*نشرت في صحيفة الحياة د. جعفر هادي حسن Dr Jaafar Hadi Hassan1 min read

يؤدي اليهود الارثوذكس طقساً يسمونه
“كفاروت” ويكون أداؤه في اليوم الذي يسبق يوم الكفور(الغفران) الذي يصادف في العاشر من الشهر العبري “تشري”. وبعضهم يؤديه في ليلة رأس السنة اليهودية الجديدة. وكلمة “كفاروت” هي جمع للكلمة العبرية “كفاراة” التي تعني في اللغة العربية “فدية” أو “كفارة”.وهي مشتقة من الجذرنفسه الذي اشتق منه الجذر العربي ” كفر” وعندما تطلق كلمة “كفاروت” دون تخصيص فإنما يقصد منها هذا الطقس. .ويأمل الذين يمارسونه  نيل العفو والمغفرة من ربهم لأن يوم الكفورهو الأكثر قدسية عندهم. وقد وجدوا هذا الطقس لائقاً بهذا اليوم ومناسباً له. وهم يكفرون عن ذنوبهم فيه بحيوان عادة وهو إما ديك أو دجاجة. ويكفر الرجل بالديك، والمرأة بالدجاجة.
واصبح اللون المفضل لهذا الحيوان هو اللون الأبيض استناداً الى ما جاء في سفر اشعيا 1/18 “تعالوا نتخاطب لو كانت خطاياكم كالقرمز تبيّض كالثلج…”. وهذا النص ليس له علاقة بالكفاروت وإنما هو نص عام جعلوا له علاقة بلون الحيوان تبريراله.
ويؤدى هذا الطقس في ليلة يوم الكبور. ويرى الحاخامون ان في هذا الوقت تكون رحمة الرب عامة وشاملة. وقبل أن يذبح الحيوان لا بد للشخص أن يأخذه بيده اليمنى ثم يديره حول رأسه ثلاث مرات أو يديره شخص آخر حول رأسه ويقول أثناء ذلك “هذا عوض عني وينوب عن تقدمتي، وهو مفارقي وهذا الديك سيلقى الموت وأنا سأعيش حياة طويلة سعيدة هانئة”. وتقول المرأة ذلك بصيغة التأنيث وتذكر الدجاجة بدل الديك.
وكثيراً ما يؤدي اليهودي هذا الطقس في إسرائيل هذه ألأيام في المدارس الدينية (اليشيفوت) أو في الكنس، ومن أجل ذلك فإن إعلانات تلصق على نواصي الشوارع في حارات اليهود الارثوذكس تشير الى اسماء هذه الأماكن والأوقات التي يؤدي فيها طقس الكفاروت. وغالباً ما تعطى الفدية اليوم في إسرائيل الى المؤسسات الدينية.
وأجاز الحاخامون أن يدير الشخص الطير بالنيابة فوق رأس شخص آخر بشرط أن يكون قد أداره أولاً حول رأسه هو وكثيرا ما يعمل ذلك رب العائلة. ثم يذبح الطير ويكون ذبحه أيضاً عند الفجر.وعادة مايذبجه قصاب مجاز شرعا(شوحط بالعبرية). ويتصدقون بالحيوان المذبوح على الفقراء. ومن المتعارف عليه أن ترمى أحشاء الطير في مكان مفتوح على سطح الكنيس أو في ساحته كي تأكلها الطيور. وهذا كما يقول الحاخامون، فيه اظهار الرحمة على هذه الطيور ومن يرحم هذه الطيور يرحمه الله!.
ويقول بعض الحاخامين كذلك إن هناك سبباً آخر لرمي الأحشاء للطير، وهو أن هذه الطيور قد تعودت أكل لحم الحيوان الميت وهو نوع من السرقة وعندما يرمي اليهودي هذه الاحشاء للطير فإنه يبين بذلك تصميمه على الإمتناع عن السرقة!! وهم يعتقدون أن هذه الكفارة ستأخذ معها كل كارثة ربما تصيب المضَحي أو سوء حظ يقع عليه. ولا بد للشخص أن يعبر عن ندمه وأسفه على ما اقترفه من ذنوب عندما يقوم بأداء هذا العمل.
ولهذا الطقس صلاة يؤديها اليهودي في بدايته ويطلق عليها”بني آدم” لأنها تتعلق بالبشر عموما أو لأن العبارة مذكورة في هذه المقاطع. وهي من المزمور 107 تتضمن العبارات 10 و14 و17-22 منه وهي: “كانوا مقيمين في الظلمة وظلال الموت اسرى البؤس والحديد……. أخرجهم من الظلمة وظلال الموت وحطم قيودهم….. كانوا مرضى في طريق معصيتهم وأشقياء في آثامهم تعاف نفوسهم كل طعام فيلامِسون أبواب الموت فصرخوا إلى الرب في ضيقهم فخلصهم من شدائدهم وارسل كلمته فشفاهم ومن الهوة انقذ حياتهم. فليحمدوا الرب لأجل رحمته وعجائبه لبني البشر وليذبحوا ذبائح الحمد وليحدَثوا بأعماله بالتهليل”. ويقرأون كذلك من سفر ايوب 33/23-24: “ان وجد ملاك شفيع له وسيط بين الألف ليعلم الإنسان بواجبه ويرحمه ويقول أعفه من الهبوط في الهوة فقد وجدت فدية”.
ويرى الحاخامون أنه إذا صعب الحصول على الديك والدجاجة فيجوز التعويض بالسمك الحي ويشترط  فيه أن يكون حيا وكذلك يجوز التعويض بالأوز، ولكن لا يجوز التضحية بالحمام واليمام.والسبب في ذلك كما يقولون انه لا يجوز التضحية بحيوان كان يضحى به ايام وجود الهيكل.فالحمام واليمام والمعز والغنم حيوانات كان يضحى بها وقتئذٍ.. أما الدجاج فلم يكن يقدم كأضحية ولذلك اتفق على التضحية به… وبعض الحاخامين يفضلون استعمال المال على الدجاج وبعد أن يدار به حول الرأس يتصدق به على الفقراء وهو مايفعله الكثير من اليهود هذه ألأيام. بل انه في بعض الأقليات اليهودية لا يستعمل الدجاج بل المال هو المستعمل وعندئذ تُغير الصيغة التي ذكرناها سابقاً وتصبح “هذا عوض عني… وهذا المال سيذهب الى الصدقة وأنا سأعيش…”.
واعطى علماء القبلاه اليهود تفسيرات باطنية ومعاني خفية لهذا الطقس. ولاقت هذه قبولاً من عامة اليهود وشعبية بينهم. وأكد حاخامون معروفون على أهمية هذا الطقس وذلك بجعله واجباً وأضافوا الكثير من الشعائر الأخرى وهي شبيهة بتلك التي تتعلق بفريضة الأضحية ايام الهيكل اليهودي، مثل وضع اليد على الحيوان وشعيرة صلاة الاعتراف وذبحه مباشرة وغير ذلك. وقد وردت شعائر فريضة الأضحية هذه في سفر اللاويين 16/3-22 وجاء في بعضها ” بهذا يدخل هارون القدس بعجل من البقر لذبيحة الخطيئة وبكبش للمحرقة ويأخذ من عند جماعة بني إسرائيل تيسين من المعز لذبيحة الخطيئة وكبشا للمحرقة….فيقرب هارون عجل ذبيحة الخطيئة التي عليه ويكفر عن نفسه وعن بيته ثم يأخذ التيسين ويوقفهما أمام الهيكل عند باب خيمة الموعد ويلقي هارون عليهما قرعتين إحداهما للرب والأخرى لعزازيل. ويقرب هارون التيس الذي وقعت عليه القرعة للرب ويصنعه ذبيحة خطيئة والتيس الذي وقعت عليه قرعة عزازيل يقيمه حيا امام الرب ليكفر عليه ويرسله إلى عزازيل في البرية ويقرب هارون عجل ذبيحة الخطيئة …فاذا انتهى  من التكفير عن القدس وعن خيمة الموعد وعن المذبح يقدم التيس الحي ويضع هارون يديه على رأسه ويعترف عليه بجميع آثام بني إسرائيل ومعاصيهم وخطاياهم ثم يضعها على رأس التيس ثم يرسله إلى البرية بيد رجل معد له فيحمل التيس جميع آثامهم إلى أرض قاحلة…..”ويقول الحاخامون إن هذه ألأضحية المذكورة في التوراة هي عن جماعة بني إسرائيل كلهم والكفاروت هي عن ألأفراد.ولكن بعض الحاخامين عارضوا أداءه لأنه لم يذكر في التلمود. وكان من هؤلاء سلمون بن أدرت (1310) الحاخام الأندلسي الشهير. الذي حرم ممارسته بشدة واعتبره طقسا وثنيا من بقايا تراث العموريين (ولكن هذا غير صحيح لأنه لم يعرف أنه مورس قبل القرن التاسع الميلادي.كما أنه لم يذكر في التلمود. وكذلك عارض أداءه الفقيه اليهودي المعروف جوزيف كارو (توفي 1575م) وقال عنه انه عادة غبية.وبعضهم اعتبره عملا سحريا. ومن الذين انتقدوه ايضاً وسخروا منه يهودا بن سلومون الحريزي (توفي 1235م) الذي ترجم مقامات الحريري الى العبرية حيث قلده بتأليف خمسين مقامة من انشائه كتبت باللغة العبرية. وفي إحدى هذه المقامات يهزأ  ببعض العادات والتقاليد التي اعتبرها مثيرة للسخرية ومنها طقس “الكفاروت”، حيث يجعل الديك يتكلم معبراً عن خوفه وقلقه من المصير الذي سيلاقيه ولذلك يهرب من يد صاحبه ويصعد على سطح الكنيس حيث يدور كلام بينه وبين الشخص الذي اراد التفكير به وقتله.ولكن اليهود خاصة ألأرثودكس منهم مازالوا مستمرين في أداءهذا الطقس إلى يومنا هذا.ودخلت كلمة كفاروت قاموس اليدش والعبرية حيث تشير الكلمة إلى الخسارة المالية وغيرها وكذلك للجهد الذي لاطائل من ورائه.(1)Encyclopedia Judaica, Kapparot
(2) P.Birnbaum,Encyclopedia of Jewish Concepts,Kapparot
(3) B.Greenburg, How to run Traditional Jewish Household,pp333-4
*نشرت في صحيفة الحياة

0 replies

Leave a Reply

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *