن الرب يعفو عن كثير من هذه الذنوب ويغفرها بهذه المناسبة من أجل ان لا تتكاثر ولا يزداد عددها اذ ان كثرتها – كما يرون – تفسد العالم وتحطمه. وتكون هناك عملية جدلية بين الذنوب والعالم فكلما كانت الذنوب كثيرة فالعالم يصبح فاسدا ويدمر وكلما كانت الذنوب أقل بقي العالم واستمر بالبقاء ولذلك يكون بقاء العالم والحفاظ عليه مرتبط بهذا الغفران.
أحداث اليوم
تذكر ادبيات اليهود بأن احداثاً مهمة وقعت في هذا اليوم اكثرها مرتبط بتاريخهم. فهم يعتقدون بأن الله قد خلق الكون في هذا اليوم كما يذكر التلمود وأن كلاً من قابيل وهابيل قد قدم اضحيته في هذا اليوم. وأن النبي ابراهيم والنبي يعقوب ولدا وماتا في هذ اليوم. كما وأن الرب استجاب في هذا اليوم دعوات حنه أم النبي صموئيل عند معبد شيلوه ودعوة سارة زوجة النبي ابراهيم وكذلك راحيل زوجة يعقوب فرزقهن بأولاد بعد أن كنَ عواقر وأن اسحق كان قد ولد في هذا اليوم
وان النبي ابراهيم قدم ابنه أضحية في اليوم نفسه، والقصة التي تتعلق بهذا الحدث وردت في سفر التكوين من التوراة تقرأ بهذه المناسبة. ويعتقدون كذلك بأن النبي يوسف كان قد اطلق من سجنه في هذا الوقت وان بني اسرائيل قد اعتقوا من العبودية في مصر في هذا اليوم وان كان خروجهم قد تأخر الى وقت الفصح. ويقولون كذلك ان سليمان كان قد انهى بناء الهيكل في هذا اليوم ,.وبأن الخلاص لليهود على يد مخلص مرسل يظهر في آخر الزمان سيكون في الاول من السنة اليهودية.
التحضير للمناسبة
يتهيأ اليهود لهذه المناسبة بتنظيف بيوتهم كما ينظفونها لاية مناسبة دينية اخرى كما أنهم يشعلون عددا من الشموع. وعادة ما تقوم المرأة باشعال الشموع كما في حالة يوم السبت.ويقرأون دعاء (يسمونه بركات كما يسمونه في يوم السبت) ولكن الدعاء يختلف عن ذلك الذي في يوم السبت.وكذلك يختلف عنه في أنه يجوز أن تشعل الشموع بعد دخول وقت المناسبة وإن كانوا يفضلون أن يكون ذلك قبلها بينما يجب إشعالها قبل دخول وقتها في يوم السبت.وهم يشترطون أن يكون إشعال الشموع من نار موجودة كإشعالها من نار طباخ وغيره.ويكون اشعال الشموع في اليوم الثاني بعد مغيب الشمس بساعة أو بعد ظهور ثلاث نجوم .وقبل دخول اليوم الاول من السنة بيوم يحلق الكثيرمن اليهود شعورهم ويغتسلون ويلبسون ملابس نظيفة وهي غالبا ما تكون بيضاء وهو ماذكر في التلمود.كما أكد أيضا على ضرورة الفرح والسرور في هذا اليوم وأن لا يظهر اليهودي كآبة أو حزنا. وبعض اليهود المتدينين يصومون عن الكلام الدنيوي قبل شهر من هذه المناسبة حتى دخولها ويركزون في كلامهم على مسائل تتعلق بالدين وترتبط به، ويعللون ذلك بأنه تطهير للنفس. وبعض هؤلاء يبدأون بالصلاة منذ منتصف ليلة الاول من الشهر ويذهبون صباحاً الى الكنيس ويؤدون الصلاة الخاصة بالمناسبة.
الصلاة الخاصة
قبل ان يؤدي اليهود صلاتهم الخاصة بهذا اليوم فإن صلاة شحريت (صلاة الصبح) تؤدى في وقت مبكر حيث يبدأ اداؤها مبكراً على غير المعتاد فتكون في الساعة السابعة والنصف او في حدودها صباحاً وتنتهي بين الثانية عشرة والنصف والواحدة وتبدأ الصلاة مع نداء “الحزَان”(المنشد) بصوت عال جداً يقول فيه “هاملخ، هاملخ” (الملك، الملك) اشارة الى الرب. وتذكر في هذه صلاة خاصة بها هي “افينو ملكينو” ( يا أبانا ياملكنا) وفي أثنائها يضربون بيدهم اليمنى على صدورهم تعبيرا عن الندم ويقولون”يا ابانا لقد اذنبنا أمامك” اما المقاطع الخاصة التي تقرأ من التوراة بهذه المناسبة فهي:
1 – قصة تضحية النبي ابراهيم بابنه اسحق طبقا للتوراة
ومعروف أن التضحية لم تتم لأن الرب أوقف إبراهيم قبل أن يذبح ابنه
2 – قصة سارة زوجة النبي ابراهيم.
3 – قصة حنّة ام النبي صموئيل التي كانت عاقراً – كما ذكر – وصلَت من اجل ان يرزقها الله بولد وكانت تقرأ صلاتها بإخفات ولذلك فإن اليهود يقرأون هذه المقاطع اخفاتاً كذلك. وتعتبر هذه الصلاة هي الصلاة الرئيسة للمناسبة.
4 – وهناك كذلك صلاة خاصة اسمها “ابينوملخينو” (يا أبانا يا ملكنا).
5 – وهناك صلاة اسمها “زخرنو” (تذكرنا) تكون جزءاً من هذه الصلاة الخاصة.
6 – يقرأ كذلك المزمور السابع والعشرين.
7- وتقرأ مقاطع من التوراة ترتبط بالبوق(الشوفار) تسمى “شوفاروت” وهي عادة تتعلق بالوحي لموسى على جبل سيناء
8- وتقرأ كذلك مقاطع من التوراة تتعلق بمايسمونه الأمهات الثلاث( حنه وساره وراحيل)
8- وتقرأ كذلك ثلاثة نصوص من كل من التوراة(الكتب الخمسة الأولى) ومن قسم المكتوبات ومن قسم الأنبياء
9– وفي اليوم الثاني من هذه المناسبة تقرأ كذلك في الصلاة مقاطع من “سفر إرميا” التي تتعلق براحيل زوجة النبي يعقوب اذ يذكر ان راحيل ندبت شتات اليهود وبكت من اجلهم، وان اليهود سيرجعون من ارض العدو. وهناك صلوات اخرى غير هذه يطول ذكرها.وبهذه المناسبة يلبس الحاخام والحزان والنافخ بالبوق لباسا أبيض. يغطى صندوق التوراة ومنصة التوراة(البيماه) والتوراة نفسها بقماش أبيض.

النفخ بالبوق (الشوفار)
من الشعائر التي يتميز بها هذا اليوم هو شعيرة النفخ بالبوق (الشوفار). ولا يعرف اليهود السبب الذي يوجب النفخ بالبوق في هذا اليوم ولا اعطى التلمود سبباً لذلك عند ذكره له، إلا ان حاخامي اليهود وعلماءهم ذكروا أسباباً لذلك اوصلوها الى اكثر من عشرة لا أرى ضرورة لذكرها هنا.
وقال موسى بن ميمون إن النفخ بالبوق هو من أجل تنبيه المذنبين كي يتوبوا.ولكن هذا فيما أرى تعليل ضعيف و ربما يكون سبب النفخ أن هذه المناسبة مهمة كبقية المناسبات الأخرى التي ينفخ فيها اليهود بالشوفار كالصيام العام والمناسبات المهمة والكوارث وغيرها.والبوق الذي ينفخ فيه اليهود هو عبارة عن قرن حيوان طاهر طبقاً للشريعة اليهودية كالغزال والشاة والعنز. ولا يجوز استخدام قرن البقرة أو الثور لعلاقته بالعجل الذهبي الذي صنعه بنو اسرائيل وعبدوه اثناء غياب النبي موسى عنهم. وقد اصبح قرن الغنم هو المفضل في الفترة الاخيرة.
وبمرور الزمن اصبحت هناك شروط خاصة بالبوق وبالشخص الذي ينفخ فيه. فالبوق يجب ان يكون مقوساً ولا يجوز ان يحاط طرفه عند الفم بالذهب أو غيره. اما النافخ فيجب ان يغتسل وان يتوجه الى جهة الشرق عند النفخ ويجب ان يمسك البوق باليد اليمني وان يرفع نهاية البوق الى الاعلى ويلبس لباساً ابيض خاصاً بهذه المناسبة كما ذكرنا.
وعند النفخ يقف بجانب النافخ شخص اسمه “المنادي” ولا يبدأ النفخ إلا عندما يطلب منه المنادي ذلك.
ويضع النافخ الى جانبه عدة ابواق لاستعمالها في حالة الحاجة إليها. وفي الغالب يكون عدد النفخات ثلاثين نفخة كل مجموعة مقسمة الى ثلاث نفخات تختلف طولاً وقصرا .وقد أطلق على انواع هذه النفخات الثلاث اسماء خاصة بها. وعند بعض الجماعات اليهودية يصل عدد النفخات الى مئة نفخة. وأوجب الحاخامون على كل يهودي ذكر ان يسمع صوت البوق ولا يجب على الطفل والمرأة. واذا كان اليهودي مقعداً في بيته او مريضاً في مستشفى فإن نافخاً بالبوق خاصاً يذهب له وينفخ عنده.
وفي العصر الحاضر افتى رئيس الحاخامين الأسبق شلومو غورن بعدم وجوب سماع النفخ بالبوق في رأس السنة على الجنود الاسرائيليين القريبين من القواعد العسكرية العربية حتى لا تعرف أماكن وجودهم
ممنوعات اليوم
ولا يجوز لليهودي في هذا اليوم ان يطبخ طعاماً لا يأكله. ولا يجوز له اشعال النار او اطفاءها ولذلك يشعل الكثير من اليهود النار قبل يوم من هذه المناسبة وينقصونها ويزيدونها فقط في هذا اليوم. وبسبب عدم جواز اشعال النار فإن المدخنين من اليهود في باحة الكنيس يشعلون سجائرهم من بعضهم البعض او يشعلونها من شمعة وضعت في مكان معين من اجل هذا الغرض. وهم لا يطفئون هذه الجسائر ولا يطفئون الشمعة كذلك ويتركونهما تحترقان لوحدهما. والذي يشعل الشموع في هذا اليوم – وهي احدى الشعائر الواجبة – عليه ان يشعلها من نار موجودة وان الكثير من اليهود يشعل الشموع قبل حلول هذه المناسبة بوقت.
ويمنع في هذه المناسبة اصلاح الألات المعطوبة، وكذلك منع الحاخامون الجماع في هذا اليوم. ولا يجوز النوم كذلك بعد وجبة طعام الظهر وقبل صلاة العصر. ولا يجوز ضرب الصدر في الصلاة في هذا اليوم كما يضربون في صلاة ايام الاسبوع وفي يوم الكبور عندما يقولون “يا ابانا يا ملكنا لقد اخطأنا امامك”.
الطعام الخاص
يأكل اليهود انواعاً خاصة من الطعام بهذه المناسبة بعضها يعدونه بانفسهم والبعض الآخر يشترونه. فهم يخبزون خبزاً (حلاّه) لهذه المناسبة يعملونه على شكل دائرة يتفاءلون بهذا بأن تكون دورة الحياة لهم مستمرة وتكون دورة غير منتهية. وبعض الجاليات اليهودية تعمل هذا الخبز على شكل سلم اشارة الى صعود الناس وهبوطهم في حظوظهم. وهم يقطعون الخبز قطعاً صغيرة ويغمسونه في العسل ثم يأكلونه ويقرأون عليه  دعاء بالنص التالي “اللهم جدّد لنا سعادة السنة وفرحها”.أويقولون “لتكن السنة حلوة وطيبة”. وهم كذلك يأكلون التفاح بعد تقطعيه قطعاً وغمسه بالعسل ايضاً ويقرأون الدعاء نفسه. ويعملون كذلك فطائر بإضافة شيء من العسل إليها. ويأكلون كذلك بعض الفواكه المجففة وكذلك فواكه الموسم في الليلة الثانية قبل الصلاة. وذكر التلمود استحباب أكل الخضروات التي توحي أسماؤها بالإيجابية. وهم كذلك يأكلون رأس شاة او رأس سمكة  ويتذوقه كبير العائلة اولاً ثم يديره على افرادها واحداً واحداً وهم يدعون عند ذلك بقولهم “اللهم اجعلنا الرأس ولا تجعلنا الذنب”.وكذلك يقولون “لنكن كثيرين ومثمرين مثل السمك أو الغنم” وطبق السمك هو جزء من هذا الطعام الخاص على أن لا يطبخ السمك مع الخل لانهم لا يأكلون شيئاً حامضاً او مراً في هذه المناسبة.
ويعمل اليهود الاشكنازيم طبقاً من الجزر لان الجزر باللغة اليديشية هو Mahren وهذه الكلمة نفسها تدل ايضاً على الزيادة (في الحظ والبنين)(3). وهم يمتنعون في هذا الوقت عن أكل الجوز لانه يحدث السعال كما يقولون وهذا يؤثر على اداء الصلاة. اضافة الى ان كلمة “اجوز” العبرية والتي لها المعنى العربي نفسه تساوي قيمتها العددية بحساب الجّمل قيمة اعداد حروف كلمة “خطأ” (ذنب) في اللغة العبريةّ.وقبل القيام بعمل التشليخ يقوم اليهود بأداء صلاة ـتسمى”نتاناه توقف” (اعطانا قوة) وهي صلاة يعتبرونها من اكثر الصلوات إثارة للحزن والشجن حيث تتصاعد عند قراءتها الأصوات بالبكاء والنحيب رجالا ونساء.
طقس التشليخ
اصبح التشليخ جزءاً مهماً من تقاليد هذه المناسبة الدينية حتى غير المتدينين منهم يقومون بذلك اذ يذهب اليهود الى ضفاف البحار والانهار يؤدون طقوساً خاصة. وكلمة “تشليخ” مشتقة من الجذر العبري “شلخ” (ارسل، رمى، نزع الخ وهي مثل شلح العربية). ووردت هذه الكلمة ضمن عبارة في العهد القديم في سفر ميخا 7/19 وهي “(وتشليخ) وترمي في اعماق البحر جميع خطاياهم”.ويبدو أن هذا الطقس يعتمد على هذا النص.
والطريقة المتبعة في ذلك هي ان اليهود بعد ان ينتهوا من صلاة العصر وقبل مغيب الشمس يذهبون الى موضع الماء في طوابير. واشترط الحاخامون في هذا الماء ان يكون فيه سمك كما منعوا ان يطعم هذا السمك وعند اداء طقس التشليخ يؤدي لليهود صلاة خاصة يقرأون فيها فقرات من سفر ميخا 7/18 – 20 وهي “من هو اله مثلك يتحمل الآثام ويصفح عن معاصي ميراثه. ولا يشتد غضبه ويحب الرحمة. وسيعود فيرأف بنا ويدوس آثامنا وتطرح في اعماق البحر جميع خطاياهم وتمنح يعقوب الصدق وابراهيم الرحمة كما اقسمت لآبائنا منذ الايام القديمة”.
ويقرأون كذلك المزمور 118/5 – 6 “في الضيق دعوت الرب فاستجاب  لي وفي الرحب اقام الرب معي فلا أخاف وماذا يصنع بي البشر والرب معي وهو بين ناصريَ فأرى خيبة مبغضيَ. الاعتصام بالرب خير من الاتكال على البشر والاعتصام بالرب خير من الاتكال على العظماء”. وكذلك المزمور33 والمزمور 130 .
ثم بعد ذلك ينفضون اطراف ملابسهم و”جيوبهم” وهم يرمزون بهذا الى نقل ذنوبهم الى الماء ليجرفها والى السمك ليأخذها. وفي اوروبا يذهب اليهود الحسيديم(راجع عن هؤلاء كتابنا :اليهود الحسيديم) في مسيرة جماعية الى النهر وهم يحملون شموعاً وبعد الانتهاء من شعائر التشليخ يشعلون اكواماً من التبن ويرمونه في البحر فتبدو وكأنها مراكب صغيرة من نار. ويعتقد الحسيديم انهم بعملهم هذا يتطهرون من ذنوبهم التي جرفها تيار الماء وأخذها معه وان النار احرقتها كذلك.وبعض الحسيديم في اسرائيل-كما في مدينة صفد- يصعدون فوق سطوح بيوتهم باتجاه بحيرة طبرية حيث يرونها من بعيد ويؤدون طقس التشليخ
وفي بعض الجاليات اليهودية لا يكتفي اليهود بالوقوف عند الماء بل انهم بعد صلاة التشليخ يدخلون النهر ويسبحون فيه وذلك بدلاً من نفض ثيابهم وهم يقولون بأن عملهم هذا يكون اكثر تطهيراً للنفس من الذنوب من غيره لان ماء النهر يغسل كل الذنوب التي اقترفها الانسان في السنة السابقة!!
وفي بعض الاماكن حيث لا توجد انهار او بحار فإن اليهود يذهبون الى بئر او نبع ماء يؤدون هذه الشعائر عنده. وتعمل بعض الجاليات اليهودية حوضاً للماء وتضع فيه سمكاً حيَا وغالباً مايضعون هذا الحوض في الكنيس بل ان البعض منهم لحرصه على اداء هذا العمل يذهب الى الحمام العام للجماعة ويؤدي الطقس عنده ويعفي نفسه من وجود السمك. ولا يعرف اليهود السبب في اشتراط وجود السمك في الماء. واعطى الحاخامون بعض الأسباب لذلك فبعضهم قال ان ذلك تفاؤلاً بكثرة عدد السمك ليكون اليهود كثيرو العدد. وبعضهم قال بأن عيون السمك دائماً مفتوحة فيأمل اليهودي ان تكون عين ربه لا تغمض عنه يرعاه دائماً ويرأف به ويعطف عليه. وبعضهم قال بأن عين الشرلا تؤثر في السمك! فكذلك يأمل اليهود ان لا تؤثر فيهم عين الشر.ومعروف أن السمكة تُرسم في التمائم والحروز اليهودية وخاصة في الكف الذي يصنع من معدن ويوضع في مكان حيث يوضع الوليدالجديد لطرد العين الشريرة واثرها كما يعتقدون.
وعلى الرغم ان اليهود يؤدون طقس التشليخ منذ قرون طويلة(منذ القرن الرابع عشر على مايعتقد) إلا انهم لا يعرفون اصل هذه الطقوس ولا كيف بدأت. ولكن احد حاخاميهم – من القرن الخامس عشر – ربط بين هذا العمل والقصة التي وردت في المدراش عن النبي ابراهيم عندما كان ذاهباً ليضحي بأبنه ورفض أن يمنعه أي شيئ عن إداء ذلك  حتى بعد أن حول الشيطان نفسه الى نهر غامر واعترض طريقه!. وبعض الباحثين اليهود ليسوا مقتنعين بهذا وذهبوا الى ان اصل هذا الطقس هو اصل وثني لا علاقة له بالشريعة اليهودية ولا صلة له بها
التهاني
التهنئة التي يقولها اليهودي لصاحبه بهذه المناسبة هي “لشناه طوباه تكتبو وتختمو (بصيغة الجمع)” ومعناها “ليكتب (اسمك) ويختم لسنة طيبة” ويكون الجواب “غام اتم” (وانتم كذلك) وهذه التهنئة تقال منذ بداية شهر سبتمبر الى حلول الاول من السنة الجديدة. ولكن بعد  حلوله تختلف صيغة التهنئة وتكون “غمر ختيماه طوباه” ومعناها “ليكمل (سجلك) بختام سعيد”. ويرجع التغيير الى ما قاله الحاخامون وذكروه وهو ان هناك ثلاث مراحل قبل ان يكتب الانسان في الاشرار او الاخيار. الاولى هي الانكتاب والتسجيل والثانية “الختم” والثالثة “الختم النهائي” الذي لا رجوع فيه.
فالانكتاب يكون في الاول من السنة والختم يكون بعده في يوم الكبور والختم النهائي يأتي بعده بعشرة ايام في “هوشناه رباه” وهي المناسبة التي تأتي بعد عشرة أيام من يوم الكبور بعد أن يكون الحكم الإلهي قد نزل في ذلك اليوم. والناس الاخيار والاشرار يسجلون في رأس السنة في الساعات الثلاث الأولى من اليوم. اما الذين يكونون بين الاخيار والاشرار فيبقى قدرهم معلقاً الى يوم الكبور كما ذكرنا سابقا ولذلك فإن اليهود في اليوم الاول من السنة الجديدة يهنئون بعضهم بعضاً على افتراض ان كل واحد منهم قد كتب في الصالحين ولذلك لا يقال للشخص بعد حلول رأس السنة “ليكتب اسمك…” لان هذا يعني ان قدره ما زال معلقاً مع المعلقة اقدارهم، وفي هذا اهانة للشخص واساءة له. ولهذه الصيغ تأثير على تجارة بطاقات التهنئة بهذه المناسبة. فبعد دخول الاول من السنة تكون البطاقات التي تحمل العبارة الاولى رخيصة جداً، اما التي تحمل العبارة الثانية فإنها تبقى محافظة على اسعارها كاملة حتى حلول يوم الكبور. وقد اصبح الآن من العادات الشائعة بين الكثير من اليهود ان يرسلوا بطاقات التهنئة بهذه المناسبة اضافة الى ارسال التهاني عن طريق الصحف والنشرات التي تصدرها الكنس بعد استيفاء الاجور من المرسلين.واضافة إلى إقبال اليهود على شراء البطاقات فإن شراء أنواع الشوفار تزداد وكذلك الإقبال على الروزنامات وغطاء خبز “الحلاًه” الذي يعمل من قماش وغيره
نشرت في صحيفة الحياة

*نشرت في صحيفة الحياة د. جعفر هادي حسن Dr Jaafar Hadi Hassan

يؤدي اليهود الارثوذكس طقساً يسمونه
“كفاروت” ويكون أداؤه في اليوم الذي يسبق يوم الكفور(الغفران) الذي يصادف في العاشر من الشهر العبري “تشري”. وبعضهم يؤديه في ليلة رأس السنة اليهودية الجديدة. وكلمة “كفاروت” هي جمع للكلمة العبرية “كفاراة” التي تعني في اللغة العربية “فدية” أو “كفارة”.وهي مشتقة من الجذرنفسه الذي اشتق منه الجذر العربي ” كفر” وعندما تطلق كلمة “كفاروت” دون تخصيص فإنما يقصد منها هذا الطقس. .ويأمل الذين يمارسونه  نيل العفو والمغفرة من ربهم لأن يوم الكفورهو الأكثر قدسية عندهم. وقد وجدوا هذا الطقس لائقاً بهذا اليوم ومناسباً له. وهم يكفرون عن ذنوبهم فيه بحيوان عادة وهو إما ديك أو دجاجة. ويكفر الرجل بالديك، والمرأة بالدجاجة.
واصبح اللون المفضل لهذا الحيوان هو اللون الأبيض استناداً الى ما جاء في سفر اشعيا 1/18 “تعالوا نتخاطب لو كانت خطاياكم كالقرمز تبيّض كالثلج…”. وهذا النص ليس له علاقة بالكفاروت وإنما هو نص عام جعلوا له علاقة بلون الحيوان تبريراله.
ويؤدى هذا الطقس في ليلة يوم الكبور. ويرى الحاخامون ان في هذا الوقت تكون رحمة الرب عامة وشاملة. وقبل أن يذبح الحيوان لا بد للشخص أن يأخذه بيده اليمنى ثم يديره حول رأسه ثلاث مرات أو يديره شخص آخر حول رأسه ويقول أثناء ذلك “هذا عوض عني وينوب عن تقدمتي، وهو مفارقي وهذا الديك سيلقى الموت وأنا سأعيش حياة طويلة سعيدة هانئة”. وتقول المرأة ذلك بصيغة التأنيث وتذكر الدجاجة بدل الديك.
وكثيراً ما يؤدي اليهودي هذا الطقس في إسرائيل هذه ألأيام في المدارس الدينية (اليشيفوت) أو في الكنس، ومن أجل ذلك فإن إعلانات تلصق على نواصي الشوارع في حارات اليهود الارثوذكس تشير الى اسماء هذه الأماكن والأوقات التي يؤدي فيها طقس الكفاروت. وغالباً ما تعطى الفدية اليوم في إسرائيل الى المؤسسات الدينية.
وأجاز الحاخامون أن يدير الشخص الطير بالنيابة فوق رأس شخص آخر بشرط أن يكون قد أداره أولاً حول رأسه هو وكثيرا ما يعمل ذلك رب العائلة. ثم يذبح الطير ويكون ذبحه أيضاً عند الفجر.وعادة مايذبجه قصاب مجاز شرعا(شوحط بالعبرية). ويتصدقون بالحيوان المذبوح على الفقراء. ومن المتعارف عليه أن ترمى أحشاء الطير في مكان مفتوح على سطح الكنيس أو في ساحته كي تأكلها الطيور. وهذا كما يقول الحاخامون، فيه اظهار الرحمة على هذه الطيور ومن يرحم هذه الطيور يرحمه الله!.
ويقول بعض الحاخامين كذلك إن هناك سبباً آخر لرمي الأحشاء للطير، وهو أن هذه الطيور قد تعودت أكل لحم الحيوان الميت وهو نوع من السرقة وعندما يرمي اليهودي هذه الاحشاء للطير فإنه يبين بذلك تصميمه على الإمتناع عن السرقة!! وهم يعتقدون أن هذه الكفارة ستأخذ معها كل كارثة ربما تصيب المضَحي أو سوء حظ يقع عليه. ولا بد للشخص أن يعبر عن ندمه وأسفه على ما اقترفه من ذنوب عندما يقوم بأداء هذا العمل.
ولهذا الطقس صلاة يؤديها اليهودي في بدايته ويطلق عليها”بني آدم” لأنها تتعلق بالبشر عموما أو لأن العبارة مذكورة في هذه المقاطع. وهي من المزمور 107 تتضمن العبارات 10 و14 و17-22 منه وهي: “كانوا مقيمين في الظلمة وظلال الموت اسرى البؤس والحديد……. أخرجهم من الظلمة وظلال الموت وحطم قيودهم….. كانوا مرضى في طريق معصيتهم وأشقياء في آثامهم تعاف نفوسهم كل طعام فيلامِسون أبواب الموت فصرخوا إلى الرب في ضيقهم فخلصهم من شدائدهم وارسل كلمته فشفاهم ومن الهوة انقذ حياتهم. فليحمدوا الرب لأجل رحمته وعجائبه لبني البشر وليذبحوا ذبائح الحمد وليحدَثوا بأعماله بالتهليل”. ويقرأون كذلك من سفر ايوب 33/23-24: “ان وجد ملاك شفيع له وسيط بين الألف ليعلم الإنسان بواجبه ويرحمه ويقول أعفه من الهبوط في الهوة فقد وجدت فدية”.
ويرى الحاخامون أنه إذا صعب الحصول على الديك والدجاجة فيجوز التعويض بالسمك الحي ويشترط  فيه أن يكون حيا وكذلك يجوز التعويض بالأوز، ولكن لا يجوز التضحية بالحمام واليمام.والسبب في ذلك كما يقولون انه لا يجوز التضحية بحيوان كان يضحى به ايام وجود الهيكل.فالحمام واليمام والمعز والغنم حيوانات كان يضحى بها وقتئذٍ.. أما الدجاج فلم يكن يقدم كأضحية ولذلك اتفق على التضحية به… وبعض الحاخامين يفضلون استعمال المال على الدجاج وبعد أن يدار به حول الرأس يتصدق به على الفقراء وهو مايفعله الكثير من اليهود هذه ألأيام. بل انه في بعض الأقليات اليهودية لا يستعمل الدجاج بل المال هو المستعمل وعندئذ تُغير الصيغة التي ذكرناها سابقاً وتصبح “هذا عوض عني… وهذا المال سيذهب الى الصدقة وأنا سأعيش…”.
واعطى علماء القبلاه اليهود تفسيرات باطنية ومعاني خفية لهذا الطقس. ولاقت هذه قبولاً من عامة اليهود وشعبية بينهم. وأكد حاخامون معروفون على أهمية هذا الطقس وذلك بجعله واجباً وأضافوا الكثير من الشعائر الأخرى وهي شبيهة بتلك التي تتعلق بفريضة الأضحية ايام الهيكل اليهودي، مثل وضع اليد على الحيوان وشعيرة صلاة الاعتراف وذبحه مباشرة وغير ذلك. وقد وردت شعائر فريضة الأضحية هذه في سفر اللاويين 16/3-22 وجاء في بعضها ” بهذا يدخل هارون القدس بعجل من البقر لذبيحة الخطيئة وبكبش للمحرقة ويأخذ من عند جماعة بني إسرائيل تيسين من المعز لذبيحة الخطيئة وكبشا للمحرقة….فيقرب هارون عجل ذبيحة الخطيئة التي عليه ويكفر عن نفسه وعن بيته ثم يأخذ التيسين ويوقفهما أمام الهيكل عند باب خيمة الموعد ويلقي هارون عليهما قرعتين إحداهما للرب والأخرى لعزازيل. ويقرب هارون التيس الذي وقعت عليه القرعة للرب ويصنعه ذبيحة خطيئة والتيس الذي وقعت عليه قرعة عزازيل يقيمه حيا امام الرب ليكفر عليه ويرسله إلى عزازيل في البرية ويقرب هارون عجل ذبيحة الخطيئة …فاذا انتهى  من التكفير عن القدس وعن خيمة الموعد وعن المذبح يقدم التيس الحي ويضع هارون يديه على رأسه ويعترف عليه بجميع آثام بني إسرائيل ومعاصيهم وخطاياهم ثم يضعها على رأس التيس ثم يرسله إلى البرية بيد رجل معد له فيحمل التيس جميع آثامهم إلى أرض قاحلة…..”ويقول الحاخامون إن هذه ألأضحية المذكورة في التوراة هي عن جماعة بني إسرائيل كلهم والكفاروت هي عن ألأفراد.ولكن بعض الحاخامين عارضوا أداءه لأنه لم يذكر في التلمود. وكان من هؤلاء سلمون بن أدرت (1310) الحاخام الأندلسي الشهير. الذي حرم ممارسته بشدة واعتبره طقسا وثنيا من بقايا تراث العموريين (ولكن هذا غير صحيح لأنه لم يعرف أنه مورس قبل القرن التاسع الميلادي.كما أنه لم يذكر في التلمود. وكذلك عارض أداءه الفقيه اليهودي المعروف جوزيف كارو (توفي 1575م) وقال عنه انه عادة غبية.وبعضهم اعتبره عملا سحريا. ومن الذين انتقدوه ايضاً وسخروا منه يهودا بن سلومون الحريزي (توفي 1235م) الذي ترجم مقامات الحريري الى العبرية حيث قلده بتأليف خمسين مقامة من انشائه كتبت باللغة العبرية. وفي إحدى هذه المقامات يهزأ  ببعض العادات والتقاليد التي اعتبرها مثيرة للسخرية ومنها طقس “الكفاروت”، حيث يجعل الديك يتكلم معبراً عن خوفه وقلقه من المصير الذي سيلاقيه ولذلك يهرب من يد صاحبه ويصعد على سطح الكنيس حيث يدور كلام بينه وبين الشخص الذي اراد التفكير به وقتله.ولكن اليهود خاصة ألأرثودكس منهم مازالوا مستمرين في أداءهذا الطقس إلى يومنا هذا.ودخلت كلمة كفاروت قاموس اليدش والعبرية حيث تشير الكلمة إلى الخسارة المالية وغيرها وكذلك للجهد الذي لاطائل من ورائه.(1)Encyclopedia Judaica, Kapparot
(2) P.Birnbaum,Encyclopedia of Jewish Concepts,Kapparot
(3) B.Greenburg, How to run Traditional Jewish Household,pp333-4
*نشرت في صحيفة الحياة