وليم بلاكستون(1841_1935) أشهر مسيحي أمريكي نذر حياته للعمل على انشاء وطن قومي لليهود في فلسطين د. جعفر هادي حسن    Dr Jaafar Hadi Hassan 1 min read

William Blackstone

كانت الولايات المتحدة الأمريكية في الفترة التي ولد فيها وليم بلاكستون تمر بفترة ما سمي بحركة الإنبعاث    الأنبعاث الديني الثالثة وكان لمدينة آدمز التي ولد فيها دور كبير ومهم في هذه الحركة إذ أنها كانت موطنا لمبشر مشهور وعالم في الدراسات الدينية اسمه تشارلس فنََي(ت1875م) الذي شارك في هذه الحركة مشاركة فعالة كان لها أثر  بعيد على الحياة الدينية الأمريكية وأصبح جزءا من تاريخها. وكان بلاكستون من الذين تأثروا منذ شبابه بهذه الحركة ودفعه حماسه للتفاعل معها .  فأخذ يحضر الإجتماعات الدينية  الكثيرة ويشارك في حلقات  تفسير الكتاب  المقدس ويبشر بين الشباب بما كان يتعلمه من هذه الحلقات والإجتماعات وأصبح بعد فترة من ذلك يميل إلى أفكار مدرسة تؤكد على التفسير الحرفي للكتاب المقدس، والتي أخذت تنتشر منذ النصف الثاني من القرن  التاسع عشر خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية

وكان أبرز منظري هذه المدرسة والداعين لأفكارها وأحد اهم الواضعين لأسسها واعظا بريطانيا من اصل ايرلنديً اسمه جون نلسون داربي (ت 1882م) الذي  لم يجد تجاوبا كثيرا لأفكاره  في بريطانيا فحملها إلى خارجها ليبشر بها وينشرها فقام بعدة رحلات طويلة إلى الولايات المتحدة الأمريكية. وكان الناس في هذا البلد أكثر قبولاً لها حيث لاقت هوى في نفوس الكثير منهم فاعتنقوها وآمنوا بها. وأصبحوا يعدون اليوم بعشرات  الملايين  وأصبحت هذه الأفكار مدرسة تعرف باسم Dispensationalism .
وطبقاً لأفكار داربي فإن العالم منذ بدايته لا بد وأن يمرّ بسبع مراحل أطلق عليها dispensations(ولهذا سميت المدرسة بالإسم المذكور) والعالم اليوم يمر في فترة المرحلة السادسة التي هي في رأيه على وشك الانتهاء. وقد انتهت كل مرحلة من المراحل السابقة بعقاب من الرب على شرور الناس وذنوبهم. وهذه المرحلة أيضاً ستنتهي بعقاب لهم.وبعدها تبدأ المرحلة السابعة والأخيرة التي هي مرحلة الخلاص الأخير حيث يظهر المسيح عيسى مرة أخرى وينشئ دولته التي يكون مركزها فلسطين، حيث ستستمر هذه الدولة لفترة ألف سنة ينعم فيها الناس بالعدل والخير والرفاه. ويرى المؤمنون بهذه المدرسة بأن العقاب الذي سينزل بالناس قبل ظهور عيسى سيتمثل في كوارث طبيعية واضطرابات سياسية واجتماعية وأوبئة وحروب، ثم بعدها يظهر الدجال، وتكون معركة الأرمغدون التي سيقتل فيها خلق كثير وخلال هذه الفترة سينقذ المسيح عيسى المؤمنين به ويصعد بهم إلى السماء وتسمى هذه العملية Repture وستستمر هذه الحوادث لسبع سنين حيث ينتصر المسيح عيسى في نهايتها وينزل بالمؤمنين معه ليبدأ حكمه الألفي.
ولكن داربي والمؤمنين بأفكاره أضافوا شيئا مهما إلى كل ذلك وهو شيئ  لابد من حدوثه  وهو ضرورة هجرة اليهود إلى فلسطين وانشاء دولتهم طبقا لنبوءات الكتاب المقدس كما يقولون. وقال هؤلاء إن هجرة اليهود هي جزء مهم من خطة الرب لتحقيق الخلاص. وأخذ هؤلاء منذ القرن التاسع عشر يقومون بنشاطات كثيرة من أجل جمع اليهود في فلسطين..

وكان بلاكستون من أخلص تلاميذ هذه المدرسة وأشدهم ايماناً بها وأكثرهم نشاطاً فيها. ولكي ينشر أفكاره بين الناس ويقنعهم بها، أصدر كتاباً عام 1878م بعنوان) Jesus is Comingعيسى قادم) يؤكد فيه على صحة تفسيرات هذه المدرسة ومستشهداً بعبارات كثيرة من التوراة والانجيل دعماً لها. وهو لم يكتف بهذا فترك عمله وتفرغ للتبشير وخصص أموالاً كثيرة – كان أبو زوجته الثري قد تركها له – لذلك. وأصبحت قضية تهجير اليهود وانشاء وطن قومي لهم من أهم نشاطاته وهدفاً مهماً من أهداف حياته يسافر ويكتب  من أجلها وينفق الأموال في سبيلها.
وبدأ مرحلة أخرى في هذا النشاط بعد أن انتقل إلى شيكاغو وأسس في عام 1887م جمعية عرفت فيما بعد بإسم ـوبعد فترة على إنشاء هذه الجمعية سافر بلاكستونAmerican Messianic Followship International إلى فلسطين لتشجيع من هاجر من اليهود إليها ومساعدتهم على الاستمرار والبقاء فلسطين. وعبر عن سروره بوجودهم وأثنى على عملهم، و قال في حينها إن وجودهم يجلب البركة للدولة العثمانية.
ومن أجل تحقيق هدفه بتهجير اليهود إلى فلسطين، قام بتنظيم مؤتمر كبير في شيكاغو عام 1889م جمع فيه لأول مرة  عدداً من الشخصيات اليهودية والمسيحية المعروفة. وعُقد المؤتمر تحت شعار “ماضي اليهود وحاضرهم ومستقبلهم”. وفي البيان الختامي طالب المؤتمرون بمساعدة اليهود على الهجرة إلى فلسطين وانشاء وطن قومي لهم. وطالبوا  الحكومة الأمريكية أيضا أن تستعمل نفوذها في التأثير على حكومات الدول التي يوجد فيها يهود كي تعاملهم معاملة أفضل. وطالبوا روسيا التي كان اليهود حينها يشكون معاملتها لهم “أن ترفع يدها القاسية عن هؤلاء الناس”. وارسلت نسخة من البيان إلى قيصر روسيا..
وفي عام 1891 قدم بلاكستون مذكرته الشهيرة إلى رئيس الولايات المتحدة الأمريكية بنيامين هريسون التي عنونها “فلسطين لليهود”. وقد تضمنت المذكرة دفاعاً عن اليهود وشرحا لوضعهم في روسيا الذي وصفه بالمزري. وبدأ مذكرته بالسؤال: “ماذا يجب أن يُعمل ليهود روسيا” وهو يجيب على هذا بالقول: “لماذا لا نرجع فلسطين لهم”. وهو يأتي بعبارات من التوراة يقول إنها تشير إلى رجوع اليهود إلى فلسطين..
ومن أجل مساعدة اليهود على الذهاب إلى فلسطين وانشاء وطن قومي لهم، اقترح على الرئيس ووزير خارجيته أن يقوما بعمل سياسي لتحقيق هذا الغرض وذلك باقناع الدول الأوربية والامبراطوريات بعقد مؤتمر دولي “للنظر في حال اليهود وإمكانية اسكانهم في فلسطين ومساعدتهم بطريقة عادلة ومؤثرة لإزالة معاناتهم”. وقال في مذكرته كذلك “إن الوقت قد حان لكي تعطف الشعوب المسيحية الغربية على اليهود وترجعهم إلى أرضهم”. كما اقترح أيضاً تعويض الدولة العثمانية مالياً على اقتطاع فلسطين منها ويكون أغنياء اليهود مساهمين في هذا التعويض..
ووقع بلاكستون المذكرة بصفته رئيس المؤتمر المسيحي اليهودي. ووقعها أربعمئة وثلاثة عشر شخصية معروفة منهم أعضاء في الكونغرس وقضاة وصناعيون ورؤساء كنائس ورؤساء تحرير صحف وكان من الموقعين على المذكرة جون روكفلر و وليم ماكينلي الذي أصبح فيما بعد رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية (واغتيل في الفترة الثانية لرئاسته)..
وارفق مع مذكرته رسالة إلى الرئيس ووزير خارجيته، وضح فيها أفكاره التي طرحها في المذكرة، وأكد فيها أن الموقعين على المذكرة هم نخبة ممثلة لأعداد كبيرة جداً من الناس الذين أيدوا مضمونها. وذكر انه كان في  فلسطين عام 1889 ووجد بان تحقيق مشروع الوطن القومي لليهود في فلسطين ممكن عمليا ومقبول سياسيا وربط في رسالته بين السياسي والديني .فمن جانب ذكر بعض نبوءات العهد القديم التي قال بأنها تشير إلى عودة اليهود إلى فلسطين. ومن جانب آخر أكد على فكرة عقد المؤتمر الدولي وأهميته السياسية وقال “أتمنى أن يكون الشرف للرئيس ووزير خارجيته بأن يهتما شخصياً بهذه القضية العظيمة ويضمنا عن طريق عقد مؤتمر وطناً لملايين اليهود المشردين”
.
كما لم يفته أن يذكر بأن عملهما سيكون كعمل الملك الفارسي قورش. (وكان قورش الثاني قد سمح لليهود في الرجوع إلى فلسطين من منفاهم في بابل لبناء هيكلهم وهو يعتبر بطلاً تاريخياً عندهم). وعندما تسلم الرئيس المذكرة وعد بأنه سينظر فيها باهتمام..
كما كتب أيضاً مقالة طويلة في مطبوعة مهمة حول الموضوع نفسه تحت عنوان “هل يمكن للولايات المتحدة أن تتدخل من أجل اليهود، أكد فيها على قدرة اليهود على انشاء دولة لهم تتسع لملايين منهم، كما أشار إلى الأهمية التجارية لموقع فلسطين، وقال “إن ألأمر يحتاج فقط إلى حكومة مستقلة تهيئ البلد لليهود المهاجرين إليه”. كما قال عن هذه الحكومة بأنها “يجب أن يكون لها سيطرة على الحرم وموقع الهيكل، وان إعادة بناء الهيكل تحت الرعاية الإلهية سيشجع اليهود الأرثودكس على الهجرة ويؤجج فيهم روح الحماس الديني ويهيئ الطريق لليهود الآخرين للمجيئ إلى أرض آبائهم”. وتعني فكرته حول سيطرة الدولة اليهودية المقترحة على الحرم الشريف هوأن يهدم من أجل أن يقام مكانه مايسميه اليهود “الهيكل الثالث” وهو ما ينشط اليهود المتطرفون اليوم لتحقيقه. .
وعندما ظهرت الحركة الصهيونية كان بلاكستون على اتصال بزعمائها يساندهم ويشجعهم على استيطان
فلسطين. ولما طرح خيار اوغندا كوطن قومي لليهود – الذي عرضته بريطانيا على هرتزل – بعد فشل مشروع  توطينهم في العريش والذي كان هرتزل قد قبله بعد أن ناقشه مع المسؤولين البريطانيين- أرسل بلاكستون نسخة من الكتاب المقدس مؤشراً على العبارات التي قال له – طبقاً لتفسيره – إنها تتنبأ بهجرة اليهود إلى فلسطين وليس إلى غيرها، وحثه على أن لايقبل بأي مكان أخر غير فلسطين. وتوجد هذه النسخة اليوم في متحف هرتزل في إسرائيل..
واستمر بلاكستون في الترويج لأفكاره والدعاية لها. وبعد أن نشر كتاب “بروتوكولات حكماء صهيون” في الولايات المتحدة الأمريكية ولاقى اقبالاً عند الناس، أخذ يكتب إلى الصحف مؤكدا على تزوير الكتاب و رافضاً صحة معلوماته وفكرة الحكومة العالمية لليهود، ومتهماً من يؤيد ذلك بالعداء للسامية. كما أنه سافر إلى عدة دول  كما سافرإلى الصين بعد أن ترجم كتابه إلى اللغة الصينية.
وأثناء الحرب العالمية الأولى نشر كتابه مرة أخرى بعد أن أضاف إليه الكثير مما يتعلق بظهور المسيح مرة أخرى ورجوع اليهود إلى فلسطين، وتُرجم الكتاب إلى لغات كثيرة، وأقبل عليه المسيحيون الاصوليون يقتنونه ويقرؤونه برغبة اعتقاداً منهم أن أحداث الحرب علامات على الظهور الثاني للمسيح عيسى. وكان الكتاب في حينه من أكثر الكتب مبيعا.
وأثناء فترة حكم الرئيس توماس ويدرو ويلسون قدم مذكرة ثانية ووقعها معه هذه المرة ثمانون شخصية معروفة وأرفق مع المذكرة أيضاً رسالة جاء في بعضها “كان لي الشرف أن أحصل على تأييد لتقديم المذكرة نيابة عن اليهود. واني مؤمن بأن تطور الأحداث ينبئ عن قرب حصول اللحظة المناسبة من أجل أن تأخذ قراراً كريماً مثل الذي اتخذه قورش ملك فارس. وأنا متأكد من تعاطفك ورغبتك في مساعدة اليهود في وضعهم المأساوي. وأنا اصلي أن تغتنم هذه الفرصة لتضمن لنفسك ولشعبنا البركة التي وعدها الرب لإبراهيم ونسله وأن تُري رحمة لشعب إسرائيل”.”.
وكان للمذكرة صدى ايجابي لدى زعماء الصهيونية. وكتب لويس برانديس زعيم الحركة الصهيونية في الولايات المتحدة الأمريكية رسالة إلى جيمس روتشايلد قال له فيها عن المذكرة “… وقد كُتبت مذكرة لهذا الغرض (لتأييد الفكرة الصهيونية) وقعها كثير من الشخصيات المسيحية المعروفة والتي ستقدم إلى الرئيس في الوقت المناسب لتدعم الأفكار المتعاطفة.””.
وكتب برانديس لبلاكستون رسالة مثمناً فيها جهوده، ومعبراً له عن سعادته العميقة لعمله لصالح الحركة الصهيونية ومقدراً التأثير الذي أحدثته مذكرته. وقال إنه يعتبره أباً للصهيونية “لأن عملك سبق عمل هرتزل ” كما قدمه في أحد المؤتمرات الصهيونية على أنه أهم حليف للصهيونية من غير اليهود..
وخصص بلاكستون قبل وفاته أموالاً كثيرة لبرانديس ينفقها في مساعدة اليهود على هجرتهم إلى فلسطين. وكتبت نشرة لجنة الطوارئ الصهيونية في الولايات المتحدة مقالاً بمناسبة مرور خمسين سنة على تقديم المذكرة، وقالت عنها “إنها في حقيقتها تقدم حلاً كالذي قدمه كتاب هرتزل” الدولة اليهودية”وان بلاكستون يستحق أن يُوصف بأنه رائد الصهيونية السياسية.”.
ويرى باحثون مثل ماكسويل كودر بأن أفكار بلاكستون ونشاطاته كان لها أثر في ظهور الفكرة الصهيونية. وقال آخرون بأن بلاكستون يعتبر واحداً من الأمريكيين القلائل الذين لعبوا دورا رئيساً في انشاء وطن قومي لليهود. ولأهمية الدور الذي لعبه بلاكستون في تحقيق الفكرة الصهيونية كتبت عنه دائرة المعارف اليهودية مقالاً-وهي نادرا ما تكتب عن غير اليهود- أشادت فيه بصهيونيته ونشاطه لتحويل فلسطين دولة لليهود. وقالت إنه ربما كان لمذكرته تأثير على الرئيس ويلسون في تأييده لوعد بلفور الذي أصدرته الحكومة البريطانية عام 1917م لانشاء دولة لليهود على أرض فلسطين. كما زرعت إسرائيل غابة كبيرة اطلقت عليها اسمه اعترافاً بجهوده في تحقيق الأهداف الصهيونية..
ولا بد أن نذكر هنا بأن الجمعية التي أنشأها بلاكستون قبل أكثر من قرن من الزمن ما زالت إلى اليوم تعمل بجد ونشاط ولها موقع مهم ونشط على الانترنت تتصدره نجمة داود كشعار لها. وهي تعرف نفسها بقولها “نحن في هذه الجمعية نؤمن بقوة بأن حبّ الرب للشعب اليهودي هو حب أبدي ووعده الذي قطعه له لا يمكن أن يلغى أو يبدل”.
وهذه الجمعية أيضاً تقوم بالدعاية لإسرائيل والدفاع عنها ومساعدة المهاجرين إليها،كما أنها تطالب بتحقيق أهداف مؤسسها  بتهديم الحرم الشريف وبناء الهيكل اليهودي مكانه. وهي واحدة من جمعيات كثيرة منتشرة في الغرب وخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية التي تقوم بهذا النشاط.

*نشر أصل هذه المقالة في مجلة الثقافية

0 replies

Leave a Reply

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *