الفيلسوفة جودث بتلر في كتاب جديد بعنوان “افتراق الطرق: اليهودية ونقد الصهيونية”

الفيلسوفة جودث بتلر في كتاب جديد بعنوان “افتراق الطرق: اليهودية ونقد الصهيونية “

د. جعفر هادي حسن

جودث بتلر فيلسوفة معروفة واستاذة يهودية في الجامعات الأمريكية، وكتابها هذا الذي نتحدث عنه ليس كتابها الأول، بل لها أكثر من كتاب لوحدها، وبالإشتراك مع آخرين. وبعض كتبها ترجم إلى أكثر من عشر لغات. ويقودها النقاش في كتابها هذا من العلاقة بين اليهودية والصهيونية، إلى الحديث عن إسرائيل وسياستها نحو الفلسطينيين، ثم بعد ذلك تقترح حلا للصراع الإسرائيلي الفلسطيني كما سنرى فيما بعد.

والمؤلفة معروفة في نقدها الشديد للصهيونية، ورافضة لها وللعلاقة بينها وبين اليهودية ، وترى أن اليهودية كدين أو اثنية لاتقود بالضرورة إلى الصهيونية. وتؤكد أن اليهودية يجب أن تكون منفصلة عن الصهيونية، كما تؤكد أيضا على وجود عداء للصهيونية بين اليهود، وأن هذا العداء ليس جديدا، وإنما ظهر منذ بداية ظهور الصهيونية، بل كان بعد مؤتمرها الأول مباشرة في نهاية القرن التاسع عشر،وهذا العداء لم يتوقف إلى اليوم، وإن كان يأخذ صورا مختلفة.وتذكر المؤلفة أن الكثير من اليهود يعتقد بأن إسرائيل هي ضرورة تاريخية لجعل اليهود يعيشون حياة آمنة، واي نقد لها كما يقولون يجعلها دولة غير شرعية، وهذا يعني إرجاع اليهود إلى الوضع الذي كانوا عليه قبل إنشاء الدولة، وتعريضهم للمذابح والتدمير، كما حدث لهم من قبل النازيين .ولكن المؤلفة تقول إن هذه الفكرة في الواقع مرفوضة، لأنها تبرر ماتقوم به إسرائيل من عنف نحو الفلسطينيين واستلاب أرضهم، وتبرر الإعتداءات العسكرية وتعتبرها دفاعا عن النفس. وهي ترى بأن التهمة التي توجه لليهودي، الذي ينتقد الصهيونية وسياسات إسرائيل نحو الفلسطينيين، بأنه كاره لنفسه هي تهمة باطلة وغير صحيحة. وهي تنظر إلى المجمعات الزراعية – المستوطنات-  التي أنشأتها إسرائيل، على أنها جزء من مشروع صهيوني، وما تتبجح  به عن اشتراكيتها، إنما هي في نظر المؤلفة مظهر من مظاهر الإستعمار، وتطبيق لمفهومه. وهي تعطي فكرة بأن الإشتراكية الإسرائيلية، إنما هي استعمارية وتوسعية، وهي تختلف عن الإشتراكية التي يعرفها الناس .

وترفض المؤلفة، أن تكون السيادة في إسرائيل للأغلبية اليهودية،أي أن تكون الدولة يهودية ، وترى بأن ذلك يؤدي بالضرورة إلى حكم عنصري وغيرديمقراطي، كما أنه ينتج عنه صراعات مع الأقليات الأخرى، من أجل الحفاظ على حكم الأغلبية ،ولهذا السبب تقول المؤلفة، إن إسرائيل مصممة، بأن يكون الفلسطينيون أقلية، وإنها إذا ماشعرت بتهدديهم لأغلبيتها، فإنها تقوم بعمل يمنع ذلك. بل إننا نسمع اليوم كما تقول أن بعض سياسييها يريدون الطرد الجماعي للفلسطينيين .وفي رأيها أن ذلك إذاما حصل فإن إسرائيل سوف لاتبقى في مأمن، بل ستبقى في حرب دائمة مع أولئك الذين طردتهم، والذين عليها أن تبقيهم خارج حدودها. كما أن دولة الأغلبية اليهودية كما تقول ، لابد وأن تقوم بتجريد الأقلية الذين هم فلسطينيون في هذه الحالة، من أراضيهم، والسيطرة عليها. ولكنها أيضا ترى بأن تدمير حياة الفلسطينيين ووسائل عيشهم، إنما سيزيد بالتأكيد من الخطر على من يدمرونها، لأنه يخلق حركة للمقاومة المستمرة ، من أولئك الذين يُدمَرون، سواء أكانت المقاومة عنفية أم سلمية. وترفض المؤلفة فكرة الشعب المختار، وكذلك ترفض تبرير أن إسرائيل إنما نشأت طبقا للتوراة .وتقول إننا يجب أن نعارض استخدام الدين لتبرير جريمة ترتكب، طبقا للقانون الدولي بطرد الفلسطينيين من أرضهم، والإستيلاء على ممتلكاتهم. كما أنها اعتبرت الحرب الأخيرة على غزة جريمة حرب.

المذبحة النازية كتبرير للعنف في إسرائيل

وهي كذلك ترفض بالمطلق استعمال المذبحة النازية كتبرير لجعل الحكم غير الشرعي شرعيا،وهو ماتقوم به إسرائيل اليوم، للتغطية على كل الأعمال الوحشية ضد الفلسطينيين كما تقول. وقد انتقدت شخصيات يهودية غيرها استغلال المذبحة النازية لهذا الغرض. ومن هؤلاء أبراهام بورغ الرئيس الأسبق للكنيست الذي قال في كتابه،”المذبحة انتهت ويجب أن نخرج من رمادها” ” “إن كل شيئ ( في إسرائيل) يقارن بها(المذبحة) وكل شيئ يقزم بالنسبة إليها، والنتيجة أن الجدار العازل ومنع التجول والحصار، ومنع الطعام والماء( عن الفلسطينيين) والقتل بدون سبب تصبح أشياء مسموح بها”.ومنهم بريمو ليفي الروائي والشاعر اليهودي المعروف، الذي يرى أن المذبحة قد أصبحت وسيلة لإسكات الناقدين و تبريرا لعنف الدولة(إسرائيل)  وتعطي شرعية لممارساتها التي يجب أن ترفض بكل طريقة.

دولة واحدة للشعبين(الفلسطيني واليهودي)

وبسبب مساوئ دولة الأغلبية اليهودية، فإن الحل الأمثل اليوم، كما تراه المؤلفة، هو أن تكون دولة واحدة للقوميتين اليهودية والفلسطينية، ولكنها تقول إن هذا لايتحقق إلا بشرطين، أحدهما التخلي عن الصهيونية التي نشأت عليها إسرائيل، بأن جعلت السيادة للأغلبية اليهودية، والثاني التخلي عن إنشاء المستوطنات لأنه مشروع استعماري.

وهي بهذا تتفق مع عدد من المفكرين والكتاب اليهود المعاصرين، الذين يرون هذا الرأي،والذين أخذ عددهم يزداد في الفترة الأخيرة ،ومنهم توني جولت وهو يهودي(توفي قبل بضع سنوات) وكان استاذا للتاريخ في احدى الجامعات الأمريكية .وقد عرف بنشره في عام 2003 مقالة مهمة

(The New York Review of Books)  عنوانها «البديل»في مجلة

وهي مقالة طويلة ،أحدثت ردود فعل واسعة بين اليهود وغيرهم لأهميتها واهمية كاتبها .وقد ناقش كاتبها نقاطا رئيسة كان أهمها

ان خيار الدولتين لم يعد خياراً لانه قد فات وقته، وان هناك الكثير من المستوطنات والمستوطنين، والكثير من الفلسطينيين يعيشون في مكان واحد وأن الوقت قد حان للتفكير فيما لم يكن يخطر على بال أحد، وهو حل الدولة الواحدة الذي هو حل مرغوب فيه. وهذه الفكرة ليست فكرة شاذة، إذ أن الدول اليوم فيها ثقافات متعددة واجناس متعددة ، وإسرائيل نفسها هي ذات ثقافات متعددة ، ولكنها ميزت نفسها عن الدول الديموقراطية، في ان المواطن فيها يعتبر مواطناً طبقاً لمقياس اثني ـ ديني ، وهي في هذا الامر تعتبر شاذة بين الشعوب المعاصرة ، لانها دولة يهودية، حيث يكون لليهود الموقع الاول فيها في زمن ليس فيه مكان لمثل هذه الدولة.

إن الشعوب اليوم في العالم يزداد اندماجها، ويزداد التزاوج بينها حيث ازيلت الحواجز الثقافية والاثنية،  وفي مثل هذا العالم، فإن إسرائيل تعتبر خارج السياق الطبيعي للتاريخ وذات وظائف شاذة.

إن تحول إسرائيل من دولة يهودية إلى دولة واحدة ذات قوميتين ليس سهلاً، ولكنه ليس مستحيلاً كما يبدو للبعض، وفي الواقع فإن هناك تقدماً نحو الدولة الواحدة.

إن الحقيقة المحزنة هو ان سلوك إسرائيل اليوم ليس سيئاً لاميركا فقط، بل هو سيىء لإسرائيل نفسها كما يعترف الكثير من الإسرائيليين بهمس. ان سلوكها في الواقع سيىء لليهود ايضاً، وما يحصل من هجوم على يهود الشتات، سببه ما ترتكبه إسرائيل وما تقوم به من اعمال.

وإن من يعتقد بأن الجدار الالكتروني العازل، سيكون الحل فإنه يجهل خمسين سنة من التاريخ بل إن هذا الجدار، هومثل جدار برلين يعبر عن الافلاس الاخلاقي والقانوني.

ومن هؤلاء يوئيل كوفل ،وهو أيضا يهودي من الولايات المتحدة الأمريكية ،وكان قد رشح نفسه لرئاسة الولايات المتحدة عن حزب الخضر، وهو من الناقدين لسياسة إسرائيل نحو الفلسطينيين ، وكان قد أصدر كتابا كاملا حول موضوع الدولة الواحدة عنوانه ” التغلب على الصهيونية وإنشاء دولة ديمقراطية واحدة في فلسطين/ إسرائيل”. ويرى المؤلف ضرورة تفكيك الصهيونية ، حيث تنشأ على أنقاضها دولة واحدة ديمقراطية علمانية للشعبين -وهو يؤكد على صفة العلمانية-. ويقول بأن مشروع إقامة دولة واحدة ليست فكرة طوباوية جاءت من عالم آخر” بل هي أمر ضروري من أجل برنامج عملي”. ويقول إذا كان الغرض من فكرة الدولتين، ان تكون هناك دولتان حقيقيتان على الأرض، فهذا الحل قد قضي عليه.

فلفترة ثمان وخمسين سنة وقضم الاراضي من قبل الصهيونية مستمر، وأصبحت فكرة الدولتين ببساطة غير ممكنة، وهو أمل كاذب، إذ أنه يبقي على اسرائيل كدولة معترف بها ، وعضو معترف به في المجتمع الدولي. ويقترح كوفل اسما لهذه الدولة التي يتخيلها وهو “فلسرائيل”، ويقول إن الإسم مكون من أربعة حروف من كل من الإسم فلسطين وإسرائيل،.وهولا يصر على هذا الإسم بل يترك الأمر للشعبين. ويؤكد أيضا على ضرورة عودة اللاجئين الفلسطينيين”لأن ذلك ضروري لإنهاء الدولة اليهودية ، وكونه حقا أساسيا من حقوق الإنسان في تقرير المصير”، وعندها يجب أن يكون اعتراف متبادل، حيث يتحمل الجانبان المسؤولية سوية، وأن يتخلي اليهود عن ادعاء التميز، (الإختيار)لان ادعاء اي جماعة بانهم شعب مختار من قبل الرب، وانه وعدهم بارض، يعني أنهم ليسوا جديرين بالإنسانية، بل ليسوا جديرين بأن يسموا عقلاء.

ومن هؤلاء الذين يدعون إلى إقامة دولة واحدة، إيلان بابيه الأستاذ الجامعي الإسرائيلي الذي كان قد أعلن تخليه عن الصهيونية، بسبب ماتقوم به إسرائيل نحو الفلسطينيين، ونشر كتابا عن التطهير العرقي للفلسطينيين، الذي تقوم به الدولة. وتقول المؤلفة إن هناك الكثير من اليهود ممن يرفضون سياسة إسرائيل نحو الفلسطينيين ،ويتمنون أن تكون دولة واحدة للشعبين، بل هي تقول إن هذا الموقف هو السائد اليوم بين اليهود خارج إسرائيل، ولكن هؤلاء يخشون الإعلان عن رأيهم خوفا من اتهامهم من إسرائيل والمؤيدين لها، بانهم يشجعون العنف والعداء للسامية.

وفي الأشهر القليلة الماضية ظهر تطور مهم حيث اضيف إلى هؤلاء مجموعة مهمة في إسرائيل، هي اللجنة ضد تهديم البيوت ،حيث وصلت إلى قناعة بأنه ليس هناك أمل في تحقيق حل الدولتين، ولذلك يجب أن تكون دولة واحدة للشعبين، وتقول اللجنة “يجب أن يتحقق شرطان في ذلك، وهما عودة اللاجئين الفلسطينيين طبقا لقرار الجمعية العامة 194، واعتراف إسرائيل بما اقترفته في حق الفلسطينيين في عام 1948 و1967.

Parting Waysعنوان الكتاب

Jewishness and the Critique of Zionism

Judith Butler

2012 Columbia University Press

 

 

 

 

فكرة الإختيار ودورها في ظاهرة العنف ضد الفلسطنييين في إسرائيل

فكرة الإختيار ودورها في ظاهرة العنف ضد الفلسطينيين في اسرائيل
د.جعفر هادي حسن
لم يتوقف عنف اليهود الإسرائيليين من متطرفين قوميين وأصوليين متشددين ، ضد الفلسطينيين منذ ظهور الدولة، وهو آخذ بالإزدياد كلما تقدم الزمن وطال أمد الإحتلال، حتى أصبح ظاهرة واضحة المعالم .وعلى الرغم من أن الظروف السياسة قد تكون أحيانا عاملا من عوامل هذا العنف وسببا من أسبابه، لكن أحد أسبابه المتجذرة في الوجدان اليهودي فيما أرى،هو اعتقاد الغالبية العظمى من اليهود بأنهم شعب مختار ومتميز، اختارهم الإله يهوه وفضلهم على الشعوب. وقد ورد التأكيد على هذه الفكرة أولا في كتابهم الرئيس “التوراة” في مواضع كثيرة ومتعددة، ثم في أدبياتهم فيما بعد كالتلمود ثم في أقوال الحاخامين . ففي التوراة نقرأ في سفر تثنية الإشتراع7: 6-8 بالنص التالي” لأنك شعب مقدس للرب الاهك، وإياك اختار الرب إلهك لتكون له شعبا خاصا له من بين جميع الشعوب، التي على وجه الأرض، لا لأنكم أكثر من جميع الشعوب، تعلق الرب بحبكم واختاركم، فانتم أقل من جميع الشعوب، بل لمحبة الرب لكم، ومحافظته على القسم الذي أقسم به لآبائكم، وهو أخرجكم بيد قوية وفداكم من دار العبودية من يد فرعون ملك مصر”. وغير هذا النص كثير. وعندما ألف التلمود انتشرت في ثناياه أقوال تؤكد هذه الفكرة وتعمقها ،وفي الوقت نفسه صاحبتها أقوال سلبية بحق غير اليهود. ففي رسالة سنهدرين أحد ى رسائل التلمود أن بني إسرائيل هم الأتقياء ،وهم الذين سيرثون الحياة الأبدية.وفي رسالة أخرى منه إن عمل بني إسرائيل هو دائماا عمل خير، بينما الآخرون قادرون فقط على عمل الشر. وأخذ الحاخامون يجذرون هذه الفكرة في أذهان اليهود بشتى الطرق .وينتقصون من الآخرين. وقد جاء عن حاخاميهم أقوال كثيرة في هذا الخصوص.ومن هذه الأقوال ما قاله أشهر حاخاميهم وفلاسفتهم موسى بن ميمون” أما الذين خارج المدينة فهم كل ِشخص لا عقيدة عنده، لا نظرية ولاتقلدية كأطراف الترك المتوغلين في الشمال، والسودان المتوغلين في الجنوب ومن ماثلهم، ممن معنا في هذه الأقاليم، فحكم هؤلاء كحكم الحيوان غير الناطق، وما هؤلاء عندي بمرتبة الإنسان، وهم من مراتب الموجودات دون مرتبة الإنسان ،وأعلى من مرتبة القرد، إذ قد حصل لهم شكل الإنسان، وتخطيطه وتمييز فوق تمييز القرد . وكذلك ماقاله مؤسس فرقة اللوبافتش الحاخام المعروف شنيور زلمان في كتابه “تانيا” ” إن لليهودي نفسين إحداهما قدسية خالصة هي جزء من الإله، وهذه النفس لاتكون إلا في اليهود، وألأخرى حيوانية وهي التي تمد ألإنسان بالحياة، وهي تكون في اليهود وغيرهم، ولكنها في اليهود هي خليط من خير وشر.أما في غير اليهود فهي تكون شرا خالصا، لا خير فيها إطلاقا” .وهذا الكتاب الذي كتبه مؤلفه بالعبرية ،قد صدرت منه على ألأقل خمسا وستين طبعة، وهو ما يعني الإقبال على اقتنائه وكثرة قراءته والتأثر به. وقال حفيده الحاخام المشهور مندل شنيرسون، إن جسم اليهودي من أصل يختلف عن أجسام كل الشعوب الأخرى .ومن هذه الأقوال، كذلك قول الحاخام أبراهام اسحق كوك(ت1938) الذي يعتبر وابنه الحاخام زفي الأبوين الروحيين للأصوليين الصهيونيين في وقتنا الحاضر،”بأن الفرق بين النفس اليهودية والنفس غير اليهودية ،أكبر وأعمق مما بين النفس الإنسانية والنفس الحيوانية” .إلى غير ذلك من أقوال.كما أن هذا الإعتقاد دخل في صلاتهم بقولهم”الحمد لله الذي اختارنا”. وقد ترسخت فكرة التفوق هذه – بسبب التركيز عليها—في وجدان اليهودي وفي لا شعوره إلى جانب النظرة الدونية للآخرين التي صاحبت فكرة الإختيار لليهود أيضا كما ذكرت .وهذه النظرة الدونية لللآخرين أيضا بدأت بالتوراة ،ومن أمثلة ذلك، ماورد في سفر تثنية الإشتراع 1:7 –5 “وإذا أدخلك الرب ألهك إلى الأرض التي أنت داخل إليها ،لترثها وتطرد من أمامك أمما كثيرة…. سبع أمم أكثر وأقوى منك وأسلَمَهم الرب الهك بين يديك وضربتهم فحرَمهم تحريما(قتلهم عن آخرهم) لا تقطع معهم عهدا ولاترأف بهم ،ولا تصاهرهم ولا تعط ابنتك لأبنه ولا تأخذ ابنته لإبنك، لأنه يبعد ابنك عن السير ورائي…بل اصنعوا بهم هكذا: تدمرون مذابحهم وتكسرون أنصابهم وتحطمون أوتادهم المقدسة وتحرقون تماثيلهم بالنار” وغير هذا من أمثلة والتي تعمقت في الأدبيات اللاحقة حتى العصر الحاضر.ولذلك أطلق على غير اليهود صفات سلبية متعددة مثل غويم (الأغيار) ومنيم(كافرين) وعقوميم(منحرفين)وغيرها من صفات. وفي تراث اليهود فإن النظرة إلى اسماعيل، الذي يعتقد فيه أنه أبو العرب ليست نظرة إيجابية. فاسحق الأبن الأصغر لإبراهيم، هو الذي قدمه النبي إبراهيم ليضحي به-كما تذكر التوراة – ولم يقدم اسماعيل وأن الرب قد أقام العهد معه، وليس مع اسماعيل الذي هوابن الجارية الذي طرد معها، وأن أصول الشعب اليهودي ترجع إلى اسحق. وفي كتبهم أيضا أن الرب عرض على العرب الشريعة، التي أنزلها وعندما سألوه عما فيها ذكر لهم الوصايا العشر، التي منها لا تقتل لاتسرق لا تزن، رد عليه العرب بأنهم يرفضونها ولايريدونها، وقالوا إننا نريد أن نمارس هذه الأمور.ومثل هذه الأساطير مازالت تدرس في مدارسهم الدينية إلى اليوم ، وكذلك يطلقون على العرب عماليق وهم طبقا للتوراة أعداء العبرانيين التاريخيين”وأن الرب في يوم من الأيام سيمحو ذكر العماليق”كما يعزون ذلك إلى النبي موسى.وكان رئيس الحاخامين السفارديم ألأسبق في إسرائيل عوفاديا يوسف، قد وصف الفلسطينيين بأنهم عماليق هذا الزمان، وقد دعا عليهم أكثر من مرة ليزيلهم يهوه من الوجود.وهكذا تشكات عقلية هؤلاء نحو العرب وأصبح لهم حصة كبيرة من هذه النظرة التي تتسم بالإحتقار واالكره. ولذلك ليس من الغريب أن نجد الغالبية العظمى من طلاب المدارس في إسرائيل يصفون الفلسطينيين بأنهم قتلة ولصوص، عندما أجري أستطلاع بينهم قبل بضع سنوات عند سؤالهم عن تعريف الفلسطيني. وصاحَب الإعتقاد بهذه الفكرة الإعتقاد أيضا بأن فلسطين أعطيت لليهود وحدهم دون غيرهم ولايشاركهم فيها أحد، إذ الآخر يدنسها ويخبثها، والإستيلاء عليها كما يعتقدون وطرد الآخرين منها وقتلهم هو عمل مقدس، لأنه تطهيرلها من هذا الدنس.
وقد حمل الغالبية العظمى من المهاجرين هذه النظرة معهم إلى فلسطين فبعد إعلان وعد بلفور وازدياد المستوطنين في فلسطين وتعاظم شوكتهم أخذوا يقومون بتطبيق نظرتهم هذه ضد الفلسطينيين.ولما رأى “أحد هاعام” زعيم الصهيونية الروحية تعاملهم مع الفلسطينيين من هذا المنطلق وعلى أساس هذه النظرة حذرهم من ذلك، وقال لهم في كلام معروف “إن على اليهود أن لايعتبروا أنفسهم متفوقين على العرب، بل إنهم يجب أن ينظروا إليهم على أنهم أناس يعتزون بأنفسهم كثيرا.والإعتقاد بأن كل العرب هم صحراويون برابرة، وأنهم أناس مثل الحمير لايعرفون ما يدور حولهم ولا يفهمونه هوخطأ كبير…إن العرب بخاصة سكان المدن منهم يفهمون جيدا ماذا نريد وماذا نحن نعمل في البلد، ولكنهم يتظاهرون بأنهم لايعرفون ولاينتبهون لأنهم لايرون في الوقت الحاضر أي خطرعلى أنفسهم، أو مستقبلهم فيما نقوم به ، ويحاولون أن يحولوا عمل هؤلاء الضيوف الجدد لصالحهم، ولكن عندما يأتي اليوم الذي تكون فيه حياة شعبنا في أرض إسرائيل قد وصلت إلى درجة ،بحيث تدفع الناس المحليين جانبا، كثيرا أو قليلا فانه سوف لايكون من السهولة أن يتخلوا عن أرضهم.”وقال أيضا “إن المستوطنين يجب أن يتعاملوا مع السكان المحليين بحب واحترام” ولكن هؤلاء المستوطنين صموا آذانهم عن نصائح أبناء جلدتهم، واستمروا في الإعتداء على الفلسطينيين والتنكيل بهم، والاأبالية نحوهم، ولذلك ثار الفلسطينيون ضدهم أكثر من مرة كما حدث في عام 1929 و1936. ثم أخذت هذه ألأفكار تظهر بشكل أوضح بعد نشوء الدولة وظهورقوتها ودعمها لهؤلاء- فأصبحت الدولة القوية تحمي اليهودي ولاتحمي ألآخر وأصبح اضطهاد الآخر، واستعمال العنف ضده وقتله أمرا سهلا .فأخذوا يجاهرون بالقول بأن وصية لاتقتل لاتنطبق عليهم، إذا قتلوا الفلسطينيين، حتى الأطفال منهم ،وكان الحاخام يسحق شابيرا قد أصدر كتابا عام 2009 بعنوان “توراة الملك” قال فيه إنه يجوز قتل غير اليهود حتى الأطفال منهم ،لأن هؤلاء سيصبحون أشرارا مثل آبائهم عندما يكبرون.وعند صدور الكتاب انتقد بعض المسؤولين مضمون الكتاب في ضجة كاذبة ومفتعلة ،ولكنها مالبثت أن اختفت وخمدت ونشر الكتاب ووزع على نطاق واسع في إسرائيل..وأصبحنا نسمع كلاما من هؤلاء يخز الضمير الإنساني بعمق ، ويخدش المشاعر البشرية بقوة ،ويجعل من حقوق الإنسان مهزلة حقيقية.مثل قول رئيس الحاخامين السفارديم الأسبق،مردخاي إلياهو “إن حياة طالب المدرسة الدينية (اليشيفاه) تعادل حياة ألف عربي” وكذلك ماقاله الحاخام يعقوب فرن، في رثائه لباروخ غولدشتاين”إن مليون عربي لايساوون ظفر يهودي”.ولذلك فنحن لانستغرب من إقدام بعض هؤلاء،على حرق أناس أبرياء  حتى الأطفال وهم أحياء، بل أصبح من يقتل الفلسطينيين من هؤلاء قديسا، كما هو حال باروخ غولدشتاين، الذي قتل 29 فلسطينيا فبُني له صرح على قبره يزوره هؤلاء، ويتبركون به.
———————————————–
*لابد أن نشير هنا إلى أن من اليهود من لايؤمن بفكرة الإختيار،ويعتبرها فكرة عنصرية وبالية لاتتفق مع صفات العدل للإله.ومن هؤلاء، الفيلسوف اليهودي سبينوزا (الذي كتبنا عنه فصلا في كتابنا قضايا وشخصيات يهودية). وبعض هؤلاء قد أسسوا فرقا يهودية في القرن العشرين، لها أتباعها الكثيرون والمؤمنون بأفكارها، مثل الحاخام مردخاي قبلان والحاخام شيرون واين.

 

 

 

مثقفون يهود يهجرون إسرائيل إلى المانيا

د. جعفر هادي حسن

عندما انهار الاتحاد السوفياتي السابق وسمح لليهود بالهجرة منه كان هؤلاء المهاجرون يفضلون الذهاب إلى ألمانيا بدل إسرائيل، ولذلك تضاعف عدد يهود ألمانيا أربع مرات منذ العام1989. ولم ينقطع تدفق هؤلاء المهاجرين إلى ألمانيا على الرغم من ضغوط إسرائيل عليها. ومنذ سنين بدأت شريحة من يهود إسرائيل تهاجر إلى المانيا للعمل والإقامة على الرغم من تاريخ المانيا في معاملة اليهود السيئة الذي توج بالمذبحة المعروفة (الهولوكوست). ويتميز هؤلاء المهاجرون عن غيرهم ممن يهاجر من اسرائيل أنهم نخبة من بين شرائح المجتمع، ومن المبدعين من فنانين ورسامين وكتاب ومنتجين سينمائيين وموسيقيين وغيرهم، ولذلك ترحب بهم ألمانيا ترحيبا بالغا وتعطي لهم أفضلية بمنحهم «فيزا الفنانين»، بل هي تساعدهم باعطائهم منحة مالية أيضا وبدون تعقيدات بيروقراطية. حتى أن احد الممثلين المعروفين يقول إنه يوجد اليوم فنانون في برلين أكثر مما هم موجودون في إسرائيل.
ومن الذين يهاجرون أيضا عدد من أقرباء الناجين من المحرقة، ويعتبر هذا تطورا في نظرة اليهود إلى الألمان، حيث كان بعض اليهود من هؤلاء إلى وقت قريب، يصيبهم التوتر والغضب عند رؤيتهم لهؤلاء بل ويكرهون حتى الكلام معهم. وأصبح هؤلاء المهاجرون اليوم مجموعة مميزة يصل عددها إلى مايقرب من عشرين ألفا أو أكثر، لهم إذاعتهم العبرية وبعض الصحف بهذه اللغة أيضا ولهم منظماتهم ونشاطاتهم الأخرى، ومازال الكثير منهم في إسرائيل يخططون للهجرة إلى هذا البلد والعيش فيه. يقول دانيال بيرنباوم الذي يقود الأوركسترا في برلين منذ التسعينات إنه يشعر أكثر ارتياحا في ألمانيا من إسرائيل، ودانيال هذا هو أحد البارزين من المجموعة المهاجرة اليوم.
ومما يشجع هؤلاء على الهجرة نظرة الدولة إلى اليهود بخاصة قوانينها ضد العنصرية والتي هي في صالح اليهود خاصة. كما أن المانيا اليوم تختلف نظرتها إلى الأقليات في أنها أكثر احتراما لها وتسامحا معها، وهو ما يشجع اليهود على الهجرة. كما أنها قد شرعت أشد القوانين ضد العنصرية. وهي من الدول التي تعتبر إنكار المذبحة النازية من الجرائم التي يعاقب عليها القانون بسجن من تثبت عليه/ها التهمة بعقوبة أقصاها خمس سنين، وكان بعض الألمان الذين يتبنون هذه الفكرة قد سجنوا أو غرموا، وقد سجنت امرأة عمرها تسعة وثمانون عاما (لأربعة عشر شهرا) في العام الماضي لهذا السبب. ومما يشجع المهاجرين اليهود أيضا، أنهم يرون في الألمان ندما على ما حصل من النازية نحو اليهود والشعوب الأخرى مثل النور وغيرهم، يتمثل ذلك في إنشاء المراكز التي تعنى بالبحث والدراسة حول النازية وتاريخها، وما قامت به من مذابح نحو الآخرين. وبعض هذه المراكز سميت على أسماء شخصيات يهودية. ومما يشجعهم على الهجرة أيضا ان اقتصاد المانيا هو اقتصاد قوي يتفوق على اقتصادات دول الاتحاد الأوربي وأن الديمقراطية فيها تعتبر نموذجية. ويقولون أيضا إنهم يشعرون أكثر امنا في المانيا وأكثر تقديرا فيها.
وهم يعطون أسبابا لهجرتهم من إسرائيل يذكرون منها أنهم محبطون بمرارة وبخيبة الأمل بالطريق الذي تسير فيه إسرائيل اجتماعيا وسياسيا وثقافيا، حيث الصهيونية في رأيهم لم تعد كما كانت عندما ظهرت، ويفترض فيها أن لايكون هدفها بناء مخابئ وملاجئ تنقذ الناس من الموت الذي يلاحقهم في بلد يفترض فيه أنهم سيكونون في أمن فيه. وكانت إسرائيل قد أنشئت كما هو معروف كملجأ لليهود من الاضطهاد، ولكن أهمية هذا الهدف وقيمته قد قلت في القرن الواحد والعشرين في عصر الاتحاد الأوربي، وقد اعتبر أحد الصحافيين الإسرائيليين الاتحاد الأوربي هوالملجأ للإسرائيليين بدل إسرائيل نفسها.
ومن الأسباب التي يذكرونها لمغادرتهم هو الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الذي لا يبدو له حل في الأفق كما يقولون. كذلك يذكرون من الأسباب عداء الدول العربية والإسلامية المستمر.
وكذلك الأسعار الآخذة في التصاعد دائما. وهناك الفساد المنتشر ووجود الحريديم وتكاثرهم الذين يمتصون دم الدولة، «وإننا نأتي هنا لنتخلص من هذه الضغوط.
واسرائيل لم تعد الأرض الموعودة، بل انها أصبحت ارض الوعود التي لم تتحقق والقنبلة الموقوتة للإنفجار السكاني لفلسطيني إسرائيل، وعلى الحكومة الإسرائيلية أن تعالج المشاكل التي تتسبب في كل هذا قبل أن تفقد شبانا وفنانين أكثر». ويبدو لي أن هاجس القلق من التهديد الوجودي الذي يسكن اليهود الإسرائيليين هو أحد هذه الأسباب، وقد عبر عنه أحد أساتذة التاريخ في جامعة تل أبيب بالقول «إننا نعيش في تهديد وجودي دائم، وهناك شعور(لدى الإسرائيليين) بأننا على بعد دقيقة واحدة فقط من القطار الذي سيأخذنا لمعسكر أوشوتز(أحد معسكرات النازية التي استعملت في المذبحة).
والذين يرفضون هذه الهجرة يرون فيها نزفا ثقافيا لإسرائيل، واعتبر أحد عمداء الكليات اليهودية في ألمانيا ذلك من المشاكل الرئيسة التي تواجهها إسرائيل، ولكنه اعترف بأن الحياة فيها ضاغطة وصعبة، وأن الأفق فيها ضيق.