القدس مدينة ذات وجه إنساني

القدس مدينة ذات وجه إنساني

د.جعفر هادي حسن

لمدينة القدس اهميةُ دينيةُ لدى المسلمين منذ ان أصبحت جزءا من الدولة الإسلامية، وتاتي هذه الأهمية من أنها كانت القبلة الأولى لهم،وأن لمسجدها ذكرا في القران الكريم في قوله تعالى “سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله” ، وكذلك لقصة معراج الرسول الأكرم إضافة إلى الأحاديث النبوية التي تؤكد على مكانة هذه المدينة وقدسيتها في الإسلام.ومنذ فترة مبكرة اعتنى المسلمون بها وكان لها مكان خاص في وجدانهم فكانوا يسافرون إليها ويقبلون على زيارتها ويتبركون بمسجدها حتى كان الالاف منهم يجتمعون فيها في وقت واحد في بعض المناسبات الدينية. وقد ذكر الرحالة ناصر خسرو أنهم كانوا يتجمعون في القدس في شهر ذي الحجة بالالاف وهو يذكر أنه في عام 1040 للميلاد كان هناك عشرون ألفا منهم. ومن مظاهر اهتمامهم بها أنهم أخذوا يبنون فيها المدارس والرباطات والمساجد والسبل ويذهبون للدراسة فيها والتعلم على يد أساتذتها وفي فترة من فترات تاريخ  هذه المدينة المقدسة كان هناك مايقرب من خمسين مدرسة للدراسات الإسلامية والعلوم الأخرى لمختلف المذاهب. كما أن علماء كبارا كانوا يذهبون لزيارتها او للدراسة فيها أو الإستمتاع بروحانيتها. وربما كان أشهر هؤلاء العلماء أبا حامد الغزالي الذي توفي في بداية القرن الثاني عشر الميلادي،وهو قد سافر إليها وبقي فيها لإثراء تجربته  والتمتع بأجوائها الروحانية. وهو نفسه يذكر أنه كان يذهب كل يوم إلى مسجد قبة الصخرة للتعبد والتهجد، وهو ربما اعتقد أن قدسية المدينة وروحانية أجوائها التي تحيط بها وعبقها المتميز وما اضفي عليها من تكريم في الإسلام وما قيل في حقها من أقوال واحاديث  قد يساهم في إيصاله إلى راحة الإيمان الراسخ واطمئنان اليقين وانفراج أزمته الفكرية التي كان يمر بها كما هو معروف. وهو كان قد كتب رسالة خاصة في علم الكلام عندما كان مقيما فيها عنونَها باسم المدينة واسماها الرسالة القدسية. كما أن هناك أكثر من عالم من العلماء المعروفين ينتسبون إليها ويسمون بالمقدسي. وقد تميزت هذه المدينة بانسانيتها وبانفتاحها على الشعوب والأديان الأخرى ولم تغلق الباب أمام أي منها ولم تمنع من يريدون السكن فيها بل كانت مفتوحة للآخرين من خارجها يأتونها من أماكن بعيدة.فالمقدسي (ت حوالي 990م) يذكر بعض المهاجرين إليها من المسلمين من أماكن بعيدة.ولكن العيش في هذه المدينة لم يقتصر على المسلمين بل كانت شعوب أخرى تاتي إليها من أماكن مختلفة كما  يذكر ذلك لنا الحاخام اليهودي القومسي الذي عاش في القرن التاسع.فهو قال  عندما خاطب اليهود وحثهم على المجيئ إلى القدس ،  “اليست الشعوب الأخرى تاتي من جهات الأرض الأربع إلى أورشليم ، في كل شهر وفي كل سنة ، خشية من الله ورهبة منه ، إذن ماذا دهاكم يا اخواني اليهود ؟  وهو يمدح حكم المسلمين ويثني عليه ،ويقول ولكن بعد ما جاءت مملكة اسماعيل(المسلمين) أصبحت الأمور أفضل ، لأن بني اسماعيل يساعدون اليهود القرائين دائما ، لتطبيق شريعة توراة موسى  ، ولذلك علينا أن نباركهم من أجل ذلك. والآن أنتم في وسط مملكة إسماعيل….إذن فلماذا تخافون الحاخامين؟ وأكثر من هذا فالمسلمون لم يكونوا ليقبلوا ضغوط الدول الأخرى لمنع أتباع دين من الأديان، للسكن في القدس والعيش فيها ،نعرف ذلك مما يذكره عالم وحاخام آخر هو يافث بن إيلي من القرن العاشر الميلادي عند شرحه لعبارة في المزمور11-2 التي جاء فيه “فإن الأشرار يشدون قوسهم وعلى الوتر يسددون سهمهم” يقول “إن هذا يعني أن البيزنطيين يكتبون إلى العرب دائما يطالبونهم بطرد اليهود من أورشليم، ولكنهم لم ينجحوا ، وقد تبين بكل وضوح أن هؤلاء كانوا يقومون بذلك ، منذ فترة طويلة”وهذه فيما أرى شهادة مهمة في حق المسلمين،وفي طريقة معاملتهم لأتباع الأديان الأخرى.ويذكرنا هذا بما قام به الخليفة عمر بن الخطاب،الذي سمح لليهود بالسكن في القدس بعد أن كان الرومان قد منعوهم،  وكان رئيس الكنيسة غير راض بالسماح لهم ويضغط من أجل عدم إرجاع اليهود.ومعروف أن المسيحيين أيضا كانوا يعيشون بسلام إلى جنب المسلمين منذ دخول المسلمين إلى فلسطين ،ولهم كنائسهم وأديرتهم كما هو معروف وكانوا يأتون من بيزنطة أيضا لزيارتها كما يذكر ناصر خسرو، وربما كان هناك أتباع أديان أخرى.

ولأن هذه المدينة لها موقع مركزي في وجدان المسلمين ودينهم فقد بذلوا كل ما لديهم لإعادتها إلى ماكانت عليه بعدما احتلها الصليبيون في نهاية القرن الحادي عشر  واخرجوا منها ممن بقي فيها من اليهود والمسلمين وجعلوها مدينة مقتصرة على المسيحيين وحدهم ، ولم يهدأ للمسلمين بال إلى أن استرجعوها وأعادوا إصلاح ما خربه الصليبيون من مساجدها ومدارسها فعاد إليها طابعها الإنساني المميز.

ولكن هذه المدينة المقدسة ذات الوجه الإنساني التي انفتحت على الآخرين ورحبت بهم وتقبلتهم واستقبلتهم كما راينا ترزح اليوم ومنذ عقود تحت حكم استعماري قاس بغيض لايرحم سكانها من غير اليهود ولايهتم بالقوانين الدولية ولا بحقوق الإنسان وإنما له هدف واحد خطط له منذ العام 1948 ويعمل على تحقيقه وهو إحكام السيطرة على هذه المدينة وجعلها مدينة يهودية خالصة بعد القيام بتزوير تاريخها.

وأنا الآن لا أريد أن أخوض بما تقوم به إسرائيل من عمليات تهويد لهذه المدينة من بناء للمستوطنات فيها وحولها،وتهديم بيوت الفلسطينيين وتركهم بلا مأوى ومن سحب لهويات المقدسيين منهم والغاء جنسياتهم واسكان اليهود في أحيائهم وممارسة الترهيب والترغيب لبيع ممتلكاتهم.فهذه الأعمال لكثرتها وتكررها أصبحت للناس معروفة، وإسرائيل لاتخفيها ولا تخشى الحديث عنها ولذلك بدأ احرار العالم منذ سنوات بسبب هذه الأعمال اللاإنسانية حملة لمقاطعة لإسرائيل يشترك في تنظيمها اليوم شخصيات عالمية معروفة كان آخرهم الفيزيائي العالمي المعروف ستيفن هوكنغ.ومما يدعو إلى التفاؤل أن هذه الحملة أخذت تاتي اكلها ولو ببطئ.

وبودي أن أختم هذا الحديث عن شيئ من تزوير إسرائيل لتاريخ هذه المدينة. وهذا التزوير يتمثل في عدة أمور منها تغيير أسماء الشوارع والأحياء العربية إلى أسماء عبرية وربطها زورا بتاريخ اليهود ،ومنها استعمال مصطلحات كاذبة تزور التاريخ مثل مصطلح إعادة توحيد القدس وهذا يوحي بأن المدينة كانت تحت سيطرة اليهود مع ان العالم يعرف بأن اليهود لألفي سنة لم يكن لهم دور في إدارة المدينة لا من قريب ولا من بعيد بل إنهم كانوا خارجها لقرون طويلة إلى أن أرجعهم المسلمون إليها

وإلى جانب التزوير في العصر الحديث هناك تزوير للتاريخ القديم لهذه المدينة

خاصة فيمايتعلق بالهيكل اليهودي واصرار إسرائيل أن مكانه كان في موقع الحرم القدسي الشريف .ومعروف أن إسرائيل منذ احتلالها للقدس الشرقية لم تبق حجرا على حجر في البحث عن دليل لوجود هذا الهيكل  والعثور على أثر تاريخي له والذي حدث بهذا الخصوص أنها ادعت اكتشاف آثار تقول انها تثبت ما تريد ولكن الذي تبين فيما بعد أنها اكتشافات مزورة.وبودي أن اذكر هنا بعض الأمثلة باختصار.  فمن هذه لوح حجري أعلن عنه عام 2003 بعد أن أطلع عليه بعض الخبراء قبل هذا التاريخ ووثقوه بأنه أثر اصيل . ويحوي اللوح كتابة من عشرة أسطر/ خمسة عشر سطرا تتضمن تعليمات يفترض أن الملك يهواش بن الملك حزقياه ملك يهودا (836 ـ ق.م798) قد أمر بها لإصلاح هيكل سليمان. وهذه التعليمات قد وردت في العهد القديم في سفر الملوك الثاني وما وجد على اللوح يشبهها كثيرا لغة وأسلوبا ومضمونا..وقد قيل عن الاكتشاف في حينها إنه أهم دليل حتى اليوم  على وجود ما يسمى بالهيكل الأول. وقد أشيع أن اللوح عثر عليه قرب المسجد الأقصى ولذلك أعلنت بعض المنظمات اليهودية المتطرفة أن النقش يثبت وجود الهيكل ويجب إعادة بنائه مكان الحرم القدسي الشريف من دون تأخير.وبعد أن فحصت اللوح لجنة من المختصين في أكثر من اختصاص توصلت إلى أن اللوح قديم(المادة التي نقشت عليها الكتابة) ولكن الكتابة مزورة وقدعرض تلفزيون “بي بي سي” برنامجا وثائقيا عن هذا اللوح وشكك في مصداقيته. وكان ممن اشترك في تزويره استاذ في جامعة حيفا.

ومن هذه الآثار المزورة قطعة صغيرة على شكل رمانة صغيرة من عاج اعتقد أنها رأس صولجان كبير كهنة المعبد، وقد نقش عليها عبارة “مقدس للكهنة، هيكل الإله يهوه”. وكان المتحف الإسرائيلي قد اشتراها في الثمانينات بـ500 ألف دولار واعتقد وقتها أنها الشيء الوحيد الذي يعثر عليه إلى اليوم يتعلق بموجودات هيكل سليمان. والغريب أن بعض المختصين هم الذين قالوا إن اللقية حقيقية قبل أن يشتريها المتحف. وطبقا للتوراة، فإن الرمان استعمل في تزويق هيكل سليمان. وقد ظلت هذه اللقية معروضة في المتحف الإسرائيلي لفترة سنوات وقد رفعت كثيرا من معنويات اليهود حيث اعتقدوا أنها تؤكد وجود هيكلهم في القدم ، وأخذ كثير منهم بعد سنين من عرضها يؤكد أن شيئا من فترة الملك سليمان قد عثر عليه. ولكن المتحف سحبها من العرض وأعلن أن النقش عليها حديث بعد أن قررت لجنة من المختصين ذلك. وقد كان لي نقاش حاد في أحد المؤتمرات الدولية في لندن مع الخبير المختص الذي برر أصالتها .

ومن الأشياء التي تبين أنها مزورة ختم حجري قيل في حينها إنه للملك منسه ملك يهودا (القرن السابع ق.م.) حيث نقش عليه “منسه ابن الملك”. وافترض أنه نقش يعود له قبل أن يصبح ملكا. وكان في حينها قد عرض على جامع آثار بمبلغ مليون دولار.

كما عرض أحد تجار الآثار “شمعدان” (منوراه)مصنوع من الصخر على أنه خاص برئيس كهنة ما يسمى بالهيكل الثاني وكان قد طلب مبلغا ضخما ثمنا له وقد تبين فيما بعد أن الشمعدان مزور.

ومن هذه اللقى قطعة من إناء فخاري عليها كتابة قيل إنها تعود لفترة مملكة يهودا، وقد تبين أنها مزورة كذلك. وقد اتهم في ذلك شخصان أحدهما خبير سابق في متحف إسرائيل. وبسبب كثرة التزوير في الآثارقال أحد الخبراء في هذا الحقل إن أي لقية من فترة العشرين سنة الماضية لا يعرف مكان العثورعليها في إسرائيل يجب أن تعتبر مزيفة”..ومن الكتب المهمة عن تجارة التزييف هذه كتاب المؤلفة نينا بيرليه بعنوان “التجارة غير المقدسة: قصة حقيقية للعقيدة، والطمع والتزوير في الأرض المقدسة”. وتستعرض المؤلفة ـ وهي أميركية لها عدد من المؤلفات ـ قصصا تتعلق بتزوير الآثار في إسرائيل والطرق المتبعة فيها والتقنيات المستعملة في ذلك والمجموعات المشتركة فيها.وبودي أن أشير هنا في ختام حديثي هذا، إلى كتابين مهممين من تاليف الأستاذ شلومو زند وهو استاذ جامعي إسرائيلي احدهما عن تزوير تاريخ اليهود كشعب كما يقول وعنوانه اختلاق الشعب اليهودي والآخر عن تزوير أرض فلسطين كما يذكر وعنوانه اختلاق الأرض المقدسة ،من المفيد الإطلاع عليهما وما ورد فيهما من معلومات.

 

تأثير الثقافة الإسلامية على اليهود القرائين

تأثير الثقافة الإسلامية على اليهود القرائين*(1-3)

د. جعفر هادي حسن

القسم الأول

من المعروف أن الغالبية العظمى من اليهود  كانوا قد عاشوا لقرون طويلة في الدولة الإسلامية ، وكان حالهم مختلفا عن حال يهود أوربا،الذين كانوا معزولين عن مجتمعهم وغير مسموح لهم بالمشاركة فيه،فقد كان يهود الدولة الإسلامية مشاركين في كثير من جوانب الحياة في المجتمع وناشطين فيها، ،وكان أحد أوجه تفاعلهم مع الحياة الإجتماعية، أنهم تعلموا اللغة العربية وكتبوا مئات الكتب فيها.ويتبين لنا من خلال النتاج العلمي والأدبي الذي وصلنا منهم ، مدى تاثرهم بالثقافة الإسلامية بصورة عامة. ولم يكن هذا التأثير على جانب معين من جوانب المعرفة، وإنما شمل الكثير منها ، كالأدب والفلسفة والنحو وعلم العروض واللغة وعلم الكلام وغيرها ، وكان الباحثون اليهود قد شخصوا هذا التاثير وميزوه  وتحدثوا عنه، ، وسأقتصر هنا على بعض الإقتباسات من أقوالهم دون غيرهم.

يقول ليو بك، وهو أحد زعماء الحركة اليهودية الإصلاحية المعاصرة

“إن اليهود مدانون وممتنون بعمق للحضارة العربية ، ويجب أن يعتبروا هذا الإمتنان فريضة من فرائض الله لايجوز أن ينسوها” أما س. وسرستروم فهو يرى ” أن المسلمين قدموا للجماعة اليهودية الوسائل الثقافية والإجتماعية ، التي حافظوا (بها) على استمرارهم. “[1] وهذا الكلام على إيجازه له دلالة مهمة. وأرى من المناسب أن أضيف إلى هذين الباحثين، رأي أحد المستشرقين المعاصرين –– وهو المستشرق المعروف برنارد لويس ، لأنه ذكر رأيه بشيئ من التفصيل عن هذا الموضوع ، ولأن شهادته من جانب آخر تكتسب أهمية في هذا المجال ، ليس فقط  لكونه مستشرقا يهودياً معروفا على نطاق واسع ، بل أيضا لأن موقفه من الإسلام والمسلمين، منذ فترة طويلة وما زال موقفا ناقدا وغير ودي ، بل شديد النقد، لذلك يصبح رأيه في تأثير الثقافة الإسلامية على اليهود واليهودية ذا مغزى وأهمية خاصة .

فهو يقول :

“ففي موضوع الفلسفة وحتى علم الكلام ، يمكننا أن نقول بدون تردّد ، بأن التأثير كان من الإسلام على اليهودية ، وليس العكس وكذلك صياغة المعتقد الديني على شكل مبادئ ، والذي هو شيء غريب على اليهود في عصر التوراة ، وكذلك في عصر التلمود. إن ظهور علم الكلام اليهودي ، كان قد بدأ متكاملاً في البلاد الإسلامية ، وكان ظهوره على أيدي الذين استعملوا مفاهيم علم الكلام الإسلامي ومفرداته ، وهذا أيضاً يقود إلى تأثير مهم آخر ، وهو تأثير المفردات العربية على اللغة العبرية . ومعروف أن اللغة العربية والعبرية ،هما لغتان من أصل مشترك واحد ، ولما كانتا كذلك فإن تقليد إحداهما للأخرى، واستعارة مفردات الواحدة من الأخرى ، هو شيء سهل. وكان اليهود المتعلمون في البلاد الإسلامية ، يجيدون اللغتين العربية والعبرية بشكل جيد، وإن قسماً من المفردات الفلسفية والعلمية في عبرية القرون الوسطى، والذي دخل الكثير منها في العبرية الحديثة، كان قد جاء من خلال الترجمات العربية.

وهذا يقود إلى شيء أكبر ، وهو موضوع تأثير العربية على “فيلولوجي” العبرية،( كعلم الصرف وغيره). فاليهود الذين كانوا يهتمون بدراسة اللغة العبرية من أجل فهم أفضل للتوراة ، اتبعوا طرقاً كثيرة استخدمها وابتدعها العلماء المسلمون من أجل دراسة النص المقدّس. فأصل القواعد وتطورها ونموّها وعمل المعجم ، والرغبة والجهود من أجل إثبات أصالة النص (المقدس) ، هي متشابهة بشكل واضح في الديانتين. وهنا لابد أن يبرز سؤال ، فيما إذا كان هناك علاقة بين الماسورانيين[2] الذين قاموا على تحقيق وتثبيت النص التوراتي، وما قام به المسلمون نحو القرآن من عمل شبيه ، والذي هو من المحتمل أن يكون أسبق زمناً. كما أن تأثير المسلمين على اليهودية ، كان أبعد من عالم الفكر، ومجال العلوم، لأنه قد أثر حتى على الطقوس.

وفي الأدب والفن فإن تأثير المسلمين على اليهود كبير جداً، وهو من هذه الناحية تأثير من جانب واحد تقريباً ، وليس تأثيرا متبادلاً. وإن الشعر العبري في العصور الوسطى، قد قلّد الطريقة والتقنية العربيتين بشكل واضح جداً ، بل الواقع (نجد هذا) في كل نظام الشعر من مصطلحات ورموز. وعلى الرغم من أن كل هذا مكتوب بلغة هي ليست من اللغات الإسلامية المستعملة ، ولكن الشعر العبري في العصور الوسطى ، وكذلك النثر يعتبران جزءاً من الثقافة نفسها ، مثلهما مثل الأدب العربي وغيره من الآداب الإسلامية. وفي الحقيقة فإن التأثير الإسلامي على الشعر العبري ، لم يقتصر على يهود العالم الإسلامي ، بل شمل هذا التأثير يهود فرنسا من خلال إسبانيا.

كما أن هناك شبها بين الفن الإسلامي والأعمال الفنية اليهودية ، ليس فقط في العالم الإسلامي ، ولكنه كان أيضاً في أوروبا المسيحية ، مثل رسومات الكتب ، وكذلك ( ماهو موجود) في الكنس اليهودية ، التي يظهر فيها التأثير الإسلامي بشكل واضح. وبالمقارنة مع يهود العالم الإسلامي ويهود أوروبا المسيحية ، يتّضح تأثير الإسلام.”[3].

وما ذكر أعلاه عن التأثير، يشمل اليهود القرائين وغيرهم ،ولكننا سنقتصر في هذه الدراسة على اليهود القرائين كما جاء في عنوان الدراسة ، لأننا إذا ماأردنا أن نتحدث عن تأثر العلماء اليهود من غير القرائين بالثقافة الإسلامية ، فإن الحديث سيطول وسيخرجنا عن موضوعنا ، الذي نريد الإقتصار عليه  هنا ، ولكن  يكفي لمن يهتم بالموضوع أن يطلع على مؤلفات العالم الحاخام المعروف ،سعديا بن يوسف الفيومي (من القرن العاشر الميلادي)، والفيلسوف الحاخام موسى بن ميمون(من القرن الثاني عشرالميلادي)، ليرى التاثير الواضح في كتاباتهم، ومدى تأثرهم بالفكر الإسلامي، بخاصة تلك الكتابات التي تتعلق بعلم الكلام، مثل كتاب “الأمانات والإعتقادات” للأول وكتاب “دلالة الحائرين” للثاني.

أما بالنسبة إلى تأثر اليهود القرائين بالثقافة الإسلامية ، فهي مسألة لا يجادل فيها أحد  ، ولا تحتاج إلى كثير من الأدلة والبراهين لإثباتها .فقد كان التأثير عليهم أكثر من غيرهم ، من أتباع الفرق اليهودية الأخرى . وقد أصبح هذا التأثر تهمة يوجهها لهم أعداؤهم من اليهود الآخرين ، ويكررون ذكرها كمنقصة عليهم ومثلبة لهم. ويقول التلمودي طوبيا بن أليعازر (من القرن الثاني عشر) “إن هؤلاء الناس قد أفسدوا كثيراً طريقة الحياة اليهودية الحقيقية ، لأنهم تلامذة المسلمين ، وهم متأثرون بروح مجنونة ضربت عقولهم.”[4] وقد وصل هذا التأثر في مرحلة من المراحل حدّاً أثّر على عقيدة بعض هؤلاء ، فتحولوا إلى الإسلام ، كما يذكر صموئيل (السموأل) بن يحيى المغربي (من القرن الثاني عشر)[5] وهو قد قال “إن أكثر القرائين خرج إلى دين الإسلام أولاً فأول ، إلى أن لم يبق منهم إلا نفر يسير ، لأنهم أقرب إلى الاستعداد لقبول الإسلام ، لسلامتهم من محاولات فقهاء الربانيين (التلموديين)، أصحاب الافتراء الزائد ، الذين شددوا على جماعتهم الإصر”[6].

وقد يكون أحد أسباب تأثر القرائين بالفكر الإسلامي ، أنهم عند ظهورهم وانفصالهم عن اليهود الآخرين (في القرن الثامن الميلادي)، كانوا بحاجة إلى قاعدة كلامية وفلسفية، يعتمدون عليها ويركنون إليها في رد هجوم التلموديين ونقدهم لهم، فكان أن وجدوا مبتغاهم في الفكر الإسلامي ومدارسه. وقد استوعب القراؤون هذه البحوث وفهموها ، خاصة وأنهم كانوا يجيدون اللغة العربية، وقد مكّنهم هذا ليس في الدفاع عن فرقتهم ، بل أصبح ذلك سلاحاً قوياً لهم في نقض آراء التلموديين ، وتفنيد حججهم ورد اتهاماتهم. ومن أجل التوسع في الأحكام الشرعية، فقد وجدوا ضالتهم في أصول فقه المذاهب الإسلامية بصورة عامة ، بعد أن كانوا يعتمدون كلياً على العهد القديم(التوراة) في استنباط الأحكام الشرعية، إذ لم يكن الإعتماد على التوراة كافيا ،لاستيعاب المسائل المتشعبة في الفقه، لذلك لجأوا إلى أصول الفقه الإسلامي ، فاستعانوا بها واستفادوا منها كما سنذكر ذلك فيما بعد.

القسم الثاني( 2-3)

في تشكيل التوراة وقراءتها وتفسيرها

وأود أن أبدأ هذا التأثير، بموضوع يتعلق بكتابهم الأول( التوراة) وتشكيل نصه وقراءته وتفسيره .فاليهود اهتموا بنص التوراة واعتنوا به وحافظوا عليه، كما اهتم المسلمون – منذ البداية – بالنص القرآني وقاموا على العناية به ، لأهميته لديهم ومكانته عندهم. وكان العلماء المسلمون قد قاموا بعملهم هذا في القرن الأول الهجري – السابع الميلادي – ،حيث تظافرت جهودهم في ضبط الحروف ووضع العلامات والتشكيل، للنص القرآني ، وما أن مرَّ قرن أو بعض قرن ، حتى رأينا عملية تشكيل النص التوراتي، تبدأ في بابل (في العراق)، وفي طبريه (في فلسطين) في منتصف القرن الثامن أو في نهايته على أيدي مجموعة من العلماء اليهود، الذين أطلق عليهم فيما بعد الماسورانيون.

وهناك اعتقاد بين علماء تاريخ النص التوراتي ، أن العمل الذي قام به الماسورانيون، كان تأثراً بما قام المسلمون ، وأشهر من يرى هذا الرأي العالم اليهودي الألماني بول كاله ، وكما أشار إلى ذلك أيضا برنارد لويس في النص السابق، الذي نقلناه عنه.وبودي أن أذكر هنا بعض الأدلة التي استقصيتها أنا، على تأثر تشكيل التوراة بما قام به المسلمون نحو القرآن.وأهم هذه الأدلة فيما أرى، هو استعمالهم للحركات وأسمائها العربية.فهم استعملوا للفتحة كلمة “فتح” ، واسم هذه الحركة يقابل الفتحة في اللغة العربية ( وقد انتبه بعض الباحثين إلى هذا وأشار إليه)واستعملوا للضمة كلمة ” قبوص”، وهي من الجذر العبري “قبص” ،التي تعني الضم والجمع. وهم استعملوا هذا الجذر، لأن الجذر “ضم”(الذي يفترض فيه أن يكون صم المضعف) غير موجود في العبرية.وهم استعملوا للكسرة كلمة ” حيرق” وهي من الجذر العبري ” حرق” بمعنى “كسر وثلم”.وفي العبرية يوجد الجذر “كشر”، المقابل الإفتراضي للعربي “كسر” ولكنه بمعنى مختلف، ولايدل على الكسر كما في العربية.وهم استعملوا الإسم ” شوا” للسكون، وهذا الإسم في العبرية يعني “فراغ”، ومن المحتمل أن يكون الماسورانيون قد استوحوا المصطلح العربي الذي يعني ” الفراغ” من الحركة.ويوجد في العبرية الجذر “شكن” ولكنه بمعنى السكنى، والذي هو صنو العربي” سكن”.وعلى الرغم من أن أسماء الحركات يستعملها اليهود بكل فئاتهم،إلا أن المعروف تاريخيا هو أن القرائين كانوا الرواد في ذلك.

ومما يتعلق بالتوراة أيضا، هو تأثرهم بعلم القراءات القرآنية ،وهو موضوع لم يعرفوه قبل اطلاعهم على ماقام به المسلمون . فهم أخذوا يؤلفون كتبا في قراءات التوراة ، كما ألف العلماء المسلمون .ومن هذه المؤلفات كتاب لأبي سعيد ليفي هاليفي من القرن العاشر – الحادي عشر في الموضوع المذكور ، وهو عن اختلاف قراءة الماسورانيين المشهورين بن آشر وبن نفتالي. وقد طبعت أجزاء من هذا الكتاب .وجاء في بدايته ما نصه “هذا ثبت ماوجد من الخلف في القراءة بين المعلمين الفاضلين ، أبو سعيد هارون بن موشي بن آشر ، وبن عمران موشي بن داود بن نفتالي.[7].ومن هذه الكتب كتاب ميكائيل بن عزيل، الذي يعتقد أنه عاش في القرن الثاني عشر، والكتاب أيضا عن اختلاف قرائتي بن آشر وابن نفتالي أيضا.[8] وكلا الكتابين من تاليف القرائين، ولا أشك بأن ماقام به اليهود القراؤون ، هو تأثر بما قام به المسلمون في هذا الموضوع. وربما تُكتشف كتب أخرى في هذا الحقل في المستقبل، لأن القرائين اهتموا بهذا الموضوع بشكل خاص دون غيرهم من اليهود الآخرين. وكان من مظاهر تأثرهم بالثقافة الإسلامية، بما يتعلق بالتوراة أيضا، هو تأليفهم تفاسير لها .[9]  ويعتقد أن القرائين هم أول من ألف من اليهود تفسيرا للتوراة، وكان هذا تقليدا لما قام به المسلمون، فاليهود عموما لم يكونوا يعرفون التفسير قبل ظهوره عند المسلمين.وظهر علم التفسير عند اليهود لايقتصر على القرائين بل إنه يشمل التلموديين أيضا،حيث بدأوا بالتاليف فيه في القرن العاشر الميلادي. .

في الصلاة

. كما أن صلاة القرائين اليومية الواجبة، اعتمدت أساسا على التوراة ، كما اعتمد المسلمون في صلاتهم على القرآن ،وهي فيها ركوع وسجود أيضا، كما عند المسلمين، وقد فصل ذلك عالمهم المعروف ، ليفي بن يافث بن إيلي حركات الصلاة، وعدَدها في كتاب له  باللغة العربية، فقال منها (الحركات) “الوقوف” و”الركوع” و”السجود” و”البروك” ،كما أنه يذكر “القنوت” أيضا وقد عرفه بقوله “بسط الكفين ورفعهما”. وكذلك قضية المحارم في الزواج كتحريم بنت الأخ وبنت الأخت ،اللتين يجوز الزواج منهما عند اليهود الاخرين إلى اليوم، بينما هما من المحارم المشددة عند القرائين، كما في الإسلام .

في التقويم السنوي

. ومن تأثر القرائين المهم بالإسلام اتباعهم طريقة المسلمين في حساب الأول من الشهر ( التقويم القمري)، حيث يعتمدون على رؤية الهلال والشهود عليها، كما عند المسلمين ، دون طريقة الحسابات الفلكية ، التي يعتمدها اليهود الآخرون.والتزامهم هذا أصبح نقطة خلاف كبيرة بين التلموديين والقرائين . ورؤية الهلال بالنسبة للقرائين مهمة ، فهم يؤكدون عليها في الصلاة ، وكذلك في صلوات المناسبات الدينية، حيث يردد الجماعة فيها عبارة “والقمر في تجدده وظهوره ورؤيته بالعين بعد اختفائه..” ويؤكدون عليها أيضا في الزواج ، فإن الزوج والزوجة يقسمون بأنهم يلتزمون بالمناسبات الدينية ، التي تحدد برؤية الهلال ويوقعون على ذلك.[10]

 

في التصوف الإسلامي

 

وتأثروا أيضا ( الى جانب اليهود الآخرين) ، بالتصوف الإسلامي. فقد وُجدت بعض المخطوطات الصوفية ، في مجموعة أبراهام فرقوفتش ،والتي كانت من مقتنيات اليهود القرائين ، التي كانوا يدرسونها. منها مقدمة كتاب الصيهور للحسين بن منصور الحلاج (ت922م) ، وكذلك أوراق من كتاب السماع ،وهو عن الموسيقى الصوفية. وكذلك عثر على أوراق من الرسالة القشيرية ،لأبي القاسم عبد الكريم القشيري(ت1072م) كتبت في عام 1045م. وكذلك عثر على بعض أبيات من قصيدة صوفية.

وكان قد عثر في إحدى مكتبات بريطانيا على مخطوطة للفتوحات المكية للشيخ ابن عربي(1240م) ، كانت من مقتنيات اليهود القرائين،وكذلك نسخة من كتابه “التجليات” أيضا، باللغة العبرية . والكتاب هو أحد أهم كتب ابن عربي (ويحتوي على مائة تجل تتمحور حول أسرار التوحيد وتجلي الله). وطبقا لبعض الباحثين المعاصرين، فإن ابن عربي كان له تأثير على اليهود ، إلى فترة متاخرة[11] . وكان القراؤون يقرأون كتاب “الروض الفائق وحقيقة الحقائق” لعبد الكريم الجيلي.[12]وكل هذا يدل على اهتمام اليهود بصورة عامة بالتصوف الإسلامي، وقراءة مصادره المختلفة ودراستها،وربما سنكتشف في المستقبل بعض التأثيرات الصوفية  في دراساتهم.

ومن المفيد أن أشير هنا إلى أن  من العلماء اليهود غير القرائين، الذين تاثروا بالتصوف الإسلامي، كان الحاخام أبراهام(ت1237م) بن الحاخام موسى بن ميمون، فقد كتب هذا الحاخام  كتابا صوفيا مهما باللغة العربية بعنوان “كفاية العابدين” . وهو ليس كتابا في الفكر الباطني اليهودي (القبلاه) ، الذي يشبَه بالصوفية ، وإنما هو كتاب في التصوف ،حيث اعتمد على مصادر صوفية إسلامية. وقد نصح مؤلفه بتبني الطريقة الصوفية في التدريب والتمرين ، للوصول إلى الكمال الإنساني.[13] وكان هذا الحاخام قد تجمع حوله مجموعة من المريدين، واعتبروه شيخا لهم، وهم وإن لم يطلقوا على أنفسهم صوفيين ،  واستعملوا الكلمة العبرية “حسيديم” ،إلا أن سلوكهم كان يشبه سلوك الصوفيين، وكان ابن هذا الحاخام، واسمه عوبادياه أحد تلامذته وممن اتبع طريقته أيضا.

في علم الكلام

وأعود الآن إلى موضوع تاثر القرائين بعلم الكلام الذي أشير إليه سابقا . وسأذكر شيئا عن تأثرهم به وأمثلة عليه ، والذي قال عنه بعض الباحثين اليهود” إن القرائين من أوائل اليهود الذين قلّدوا المعتزلة في محاولتهم لعقلنة المعتقدات اليهودية، وقد تبنّى القراؤون آراء المعتزلة بكل التفاصيل ، وكان أحياناً من الصعب التفرقة، فيما إذا كان المكتوب لواحد من القرائين اليهود أو لمسلم[14].وكان العلماء المسلمون ، قد أطلقوا على القرائين أهل العدل والتوحيد ، كما أطلقوا على المعتزلة للتشابه بين المجموعتين.

وقد اخترت اثنين من أبرز علمائهم ، اللذين تطرقا إلى كثير من القضايا الكلامية، وسننقل أمثلة من كتبهما كنماذج على هذا التأثر. الأول هو أبو يوسف يعقوب القرقساني(من القرن العاشر الميلادي)،وهو من العراق ، وكان قد ألف أكثر من كتاب، ولكن كتابه  “الأنوار والمراقب” . هو أشهر كتبه وأهمها ، حيث يتطرق فيه إلى الكثير من القضايا الفلسفية والكلامية والفقهية . ويشمل نقاشه وحديثه ليس فقط مايتعلق باليهود، بل أيضا بعض عقائد المسلمين والمسيحيين أيضاً ، إلى جانب قضايا أخرى ليس لها وشيجة بالأديان أو علاقة بها .

أما المسائل التي نعتقد أنه قلد  في مناقشتها  العلماء المسلمين ، فهي كثيرة. فمنها مسألة كون الله جسماً أو ليس بجسم ، وكذلك مسألة نفي التشبيه عنه، ومسألة رؤية الله بالأبصار وعدمها، وكذلك مسالة صفاته ، من حياة وقدرة ، وعلم، وفيما إذا كان كلام الله مخلوقا أو غير مخلوق،وغيرها من المسائل التي يبدو فيها متاثرا بالفكر المعتزلي بشكل خاص.

وسنذكر هنا ما يذكره القرقساني عن موضوع الأفعال والصفات، التي توهم التشبيه والتجسيم، والتي وردت في التوراة ، وكذلك قضية كلام الله فيما إذا كان مخلوقا أو قديما.

فبالنسبة إلى الموضوع الأول فهو يرى، بأن كل ما ورد في التوراة ، مما يوحي بالتشبيه والتجسيم بالنسبة إلى الله يجب أن يؤول ، ولا يصح أن يؤخذ حرفياً،وهذا هو رأي المعتزلة كما هو معروف.

فهو يقول “فأما جميع ما وصف به (الله) من الورود  (الدخول) والخروج، والخطو والركوب ، فإن ذلك كله راجع إلى القدرة والسكينة والأنوار والمواكب السمائية، التي هي جيوش الملائكة، وذلك أنه لو كان ذلك خروجاً على الحقيقة ، وجوازاً وخطواً ووروداً حقيقياً، لوجب أن تكون الذات حالّة في مكان دون مكان، إذ كان الخروج ، إنما هو مفارقة مكان، وحلول في مكان غيره ،والكتاب أخبر أنه حالٌّ في كل مكان”[15].

وهو كذلك يؤول معنى الجوارح الإنسانية، التي وردت في التوراة مشيرة إلى الخالق. ولا يقبل القرقساني بها، إذا أعطيت معناها الحرفي. فهو يقول في هذا الخصوص “إن الله خاطب الناس من حيث تبلغه عقولهم على ما طبعوا وركّبوا “[16].

وهذا هو أيضاً ما يقوله المعتزلة، ومن يرى رأيهم فهم “قد اتفقوا على نفي رؤية الله تعالى بالأبصار في دار القرار ، ونفي التشبيه من كل وجه، جهة ومكاناً وصورة وتحيّزاً وانتقالاً، وزوالاً وتغيّراً وتأثراً، وأوجبوا تأويل الآيات المتشابهة فيها”[17].

وكان موضوع كلام الله من الموضوعات التي احتدم حولها جدل كثير، ودار فيها نقاش طويل ، قبل عصر القرقساني مباشرة. وقد انصب النقاش والجدل بين المسلمين حول ما إذا كان كلام الله مخلوقاً أو قديماً. وقد تفرّع عن هذا مسألة خلق القرآن أو قدمه ، لأنه كلام الله كذلك ، وفيما إذا كان قد أحدث وقت الإيحاء به أم لا، وسميت هذه القضية قضية خلق القرآن.[18] وكانت قد أخذت كثيراً من جهد العلماء ووقتهم ، وأعطيت أهمية ما كان يجوز أن تعطى لها ، لأنها لا تمت بسبب كبير إلى صفاء العقيدة وخلوصها. وكانت إثارتها بين الناس مضيعة للوقت ، وهدرا للطاقات ، وادخلت الناس في مداخل كانوا في غنى عنها، إذ هي وسعت شقة الخلاف بين المذاهب وزادتها عمقا وتوترا.

ولقد حاق ببعض القضاة والعلماء وغيرهم ظلم ما كان يجب أن يحيق بهم ، وأصابهم حيف ما كان يجب أن يصيبهم، فكان الفقيه يحبس، والقاضي يطرد من وظيفته والمحدث يعزل من موقعه ، والشاهد لا تقبل شهادته إذا لم يقر بخلق القرآن، حتى اضطر الفقيه أحياناً أن يهرب بجلده ، كما يذكر المؤرخ الكندي ، في كتابه “كتاب الولاة وكتاب القضاة”.

 

وكانت فرقة المعتزلة وبعض الفرق الأخرى تأخذ بالقول بخلق القرآن، وقد أدلى القرقساني بدلوه فيما يتعلق بكلام الله ، وما يتعلق بالتوراة تأثرا بما قام به المسلمون.

فهو عندما يذكر نص التوراة في سفر العدد 2/7 – 8 “إذا كان منكم نبي للرب فبالرؤيا استعلن له، وفي الحلم أكلمه، وأما عبدي موسى، فليس هكذا، بل هو أمين في كل بيتي ، فماً لفم وعياناً أتكلم معه لا بالألغاز”[19]، يعلق على ذلك بالقول ففضل الله عزّ وجلّ موسى(عليه السلام)، وخصّه من الخطاب بما لم يخص به غيره من سائر الأنبياء، وهو أنه اخترع له كلاماً، أقامه في شيء من الأشياء. إما هواء وإما نارا، أو غير ذلك، فأسمى نفسه بذلك متكلماً لموسى ، كما يكلم الإنسان صاحبه من فمه ، حتى يجعله في فمه وكما يواجه الكلام شفاهاً بغير الواسطة… وإني أخاطبه فماً لفم، وذلك باختراع الكلام بلا واسطة”.

ثم يذكر اعتراضاً مفترضاً لمن يقول بقدم الكلام فيقول “فلعل من يقول بقدم الكلام يتعرّض (يعترض) في هذا القول فيقول: إذا زعمتم أن الله عزّ وجلّ يحدث كلاماً في غيره فيكون متكلماً، لم لا يجوز أن يحدث حركة ولوناً وموتاً في غيره، فيكون متحركاً ملوّناً، ميتاً”[20].

وفي الرد على هذا الكلام (الاعتراض) يدخل القرقساني في مسائل فلسفية وكلامية عويصة، يتطرق فيها إلى الفرق بين الفعل والحلول، وأن اللون والحركة حلول، وأن مخاطبته والكلام والأمر والنهي فعل ، مع وجود فرق كبير بين الاثنين كما يقول. وليس القرقساني وحده من القرائين الذي يقول بخلق كلام الله  ،وإنما هناك آخرون منهم، ايضا كانوا يقولون بخلق كلام الله مثل يافث بن إيلي ، فهو يقول “إن كلام الله يخلق خاصة للوحي ، وهو لايختلف عن كلام الإنسان الذي يبتدع في وقته”.[21] وأرى أن مناقشة هذا الموضوع من قبل اليهود القرائين، إنما كان تأثرا واضحا بما قام العلماء المسلمون.

والمؤلف الآخر الذي اخترته لموضوع هذا التأثر، هو أبو يعقوب يوسف البصير،(عاش في القرن الحادي عشر الميلادي)،وأطلقوا عليه البصير لأنه كان أعمى. ويعتقد أنه كان عراقيا أيضا، وقد ألف عددا من الكتب المهمة ويعد البصير من أبرز متكلمي القرائين ومتفلسفيهم، ولقد تأثر هذا الرجل كثيراً بكتابات المتكلمين المسلمين وفلاسفتهم. ولم أكن أعرف مقدار هذا التأثير عليه ، إلا بعد أن عثرت على كتابه “المحتوي”وهو كتاب ضخم ، كتب بلغة عربية وحروف عبرية،وبهذا حرم من قراءته من لايعرف العبرية . ولولا معرفتي بهذه اللغة لما تمكنت من قراءة الكتاب،والنقل عنه. ولا أدري لماذا لم يحاول محقّق الكتاب ، الذي نشره عام 1985م أن يحول حروفه العبرية إلى عربية ، ليستفيد منه أكبر عدد ممكن من الدارسين والباحثين ، إذ أن إبقاءه على ما هو عليه ، يقلل كثيراً من عدد المستفيدين منه ، ويحرم الكثير من المهتمين بهذه الدراسات من الإطلاع عليه ، إذ لا يمكن أن يقارن عدد القراء بالعبرية بعدد من يقرأ بالعربية.

 

ويعد الكتاب ذا قيمة وأهمية كبيرة في القضايا الكلامية والفلسفية ، التي كان يدور الجدل حولها في عصر المؤلف ، كذلك يعطينا الكتاب فكرة عن مدى تفاعل أتباع الأديان الأخرى مع الثقافة الإسلامية ، وتأثرهم بها وهضمهم لها.ويتبع البصير في كتابه هذا مدرسة الكلام البصرية من المعتزلة بخاصة “البهشمية”، وينتقد كثيرا آراء معاصره المتكلم المعروف أبي الحسين البصري (ت 1045م) .

ومنذ الفصول الأولى ، يحصل لدى القارئ انطباع عن مدى فهم المؤلف لمسائل علم

الكلام وتعمقه فيها واستيعابه لها . ولكي أعطي القارئ فكرة موجزة عن هذا التأثر، أود أن أذكر بعضا من موضوعات الكتاب المذكور التي درسها المؤلف وناقشها وهي:

– باب في الصفات.

– باب في كونه تعالى عالماً.

– باب في كونه تعالى قديما

– باب في نفي الرؤية عنه تعالى

– باب في كونه تعالى واحداً لا ثاني له

– باب في الإرادة

– باب في انه سبحانه لا يفعل القبيح

– باب في أحكام القدر

– باب في إثبات القدرة

– باب في خلق أفعال العباد

– باب في معنى اللطف

– معنى الأصلح

وقد بحث العلماء المسلمون هذه الموضوعات أو أكثرها في دراساتهم الكلامية،وسأذكر تاليا بعض المسائل التي ناقشها البصير والمتكلمون المسلمون. فأحد هذه الموضوعات التي عالجها المتكلمون ، موضوع ما أطلق عليه الموازنة في حساب العقوبات، أي إجراء حساب العقاب والثواب بحيث تسقط من العقاب بمقدار ما يستحقه العبد من الثواب. وقد ناقش هذه المسألة أبو علي الجبائي وابنه أبو هاشم . وقد عالج البصير هذه المسألة في كتابه تحت فصل عنونه (باب الموازنة وما يحصل بذلك من دوام العقاب ، وما جرى مجراه من الذم والمدح المستحقين بشرط وبغير شرط وما يتصل بذلك) وهو يقول في ثنايا هذا الفصل من جملة ما يقوله:

ألا ترى أنه إذا استحق بطاعته عشرة أجزاء من الثواب ، وبمعصيته خمسين جزءاً من العقاب فالحكم للمعصية ، وقد حصلت طاعة صغيرة ثوابها يغرق فيجنب عقاب معصيته ، إذ رتب من عقابه عشرة أجزاء بإزاء العشرة التي استحقها من الثواب بطاعته، وقد حصل عليها فاضلاً أربعين جزءاً فهو إذن من أهل العقاب وكذلك الكلام بالعكس”[22].

ومن المسائل التي تطرّق لها في كتابه هي مسألة اللطف الإلهي ، وهذه المسألة هي من المسائل التي ابتكرها المتكلمون المسلمون ومتفلسفوهم. واللطف عند المتكلمين هو أن يختار المرء الواجب ويتجنّب القبيح ، أو أن يكون ما عنده أقرب ، إما إلى اختيار الواجب أو ترك القبيح ويسمى أيضاً توفيقاً ، وربما يسمى عصمة وقد يسمى هداية ويكون ، إما من فعل الله، أو من فعل العبد ، والأخير يشمل فعلنا وفعل غيرنا[23]. وقد تفرّعت مسائل أخرى عن هذه ، ومنها هل أن اللطف واجب على الله أو غير واجب؟ وهل أن اللطف من سائر أجناس المقدورات ، أو أنه ليس كذلك إلى غير ذلك من مسائل شغلت حيزاً من مؤلفات الكلاميين.

وقد عالج البصير هذه المسألة بإسهاب تحت فصل عنونه بـ”في معنى اللطف وفي الدلالة على وجوبه ، والفرق بينه وبين الأصلح وما معنى الأصلح”.

وهو في هذا الفصل يذكر أكثر المسائل المتعلقة باللطف ، ويذكر آراء أبي علي الجبائي، وابنه أبي هاشم ويختار بعضها ، ويذكر كما ذكر الآخرون، بأن اللطف يسمى أحياناً توفيقاً وكذلك عصمة[24]. وما ذكرناه قد يعطي صورة ، لما أردنا التدليل عليه والإشارة إليه والحديث عنه في هذا الموضوع. وسأذكر الآن موضوع أصول الفقه الذي أشرنا إليه سابقا.

القسم الثالث (3-3)

ذكرت فيما سبق أن القرائين اعتمدوا في فقههم أصولاً ، هي شبيهة كثيراً بما اعتمده علماء أصول الفقه المسلمون إذ هي عندهم: الكتاب (التوراة)، والنقل (الرواية)، والاجتهاد، والقياس ، والإجماع.

والتالي هو عرض لهذه الأصول باختصار

الكتاب (التوراة)

يقصد بالكتاب عند القرائين ليس التوراة بالمعنى الخاص (الكتب الخمسة الأولى) كما عند التلموديين ، بل التوراة بمعناها العام أي العهد القديم كله. وهم يسمونه أحيانا النص . والكتاب بالنسبة إليهم هو المصدر الأول والأهم، الذي يرجعون إليه لمعرفة الأحكام الشرعية ، ولأهمية الكتاب وقدسيته عندهم أوجب علماؤهم على أتباعهم ، أن يعرفوا لغة الكتاب ويفهموها ، وكذلك عليهم أن يفهموا تفسيره ويجتهدوا في معرفته. وبسبب أهميته عندهم ، فقد أولوا نصه عناية خاصة ، تمثّلت أكثر ما تمثلت في ضبط رسمه وتنبيره، وتقسيمه إلى فصول وعبارات ومقاطع، ولذلك كان للقرائين يد طولى في ضبط نص العهد القديم ، كما ذكرت سابقا.

ونص الكتاب عندهم يشمل الحروف والحركات ، فكلاهما مقدس عندهم، وقد قال يهودا هداسي،أحد علمائهم الكبار عن ذلك “إن الكتاب المقدس يجب أن يشكل وينبّر ، لأن الإله لم ينزله بدون هذين”. وهذا الرأي يختلف عما يراه التلموديون ، فهم لا يعتبرون التشكيل مقدساً ،وقد قال الحاخام التلمودي نطروناي “إن الحركات لم تنزل في سيناء، وإنما العلماء هم الذين وضعوها”.وهناك مسألة مهمة تتعلق بمعنى النص التوراتي،وهي أن القرائين يأخذون بالمعنى الحرفي للنص، وهو المعنى الظاهر ،وهو أحد الأسس العامة التي وضعها علماؤهم لتفسير الكتاب، ولكنهم في حالات معينة لا يلتزمون بذلك ، كما إذا كان التفسير الحرفي مثلاً يقود إلى شيء غير مقبول، في ضوء معتقدهم ، أو أنه يقود إلى تناقض في معاني الكتاب، أو أن التفسير يقتضي القول بتجسيم الإله، وهو شيئ يرفضونه كما رأينا، وحينئذٍ لا يؤخذ بالتفسير الحرفي. يقول يافث بن إيلي ،وهو من علمائهم المميزين عن هذا “ليس هناك مبرر لرفض معنى ظاهر النص لكلام الله وكلام الأنبياء، إلا إذا كان ظاهر النص غامضا، أو مستحيلا في ظاهره ،لأنه يناقض العقل أو النص المحكم”.[25] والنص المحكم- وهو مصطلح إسلامي- هو الواضح البين والغامض هو المتشابه..وقال القرقساني”إن الفرائض في نصوص التوراة يجب أن تفسر على معناها الظاهري ،إلا إذا كان ذلك يقود إلى معنى غير صحيح أو إلى تناقض،وهذا لاينطبق على التشريعات فقط ، بل حتى على الأخبار أيضا، لأننا إذا أوَلنا النص لمعنى باطني، دون أن تكون هناك ضرورة فسيُتوسع بهذا إلى الشرائع ، وحينئذ ستفقد معناها الحقيقي المقصود ، لأن التأويل يمكن أن يطبق على أي نص أو عبارة وطبقا لرغبة أي شخص”.[26]

بينما يرى سعديا الفيومي-التلمودي المعروف- أن المعنى الظاهري البسيط (لنص التوراة) إذا كان يخالف الروايات التلمودية فإنه لايؤخذ به[27].ومعروف أن هناك الكثير من روايات الحاخامين ، وأحكامهم تخالف ظاهر نص التوراة.وكان الفيلسوف اليهودي باروخ(بندكت) سبينوزا ( ت1677م) قد انتقد رأي التلموديين هذا ورفضه وقال” أما مايقوله الفريسيون( التلموديون لاحقا) من أن اليهودي ، يجب أن يعتمد على تفسيراتهم للتوراة ، فإنه مرفوض، إذ كما كان بين البابوات فاسقين ومنحرفين، فقد كان بين الكهنة (اليهود ) الكبار في السابق، من هو فاسق ومنحرف عن العقيدة ، وهم تبوؤا مناصبهم بطريقة غير أخلاقية”.[28]

الرواية (شلشلة هاعتقاه)

اعتبر النقل أو الرواية ، أصل من أصول الفقه عند القرائين ، (وهي تقابل السنة عند المسلمين) وأطلق بعضهم عليها “شلشلة هاعتقاه” (سند النقل/الرواية). وقد أعتمدوا عليها في استنباط أحكامهم ، مثل الأصول الأخرى. ويسمونها أحيانا ” سفل هايروشا” [29]( نقل التقليد/الموروث). والرواية عند القرائين لا تعني الرواية الشفوية ، كما هي عند التلموديين ، بل أخذت تعني النقل المكتوب ، وهذا يجب أن يكون منقولا ًعن الأنبياء بعد موسى عن طريق الكهنة ، الذين ضمهم العهد القديم. أما الرواية عند التلموديين ، فهي تعني ما تناقله رواتهم المعتمدين عندهم شفوياً من حاخاميهم وعلمائهم، الذين عاشوا أيام وجود المعبد اليهودي في أورشليم وبعد تهديمه ، وهم يوصلونها صعودا إلى موسى النبي.

ويعرف القراؤون الرواية الصحيحة ، بأنها تلك التي كانت بيد الأمة بأسرها أو بيد أكثرها ، وليس بيد قوم يسير ، لأنها إذا كانت كذلك فهي – كما يقولون – رأي وليس برواية.

ويقول القرقساني “إن النقل يحتاج أن يكون في يد جميع الأمة ، أو في يد أكثرها ، مثل يوم السبت أو ما يشبه ذلك ، الذي هو في يد الخلق أجمع، وهذا النقل ، الذي يدعيه من قال بقول الربانيين (التلموديين) ، إنما هو في يد قوم يسير منسوباً إليهم ، دون غيرهم ،إذ كنا نراهم يقولون فيمن يخالفهم في العيد وفي غيره ، هذا مخالف للربانيين (التلموديين) ،ولا يقولون هذا مخالف لله أو لتوارته”[30].

ثم إن القرائين اشترطوا أيضاً في الرواية المقبولة، ألا تخالف حكماً من أحكام التوراة، أو نصا من نصوصها. وقد قال سهل بن مصلياح في ذلك “إن من واجبنا أن نفحص ما فعل الآباء ، ونختبر أعمالهم ونعرض أعمالهم على التوراة.” ومن الملاحظ أن هذا الرأي يتصادى ورأي العلماء المسلمين بالنسبة إلى السنة النبوية. إذ الأحاديث المخالفة للكتاب لا يؤخذ بها ، ولا يعتمد عليها. وقد ذهب بعض القرائين إلى ابعد من ذلك ، فاشترطوا أن يكون للرواية دعم من الكتاب (التوراة) وتأكيد لها. يقول الياهو بشياجي(من القرن السادس عشر) “إن الرواية التي ليس لها نص يدعمها من الكتاب ، هي رواية باطلة ، وقد قال الشيخ الرئيس طوبيا عن الذين يقولون ، بأن بعض النقل ليس له سند من الكتاب، أنهم ذوو عقول قاصرة عن العثور على الأصل في التوراة”[31].

وقال أيضا: “لقد قال علماؤنا إن كل رواية لا تخالف الكتاب ، ولا تضيف شيئاً زائداً على حكمه ، وتكون مقبولة لدى اليهود ، ولها دعم غير مباشر من التوراة ، فهي رواية أصيلة(صحيحة) ويجب قبولها”[32].

وقد أخضع موسى بشياجي الروايات إلى الدراسة والفحص،  وذكر السلسلة الصحيحة للرواة الثقاة من اليهود ، الذين يجب أن يؤخذ برواياتهم ويعتمد عليها. وقد وضع هذه السلسلة بدءاً من النبي موسى(عليه السلام) وانتهاء بالأمير بوعز حفيد عنان بن داوود[33]. أي أن الروايات أخضعت لما يسمى في علم الحديث بالجُرح والتعديل ، الذي وضع اسسه العلماء المسلمون ، لتمييز الضعاف والمتروكين والمجهولين والمدخولين، والكذابين عن غيرهم. وهذه السلسلة للرواة عند القرائين تختلف عن تلك التي يأخذ بها التلموديون ، كما ذكرت سابقاً، وهذا الإختلاف يشبه تماما الإختلاف الموجود بين بعض الفرق الإسلامية ، الذي مازال يشغل المسلمين عن قضايا أخرى تمس وجودهم ومستقبلهم.

وقد أعطى القرقساني مثالا على النقل وقال ” ومن سأل عن كتابة كتاب التزويج ، الذي هو الكتوباه[34] ، من أين وجب وليس نرى لذلك في الكتاب أثر ، كان الجواب في ذلك النقل والوراثة ، الذي هو موجود في يد جميع الأمة  لم يخالف في ذلك أحد منهم ولاأفسده نص آخر ولاقياس ولاخبر …”[35] وأعطى الياهو بشياجي أمثلة من الأحكام ، التي أخذت عن طريق الرواية ، مثل الأحكام التي تتعلق بالذبح الشرعي للحيوان كطريقة الذبح، وأداة الذبح إلى غير ذلك. وكذلك موضوع بداية الشهر وثبوته عن طريق رؤية الهلال ، وغيرها من المسائل[36].

ويعتبر القراؤون روايات التلموديين متعارضة في كثير من الأحيان مع أحكام التوراة ومخالفة لها . وقالوا كذلك إن التلموديين قد أزادوا وأنقصوا وأنهم يقولون – أي التلموديون – إن الرواية يؤخذ بها حتى لو خالفت التوراة[37]، واتهموهم كذلك بأنهم وضعوا أشياء من أجل التكسب بها عند الناس[38].

الاجتهاد(الحفوس)

رفض القراؤون منذ بداية ظهورهم فكرة التقليد، التي أقرّها التلموديون فيما يتعلق بالأحكام الشرعية ، واعتمدوا الإجتهاد منذ البداية (واسموه حفوس من الجذر العبري “حفس” بمعنى بحث واستنبط). وكان أول من دعا إلى ذلك ونادى به عنان بن داوود الذي ينسب له القول المشهور “ابحثوا في التوراة باجتهاد، ولا تعتمدوا على رأيي”[39]. وربما كان دانيال القومسي أحد رواد حركتهم، أول الداعين إلى رفض التقليد ، فهو قال يجب رفضه في كل وقت، ويجب الإلتزام بالفحص والبحث ،لأن التقليد إنما هو اتباع رأي شخص واحد.[40] ولكن التلموديين، يرون أن اليهود يجب أن يتبعوا ما سار عليه آباؤهم، ويأخذوا بما أقرّه أحبارهم الأوائل. وقد رد القراؤون على التلموديون آراءهم هذه. وكان ممن ردّ ذلك أبو الحسن يافث بن إيلي، إذ قال “فهذه الأقاويل ونظائرها تدل على بطلان قول اصحاب التقليد،الذين أهلكوا إسرائيل بما دوّنوه ، وقالوا لايجوز أن تعرف فرائض الله تعالى من البحث، (وأنه) يجب التقليد لخلفاء الأنبياء، وهم أصحاب المشناة والتلمود”[41].

ومن جملة ما يستدل به القراؤون على رفض التقليد ما جاء في سفر زكريا 1/4 “لا تكونوا مثل آبائكم” وكذلك بما جاء في المزمور 78/7 “إن الجيل القادم، سوف لا يكون مثل آبائه جيلاً معانداً وغير مطيع” [42] وهم اعتبروا مثل هذه النصوص دالة على رفض التقليد ،وأصبح الاجتهاد أصلاً من أصول فقههم فأخذوا به وحثّوا عليه ومارسوه. وقال دانيال النهاوندي أحد فقهائهم الكبار “إن من يجتهد يثيبه الله، حتى لو أخطأ في اجتهاده عن نية حسنة”،وهذا يذكرنا بما هو معروف عند المسلمين في هذا الشأن. وكان يقول عن نفسه بأنه ليس نبياً أو ابن نبي، ومن حق من يقرأ كتبه أن يختلف معه في الرأي بقصد حسن.[43] وقد قال الكلام نفسه القومسي ، وسلومون بن يروحام وسهل بن مصلياح، الذي  قال “إن القرائين يقولون لإخوتهم ادرسوا وابحثوا وجدوا في الطلب، وتحققوا وخذوا بما يؤكده الدليل القوي، الذي يقبله العقل.”[44]

.ومن أقوال علمائهم أيضا “إن من مسؤولية القرائين أن يدرسوا التوراة ويبحثوا فيها ويفهموها، وأن من لا يدرسها يكون ذنبه أعظم من ذلك الذي يدرسها ويخطئ”[45]. وهم يعتبرون البحث عن معاني التوراة والاجتهاد فيها والغوص في أعماقها، كالبحث عن كنز دفين في باطن الأرض، ويدعمون رأيهم هذا بما جاء في سفر الأمثال 2/4 – 5، إن طلبتها كالفضة وبحثت عنها كالكنوز، حينئذٍ تفهم مخالفة الرب وتجد معرفة الإله[46]. وبسبب فتح باب الاجتهاد هذا فقد تعددت الآراء الفقهية بين القرائين، وكثرت حتى قيل إنه لم يوجد (في القرن العاشر الميلادي) عالمان اثنان منهم اتفقا على مسألة واحدة من المسائل. وقد اعتبر أبو أسحق يعقوب القرقساني ذلك نتيجة طبيعية للاجتهاد، وقال عن ذلك “ونحن إنما نستخرج العلم استخراجاً بعقولنا، وما كان هذا سبيله لم ينكر وقوع الخلف فيه”.[47] ولقد قلّت هذه الاختلافات كثيراً ،  بعد أن اشترط العلماء القراؤون على من يريد أن يستنبط حكماً، أن تكون له القدرة العلمية على ذلك ، وإلا فيجب عليه أن يستشير من هو أهل لذلك”[48].

ولم أعثر على شروط خاصة بالمجتهد اشترطها القراؤون، كما اشترط المسلمون شروطاً للشخص كي يكون مجتهداً. ولكنني وجدت شرطاً واحداً اعتبروه مهماً في عملية استنباط الأحكام ، وذلك الشرط هو شرط التقوى والصلاح. وهم يقولون أنه من لم يكن كذلك ، لم تفتح له أبواب الحكمة والصواب. وقال القومسي “إن الذين يجدون الحكمة هم الأتقياء فقط ، وأما الفاسقون فلا يصلون إلى شيء”. وقال يهودا هداسي “إن معاني التوراة الخفية لا تكشف إلا لمن كان صالحاً وتقياً” وقال موسى بن آشر “إن غير الصالحين والأتقياء لا تكشف لهم معاني التوراة”[49].فأقوالهم هذه تؤكد على شرط الصلاح والتقوى في الشخص المجتهد.

القياس(هاقش)

أصبح القياس لدى القرائين الذي يسمى بالعبرية “هاقش” أصلاً من أصول الفقه عندهم ، منذ السنين الأولى لنشأة الفرقة وظهورها  ، فقد استعمله عنان بن داوود وطبقه، كذلك استعمله النهاوندي ، ولكن طبيعة القياس عند القرائين قد تطورت بمرور الزمن ، فهم لم يقتصروا على نوع واحد من أنواع القياس ، بل أصبح عندهم ما يسمى بقياس القياس ولم تقتصر أنواع القياس عندهم على مثل ما في مدارس الفقه الإسلامي ومذاهبه ، بل تعدّدت أنواعه ووصلت إلى ما يقرب من ثمانين نوعاً.

وكان القياس باستعماله على هذا النطاق الواسع عند القرائين ، قد أصبح موضوعاً للجدل والنقاش بين القرائين والتلموديين، وكان الحاخام سعديا بن يوسف الفيومي أبرز من حاججهم في ذلك ، وكان من جملة ما ذكر في هذا الخصوص، أن القرائين لم يكونوا يضطرون لاستعمال القياس بهذه الكثرة لولا رفضهم للتلمود[50].

وقد دافع القراؤون عن أخذهم بالقياس واعتمادهم عليه كأحد أصول الفقه لديهم

يقول الياهو بشياجي إن هناك أحكاماً لم تذكر بشكل صريح ، ولكنها تتضح من خلال أحكام شرعية أخرى أو من أقوال الأنبياء… وهذه الأحكام إنما تستنبط بطريقة القياس، ثم يقول والقياس أنواع مختلفة كما هو واضح من أقوال علمائنا[51]. ولا بأس أن نعطي بعض الأمثلة مما قاسه القراؤون من أحكام على غيرها.

فمن أمثلة القياس عند عنان تحريمه إبقاء النار أو الضياء عند دخول السبت، قياساً على توقف العمل فيه. وقد ورد تحريم العمل في يوم السبت في سفر الخروج 20/10 “وأما السابع ففيه سبت للرب إلهك لا تصنع عملاً ما أنت وابنك وابنتك” وجاء النهي عن إشعار الضياء والنار في يوم السبت في سفر الخروج أيضاً 35/3 ونصه “لا تشعلوا ناراً في جميع مساكنكم يوم السبت” ففي العبارتين يبدأ النهي بالتاء (لا تصنع / لا تشعلوا) وحينئذٍ فكما يجب التوقف عن العمل عند دخول السبت ، فكذلك يجب الإطفاء عند دخول السبت للنار أو الضياء ، الذي أشعل قبل دخول السبت[52] والتلموديون لا يوجبون إطفاء ما كان مشعولاً قبل دخول السبت، ويرون حرمة الإشعال بعد دخول السبت فقط لأنه يعتبر عملاً.

ومن مسائل القياس مسألة الثور النطّاح، الذي يقتل إنساناً. فقد ذكروا “أن الكتاب قد أوجب في الثور النطاح إذا أشهد على صاحبه (أن ثوره نطّاح) ولم يحفظه وقتل إنساناً بعد الشهادة، أنَّ صاحبه يقتل فالقياس يوجب مثل ذلك في جميع الحيوان المؤذي مثل الكلب وغيره”[53].

وقد جاء في التوراة عن الثور النطاح ما هذا نصه (في سفر الخروج 21/29 ) “ولكن إن كان ثوراً نطّاحاً من قبل وقد أشهد على صاحبه ، ولم يضبطه فقتل رجلاً أو امرأة، فالثور يرجم وصاحبه أيضاً يُقتل”. وهذا القياس كما هو واضح من المثال إنما هو قياس العام على الخاص، إذ لم يقصر القراؤون هذا الحكم على الثور النطّاح ، وإنما قاسوا عليه عموم الحيوان المؤذي كما هو واضح من النص أعلاه.ومن قياس العام على الخاص  ماورد في 22-10 من سفر التثنية “لا تحرث على ثور وحمار معا” فهنا حرمت التوراة الحراثة بالجمع بين حيوان طاهر ،وآخر غير طاهر ، وقاس القراؤون على هذا وعمموه على كل عمل آخر ،وحرموا فيه الجمع بين حيوان طاهر وآخر غير طاهر في اي عمل آخر.[54]

ومن الأقيسة عندهم ما يسمى بقياس الأهم على المهم ، أو قياس الأعلى على الأدنى. ومن الأمثلة التي يضربونها على ذلك ما جاء في سفر اللاويين 18/10 “لا تكشف عورة ابنة ابنك أو ابنة ابنتك” ، وهذا ينص على حرمة الزواج بالحفيدة ، ولم تنص التوراة صراحة على حرمة الزواج بالبنت ، وهذا التحريم (أي تحريم الزواج من البنت) قد قيس بطريق الأولوية على حرمة الزواج بالحفيدة ، أي إذا كان الزواج بالحفيدة حرام فالزواج بالبنت تكون حرمته بطريق أولى[55].

ومثل هذا القياس هو ما يسميه علماء أصول الفقه الإسلامي بقياس الأولوية، وقد مثلوا له بما ورد في القرآن الكريم من النهي عن التأفّف من الوالدين “ولا تقل لهما أف ولاتنهرهما”، الذي يقضي بطريق أولى تحريم ضربهما وإهانتهما[56].

الإجماع (قبوص)

من الأصول التي اعتمد عليها القراؤون في استنباط أحكامهم الفقهية أصل “الإجماع” الذي أطلقوا عليه باللغة العبرية “قبوص” (من الجذر العبري قبص بمعنى جمع).[57]واطلقوا عليه كذلك “عده” التي تعني جماعة.

وقد اختلف القراؤون – كما اختلف أصحاب المذاهب الفقهية الإسلامية – في تعريف الإجماع وطبيعته.

فبعض القرائين يرى في الروايات المتفق عليها إجماعاً، وقال بعضهم إن الإجماع الصحيح هو ما اجتمعت عليه أفاريق اليهود بأسرها، وأما ما لم تجتمع عليه بأسرها فإنه ليس بإجماع صحيح[58].

ويأخذ القرقساني بالرأي الذي يقول “إن الإجماع هو الذي يوجد في يد الأمة تلقياً من جهة الإجماع، ولا يكون منسوباً إلى قوم بأعيانهم، وليس عليه دليل من النص ولا القياس. وهو يعطي أمثلة على ذلك فيقول هو مثل إجماعهم على أن هذا اليوم، هو يوم سبت من بين سائر الأيام، وليس ذلك منسوباً إلى قوم بأعيانهم، وإنما أخذ نقلاً ووراثة، وهو عند جميع الأمة من الشرق والغرب، لم يخالف في ذلك أحد على غالب الدهور[59].

ويضرب أمثلة على ما لم يقع الإجماع عليه ، فيقول إن ذلك مثل أسماء كثير من الطير والجواهر وما شاكل ذلك في التوراة، فلأنه لم يقع عليه الإجماع ، وقع فيه الخلاف[60]. ولكن القرائين قالوا كذلك إن الإجماع ينعقد ويؤخذ به ، إذا ضمَّ بين المجمعين إماماً معترفاً به، أو معتمداً عليه من علماء الكتاب (التوراة) [61].وهذا التشابه الكبير ، في أصول الفقه،(عند المسلمين والقرائين) يعني أن القرائين قد تأثروا بما عند المسلمين بل أنهم اقتبسوها منهم. حتى أن بعض الباحثين اليهود قال “إن هذا التشابه في أصول الفقه، يعني أن القرائين اقتبسوا هذه الأصول ، بل قال إن التأثر بالإسلام يجب أن يقر به الربانيون (التلموديون) والقراؤون”.[62]

وهناك بعض القضايا الأخرى التي تأثروا بها،مثل تحريم الزواج من بنت الأخ وبنت الأخت التي هي شديدة التحريم عندهم ، بينما هي عند اليهود التلموديين يجوز الزواج منهما بل وهم يشجعون على هذا الزواج ويمدحونه ويعتبرونه عملا من عمل الأولياء وشيئا يفرح الإله ويسره.

وهم يستعملون في مهر الزواج المقدم والمؤخر ويسمونهما “موهر مقدم وموهر مؤخر”، وهذا الإستعمال مازال معمولا به حتى الوقت الحاضر.وهم استعملوا عبارات إسلامية يفتتحون بها كتب عقد الزواج مثل باسم الله وباسم الله الباقي أو باسم الله الرحمن.وكانت الطائفة التلمودية قد تأثرت بذلك ، إذ كان الحاخام التلمودي الحاخام شمعون بن سمحا قد انتقد اليهود، لإستعمالهم هذه العبارات ومايشبهها فقال ” في بعض الأماكن يبدأون ( اليهود) ( الكتوباه=عقد الزواج) بعبارة باسم الله الباقي ، وهذه هي عادة بني اسماعيل(المسلمين) وهي ليست عادة العلماء ( اليهود) رحمهم ال

 

 

 

*انشق القراؤون عن اليهودية الرسمية في القرن الثاني الهجري (الثامن الميلادي)،ويعتبرعنان بن داوود رائدهم الأول وكان خلافه الرئيس عند انشقاقه، أنه نادى بالإعتماد على التوراة (المقرا) وحدها ، دون التلمود في أخذ الأحكام الشرعية ،ولذلك أطلقتُ وصف التلموديين على أتباع “اليهودية الرسمية”، لأنهم يتشددون في الإعتماد عليه ، والأخذ به في أحكامهم إلى اليوم،وهو كما ذكرت يشكل الخلاف الرئيس مع القرائين.والإسم القراؤون مأخوذ من كلمة “مقرا”.

S.wasserstrom, Between Muslim and the Jews,p227  -1

[2] عرّبتُ هذه الكلمة من الجمع العبري مسورانيم (جمع مذكر سالم) الذي مفرده” مسوران” والمقصود بهم هنا، الذين قاموا على تحقيق نص التوراة وتشكيله . والكلمة من الجذر “مسر” الذي يعني ” نقل، أوصل”.

 

[3] B. Lewis, The Jews of Islam, pp. 80 – 82

وكان بعض الباحثين اليهود، قد وجد العبادة اليهودية متأثرة بالإسلام، وكتب كتابا عن ذلك بعنوان

Islamic Influences on Jewish Worship,by N.Wielder

[4] Z. Ankory, Karaites in Byzantum, p. 364; and S. Baron, A Social and Religions History of The Jews vol. 5, p. 285

[5] هو أبو نصر السموأل بن يحيى بن عباس المغربي الأندلسي توفي عام 570 للهجرة(1174م) تخصص بالطب والرياضات والف فيهما .وهو قد أسلم على أثر رؤيا رآها. وبعد إسلامه ألف كتابه “بذل المجهود في إفحام اليهود”ويعتقد أن أستاذه كان أبا البركات(أوحد الزمان) هبة الله البغدادي (ناثانئل) الطبيب والفيلسوف المعروف ، والذي كان له تأثير على الفلاسفة من بعده . وهو كان قد تحول من اليهودية إلى الإسلام . وربما كان أشهر كتب أبي البركات كتاب ” المعتبر”. ومما يذكر عن تحوله أن ابنتيه ظلتا على يهوديتهما ولم تتحولا إلى الإسلام.(وذكر عن أبي البركات أنه توسط في نزاع بين القرائين والتلموديين ، ولا أدري فيما إذا كان هذا قبل إسلامه أو بعده) . ومن اليهود المعروفين الذين تحولوا اسحق بن الشاعر، والعالم المعروف ابراهام بن عزرا(من القرن الثاني عشر)،وكان أيضا قد تتلمذ على يد أبي البركات، أوحد الزمان،وكذلك درس على يديه، اسحق زوج بنت الشاعر المعروف يهودا هاليفي،ولكنه رجع إلى اليهودية فيما بعد.

ومن اليهود المعروفين الذين اسلموا سعيد بن حسن(من القرن الثالث عشر- الرابع عشر) وهو كان من مدينة الإسكندرية في مصر وقد تحول إلى الإسلام عام 1298م. وكان تحوله كما يقول على أثر رؤيا رآها عندما كان مريضا جدا ، حيث سمع صوتا يأمره أن يتحول إلى الإسلام .وبعد أن تحول طلب من السلطان أن تكون له مناظرة مع اليهود والمسيحيين، ولكن المناظرة لم تتم .وقد ألف كتابا عام 1320م وهو في  دمشق بعنوان “مسالك النظر في نبوة سيد البشر” ناقش فيه اليهود والمسيحيين والفلاسفة أيضا .أنظرEncyclopeadia Judaica, Said Ibn Hassan

وقبل هؤلاء تحول علي بن سهل بن ربان الطبري(من القرن التاسع الميلادي) من اليهودية إلى الإسلام، وهو كان من طبرستان ، طبيبا ومؤلفا ، وأهم كتبه في الطب كتاب “فردوس الحكمة” وفي غير الطب له كتاب “الدين والدولة” أنظر

Encyclopedia Judaica,Ali Ibn Sahal Ibn Rabban al Tabari

ويذكر يافث بن إيلي، تحول عدد كبير من اليهود(التلموديين؟) في تفسيره لسفر دانيال، حيث يقول تعليقا على عبارة من السفر” إنهم(اليهود) يصبحون أقوياء في الشريعة ويسلكون طبقا لها ،ولايتركون دين بني إسرائيل كما فعل الاخرون.كل هذا(أي ترك دين بني إسرائيل) حدث في منطقة الغرب، منذ سنين طويلة، إذ أن عددا كبيرا من اليهود تحولوا عن دينهم وقبلوا دينه (الحاكم المسلم)،وهذه حقيقة معروفة جيداD.Frank, Search the Secripture Well,p.211

وكانت أسباب تحول اليهود إلى الإسلام مختلفة، فبعضها كان عن قناعة، وبعضها لأسباب اجتماعية أو اقتصادية، وبعضها كان من أجل الإرث ( عندما يكون مسلما يحصل من أبيه الذي تحول إلى الإسلام على إرث) إلى غير ذلك..ولكن لايبدو أن الحب كان أحد هذه الأسباب.ويبدو أن التحول كان ظاهرة في بعض الفترات التاريخية ،(كالقرن الثاني عشر الميلادي الذي تحول فيه السموأل) . فموسى بن ميمون شكا لإبنه إن التحول إلى الإسلام أصبح كثيرا . وذكر في إحدى الوثائق أن شخصا سافر في رحلة وأعطى زوجته كتاب طلاق، مشروط بتحوله إلى الإسلام.وعند تحول اليهودي كثيرا ماتبقى العلاقة مع اليهود ،ولكن بعضهم كان يفضل الهجرة إلى مكان آخر،كذلك كان من يريد الرجوع إلى اليهودية.

S.D. Goitein, A Mediterranean Society, vol.2 pp.301-303

[6] بذل المجهود في إفحام اليهود، ص198

[7] J. Mann, Texts and Studies, vol 2,p.32

[8] J. Mann, Texts and Studies, vol.2 p. 29

[9] M. Polliack, Major Trends in Karaite Biblical Exegesis, in Karaite Judaism, p.368

[10] Ibid., p.601

[11] P.B. Fenton, Karaism and Sufism , in Karait Judaism ,p211

[12] P. Fenton, Karaism and Sufism, in Karaite Judaism,pp.204-210

[13] Encyclopeadia Judaica,Abraham ben Moses ben Maimon

[14] N. Rajwan, The Jews of Iraq, p. 145

[15] المصدر نفسه، ج1، ص174.

[16] المصدر نفسه، ج1، ص173 – 172.

[17] بدوى، عبد الرحمن؛ مذاهب الإسلام، ج1، ص415 – 416.

[18] يرى بعض الباحثين بأن هذا الجدل نشأ من جدل آخر بين المسلمين والمسيحيين حول”كلمة الله” التي تشير إلى عيسى بن مريم ، فيما إذا كانت مخلوقة أو غير مخلوقة، إذ في ضوء ذلك تحدد طبيعة عيسى.

أنظر لويس غرديه وج.قنواتي فلسفة الفكر الديني ج 1 ص62

[19] الأنوار والمراقب، ج1، ص177.

[20] المصدر نفسه ج1، ص177.

[21] H. Ben- Shammai , Major Trend in Karaite Philosophy and Polemics, in Karaite Judaism,p.351

[22] المحتوي، ص761.

[23] عبد الرحمن بدوي، مذاهب الإسلاميين، ص293 – 294.

[24] المحتوي، ص748 – 750.

[25] S.Wasserstrom, Search Scripture Well, p.225

[26] Ibid., pp.9-10

[27] Ibid., p. 255

[28] انظر كتابنا، قضايا وشخصيات يهودية، ص277

[29] من الجذر العبري “يرش” الذي يعني بالعربية “ورث”

[30] الأنوار والمراقب، ج1ص134.

[31] Z.Ankory, Karaites in Byzantium, p. 233 and S.D. Baron,op. cit., vol.,5 pp.252-253

[32] L. Nemoy, Karaite Anthology,p.250,

[33] Waxmann, A History of Jewish Literature, vol. 2, p.445

[34] كتاب عقد الزواج

[35] الأنوار والمراقب ، ج3 ص730

[36] . Z. Ankory,Karaites in Byzantium pp. 249 – 250

[37] Ibid.,. P. 249

[38] القرقساني، الأنوار والمراقب،ج1 ص149.

[39] Z. Ankory, Karaites in Byzantium, p. 210

[40] D. Frank, Search Scripture Well,p.30

[41] مصدر سابق. S. Poznanski, op. cit., p.22

[42] S. Baron, Social and Religions History of the Jews, vol. 5, p. 225

[43] مصدر سابق. S. Baron, op. cit, vol. 5, p. 225

[44] L. Nemoy, Karaite Anthology, 0.119

[45] مصدر سابق. Z. Ankory, op.cit, p. 249

  1. Wieder,op. cit.p 62 [46]

[47] الأنوار والمراقب، 1/14.

[48] S. Baron, op. cit, vol. 5, p. 233

[49] N. Wieder, op. cit., p. 61

[50] الأنوار والمراقب، ج1، ص79.

[51] L. Nemoy, Karaite Anthology, p. 246

[52] L. Nemoy, op. cti, p. 9

[53] القرقساني، الأنوار والمراقب، ج1، ص103.

[54] L. Nemoy, Karaite Anthology, p.247

[55] Ibid., p.241

[56] محمد تقي الحكيم، الأصول العامة للفقه المقارن، ص317.

[57] ومن هذا الجذر أخذت الكلمة العبرية “قبوص والتي تجمع على قبوصيم (المجمعات الزراعية) والجذر العبري هو صنو العربي ” قبض”

[58] القرقساني، الأنوار والمراقب، ج1، ص141.

[59] المصدر نفسه، 1/143.

[60] المصدر نفسه، 1/145.

[61] Z. Ankory, Karaite in Byzantium, p. 223

[62] D.J. Lasker ,Islamic Influences on Karaite Origin, in Studies in Islamic and Judaic Traditions II, p.25 and 35

[63] خطط المقريزي ج1 ص92

 

The Zionist Movement and Its Relation with the Parties to the Conflict (in the 1st World War)

The Zionist Movement and its Relation with the Parties to the Conflict (in the 1st World War)

Dr Jaafar Hadi Hassan

During the years leading to the first world-war, the Zionist Movement was not a monolithic organization, in fact it was of different strands that were distinctive in their views, such as cultural, religious, practical, political and other. Each one of them had its own leader or leaders, and the loyalties of the Jewish communities around the world at that time, were also divided between the warring parties. These loyalties were influenced by a number of factors, including regional location, or treatment of the Jews by the state, where they took residency. Many Jews including those in the United States and Palestine supported Turkey, and were anti- Russia, whereas the supporters of the Allies (mainly England, France and Russia) were said to be in the minority. This situation created acute and complicated problems for the Movement.

One of the early problems the movement faced, was that the seat of the Zionist executive at the break of the hostilities was in the capital of one of the major warring powers, Berlin, and, because of that, it was considered pro-German, while the branches in other countries supported at least partially, the Allies. The critics of the pro-German Zionists argued that such close cooperation with German political warfare would jeopardise millions of eastern European Jews particularly since the activities of the committee, remained no secret; these activities later served as justification for the anti-Jewish measures taken by the Russian government 1914- 1915.[1]

It is true that the Zionist German federation supported Germany in the war, and announced that it expected all its young members to volunteer for military service stating that Germany was fighting for “truth, law freedom and world civilisation against darkest tyranny and bloodiest cruelty as represented by tsarist disposition”. Some of them called the war alongside Germany, “holy” stating that “we know that our interest is exclusively on the side of Germany”; they also said that Germany was “strong” and would “liberate the oppressed” [2]

 

In addition there was the community of the Jewish settlers in Palestine, which was part of the Ottoman Empire. Most of these Jews were European citizens and the Turkish government demanded that they become Ottoman citizens or leave the country. Above all, there was the issue of the postwar settlements. Because of problems such as these, it was decided soon after the start of the war, to establish a Zionist liaison office in a neutral country. When this proposal was put for discussion, an argument erupted among the members; some preferred the United States which was neutral at that time, but others suggested otherwise. In the end they settled for Copenhagen, the capital of Denmark. Some of the leaders of the movement were displeased about this decision and decided to disconnect their relations with the Bureau. One such prominent and highly influential figure was Chaim Wiezmann who, soon after the Bureau was opened, cut himself off the European Zionists.. Weizmann – who was very active in preparing the ground for the Balfour declaration and developing the chemical acetone, leading to the production of 30,000 tonnes used by the British in  the war – states in his book ‘Trial and Error’ that he wrote to the Bureau asking that no mail be sent to him. When he was invited to attend the first important war time meeting of the Actions Committee, he refused to attend and wrote to his friend Dr Shamarya Lvin – who was described as the most effective propagandist of the movement  – ‘I shall not go to the conference and I cannot do this either as a Jew or as British subject’; furthermore, to Lewis Brandeis , head of  the American Zionist branch he wrote ‘Taking into account the present political situation , I cannot help thinking that the conference at Copenhagen would prove absolutely useless for our movement, and  acutely  harmful for the future.[3] Weizmann gives the reason for  his actions by saying ‘In breaking with Copenhagen Bureau, I wanted to make sure of clean record, for though I was violently anti –Russia , I was just anti-German and pro-British”. As a result Weizmann kept his talk with British statesmen very much to himself. Frequently he did not inform even close friends, let alone the Copenhagen bureau or Berlin. Each side, was in the dark in 1917 about the achievements and failures of the other.[4]

Interestingly Weizmann complained bitterly about his colleagues, who, he says, they looked upon him as a crank and Anglo-maniac, and he further states that this attitude continued among certain groups, even after the war. He adds that he was also accused by some Zionists of being ready to sell the movement and this was for him hard to bear.[5]

The Zionists in America on the other hand, were critical of the British Branch for their involvement with the British government on behalf of the movement. In a strongly worded letter, sent to the Zionist leaders in England, Dr Judah Magnes – secretary of the American Zionist Federation, who later became president of the Hebrew University – and Dr Shamarya Levin, wrote that the activities of the Zionist leaders in England were responsible for the persecution of the Jews in Palestine and that they should stop these activities immediately (Ibid p.216). According to them not only did these actions harm the Jews in Palestine, who, after all, were under Ottoman rule, but they believed that they also go against the neutrality of the Zionist movement which was one of the principles agreed upon by the movement in Copenhagen.

In contrast to the Zionists in America, Baron Edmond de Rothschild, famous for being a strong supporter of the Zionist activities – pouring money for its projects for decades – and so called father of the Yishub (Jewish emigrants in Palestine), urged the leaders of the movement in 1914, following Turkeys entry into the war, to stop being cautious in their Zionist activities in ‘Eretz Israel’ (Palestine) and work openly to demand the establishment of a Jewish State.

However, the Zionists in Palestine had a different stance to this. They endeavoured to seek settlement within the Ottoman Empire, and appease the government. According to D. Vital in his book, Zionism, The Crucial Phase, Zionists in Palestine harboured a powerful tendency to seek accommodation with the Turks, in the hope, that their contributions are recognised by the Ottoman Empire and their requirements met. This instinctive tendency for accommodation was tested when the Italian-Turkish war broke out, and the Zionist leadership were torn between avoiding involvement and what seemed an opportunity to demonstrate loyalty to the Turks. Whilst discussions took place to form a legion to fight with the Ottomans, this did not get off the ground. A more serious proposal to form a medical detachment, to serve the wounded under the auspices of the Red  Crescent, was also not enacted due to financial constraints. In the end the Zionists in Palestine did no more than express their sympathy.[6]

As for the Russian Zionist Jews, they were against the Allies and in support of the Germans according to Ronald Graham of the foreign Office in Britain. This is stated very clearly in a letter sent by him to Belfour in 25 October 1917. The letter states that information from every quarter shows the very important role which Jews are now playing in the Russian political situation. At the present moment these Jews are certainly against the Allies and for the Germans, but almost every Jew in Russia is Zionist, and if they can be made to realize that the success of the Zionist aspiration depends on the support of the Allies and the expulsion of the Turks from Palestine, we shall enlist a most powerful element in our favour.[7]

Another good example of the different loyalties of the Zionist groups, is the plan for the formation of the Jewish battalion which, became to be known later as Zionist Mule Corps. This idea originated mainly with Vladimir Jabotinsky (founder of revisionist Zionism and Bitar movement) and few of his Zionist colleagues. This group thought that one way of making sure, that Jews would be taken seriously at peace table, was to organize a Jewish military unit to fight on the side of the Allies.[8]

But as soon as the plan was known to the other Zionists, it faced very strong opposition not only from ordinary Zionists in Britain (with rare exception) who even attacked Jabotnisky physically, but also from the official Zionist bodies, which were committed to neutrality. The Copenhagen Bureau denounced the plan with strong words, and violently rejected Jabotinsky proposition. Not only did the movement forbid all the Zionists to take an active part in it, but it also warned Jabotinsky that ‘if he does not cease his activities, he will bury the Zionist enterprise for ever’ (The Jewish Agency for Israel website).[9]

The Actions Committee of the organization also resolved that the Jewish battalion project stands in deep contradiction to the principle of the Zionist activities. In fact some members of the Committee called the project a ‘criminal offence’.[10] Jabotinsky refused to heed the committee’s statements and replied to them by saying that they were thoroughly mistaken, and added they had come to neutral Denmark from blind Germany and sick Russia; he adds that he had no doubt at all that Germany was incapable of winning the war and that Turkey would end by being smashed to pieces. He suggested a compromised proposal to the committee which was refused.[11] Despite objections by the majority of the Zionist leaders, he moved to London where he continued to work towards the establishment of a battalion. The corps was formed and fought at Gallipoli, and at the end of it the British disbanded it and many of its members were moved to England becoming the nucleus of a newly formed Jewish Legion with Jabotinsky as the main figure. This legion later participated alongside the British army, fighting in Palestine.

It is important to note that after the war, and in particular the Balfour
Declaration, differences amongst the Zionist regional parties remained; essentially, two divergent concepts emerged that were different in ideology and approach. On one hand, the American Zionists led by Brandeis who were critical of the political Leadership in London, believed with the Belfour Declaration, the main political tasks of the movement had been accomplished, and that from now on energies had to be devoted to the building of Palestine. They advocated complete focus on Palestine with respect to funding and efforts demanding that “contributions should be devoted only to projects in that country”; they were “not in favour of diaspora nationalism and refused to pay for Zionist activities outside Palestine”. On the other hand British and European Zionists led by Weizmann were critical of the American Zionist approach claiming they lacked a “Jewish heart” and stating that Brandeis’ policy was “Zionism without Zion”. In contrast to Brandeis, Weizmann and the Europeans made the argument that Palestine could not be colonised in the same way as America, and that international efforts for Zionist causes everywhere should be supported.[12]

In summary, the above examples show, that the Zionist movement at the time of the conflict (and beyond) was not unified in its position in relation to the warring parties, rather, there were contrasting, and contradicting stances taken by the members, in different regions. This paper is not aimed at providing an exhaustive review of these varied views and their implications, but is designed to highlight some of the key stands taken by prominent and leading figures of the movement. Finally, despite the spectrum of different allegiances and loyalties among the members of the movement which we referred to, they were all striving and manipulating to reach a key mutual objective, which was the establishment of a Jewish state. The achievement of the infamous Balfour Declaration was the basis of establishing this state but, unfortunately, this same declaration has been the cause of great calamity for the Palestinian People, who continue to suffer from its repercussions until today.

[1] Walter Laqueur, The History of Zionism,p.174

[2] Ibid, p172

[3] P.211

[4] Walter Laqueur,op.cit p.178

[5] Trail and Error,pp. 211-212

[6] pp. 83-84

[7] Ibid p.289

[8] Encyclopeadia Judaiaca, Zionism

[9] The Jewish Agency for Israel Website

[10] David Vital, Zionism, The Crucial Phase,p.149 and The Jewish Agency for Israel Website

[11] David Vital, op. cit,p.149

[12] Walter Laqueur,op. cit.,pp. 458-459

 

Bibliography

Encyclopeadia Judiaca (1972), Zionism

The Jewish Agency for Israel(website)

Laqueur,Walter (2003), The History of Zionism (European Jewish puplication Society

Vital,David,(1987) Zionism, The Crucial Phase,(Clarendon Press.Oxford)

Weizmann,Chaim,( 1949),Trail and Error,(Hamish Hamilton, London)

فكرة الإختيار ودورها في ظاهرة العنف ضد الفلسطنييين في إسرائيل

فكرة الإختيار ودورها في ظاهرة العنف ضد الفلسطينيين في اسرائيل
د.جعفر هادي حسن
لم يتوقف عنف اليهود الإسرائيليين من متطرفين قوميين وأصوليين متشددين ، ضد الفلسطينيين منذ ظهور الدولة، وهو آخذ بالإزدياد كلما تقدم الزمن وطال أمد الإحتلال، حتى أصبح ظاهرة واضحة المعالم .وعلى الرغم من أن الظروف السياسة قد تكون أحيانا عاملا من عوامل هذا العنف وسببا من أسبابه، لكن أحد أسبابه المتجذرة في الوجدان اليهودي فيما أرى،هو اعتقاد الغالبية العظمى من اليهود بأنهم شعب مختار ومتميز، اختارهم الإله يهوه وفضلهم على الشعوب. وقد ورد التأكيد على هذه الفكرة أولا في كتابهم الرئيس “التوراة” في مواضع كثيرة ومتعددة، ثم في أدبياتهم فيما بعد كالتلمود ثم في أقوال الحاخامين . ففي التوراة نقرأ في سفر تثنية الإشتراع7: 6-8 بالنص التالي” لأنك شعب مقدس للرب الاهك، وإياك اختار الرب إلهك لتكون له شعبا خاصا له من بين جميع الشعوب، التي على وجه الأرض، لا لأنكم أكثر من جميع الشعوب، تعلق الرب بحبكم واختاركم، فانتم أقل من جميع الشعوب، بل لمحبة الرب لكم، ومحافظته على القسم الذي أقسم به لآبائكم، وهو أخرجكم بيد قوية وفداكم من دار العبودية من يد فرعون ملك مصر”. وغير هذا النص كثير. وعندما ألف التلمود انتشرت في ثناياه أقوال تؤكد هذه الفكرة وتعمقها ،وفي الوقت نفسه صاحبتها أقوال سلبية بحق غير اليهود. ففي رسالة سنهدرين أحد ى رسائل التلمود أن بني إسرائيل هم الأتقياء ،وهم الذين سيرثون الحياة الأبدية.وفي رسالة أخرى منه إن عمل بني إسرائيل هو دائماا عمل خير، بينما الآخرون قادرون فقط على عمل الشر. وأخذ الحاخامون يجذرون هذه الفكرة في أذهان اليهود بشتى الطرق .وينتقصون من الآخرين. وقد جاء عن حاخاميهم أقوال كثيرة في هذا الخصوص.ومن هذه الأقوال ما قاله أشهر حاخاميهم وفلاسفتهم موسى بن ميمون” أما الذين خارج المدينة فهم كل ِشخص لا عقيدة عنده، لا نظرية ولاتقلدية كأطراف الترك المتوغلين في الشمال، والسودان المتوغلين في الجنوب ومن ماثلهم، ممن معنا في هذه الأقاليم، فحكم هؤلاء كحكم الحيوان غير الناطق، وما هؤلاء عندي بمرتبة الإنسان، وهم من مراتب الموجودات دون مرتبة الإنسان ،وأعلى من مرتبة القرد، إذ قد حصل لهم شكل الإنسان، وتخطيطه وتمييز فوق تمييز القرد . وكذلك ماقاله مؤسس فرقة اللوبافتش الحاخام المعروف شنيور زلمان في كتابه “تانيا” ” إن لليهودي نفسين إحداهما قدسية خالصة هي جزء من الإله، وهذه النفس لاتكون إلا في اليهود، وألأخرى حيوانية وهي التي تمد ألإنسان بالحياة، وهي تكون في اليهود وغيرهم، ولكنها في اليهود هي خليط من خير وشر.أما في غير اليهود فهي تكون شرا خالصا، لا خير فيها إطلاقا” .وهذا الكتاب الذي كتبه مؤلفه بالعبرية ،قد صدرت منه على ألأقل خمسا وستين طبعة، وهو ما يعني الإقبال على اقتنائه وكثرة قراءته والتأثر به. وقال حفيده الحاخام المشهور مندل شنيرسون، إن جسم اليهودي من أصل يختلف عن أجسام كل الشعوب الأخرى .ومن هذه الأقوال، كذلك قول الحاخام أبراهام اسحق كوك(ت1938) الذي يعتبر وابنه الحاخام زفي الأبوين الروحيين للأصوليين الصهيونيين في وقتنا الحاضر،”بأن الفرق بين النفس اليهودية والنفس غير اليهودية ،أكبر وأعمق مما بين النفس الإنسانية والنفس الحيوانية” .إلى غير ذلك من أقوال.كما أن هذا الإعتقاد دخل في صلاتهم بقولهم”الحمد لله الذي اختارنا”. وقد ترسخت فكرة التفوق هذه – بسبب التركيز عليها—في وجدان اليهودي وفي لا شعوره إلى جانب النظرة الدونية للآخرين التي صاحبت فكرة الإختيار لليهود أيضا كما ذكرت .وهذه النظرة الدونية لللآخرين أيضا بدأت بالتوراة ،ومن أمثلة ذلك، ماورد في سفر تثنية الإشتراع 1:7 –5 “وإذا أدخلك الرب ألهك إلى الأرض التي أنت داخل إليها ،لترثها وتطرد من أمامك أمما كثيرة…. سبع أمم أكثر وأقوى منك وأسلَمَهم الرب الهك بين يديك وضربتهم فحرَمهم تحريما(قتلهم عن آخرهم) لا تقطع معهم عهدا ولاترأف بهم ،ولا تصاهرهم ولا تعط ابنتك لأبنه ولا تأخذ ابنته لإبنك، لأنه يبعد ابنك عن السير ورائي…بل اصنعوا بهم هكذا: تدمرون مذابحهم وتكسرون أنصابهم وتحطمون أوتادهم المقدسة وتحرقون تماثيلهم بالنار” وغير هذا من أمثلة والتي تعمقت في الأدبيات اللاحقة حتى العصر الحاضر.ولذلك أطلق على غير اليهود صفات سلبية متعددة مثل غويم (الأغيار) ومنيم(كافرين) وعقوميم(منحرفين)وغيرها من صفات. وفي تراث اليهود فإن النظرة إلى اسماعيل، الذي يعتقد فيه أنه أبو العرب ليست نظرة إيجابية. فاسحق الأبن الأصغر لإبراهيم، هو الذي قدمه النبي إبراهيم ليضحي به-كما تذكر التوراة – ولم يقدم اسماعيل وأن الرب قد أقام العهد معه، وليس مع اسماعيل الذي هوابن الجارية الذي طرد معها، وأن أصول الشعب اليهودي ترجع إلى اسحق. وفي كتبهم أيضا أن الرب عرض على العرب الشريعة، التي أنزلها وعندما سألوه عما فيها ذكر لهم الوصايا العشر، التي منها لا تقتل لاتسرق لا تزن، رد عليه العرب بأنهم يرفضونها ولايريدونها، وقالوا إننا نريد أن نمارس هذه الأمور.ومثل هذه الأساطير مازالت تدرس في مدارسهم الدينية إلى اليوم ، وكذلك يطلقون على العرب عماليق وهم طبقا للتوراة أعداء العبرانيين التاريخيين”وأن الرب في يوم من الأيام سيمحو ذكر العماليق”كما يعزون ذلك إلى النبي موسى.وكان رئيس الحاخامين السفارديم ألأسبق في إسرائيل عوفاديا يوسف، قد وصف الفلسطينيين بأنهم عماليق هذا الزمان، وقد دعا عليهم أكثر من مرة ليزيلهم يهوه من الوجود.وهكذا تشكات عقلية هؤلاء نحو العرب وأصبح لهم حصة كبيرة من هذه النظرة التي تتسم بالإحتقار واالكره. ولذلك ليس من الغريب أن نجد الغالبية العظمى من طلاب المدارس في إسرائيل يصفون الفلسطينيين بأنهم قتلة ولصوص، عندما أجري أستطلاع بينهم قبل بضع سنوات عند سؤالهم عن تعريف الفلسطيني. وصاحَب الإعتقاد بهذه الفكرة الإعتقاد أيضا بأن فلسطين أعطيت لليهود وحدهم دون غيرهم ولايشاركهم فيها أحد، إذ الآخر يدنسها ويخبثها، والإستيلاء عليها كما يعتقدون وطرد الآخرين منها وقتلهم هو عمل مقدس، لأنه تطهيرلها من هذا الدنس.
وقد حمل الغالبية العظمى من المهاجرين هذه النظرة معهم إلى فلسطين فبعد إعلان وعد بلفور وازدياد المستوطنين في فلسطين وتعاظم شوكتهم أخذوا يقومون بتطبيق نظرتهم هذه ضد الفلسطينيين.ولما رأى “أحد هاعام” زعيم الصهيونية الروحية تعاملهم مع الفلسطينيين من هذا المنطلق وعلى أساس هذه النظرة حذرهم من ذلك، وقال لهم في كلام معروف “إن على اليهود أن لايعتبروا أنفسهم متفوقين على العرب، بل إنهم يجب أن ينظروا إليهم على أنهم أناس يعتزون بأنفسهم كثيرا.والإعتقاد بأن كل العرب هم صحراويون برابرة، وأنهم أناس مثل الحمير لايعرفون ما يدور حولهم ولا يفهمونه هوخطأ كبير…إن العرب بخاصة سكان المدن منهم يفهمون جيدا ماذا نريد وماذا نحن نعمل في البلد، ولكنهم يتظاهرون بأنهم لايعرفون ولاينتبهون لأنهم لايرون في الوقت الحاضر أي خطرعلى أنفسهم، أو مستقبلهم فيما نقوم به ، ويحاولون أن يحولوا عمل هؤلاء الضيوف الجدد لصالحهم، ولكن عندما يأتي اليوم الذي تكون فيه حياة شعبنا في أرض إسرائيل قد وصلت إلى درجة ،بحيث تدفع الناس المحليين جانبا، كثيرا أو قليلا فانه سوف لايكون من السهولة أن يتخلوا عن أرضهم.”وقال أيضا “إن المستوطنين يجب أن يتعاملوا مع السكان المحليين بحب واحترام” ولكن هؤلاء المستوطنين صموا آذانهم عن نصائح أبناء جلدتهم، واستمروا في الإعتداء على الفلسطينيين والتنكيل بهم، والاأبالية نحوهم، ولذلك ثار الفلسطينيون ضدهم أكثر من مرة كما حدث في عام 1929 و1936. ثم أخذت هذه ألأفكار تظهر بشكل أوضح بعد نشوء الدولة وظهورقوتها ودعمها لهؤلاء- فأصبحت الدولة القوية تحمي اليهودي ولاتحمي ألآخر وأصبح اضطهاد الآخر، واستعمال العنف ضده وقتله أمرا سهلا .فأخذوا يجاهرون بالقول بأن وصية لاتقتل لاتنطبق عليهم، إذا قتلوا الفلسطينيين، حتى الأطفال منهم ،وكان الحاخام يسحق شابيرا قد أصدر كتابا عام 2009 بعنوان “توراة الملك” قال فيه إنه يجوز قتل غير اليهود حتى الأطفال منهم ،لأن هؤلاء سيصبحون أشرارا مثل آبائهم عندما يكبرون.وعند صدور الكتاب انتقد بعض المسؤولين مضمون الكتاب في ضجة كاذبة ومفتعلة ،ولكنها مالبثت أن اختفت وخمدت ونشر الكتاب ووزع على نطاق واسع في إسرائيل..وأصبحنا نسمع كلاما من هؤلاء يخز الضمير الإنساني بعمق ، ويخدش المشاعر البشرية بقوة ،ويجعل من حقوق الإنسان مهزلة حقيقية.مثل قول رئيس الحاخامين السفارديم الأسبق،مردخاي إلياهو “إن حياة طالب المدرسة الدينية (اليشيفاه) تعادل حياة ألف عربي” وكذلك ماقاله الحاخام يعقوب فرن، في رثائه لباروخ غولدشتاين”إن مليون عربي لايساوون ظفر يهودي”.ولذلك فنحن لانستغرب من إقدام بعض هؤلاء،على حرق أناس أبرياء  حتى الأطفال وهم أحياء، بل أصبح من يقتل الفلسطينيين من هؤلاء قديسا، كما هو حال باروخ غولدشتاين، الذي قتل 29 فلسطينيا فبُني له صرح على قبره يزوره هؤلاء، ويتبركون به.
———————————————–
*لابد أن نشير هنا إلى أن من اليهود من لايؤمن بفكرة الإختيار،ويعتبرها فكرة عنصرية وبالية لاتتفق مع صفات العدل للإله.ومن هؤلاء، الفيلسوف اليهودي سبينوزا (الذي كتبنا عنه فصلا في كتابنا قضايا وشخصيات يهودية). وبعض هؤلاء قد أسسوا فرقا يهودية في القرن العشرين، لها أتباعها الكثيرون والمؤمنون بأفكارها، مثل الحاخام مردخاي قبلان والحاخام شيرون واين.

 

 

 

مثقفون يهود يهجرون إسرائيل إلى المانيا

د. جعفر هادي حسن

عندما انهار الاتحاد السوفياتي السابق وسمح لليهود بالهجرة منه كان هؤلاء المهاجرون يفضلون الذهاب إلى ألمانيا بدل إسرائيل، ولذلك تضاعف عدد يهود ألمانيا أربع مرات منذ العام1989. ولم ينقطع تدفق هؤلاء المهاجرين إلى ألمانيا على الرغم من ضغوط إسرائيل عليها. ومنذ سنين بدأت شريحة من يهود إسرائيل تهاجر إلى المانيا للعمل والإقامة على الرغم من تاريخ المانيا في معاملة اليهود السيئة الذي توج بالمذبحة المعروفة (الهولوكوست). ويتميز هؤلاء المهاجرون عن غيرهم ممن يهاجر من اسرائيل أنهم نخبة من بين شرائح المجتمع، ومن المبدعين من فنانين ورسامين وكتاب ومنتجين سينمائيين وموسيقيين وغيرهم، ولذلك ترحب بهم ألمانيا ترحيبا بالغا وتعطي لهم أفضلية بمنحهم «فيزا الفنانين»، بل هي تساعدهم باعطائهم منحة مالية أيضا وبدون تعقيدات بيروقراطية. حتى أن احد الممثلين المعروفين يقول إنه يوجد اليوم فنانون في برلين أكثر مما هم موجودون في إسرائيل.
ومن الذين يهاجرون أيضا عدد من أقرباء الناجين من المحرقة، ويعتبر هذا تطورا في نظرة اليهود إلى الألمان، حيث كان بعض اليهود من هؤلاء إلى وقت قريب، يصيبهم التوتر والغضب عند رؤيتهم لهؤلاء بل ويكرهون حتى الكلام معهم. وأصبح هؤلاء المهاجرون اليوم مجموعة مميزة يصل عددها إلى مايقرب من عشرين ألفا أو أكثر، لهم إذاعتهم العبرية وبعض الصحف بهذه اللغة أيضا ولهم منظماتهم ونشاطاتهم الأخرى، ومازال الكثير منهم في إسرائيل يخططون للهجرة إلى هذا البلد والعيش فيه. يقول دانيال بيرنباوم الذي يقود الأوركسترا في برلين منذ التسعينات إنه يشعر أكثر ارتياحا في ألمانيا من إسرائيل، ودانيال هذا هو أحد البارزين من المجموعة المهاجرة اليوم.
ومما يشجع هؤلاء على الهجرة نظرة الدولة إلى اليهود بخاصة قوانينها ضد العنصرية والتي هي في صالح اليهود خاصة. كما أن المانيا اليوم تختلف نظرتها إلى الأقليات في أنها أكثر احتراما لها وتسامحا معها، وهو ما يشجع اليهود على الهجرة. كما أنها قد شرعت أشد القوانين ضد العنصرية. وهي من الدول التي تعتبر إنكار المذبحة النازية من الجرائم التي يعاقب عليها القانون بسجن من تثبت عليه/ها التهمة بعقوبة أقصاها خمس سنين، وكان بعض الألمان الذين يتبنون هذه الفكرة قد سجنوا أو غرموا، وقد سجنت امرأة عمرها تسعة وثمانون عاما (لأربعة عشر شهرا) في العام الماضي لهذا السبب. ومما يشجع المهاجرين اليهود أيضا، أنهم يرون في الألمان ندما على ما حصل من النازية نحو اليهود والشعوب الأخرى مثل النور وغيرهم، يتمثل ذلك في إنشاء المراكز التي تعنى بالبحث والدراسة حول النازية وتاريخها، وما قامت به من مذابح نحو الآخرين. وبعض هذه المراكز سميت على أسماء شخصيات يهودية. ومما يشجعهم على الهجرة أيضا ان اقتصاد المانيا هو اقتصاد قوي يتفوق على اقتصادات دول الاتحاد الأوربي وأن الديمقراطية فيها تعتبر نموذجية. ويقولون أيضا إنهم يشعرون أكثر امنا في المانيا وأكثر تقديرا فيها.
وهم يعطون أسبابا لهجرتهم من إسرائيل يذكرون منها أنهم محبطون بمرارة وبخيبة الأمل بالطريق الذي تسير فيه إسرائيل اجتماعيا وسياسيا وثقافيا، حيث الصهيونية في رأيهم لم تعد كما كانت عندما ظهرت، ويفترض فيها أن لايكون هدفها بناء مخابئ وملاجئ تنقذ الناس من الموت الذي يلاحقهم في بلد يفترض فيه أنهم سيكونون في أمن فيه. وكانت إسرائيل قد أنشئت كما هو معروف كملجأ لليهود من الاضطهاد، ولكن أهمية هذا الهدف وقيمته قد قلت في القرن الواحد والعشرين في عصر الاتحاد الأوربي، وقد اعتبر أحد الصحافيين الإسرائيليين الاتحاد الأوربي هوالملجأ للإسرائيليين بدل إسرائيل نفسها.
ومن الأسباب التي يذكرونها لمغادرتهم هو الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الذي لا يبدو له حل في الأفق كما يقولون. كذلك يذكرون من الأسباب عداء الدول العربية والإسلامية المستمر.
وكذلك الأسعار الآخذة في التصاعد دائما. وهناك الفساد المنتشر ووجود الحريديم وتكاثرهم الذين يمتصون دم الدولة، «وإننا نأتي هنا لنتخلص من هذه الضغوط.
واسرائيل لم تعد الأرض الموعودة، بل انها أصبحت ارض الوعود التي لم تتحقق والقنبلة الموقوتة للإنفجار السكاني لفلسطيني إسرائيل، وعلى الحكومة الإسرائيلية أن تعالج المشاكل التي تتسبب في كل هذا قبل أن تفقد شبانا وفنانين أكثر». ويبدو لي أن هاجس القلق من التهديد الوجودي الذي يسكن اليهود الإسرائيليين هو أحد هذه الأسباب، وقد عبر عنه أحد أساتذة التاريخ في جامعة تل أبيب بالقول «إننا نعيش في تهديد وجودي دائم، وهناك شعور(لدى الإسرائيليين) بأننا على بعد دقيقة واحدة فقط من القطار الذي سيأخذنا لمعسكر أوشوتز(أحد معسكرات النازية التي استعملت في المذبحة).
والذين يرفضون هذه الهجرة يرون فيها نزفا ثقافيا لإسرائيل، واعتبر أحد عمداء الكليات اليهودية في ألمانيا ذلك من المشاكل الرئيسة التي تواجهها إسرائيل، ولكنه اعترف بأن الحياة فيها ضاغطة وصعبة، وأن الأفق فيها ضيق.

 

 

الفيلسوف سبينوزا واليهود والتوراة

 

د.جعفر هادي حسن                                                                                                                                              Dr Jaafar Hadi Hassan

 

يعد باروخ سبينوزا واحداً من أشهر فلاسفة العصر الحديث في الغرب إذ يعتبر واضع اسس الفلسفة العقلية التي ظهرت في القرن الثامن عشر ويعتبره اليهود اشهر فلاسفتهم على الاطلاق. ولم تحدث آراء سبينوزا ردود فعل في حياته على آرائه إلا عند أبناء جلدته اليهود، والمؤسسة الدينية بالذات. خاصة عن تلك الآراء التي تتعلق بالتوراة والشريعة اليهودية .وكان من نتيجة ذلك أن أصدرت هذه المؤسسة قراراً دينياً بطرده من اليهودية (حِرم بالعبرية) وحرمانه منها وعزله عن اليهود.

وفي مقالنا هذا سنركزعلى هذا الجانب من حياة سبينوزا وذكر بعض آرائه التي اثارت اليهود عليه دون التطرق إلى تفصيلات فلسفته.

ولد باروخ سبينوزا في امستردام – هولندا العام 1632م لعائلة يهودية من المرانوس(الذين أجبروا على التحول إلى الكاثوليكية في أسبانيا والبرتغال) كانت هربت من البرتغال واستقرت في هولندا بعد رحلة خلال فرنسا.وعند وصول العائلة إلى هولندا أشهرت يهوديتها.كما يفعل الكثيرمن المرانوس الذين يهربون من محاكم التفتيش ويصلون إلى هولندا.وأصبح أبوه وجده أعضاء كبارا في كنيس معروف.وكان أبوه تاجرا ثريا وصاحب نشاط في الجالية اليهودية.وفي السادسة من عمره توفيت امه وعند بلوغه سن الدخول الى المدرسة، أدخلته عائلته مدرسة خاصة بيهود البرتغال واسبانياً. وفي هذه المدرسة درّسه اساتذة يهود مشهورون من الذين كانوا مرانوس سابقين منهم منسّه بن اسرائيل الذي اقنع كرومويل – حاكم بريطانيا – بارجاع اليهود الى بريطانيا إذ كانواقد طردوا منها العام 1290م.- وكان منسه بن اسرائيل من أبرز زعماء اليهود في وقته وأشهرحاخاميهم في هولندا. وكان منهم الحاخام والشاعر اسحق أبوب فونسيكا الذي كان أول حاخام يذهب إلى البرازيل ويعتقد أنه كان من أتباع القبلاه وأتباع شبتاي صبي المسيح الدجال أيضا . وكان استاذه الثالث شاؤول ليفي مورتيرا وهو يهودي إيطالي كان من المرانوس أيضا وكان حاخاما وعضوا في المحكمة الدينية التي أصدرت طردا من اليهودية بحق سبينوزا فيما بعد كما كان منسه بن إسرائيل كذلك.

ليس هناك تفصيلات عما درسه سبينوزا في هذه المدرسه ولكن لأن المدرسة كانت يهودية فمن المعتقد أنه درس شيئا من التلمود والتوراة وبعض شروحهما، ويعتقد كذلك أنه درس تاريخ بعض الشخصيات اليهودية وأعمالها مثل موسى بن ميمون (ت 1204م) وابراهام بن عزرا (ت 1164م).وهما عالمان يهوديان مشهوران بين اليهود كانا قد نشأا ودرسا في الأندلس.

وعرف هذان العالمان إضافة الى كونهما فقيهين، بآرائهما الفلسفية، واشتهر الأول بمحاولاته للجمع بين الشريعة والعقل بعد أن قرأ الفلاسفة المسلمين وتأثر بهم. ويبدوذلك واضحا في كتابه موره نبوخيم(دلالة الحائرين) وعرف الثاني برأيه بالقول بوحدة الوجود. واشتهر سبينوزا فيما بعد ايضاً برأيه القائل بوحدة الوجود. وجعلت آراء هذين الشخصيتين وغيرهما سبينوزا يتساءل عن بعض المسائل ويبحث لها عن حل. وذكر مؤرخو حياته أنه عندما كان في الخامسة عشرة من عمره تجرأ وقدم مجموعة من الأسئلة تنطوي على شكوكه الى استاذه مورتيرا. وأثناء دراسته وجد سبينوزا ميلاُ في نفسه لدراسة الفلسفة. ولما لم تكن مدرسته توفر له ذلك، التحق بمدرسة أحد الأساتذة المعروفين واسمه فرانسسكوس فان اندن. وكان هذا طبيباً ولغويا أيضاً وينتمي الى جماعة مسيحية لا ترتبط بأي كنيسة معروفة وليس لها رجال دين.(وهي فرقة انفصلت عن الكالفينية ونشأت في بداية القرن السابع عشروسمي أعضاؤها “كوليجانتس” من كلمة”كولج” التي أطلقوها على اجتماعاتهم التي كانوا يعقدونها في أول يوم أحد من كل شهر.وفي نهاية القرن السابع عشر أصبح لأراء سبينوزا تأثيرعليها إلى الحد الذي انقسمت الفرقة على نفسها وسمي أحد قسميها باسم سبينوزا واستمر وجود الفرقة إلى القرن التاسع عشر) .وقد أصبح أستاذه هذا صديقه الحميم فيما بعد. وكان هذا الاستاذ يدرس بعض الطلاب من ابناء الطبقة الراقية في امستردام. ودرس سبينوزا مع أستاذه هذا موضوعات كثيرة منها الرياضيات والفيزياء والفلسفة، خصوصاً فلسفة ديكارت. ودرس كذلك اللغة اللاتينية وكانت المشرفة على تدريسه في هذه اللغة ابنة استاذه ولم تكن اللغة اللاتينية تدرس في المدرسة اليهودية إذ اعتقد اليهود أن دراستها تؤدي الى الهرطقة و كما يعتقد انه درس شيئا من الطب مع هذا الأستاذ ايضا.

وباختلاطه مع الطلاب المسيحيين، اطلع على وجهات نظر أخرى وأفكار جديدة لم يكن اطلع عليها قبلاً. إضافة الى تأثير استاذه عليه. وتميز سبينوزا عن بقية الطلاب خلال دراسته بذكائه وجده، فأعجب به كثير منهم وتحلق حوله طلاب يهود ومسيحيون. وأخذ يبوح بآراء جديدة ويجهر بها، ويقول إن عمل الإنسان يجب أن يتفق مع العقل، ولما كان الكثير في الشريعة اليهودية الحالية لا يتفق مع العقل، فلا بد وأن يكون هذا من صنع البشر وليس وحياً أوحي به الى موسى، وإنما هو شيئ كتبه الناس بعده. وأخذ كذلك يشكك في أن يكون للشريعة اليهودية الأولوية على قانون الطبيعة. ولما كانت هذه قناعته نحو الشريعة اليهودية، فقد وجد أنه من غير الصحيح أن يطبق الشعائر والطقوس اليهودية، لأن ذلك سيكون نفاقاً وهو لا يريد أن يطبق شيئاً لا يعتقد به، فترك حضور الكنيس وتطبيق شعائر السبت والمناسبات الدينية الأخرى وأخذ يخالف أحكام الكشروت (الحلال من الطعام وغيره). وراح يؤثر بأفكاره هذه على طلابه الذين أخذوا يدرسون على يديه.وعندما عرفت المؤسسة الدينية

اليهودية بافكار سبينوزا هذه أصابها القلق مما سمعته. فقد كان رجالها يأملون منه خيراً قبل أن يعرفوا آراءه هذه لما عرف عنه من ذكاء وموهبة. وكان أكثر ما يخشونه أن يترك سبينوزا اليهودية ويتحول الى المسيحية ويستغل مواهبه للهجوم عليهم وعلى الشريعة اليهودية، وتكون حاله كحال الكثير من الرهبان والراهبات والقساوسة الذين كانوا من أصل يهودي وانضموا الى الكنيسة حيث أخذ بعضهم ينتقد اليهودية ويهاجمها.وكان أحد هؤلاء من أقرباء سبينوزا واسمه دون دياغو دي سبينوزا حيث كان مسؤولا كبيرا في محاكم التفتيش في أسبانيا.

وحاولت المؤسسة الدينية اليهودية في البداية أن تعامله بإحسان ولطف ومن دون أذى، فدعته إليها وكلمته عن آرائه وعما إذا كان ما نسب إليه صحيحاً، فأقر بذلك ولم ينكره، بل ودافع عنه وقال لهم ان له الحق في حرية الرأي

والتفكير. وأشهدت المؤسسة على ما قاله شهوداً ومع ذلك لم تطبق عليه أحكام الشريعة اليهودية آنئذ كي لا يكون ذلك سبباً في انضمامه الى المسيحية. وحاولت بعد ذلك أن تغريه بالمال، فأرسلت مع أحد أصدقائه رسالة تعرض عليه مبلغاً كبيراً من المال ينفق عليه طوال حياته إذا هو توقف عن نقد اليهودية والحاخامين، وحضر الكنيس بين حين وآخر. ورفض سبينوزا هذا العرض وأصر على حرية الرأي والعمل، واستمر يجاهر بأفكاره ويدرسها لطلابه.وعندها ساءت علاقته بالمؤسسة الدينية وعُرف بين اليهود بآرائه التي يخالف بها اليهود الآخرين. وقد ذكر بعض المؤرخين لحياته. بأن أحد اليهود المتعصبين حاول اغتياله بسكين ولكن المحاولة كانت فاشلة.(1) وليس بعيدا أن يكون هذا قد حدث وبفتوى من الحاخامين إذ جوز هؤلاء اغتيال من يعتبرونه قد خرج عن اليهودية بنقده لها عقابا له على ذلك وهناك عدد من الحالات الموثقة . ولما لم تجد المؤسسة الدينية تغيرا في آرائه أصدرت “حرم” بحقه بتاريخ 27تموز في العام 1665 أمام جموع اليهود وبحضور نسخة من التوراة كما هو متعارف عليه.وهذا نص الحِرم
“إننا رؤساء الطائفة اليهودية نعلمكم بالتالي: إننا لفترة طويلة كانت لنا معرفة واطلاع على الآراء والأعمال الشريرة لسبينوزا. ونحن من خلال وسائل عدة حاولنا أن نقنعه بترك طريقه الشرير ولكننا لم نجد تغييراً نحو الأفضل في افكاره المنحرفة والفاسدة التي يمارسها ويدرسها. وكذلك الأعمال المروعة التي ارتكبها والتي كانت تصلنا معلومات عنها في كل يوم من شهود موثوقين. وكان الشهود أدلوا بشهاداتهم بحضور سبينوزا نفسه، وبحضور حاخامينا الذين أيّدوا ذلك. ولذلك قررنا وبمصادقة حاخامينا أن المذكور يطرد ويعزل من بيت بني إسرائيل ونحن الآن نعلن بالآتي نص الطرد (من اليهودية) عليه:

إنه طبقاً لقرارات الملائكة وأحكام الأولياء، فإننا نمنع باروخ سبينوزا ونطرده (من اليهودية) بتأييد الإله وموافقته وكل جماعة إسرائيل. وحصل هذا بوجود كتاب شريعتنا المقدسة التي تضم الاوامر والنواهي الـ613. ونحن نحجر عليه كالحجر الذي فرضه يشوع بن نون على مدينة أريحا وكاللعنة التي لعن بها النبي اليشع على الشاب. وبكل لعن مذكور في الكتاب المقدس. وليُلعن سبينوزا في الليل وليُلعن في النهار وحين يقوم وحين ينام، وسوف لن يغفر له الله، وان غضب الله وسخطه سيكونان دائماً على هذا الرجل. وسيأتي الله بكل اللعن المذكور في كتاب الشريعة عليه وسيُمحى اسمه من تحت السماء، ولنيته السيئة، فإن الرب سيقضي عليه من بين أسباط بني إسرائيل.(وسيلعن) بكل لعنات السموات المذكورة في الكتاب المقدس. وأنتم الذين تتمسكون بالإله الرب ستحيون اليوم والى الأبد ونحن نعلن الآن بأنه لا يجوز لأحد أن يتصل به بشكل مباشر أو بواسطة الكتابة. ولا يجوز لأحد أن يزامله ولا أن يقضي له حاجة أو يريه أي نوع من الرحمة ولا أن يسكن معه تحت سقف واحد ولا أن يقرب منه لمسافة أربعة أذرع.ولا يجوز لأحد أن يقرأ مؤلفاته مطبوعة أو مكتوبة بخط يده”. ويعتقد أن عمرسبينوزا عندما صدر الطرد بحقه كان في حدود الخامسة والعشرين سنة.(2)

ولم يكن سبينوزا حاضراً عندما قرئ نص”الحرم” لكنه عندما سمع به لم يكترث أو يهتم ولذلك فإنه لم يحاول أن يصطلح مع المؤسسة الدينية كما فعل أوريل داكوستا(راجع مقالنا عنه). بل انه كتب إلى رؤساء الجالية دفاعا عن آرائه وأعماله ولكن المؤسسة الدينية اليهودية لم تقبل دفاعه بل طلبت من مسؤولي أمستردام أن يصدروا أمراً بنفي سبينوزا من المدينة الى الأبد.والطرد من المدينة هو أحد أنواع العقاب الذي استعمله الحاخامون سابقا بحق اليهودي الذي ينتقد اليهودية او الحاخامين إن لم يفتوا بقتله. وبعد مناقشات بين هؤلاء ورجال الدين المسيحيين قرروا أن ينفوه لأشهر عدة، فغادر سبينوزا المدينة وذهب واستقر في ريجينزبرغ قرب ليدن مع صديق غير يهودي لأن اليهود تحاشوه بسبب”الحرم”. وغيّر اسمه من “باروخ” العبري الى “بندكت” (بندكتوس) اللاتيني الذي يحمل المعنى نفسه وهو “مبارك وربما كان ذلك احتجاجاً على معاملة اليهود له.,وانتقل بعد ذلك إلى مدينة لاهاي حيث قضى فيها بقية حياته.

.وفي هذا الوقت كتب الى سلطات امستردام مدافعاً عن آرائه ومناقشاً لهم في أنه لم يقترف ذنباً بحق قانون الدولة ولكنه فقط مارس حقه المطلق في مراجعة دين آبائه والدين بصورة عامة وأنه عرض رأياً مخالفاً لذلك.ووذكر بعض المؤرخين بأن سبينوزا التحق بجامعة ليدن ودرس فيها.وفي الأثناء اضطر أن يتخلى عن العمل التجاري بعد صدور الطرد حيث كان يعمل بالتجارة مع أخيه بعد وفاة أبيه وأخذ يعمل في صقل العدسات وجلوها وهو عمل أجاده وأتقنه.وكان يسترزق منه وكان يقول إنه فقط يريد أن يحصل على مال ليدفع أجور سكنه وثمن غذائه وأجور دفن جثته. ويقال إن عمله في صقل العدسات أثر في صحته وسبب موته فيما بعد. وبلغت اجادته لهذا العمل حداً جعله معروفاً قبل أن يشتهر كفيلسوف له أهميته وفلسفته الخاصة به. وربما بسبب هذا الاهتمام كتب رسالة عن “قوس قزح”.

وبعد أن اشتهر اسم سبينوزا عُرض عليه أن يكون أستاذا في جامعة هايدلبرغ وهي من الجامعات الألمانية المشهورة ولكنه رفض وعرض عليه كذلك أن يكون فيلسوف القصر في فرنسا في حكم لويس الرابع عشر ولكنه رفض أيضا. كذلك أخذ يراسله بعض الفلاسفة ويناقشون آراءه خاصة بما يتعلق بالقوانين الطبيعية ووحدة الوجود وخلود النفس وكذلك آراؤه عن الفيلسوف ديكارت التي ناقشها سبينوزا بشيئ من التفصيل. ويوجد اليوم عدد من هذه الرسائل نشرها بعض الذين كتبوا عنه وهي تدل على احترام هؤلاء له.وتقديرهم لعلمه وفلسفته.(3) وعلى رغم محاربة اليهود لسبينوزا، استمر بالحديث عن آرائه حول اليهودية والبوح بها. ومن هذه الآراء ما سماه بالتفسير الصحيح للتوراة، وقال ان لكل شخص الحق في أن يقوم بتفسير التوراة، ولكن التوراة يجب أن تفسر كما هي وأن تفسيرها يشبه تفسير الطبيعة، فكما أن تفسير ظواهر الطبيعة يحتاج الى دراسة التاريخ، فكذلك يجب أن نعرف تاريخ التوراة. ودراسة تاريخ التوراة لا بد وأن تشمل ثلاثة اشياء هي تحليل اللغة العبرية، والبحث في مصطلحات كل سفر، وكذلك البحث عن اصول اسفار التوراة كالبحث عن النسخة الأولى والهدف من كتابة كل سفر، وكيف استقبله الناس، ومن الذي اقترح أن يدخل سفراً معيناً ولا يدخل آخر الى غير ذلك. ومن آرائه أن الأسفار الخمسة الأولى من التوراة التي نسبها اليهود الى النبي موسى لم تظهر إلا بعد وفاته بقرون، وان هذه الاسفار ومعها سفر يشوع وسفر القضاة وأسفار أخرى كانت تمثل كتاباً واحداً ضخماً جمعه عزرا الكاتب(يعتقد أنه عاش في القرن الخامس قبل الميلاد)، ولم يكن تمكن من تنقيحه بسبب الموت المبكر أو لأسباب أخرى غيره. وان عدم التنقيح والتهذيب بيّن على هذه الأسفار لأنها تضم خليطا كثيراً من الاعادات والتناقضات. وهذا يكشف أن هذه المادة كانت جمعت على أيدي مؤلفين عدة، وان بعض الأسفار الأخرى كسفر الأيام الأول والثاني كتبا بعد وفاة عزرا الكاتب بفترة طويلة، وقد يكون ذلك بعد القرن الثاني قبل الميلاد. ورأى كذلك أن مزامير داود جمعت وقسمت الى خمسة أقسام في القرن الأول الميلادي وكذلك سفر الأمثال، وذكر ان اسفار الأنبياء إنما هي بقايا كتب أخرى وليست من وضع الأنبياء، وان في هذه الأسفار كثيراً من التناقضات التي تتعلق بالقضايا الروحية والطبيعية.

وتبنى سبينوزا رأي ابراهام بن عزرا في سفر أيوب، الذي اعتقد أن هذا السفر في أصله ليس يهودياً وإنما هو ترجمة من لغة أخرى. وقال إن هذا يعني أن الشعوب الأخرى كان عندها كتب مقدسة.( وسفر أيوب هو من الأسفار التي حيرت علماء العهد القديم حول أصله.حتى أن بعضهم رأى بأن هناك تأثيرات نبطية- عربية في أسلوبه ولغته). وقال كذلك ان الذين جمعوا أسفار التوراة لم يجمعوها بشكل صحيح، بل ادخلوا بعض ما يجب أن يخرج منها وأخرجوا بعض ما يجب أن يدخل فيها، إذ كان يجب أن لا يدخلوا سفر الأيام وان لا يخرجوا كتاب “الحكمة” (حكمة سليمان) وكتاب “طوبيا”.(وهذان الكتابان لايعتبران مما يسمى بالكتب القانونية.وهذه الكتب تسمى باللاتينية أبوكرافا). وأشار الى ان مفسر العهد القديم يواجه الكثير من المشاكل نظراً الى عدم المعرفة باللغة العبرية القديمة، وكذلك عدم المعرفة بظروف جمع الأسفار. ورأى أن القصص المذكورة في العهد القديم يجب أن لا تفهم بشكل حرفي وإنما قصد منها أن ترشد الناس الذين لا يستوعبون فهم القضايا العقلية والمفاهيم المجردة.(4) وأكد أن شريعة التوراة صعبة التطبيق ولذلك يلاقي الذين يطبقونها صعوبة كبيرة في ممارستها.ويرى سبينوزا أن الشريعة اليهودية بكل طقوسها لم يقصد منها أن تكون دينا عالميا طلب من الناس إتباعه والإلتزام به وإنما هو كان خاصا باليهود دون غيرهم حتى يحفظوا به كيانهم.(5)

وهو يستدل من أسفار التوراة على أن اليهود ما كان يجب عليهم تقديم الأضاحي أو الاحتفال بالمناسبات والأعياد بعد تدمير مملكتهم. ويقول إن ذلك واضح من سفر النبي أرميا حيث قال بعد تدمير المعبد إن الرب يرضى في أن يعرفه الناس وأنه رحيم يحكم بالعدل ويريد تطبيق العدالة في الأرض كما جاء في 9:23 “بل بهذا يفتخر المفتخر بأنه يفهم ويعرفني لأنني أنا الرب المجري الرحمة والحكم والبر في الأرض لأن فيه رضاي يقول الرب” وهؤلاء هم الذين يُمدحون وكأن الرب قال إنه لا يريد من اليهود شيئاً خاصاً عدا أن يطيعوا القانون الطبيعي الذي هو ملزم لكل الناس. ويقول إن العهد الجديد(الإنجيل) يؤكد على هذا، فهو يؤكد على الجانب الأخلاقي وتعليمات الانجيل هي حول ذلك، وأن مملكة السماء هي الجزاء لذلك، وأن فريضة الأضاحي لم يتكلم عنها تلاميذ المسيح عندما أخذوا يبشرون بين غير اليهود ولكن بالتأكيد بقي الفريسيون يمارسون فريضة الأضاحي بعد تدمير مملكة اليهود، ولكن ممارستهم هذه لم تكن من أجل ارضاء الرب بل كانت معارضة للمسيحيين وضداً لهم.

واليهود عندما أخذوا أسرى تفرقوا شيعاً بين الناس كما اعتقد وتركوا تقديم الأضاحي بل تركوا شريعة موسى، بل تركوا حتى تقاليدهم القومية واعتبروها غير ضرورية وأخذوا يندمجون بين الشعوب كما هو واضح من سفر أشعيا ونحميا وأنا لا أشك بأنهم (فعلوا ذلك) لأنهم اعتقدوا بأنهم غير ملزمين بشريعة موسى بعد تدمير مملكتهم كما كانوا بين المصريين قبل خروجهم من مصر وانشاء مملكتهم فيما بعد وهم عندئذ لم يكونوا ملزمين بشريعة معينة غير القانون الطبيعي وقانون الدولة التي كانوا يعيشون فيها.

وهو يقول أيضاً إنه بعد تهديم الهيكل انتهى درو شريعة موسى لأنه بمجرد أن أصبح اليهود مواطنين في بابل، فإن مملكة الرب انتهت وأصبحت حقوقهم مع دولة بابل، وأن العهد الذي على اليهود بان يلتزموا بالوصايا قد نسخ وانتهى. وقد انتهت الدولة التي كانت تعتمد على هذا، ولذلك فإن العبرانيين في هذه الحالة لا يمكنهم أن يلتزموا بهذه الأحكام والوصايا، لأن علاقتهم كانت بملك بابل الذين عليهم أن يطيعوه في كل الأشياء وليس بغيره وأن النبي أرميا كان قد طلب منهم ذلك.

وهم في هذه الحالة ليس لهم مشاركة في الحكومة حتى يشاركوا في سلامها، بل عليهم ان يشاركوا في سلامها على أنهم عبيد وأسرى، فعليهم الاطاعة في كل شيء وأن يتفادوا الفتنة والعداوات وذلك باتباع قوانين الدولة مهما كانت مختلفة عن شريعتهم، ولذلك فإنه من الواضح أن الدين بين العبرانيين يكون بالشريعة على أنها شريعة تلك الدولة، بل على أنه قانون طبيعي عام ينطلق من العقل.

ويمكن اختصار ذلك بالقول إن الدين سواء كان موحى به أو عن طريق الأنبياء أو عن طريق القابلية الطبيعية يكون له قوة التنفيذ فقط من خلال التشريعات التي يقودها حاكم الدولة المستقلة والرب ليس له دولة خاصة بين البشر وإنما يحكم من خلالهم”(6)
وبهذا الرأي يختلف سبينوزا تماما عن بقية اليهود خاصة الحاخامين منهم الذين يرون أن الشريعة اليهودية أبدية ولايمكن أن تنسخ ويبطل العمل بها

أما بالنسبة الى فكرة الشعب المختار فهو قد خالف اليهود فيها، وعبر عن اعتقاده بأن الرب لا يفرق بين الشعوب وهو يحبهم جميعاً ويرغب في أن تكون حالهم طيبة، وأنه لم يختر اليهود على بقية الشعوب من أجل التوراة (كما يرى الكثيرمن اليهود الذين يقولون أن التوراة عرضت على بقية الشعوب فرفضتها وقبلها اليهود) واليهود ليس لهم خصوصية الهية كذلك، وليسوا أكثر فهماً أو أكثر فضائل من الآخرين. وهم انما بقوا على مر العصور ليس بسبب عناية خاصة من الرب، ولكن بقاءهم يرجع الى كره الشعوب لهم ويرجع الى روح العداء نحوهم. إذ أن هذه الروح هي التي أبقتهم مستمرين في الوجود الى هذا الوقت. وقال: “إذا كان اليهود يعتقدون حقيقة أنهم شعب مختار فليس لدي رفض لذلك ولكن ليس هناك فرق على الاطلاق بين اليهود وشعوب العالم الأخرى من حيث ما حققوه روحياً وفكرياً”.(7)

واتهم سبينوزا بالالحاد من قبل اليهود ومن قبل غيرهم كذلك. وربما كان ذلك بعد ظهور كتابه الشهير في الدين والسياسة الذي نشر في العام 1670م.ولم يضع سبينوزا عليه اسمه وإنما وضع عليه ألأحرف ألأولى منه وكان الكتاب قد منع بعد ظهوره في كل هولندا لذلك بيع ضمن أغلفة مزورة. ويرى باحثون بأن كتابه هذا قد أرسى أسس نقد العهد القديم الذي طوره فيما بعد العلماء الألمان. وارسل سبينوزا رسالة – على اثر اتهامه بالالحاد – الى أحد علماء اليهود المعروفين واسمه أوربيودي كاسترو (ت 1687م) يدافع فيها ضد اتهامه بالالحاد وعدم التدين.وكان هذا الحاخام من أشد الناس عداء لمن يبدي رأيا مخالفا لليهودية ألأرثودوكسية وله كتابات معروفة ضدهم.وهو قد كتب فيما بعد نقداً لفلسفة سبينوزا ونشره فيما يبدو بعد وفاة الأخير. ونشر سبينوزا في العام 1674م كتابه في الاخلاق، ولكنه لم يتمكن من توزيعه لمعارضة رجال الدين له. كما الف كتابا عن طبعة العقل وفي العام 1677م توفي سبينوزا ولم يسمح اليهود بدفنه في مقابرهم، فدفن في مقابر المسيحيين مع أنه لم يكن مسيحياً. ودفن في قبر لم يكتب عليه اسمه.ولم يخلف مالا كافيا لنفقات جنازته فدفن في قبر مؤجر.وربما كان الحاخامون قد منعوا عائلته من إقامة الحداد عليه لأنه في نظرهم مات غيرمؤمن.ومنع الحداد على أشخاص مثل سبينوزا الذي انتقداليهودية واجب يلتزم به الحاخامون منذ قرون وهم يتبعون في ذلك فتوى للحاخام المعروف موسى بن ميمون وردت في كتابه “شريعة الحداد”.ونص الفتوى هو”كل من فصل نفسه عن الممارسة اليهودية بعدم تطبيق الوصايا أو لا يلتزم بشعائر المناسبات الدينية أو أنه لايذهب إلى الكنيس أو إلى بيت الدراسة ويعتبر نفسه حرا (من هذه الإلتزامات) ويسلك مثل بقية الشعوب(ويكون) من المرتدين والمتحولين إلى دين آخر ومثل الجواسيس فهؤلاء لا يجوز إقامة الحداد عليهم.وعندما يموتون يجب على إخوتهم والأقرباء ألآخرين أن يلبسوا لباسا أبيض ويقيموا حفلات فرح لأن الذين يكرهون الرب تبارك اسمه قد هلكوا” ظل تطبيق هذه الفتوى مستمرا إلى وقت قريب.بل إن بعض الباحثين يقول إنها مازالت مستعملة عند بعض اليهود إلى اليوم(8).وقد الفت الكثير من الكتب عن حياة سبينوزا وفلسفته.كما كتبت مسرحية في القرن الماضي وعرضت على المسارح كما له تمثال كبير في لاهاي في هولندا .
(1) J. Prinz,The Secret Jews,p94

(2) Ibid,p.88

(3)يوجد الكثير من هذه الرسائل في الكتاب الذي حرره
Edwin Curly,وعنوانه A Spinoza Reader

(4) Encyclopedia Judaica, Spinoza

(5) E. Curly ed., A Spinoza Reader p.,98

(6) B.Spinoza,ATheologico-political Treatise and Political Tritise,p.72
(7) Encyclopedia Judaica, Spinoza

(8) I. Shahak and M.Mezvinsky, Jewish Fundamentalism in Israel,p.124

مؤرخون اسرائيليون يشككون في أسطورة مصداه(مسداه) د. جعفر هادي حسن

يبدو أن أحد الرموز الصهيونية المهمة الذي أصبح يضرب عميقا في وجدان الإسرائيليين قد أخذت تحوم حوله الشكوك. ونقصد بهذا الرمز قلعة مصداه وما حيك حولها من بطولة. والاسم مصداه–وهو يكتب خطأ مسداه(مساداه)إذ أنه بالعبرية بالصاد وجذرها قريب من الجذر العربي”صدد”– قد أطلق على قلعة بناها الرومان في فلسطين على قمة صخرة ضخمة عالية تشرف على وادي البحر الميت. وكان هرود الكبير حاكم يهودا قد بنى فيها قصرين وحماماً وقنوات مياه وسورا حولها في القرن الأول قبل الميلاد.وسكن في هذه المنطقة كثير من الأقوام منذ قرون بعيدة حيث اكتشفت في هذه المنطقة بعض مخلفاتهم وآثارهم.وأكثر مااكتشف فيها أثار من العصور الرومانية.ويعتبر الإسرائيليون اليوم قلعة مصداه جزءا من تاريخهم وهويتهم وهم يعتمدون في ذلك على ماذكره المؤرخ اليهودي فلاسفوس جوزيفوس(من القرن الأول الميلادي) في كتابه”الحرب اليهودية” عن مواجهة بين الجيش الروماني ومجموعة من اليهود المقاومين .

وجوزيفوس( الذي كان يعمل مسؤولا مع الرومان) هو المؤرخ الوحيد الذي ذكر هذه الحادثة.فهو قد ذكر بأن هذه القلعة كانت معقلا لهؤلاء اليهود الذين هربوا من وجه الجيش الروماني الذي احتل القدس وقد تحصنوا في هذه القلعلة لفترة من الزمن وكان عددهم كما قال أقل بقليل من ألف شخص واسماهم “سيكاري” وبقي هؤلاء يعيشون في القلعة لبضع سنين كما يقول إلى أن هاجمهم الجيش الروماني وحاصرهم ولما يئس اليهود المحاصرون من النصر وتأكدوا من حدوث الهزيمة الحتمية خطب فيهم زعيمهم الذي سماه اليعازر بن ياعير خطبة طويلة طلب في نهايتها منهم الإنتحار الجماعي بدل التسليم للجيش الروماني .فانتحر هؤلاء رجالا ونساء وأطفالا ولم ينج منهم إلا امرأة مسنة ورجل وخمسة أولاد كانوا قد اختبأوا في قناة للماءتحت الأرض وهذه المرأة المسنة هي الـتي أخبرت جوزيفوس بالحادثة كما يقول.

وجعل اليهود الصهاينة ماذكره جوزيفوس حدثا حقيقيا والفوا حوله القصص ونظموا فيه الأشعار وعملوا عنه الأفلام وكان بعض هؤلاء اليهود في العشرينات والثلاثينات من هذا القرن يأتون إلى فلسطين ويصعدون إلى القلعة ويبقون فيها لأيام يشعلون النيران ويرقصون حولها ويغنون .

وبعد ظهور الدولة اليهودية كانت هناك محاولات محمومة للكشف عن آثار القلعة ومعرفة مافيها ولكن المحاولات لاقت الكثير من الصعوبات ولم يكشف في حينه عن شيئ ذي أهمية وكانت المحاولة الرئيسة والمهمة للكشف عن آثار مصداه في عام1963 وهي تلك التي قام بها إيغال يادين (رئيس للجيش الإسرائيلي ونائب رئيس وزراء أسبق ومختص بالآثار) إذ أقنع بن غوريون بجدوى المحاولة والإنفاق عليها وفائدتها لإسرائيل.وتولى يادين مهمة البحث والتنقيب يساعده عدد كبير من المختصين وعدد أكبر من المتطوعين.وأقام معسكرا لهؤلاء المتطوعين اليهود الذين وصل عددهم إلى المئات وعمل يادين لفترة طويلة في البحث ولم يبق مكان في هذه القلعة إلا ونبشه.وقد عثر على بعض الأماكن المحترقة التي اعتقد بأنها كانت تستعمل من قبل اليهود المحاصرين كمخازن واكتشف كومة من الفحم والى جانبها بقايا بعض الملابس وغيرها من أشياءأخرى وزعم أنها كانت قد جمعت قبل الإنتحار واشعلت النار فيها.واكتشف كذلك بعض الهياكل العظمية التي اعتقد بأنها كانت بقايا من السيكاري لعائلة واحدة (وقد دفنت هذه البقايايا فيما بعد في احتفال عسكري مهيب أقامته الدولة)واكتشف كذلك بعض القطع الخزفية من أهمها إحدى عشرة قطعة كتب على كل واحدة اسم .وظن يادين بان هذه القطع هي التي ذكرها جوزيفوس والتي استعملها آخر عشرة أشخاص لإجراء القرعة لمن يقوم بعملية قتل الآخرين ولتأكيد ظنه هذا قرأ أحد هذه الأسماء على أنه”بن ياعير” حيث يكون هذا مطابقا لإسم الزعيم المفترض اليعازر بن ياعير.وهكذا ربط يادين هذه البقايا والمخلفات البسيطة بالسكاري وأخذ يقوم بكثير من الدعاية لها في وسائل الإعلام فاصبحت قلعة مصداه مزارا مهما يزوره اليهود عامة والإسرائيلون خاصة جماعات جماعات.من المدارس والمنظمات حيث يقف الطلاب وغيرهم على حافة القلعة وينادون بأعلى أصواتهم أيها الرومان سوف لانستسلم. وجعلها الجيش الإسرائيلي مكانا يقسم عنده العسكريون قسم الولاء للدولة ويرددون في قسمهم عبارة “إن مصداه سوف لاتسقط مرة أخرى”وأخذ الإسرائيليون يكتبون هذه العبارة على بعض الأشياء والملابس واصبحت قصة السيكاري المفترضة مع الرومان رمزا لمقاومة الإسرائيليين للعرب.وألف إيغال يادين كتابا عام 1968عنوانه “مصداه”.

وأصبح الإسرائيليون مأخوذين بما ذكر عن مصداه بل أخذوا ينظرون لها نظرة تقديس.واعتبرتها غولدا مئير من العقد التي تتحكم باليهود إلى جانب عقدة هتلر والمذبحة وشكلت مجموعة من اليهود منظمة باسم سيكاري.

وفي السنين الأخيرة أخذت الشكوك والتساؤلات تكثر حول ما اعتقد بأنه حقائق مؤكدة والذين أثاروا ذلك هم الباحثون والمؤرخون اليهود الإسرائيليين خاصة. فمن الأمور التي أثيرت حولها هو الشك في حقيقة حدوث الإنتحار الجماعي الذي ذكره جوزيفوس ويقولون إن هذا لايمكن إثباته لأن الراوي لهذه القصة هو جوزيفوس وحده دون مؤرخ آخر وهو لم ير الحادثة التي يرويها بنفسه فهو نسبها إلى المرأة العجوز التي ذكرناها.ويرى بعض الباحثين أن جوزيفوس ربما قرأ هذه القصة في أحد المصادر القديمة ثم زاد عليها وبالغ فيها ويقول جونثان برايس أستاذ اللغات القديمة والتاريخ في جامعة تل أبيب إن جوزبفوس يصف السيكاري في كتابه المذكور(حرب اليهود في القسم الثاني في الصفحات432وما بعدها) بأقبح الصفات وأشنعها وهو يكرههم ويحتقرهم.ويذكر هذا الباحث وهنا يتساءل المرء لماذا إذن ذكر جوزيفوس هذه القصة التي تعتبر فضيلة لهم ومدحا بحقهم؟وهو يرى بأن جوزيفوس أراد أن يؤكد رأيه الذي كان يراه وهو دعوة اليهود إلى عدم الثورة ضد الرومان واستدل بذكره للإنتحار الجماعي كدليل على عدم مقدرة اليهود على مقاومة الرومان.

وبالنسبة إلى القطع الخزفية التي ادعى يادين أنه عثر عليها ذكر هؤلاء الباحثون بأن الفكرة التي جاء بها يادين إنما هي من اختراعه وأنه ظنها ظنا من دون أي دليل يدعمها أما الهياكل العظمية التي اعتقد أنها لعائلة واحدة انتحرت سوية فان شيئا من هذا لم يؤكد أبداً وليس هناك دليل على صحة الفكرة

ومن المسائل التي أثير حولها الشكوك هو موضوع فترة الحصارفقد اشيع بأنها كانت لفترة ثلاث سنوات أو أربع وذكرت وكانها حقيقة ثابتة ولكن حنه كوثن وهي مدرسة تاريخ ولغات قديمة في الجامعة العبرية تقول انه بالمقارنة مع ماحدث تاريخيا في حصارات الرومان في اماكن أخرى فإن حصار “مصداه” لايمكن أن يكون قد استمر لسنوات بل لأسابيع من ستة اسابيع إلى ثمانية وليس أكثر من ذلك وتقول إن فترة الحصار هذه قد بولغ بها بشكل متعمد من أجل تأكيد اسطورة “مصداه” لأنه كلما كان الحصار أطول يكون الإعجاب بالمحاصرين أكثر حيث جعل الحصار من العام 70م إلى العام 73م كما ان هناك مبالغة بالمقاومة وهي والحصارقد انتزعا من سياقهما.

كما أن من الباحثين من انتقد إيغال يادين نقدا لاذعا واعتبره مبالغا بنشره أفكارا لاصحة لها أثرت على جيل أوجيلين من الإسرائيليين وكان من هؤلاء نيل آشر سيلبرمان الذي أصدر عام1994 كتابا عن إيغال يادين اعتبره فيه صانع أساطير .وفي عام 2002 كتب الأستاذ نحمان بن يهودا استاذ علم الإجتماع والأنثروبولوجي في الجامعة العبرية كتابا عنوانه “إخفاء الحقيقة: علم الآثار واسطورة مصداه” اتهم فيه يادين بالكذب وأنه أخفى الحقائق وهو في كتابه يتقفى أيضا الطرق التي اتبعها في اخفاء الحقائق بعد أن اطلع على التقارير عن المكتشفات.أما عن المجموعة التي يفترض أنها كانت تقاوم فقد قال عنهم في كتابه الآخر”اسطورة مصداه والذاكرة الجماعية وخلق الأسطورة في إسرائيل “ان أبطال مصداه لم يكونوا سوى مجموعة من قطاع الطرق والقتلة الذين يسمون سيكاري الذين أرعبوا القرى اليهودية وذبحوا سكانها وهم قد التجاوا إلى مصداه بعد أن اجبرهم يهود القدس على الهرب. فهم لم يفعلوا شيئا لحماية القدس من الهجوم الروماني عليها وعلى الرغم من أنه كان هناك دفاع بطولى عن المدينة ضد الجيش الروماني إلا أنه لم يكن هناك شيئ من هذا في مصداه والتي كانت في حقيقتها مأوى للعصابات وقد انتحر هؤلاء بعد أن حاصرهم الجيش الروماني وهي ليست كما صورت واعتبرت جزءا من هوية أسرائيل”وبالرغم من كل هذه الشكوك فإن الإسرائليين لايريدون الإعتراف بها لأن اسطورة مصداه قد أصبحت جزءاً من هويتهم ومترسخة
وقت غير قصير لتزول من أذهانهم وتختفي من وجدانهم. في تفكيرهم وهي تحتاج إلى

الحاخام عوبادياه يوسف وبعض آرائه وفتاواه

هو أشهر الحاخامين السفارديم (الشرقيين)، بل يعتبر كبير مراجعهم وبسبب ذلك اطلقوا عليه “مران”(استاذنا) وهو لقب يعطى لأكبرمرجع ديني يهودي. والحاخام عوبادياه ليس فقط ضليعاً ومتبحراً في االفقه اليهودي وأحكامه، بل هو صاحب مؤلفات كثيرة فيه تربوعلى الثلاثين مؤلفا.

وقد تدرج الحاخام عوبادياه في المناصب الدينية إلى أن وصل إلى أعلى منصب يصل اليه حاخام في عصرنا حيث أصبح رئيساً للحاخامين السفارديم في إسرائيل. ثم دخل المعترك السياسي وأصبح الزعيم الروحي لحزب شاس منذ الثمانينات ولهذا الحزب اليوم ثقل سياسي كبير، فهو يعتبر أكبر ثالث حزب بعد كديما وحزب العمل.

والحاخام عوبادياه يستغل اليوم موقعه وثقله السياسي في لعب دور لتغيير ثقافة المجتمع الإسرائيلي بصورة عامة وفرض السلوك(المنهاج) السفاردي عليه . إذ معروف أن الصهيونيين الأوائل الذين أنشأوا الدولة كانوا من الاشكنازيم (الأوربيين) والعلمانيين وقد فرض هؤلاء سلوكهم وأفكارهم على المجتمع الإسرائيلي وعندما جلبوا اليهود الشرقيين كاليمنيين والمغاربة كانت نظرتهم لهم نظرة تتسم بكثير من الإحتقار والدونية وقد عبرت عن ذلك قولة بن غوريون المشهورة”إنهم(اليهود الشرقيون) تراب البشر” .وكان عند وصول هؤلاء إلى إسرائيل يرشون بمادة الدي تي دي تطهيرا لهم وكانوا يجبرونهم في كثير من الأحيان على قص ضفائرهم(فئوت بالعبرية) التي على جانبي الرأس وعلى تغيير سلوكهم عندما كانوا في المعبروت (المدن الموقتة). كما كانوا يجبرونهم على نزع غطاء الرأس وعلى حلق لحاهم إلى غير ذلك من أعمال مؤذية لهم ومخالفة لمعتقدهم.كما نشروا بينهم الثقافة العلمانية بطريق القوة. ومن المعروف أن هؤلاء اليهود كانوا يُنسَبون إلى أعمال أقل مستوى من أعمال الأشكنازيم وهم قد قاموا باحتجاجات على هذه المعاملة أشهرها احتجاج الحركة التي سميت بحركة الفهود السود في السبعينات من القرن الماضي. وكان ينضم إلى هذه الإحتجاجات الآلاف منهم.وبعد أن قابلتهم غولدا مئير قالت عنهم إنهم أناس سيئون ولكن الحكومة فيما بعد اضطرت أن تلبي بعض مطالبهم.

وما زال اليهود الشرقيون يشعرون بالحيف والظلم ولم يشعروا بأنهم أعطوا ما يعتبرونه حقاً لهم. فهم يعتقدون أنهم شاركوا مشاركة فعالة في تأسيس الدولة واستمرارها، كما أنهم يشعرون بأن يهوديتهم أقدم تاريخاً وأكثر أصالة من يهودية الاشكنازيم الذين تعود يهوديتهم إلى القرن الثامن الميلادي عندما تحول ملوك دولة الخزرالى اليهودية وتبعتهم بعض فئات من المجتمع.

ولذلك يرى الحاخام عوبادياه بأن المعادلة التي استمرت في الدولة على هذا النمط طيلة العقود السابقة يجب أن تتغير، حيث أصبح اليهود الشرقيون أصحاب ثقل سياسي واجتماعي كبير، فهو إضافة الى تأثير حزبه السياسي، أخذ يقوم بانشاء المؤسسات التربوية وهي مؤسسات ضخمة حيث أنشأ شبكة كبيرة من المدارس يصل عدد طلابها إلى أربعين ألف طالب أو أكثر ومؤسسات تعنى بالرعاية الاجتماعية من توفير عمل للعاطلين ورعاية صحية للمرضى.

ومن مظاهر فرض خطته أنه لا يترك فرصة تفوت إلا وينتقد فيها الاشكنازيم عامة وزعمائهم خاصة، نقداً لاذعاً يثير حفيظة هؤلاء ورد فعلهم الغاضب. وهذه بعض الأمثلة مما قال في حق هؤلاء:
فهو قال عن يوسي ساريد، الزعيم السابق لحزب ميرتس العلماني، إن الله سيقلعه من جذوره وإن هامان ملعون (الذي يعتبره اليهود عدواً لهم) وكذلك ساريد. وقال الحاخام لاتباعه إن عليهم أن يزيلوا ذكرى ساريد.

وقال عن شولاميت ألوني (التي كانت وزيرة في حكومة اسحق رابين) إنه سيقيم احتفالاً عند موتها.

وقال عن أعضاء المحكمة العليا أنهم يجامعون نساءهم في الأوقات المحرمة.

كما أنه قال عن ارييل شارون:” إن الذي أعطاه الحكومة هم اليهود الحريديم (المتدينون جداً) ولكنه فضل أكلي لحم الخنزير والكارهين لليهود(وهو)حزب شينوي (حزب علماني). إن شارون رجل ناكر للجميل”.

وزاد على ذلك “ان شارون رجل وحشي وشرير وسيضربه الله ضربة قاضية ويميته وسوف ينام نومته الأخيرة ولا يصحو منها”.

وقال عن المهاجرين الروس إنهم اناس مجرمون ونساؤهم مومسات.

وكان من تصريحاته التي أثارت ردود فعل واسعة عند الاشكنازيم تصريحه الذي ضرب على وتر حساس عند الاشكنازيم حيث مس به قضية الهولوكوست (المحرقة) فقال عام 2000 إن الملايين الذين قتلوا في المحرقة كانوا قد قتلوا عقاباً من الرب على ذنوبهم التي ارتكبوها في حياة سابقة حيث ارتكبوا كل أنواع الذنوب التي لا يجوز أن ترتكب. وكان هذا التصريح قد أثار ردود فعل غاضبة ليس في إسرائيل فقط، ولكن بين اليهود الاشكنازيم في العالم، حيث قال هؤلاء إن كلامه يعني أن الاشكنازيم هم مذنبون بينما الشرقيون لم يذنبوا، لذلك لم يصبهم ما اصاب أولئك بل ان البعض من هؤلاء قال إن كلامه هو تبرير لما حدث وان النازيين قاموا بما يجب أن يكون.

وقال عن أتباع المذهب اليهودي الاصلاحي (وأغلبهم اشكنازيم) “إن رؤوسهم محشوة تبنا”ً ومعروف أنه واليهود الأرثودكس مثله لا يعترفون بيهودية المذهب الإصلاحي.

وللحاخام فتاوى وتصريحات عن المرأة تثير حنق الحركات النسوية وعداوتها، فهو قال مرة عن نساء الاشكنازيم إنهن يلدن أطفالاً غير طاهرين. وقال عام 1997 لا يجوز للرجل أن يمشي بين امرأتين أو حمارين أو جملين لأن النساء لا يهتممن بالتوراة ودراستها وكل من يكون قريباً منهن يكون مثلهن”. وقال بعد حرب اسرائيل على لبنان إن قتل الجنود الإسرائيليين في حرب إسرائيل على لبنان سببه عدم التزامهم بالشريعة. ولا يترك الأشكنازيم فرصة إلا ويردون عليه ويسخرون منه وكثيرا ما يرسمونه برسوم كاريكاتورية وهو يعبث بانفه باصبعه السبابة لأنه نسب اليه حرمة ادخال الإصبع بالأنف يوم السبت خشية أن يزيل الإنسان شعرة منه ويكون عملا مخالفا لشريعة السبت. كما يسخر منه الحاخامون الأرثودكس من اليهود الأشكنازيم عندما يذكر أمامهم سعة علمه وعدد مؤلفاته في الشريعة اليهودية فيقولون عنه “إنه حمار يحمل أسفارا”.كما انتقده الحاخامون الأشكنازيم في عام 2007 عندما بدأت السنة العبرية التي تسمى الشميطاه وهي السنة السابعة من التقويم العبري التي يجب أن لاتزرع فيها الأرض لسنة كاملة (وتسمى بالعبرية شميطاه من الجذر العبري شمط:يتخلى عن).حيث قام الحاخام بحيلة شرعية وباع الأرض إلى رجل غير يهودي (فلسطيني) بيعا رمزيا حيث يتمكن اليهود من زراعة الأرض في السنة المذكورة على أنها ليست أرضهم.

كما أن له أقوالاً ضد العرب والفلسطينيين تتسم بالكره لهم واحتقارهم فقد قال عن العرب “ليس هناك حيوانات أسوأ من العرب” ووصف الفلسطينيين مرة بأنهم ثعابين وأفاعٍ وعماليق (أعداء اليهود التاريخيين). وقال إنهم ملعونون وأشرار، وان الله سيقلعهم من جذورهم. وقال إن الرب شعر بالأسف لأنه خلقهم.

وقال عنهم أيضاً إنه حرام أن يعطف الإنسان عليهم، بل ويجب قصفهم بالصواريخ حتى يقضى عليهم، وانهم أشرار وملعونون وسيضربهم الله بأعمالهم على رؤوسهم ويمحو نسلهم ويبيدهم ويدمرهم ويمحيهم من هذا العالم. وقال مرة إن القدس القديمة يجتاحها العرب مثل الدود. إن هؤلاء يجب أن يذهبوا الى الجحيم وان المسيح سيعجل بذهابهم الى ذلك الطريق.وقال عندما كانت محادثات السلام أثناء حكومة إيهود باراك قال مخاطبا له “اي سلام هذا؟ هل تريد أن تضعنا بجانبهم(الفلسطينيين) إنك تاتي بثعابين وتضعهم بجانبنا هل يمكن أن يكون لنا سلام مع الثعابين؟” كما قال “إن شارون يجب أن لا يتردد في ضرب الفلسطينيين ويجب أن ينسى النقد من الخارج ويجب أن يسمع لنصيحتي ويضربهم بشدة. من هم شعوب العالم؟ فالمسيح سيأتي ويسخر منهم ويدينهم ويشتتهم بنفخة واحدة”.

وقد تجاوز الحاخام عوبادياه العرب إلى غيرهم. فهو يحرم نقل دم غير اليهودي إلى اليهودي في حال احتاج اليهودي إلى الدم، وهو علل ذلك بقوله إن الطعام غير الكوشر (غير الحلال) وهو الطعام الذي يأكله غير اليهود يكون له تأثير سيئ على اليهودي الذي يتسلم الدم، فهو قد يحدث آثاراً سيئة مثل العنف والقسوة والحمق ولذلك إذا كان اليهودي بحاجة إلى الدم، فعليه أن ينتظر الحصول عليه من اليهودي.

وهناك حادثة مشهورة في إسرائيل حدثت في تسعينات القرن الماضي عندما اكتشف أن بنك الدم الإسرائيلي كان يرفض استعمال دم يهود الفلاشا وكان يتخلص منه. وعندما اكتشف هذا الأمر تظاهرالآلاف من هؤلاء واحتجوا على ذلك لأيام ولكن لم ينتج عن ذلك شيئ على الرغم من اللجان التي شكلت للتحقيق في هذا ألأمر.

كما ان لهذا الحاخام قولاً معروفً عن أماكن العبادة لغير اليهود فهو يقول إن إسرائيل عندما تكون قوية عليها أن تدمر هذه الأماكن التي وصفها ببيوت الكفرة.

كما أنه تشفى بما حدث للناس في نيوأورليانز عندما دمر اعصار كاترينا المدينة وشرد الناس. وقال يومها: “إن قلة من الناس يدرسون التوراة، والتوراة هي التي تبقي على العالم وتحافظ عليه. إن هناك سوداً (وهو استعمل الكلمة العبرية العنصرية: كوشيم = سود) لا يدرسون التوراة، فقال الله لنجلب عليهم تسونامي ونغرقهم وان مئات الآلاف الذين شردوا وعشرات الآلاف الذين ماتوا كان عقابا من الرب”.

وبسبب تصريحاته هذه وفتاواه فإنه يتهم بالعنصرية وكره الآخرين. ولكن الحاخام عوبادياه لايعطي هذه الإتهامات كبير وزن، فهو لم يقدم اعتذاراً للآخرين ولا مرة واحدة ولم يشعر بالندم وهو مستمر في تصريحاته دون الإهتمام بأحد أو خشية منه.

دراسة تكشف عن وجود آلاف العسكريين اليهود خدموا في الجيش النازي

د.جعفر هادي حسن

لم يكن الباحث الأمريكي براين مارك ِرغ يعرف ان البحث عن اصوله اليهوديه

سيقوده الى كشف مهم يتعلق بعدد كبير من الضباط والجنود اليهود الذين خدموا في الجيش النازي خلال الحرب العالمية الثانية. وكانت بداية رحلة البحث عندما أخبرته عائلته البروتستانية بانها من أصول يهودية المانية. ولرغبته الملحة لمعرفة هذه ألأصول سافر إلى المانيا وبعد بحث طويل هناك عثر على اسم ام جدته في سجل مدينة لايبزج ووجد ضمن تفاصيل الحالة الشخصية كلمة يهودية اشارة إلى دينها. ثم تبين له أن أبا جده الذي هاجر من المانيا الى الولايات المتحدة هو الذي تحول الى البروتستانية ولذلك نشات عائلته على هذه الديانة واكتشف ِرغ ان اقرباءه الذين بقوا في المانيا ظلوا على ديانتهم اليهودية وان البعض منهم قتله النازيون والبعض الآخر خدم في الجيش النازي.

وعندما كان في المانيا يبحث عن أصله ذهب لمشاهدة فلم سينمائي عنوانه “يوربا يوربا” والفلم يحكي قصة يهودي يخفي هويته وينضم إلى الجيش النازي ويسلم من القتل وبعد انتهاء الفلم التفت ِرغ إلى شخص مسن كان يجلس إلى جانبه وسأله عن بعض ماورد في الفلم . ومن الصدف النادرة أن الرجل المسن أخبره أنه هو نفسه كان قد زور وثائقه واخفى أصله لينضم الى الجيش النازي عام 1938 وحارب معه في فرنسا وبولندا وعلى الجبهة الروسية.وبعد انتهاء الحرب قبض عليه الروس واخذوه إلى أحد معسكرات العمل في سيبريا وظل هناك لخمس سنوات وبعد أن أطلق سراحه عام 1950 رجع إلى المانيا. ودفعه فضوله للحصول على معلومات أكثر حول اليهود الذين خدموا في الجيش النازي فالتقى الرجل المسن مرة أخرى وحصل منه على بعض التفصيلات الإضافية حول الموضوع .ثم أخذه البحث إلى إسرائيل ودراسة اليهودية وتاريخ المحرقة النازية(الهلوكوست) ثم سافر إلى تركيا والسويد وإيطاليا بحثا عن تفاصيل أخرى.وجمع خلال بحثه ثلاثين ألف وثيقة لم يعرف الباحثون شيئا عن الكثير منها من قبل. وعثر في حينهاعلى أسماء ألف ومئتي يهودي على الأقل خدموا في الجيش النازي وقابل 400 من هؤلاء أو أقربائهم. وتبين له أن آلافا من اليهود أو من أصل خليط يهودي وغيره خدموا في الجيش النازي.

وكان مما عثر عليه قائمة وضعها الجيش النازي تضم سبعة وسبعين ضابطا كبيرا من أصل يهودي أوخليط وكان من بين الضباط خمسة عشر جنرالا وثلاثة وعشرون عقيدا. وكان الجيش النازي قد وضع هذه القائمة عام 1944 بناء على طلب هتلر ليتم تسريحهم من الجيش في حال أصبح وجودهم خطرا على الحكم. ويقول ِرغ إن الجيش النازي اعترف بان القائمة غير كاملة وأنه بامكانه هو(رغ) اضافة ستين اسما آخر من الضباط الكبار من أصل يهودي ممن كانوا يعملون في الجيش النازي في القطعات البحرية والجوية والبرية.ومن هؤلاء اثنان برتبة فيلد مارشال و10 جنرالات و14 ضابطاً برتبة عقيد و30برتبة رائد. وهو يقول إن 17 من هؤلاء الضباط منحوا أعلى وسام في الجيش وهو وسام “صليب الفارس”مع أنهم كانوا معروفين بأصلهم اليهودي وماوجده ِرغ يدحض ما ذكره هلموت شمدت المستشار الأسبق لألمانيا(1974-1982) الذي كان ضابطا في القوة الجوية أيام الحكم النازي —وهو من أصل يهودي– عندما قابله ِرغ بأن عدد الضباط اليهود من مثله كان في حدود 15 إلى 20ضابطا في الجيش النازي—وكانت أم شمدت قد أخبرته عن أصله اليهودي عندما كان على وشك الحصول على رتبة عالية في منظمة شباب هتلر حيث أخفى أصله اليهودي وكان أبو شمدت قد ولد لتاجريهودي من علاقة غير شرعية وقد كشف هو نفسه هذا السر عام 1984واعلنه على رؤوس الأشهاد بعد أن سبقه إلى هذا الإعلان جيسكار ديستان الرئيس الأسبق لفرنسا—

وكان من هؤلاء الضباط الكبار الذين خدموا في الجيش النازي الفيلد مارشال إيرهارد ملخ(وملخ تعني ملك بالعبرية) وكانت رتبته أعلى رتبة بين الضباط اليهود. وعلى الرغم من أباه كان يهوديا إلا ان هتلر أصدر قرارا خاصا به عندما كان جنرالا وجاء في القرار أن ملخ يعتبر من أصل آري.وكان ملخ قد ولد عام 1892وأصبح عام 1926 رئيسا للخطوط الجوية الألمانية ومسؤولا عن القوة الجوية الألمانية عام1935.ومنحه هتلر وسام صليب الفارس لدوره في الحملة العسكرية على النروج. وبعد انتهاء الحرب أدين ملخ في محكمة نورنبرغ لجرائم الحرب وحكم عليه بالسجن المؤبد ثم خفض الحكم إلى خمس عشرة سنة ولكن أطلق سراحه عام 1954 وتوفي عام 1972. ومن الضباط الكبار أيضا الأدميرال برنهارد روجي الذي كان مسؤولا كبيرا في القوات البحرية ومنح عدة أوسمة وبعد انتهاء الحرب لم يعتقله الحلفاء لأنه كما ذكِر عامَل أسراهم برحمة وتوفي عام1982.

ومن الضباط الكبار هلموت ويلبرغ الذي كان من أم يهودية ووصل إلى رتبة جنرال طيار وكان مسؤولا عن القطعات الجوية التي ذهبت إلى أسبانيا عام 1936 لمساعدة فرانكو ثم أصبح مسؤولا عن كلية الطيران ومنح ويلبرغ أعلى الأوسمة العسكرية وتوفي عندما تحطمت طائرته عام 1941وقد عثر على وثيقة في ملفه تذكر أن هتلر اعتبره آري منذ عام 1935.ومن هؤلاء أيضا الجنرال هانس زيكرتوت الذي كان أيضا قد منح وساماً.

وكان من هؤلاء العقيد والترهوليندر الذي كانت أمه يهودية أيضا وانضم إلى الجيش عام 1922 ومع أنه كان ضابط المقر في برلين إلا أنه كتب في ملفه عبارة”ليس من الجنس الآري” إلا أنه بقي يخدم في الجيش مع الضباط الألمان وارسل إلى الصين في بعض المهمات ومنحه هتلر ميداليتين للخدمة المشرفة إحداهما عام 1936 والأخرى عام 1939 بعد أن راجع ملفه ورأى بعض صوره. وقد أصبح آمراً لكتيبة رماة القنابل في بولندا كما أنه حارب على الجبهة الروسية حيث منح وسام الصليب الحديدي لتدميره 21 دبابة في معركة كورسك وكان الروس قد أسروه وسجنوه لفترة 12 سنة.ووجد كذلك اسم العقيد الركن ارنست بلوخ ضمن قائمة ال77 اسما وهو ابن الطبيب اليهودي اوسكمار بلوخ.وتبين من الوثائق التي عثر عليها أن هذا الضابط كان هو الذي ساعد الزعيم الروحي للحسيديم اللوبافتش جوزيف شنيرسون عندما كان محاصرا مع عائلته وبعض أتباعه في أحد أحياء وارشو عام1939.ويذكر الحسيديم اللوبافتش ان عسكريا المانيا كان قد ساعد زعيمهم في محنته.وهم يذكرون هذه الحادثة على انها كرامة من كرامات زعيمهم حين قام عسكري الماني بمساعدة حاخام يهودي على الهرب ولم يكن الباحثون اليهود في تاريخ اليهود الحسيديم ليأخذوا ما جاء في أدبيات الحسيديم مأخذ الجد إذ حتى اسم العسكري لم يكن مذكورا. إضافة إلى ما كان معروفا أن وزارة الخارجية الأمريكية قد تدخلت مع الحكومة الألمانية آنذاك بضغط من يهود الولايات المتحدة لإنقاذ الحاخام.لكن الوثائق التي اكتشفت تبين أن هذا الضايط كان له دور مهم في تهريب هذا الحاخام إلى مكان آخرحيث استقر في النهاية في الولايات المتحدة الأمريكية وكان الضابط عندما يسأل عن اصطحابه لليهود—الذين كانت تشي بهم ملابسهم وقبعاتهم وظفائرهم على جانبي الرأس—يقول لهم إن عنده أوامر خاصة بأخذهم إلى برلين.وكان بلوخ قد انضم إلى الجيش الألماني عندما كان في السادسة عشرة من عمره وفي عام 1935 ضمه فلهلم كناريس رئيس الإستخبارات العسكرية إلى قسمه واسند اليه مهمة جمع المعلومات عن القدرة العسكرية لبعض الدول.وعندما تحدث الأدميرال كناريس رئيس الإستخبارات العسكرية مع هتلر عن أصل بلوخ اليهودي وعرض عليه بعض الصور في ملفه العسكري وقع هتلر وثيقة جاء فيها”أنا هتلر زعيم الشعب الألماني أوافق على أن الرائد ارنست بلوخ من أصل الماني ولكن يعاد النظر في وضعه بعد انتهاء الحرب ليتقرر فيما إذا كان لا يزال يستحق رتبته”ثم رقي فيما بعد إلى رتبة عقيد ركن ومنح وسام الصليب الحديدي واوسمة أخرى.واكتشف هملر أصله اليهودي عام 1944 وقدم توصية إلى هتلر بتسريحه من الجيش فسرحه.

وكثيرا ما وجد توقيع هتلر على مثل القرار المذكور اعلاه .

وكان من هؤلاء الضباط روبرت بوكارت الذي وصل إلى رتبة رائد في الجيش النازي وأخرج منه عام1934 لاكتشاف يهوديته ولكنه أرجع اليه في السنة نفسها بناء على أمر من هتلر وقد ارسل إلى الصين لمساعدة جيش تشن كاي شك.وفي عام 1941 أرسل إلى الجبهة الروسية وكان قائد كتبية دبابات ومنح في هذه السنة وسام صليب الفارس على ماقام في هذه الجبهة ثم نقل إلى شمال أفريقيا ليلتحق بجيوش رومل .وبعد معركة العلمين القي القبض عليه من قبل الحلفاء والحق بأبيه اليهودي الذي كان قد هرب من المانيا.وفي عام 1946 رجع إلى المانيا. وقبل وفاته عام 1983 أخبر طلاب مدرسة في المانيا بأن اليهود الذين حاربوا في الجيش كانوا يحاربون من أجل بلدهم.

ومن هؤلاء الذي قابلهم براين ِرغ عسكري باسم ادغار جيكبسون (اسم مستعار) وهو طلب من ِرغ أن يخفي اسمه الحقيقي وكان قد وصل إلى رتبة رائد في الجيش وعمل مع الجيش النازي في فرنسا في قسم الدعاية ومنح وسام الصليب الحديدي من الدرجة ألأولى.

وكان من الأحياء الذين قابلهم ِرغ جوزيف هامبرغر(اسم مستعار) الذي كان يتجاوز عمره الثمانين في حينها ويقول بانه يهودي كامل بالتعريف النازي ورحل من شمال المانيا إلى جنوبها وغير اسمه واخفى يهوديته ودخل مدرسة الضباط وتزوج من امرأة يهودية من بلدته وخدم في الجيش ست سنوات ووصل إلى رتبة نقيب.وظل في الجيش ولم يعرف أحد عن يهوديته شيئا وقتل بعض أقربائه على يد النازيين.

وذكِر عن بعض هؤلاء الضباط أنهم كانوا يتجرأون على زيارة أقربائهم في معسكرات الأعتقال النازية.وذهب أحدهم لزيارة ابيه مرة وعندما اعترضه أحد الحراس وأخبره الضابط عن سبب الزيارة قال له الحارس إنه لولم يكن يحمل وساما عسكريا لأرسله إلى حيث يوجد أبوه.كما أن بعض هؤلاء قد خدموا في فرق الأس ألأس الخاصة.

ومن القصص التي تذكر في هذا الصدد أن الصحف النازية نشرت عام1939 صورة لجندي يعتبر يهوديا طبقا للتصنيف النازي اسمه وارنرغولدبرغ وكتب تحتها”الجندي الألماني المثالي” ولكنه طرد من الجيش عام1940 بعد أن اكتشف أصله.وقد ظهر هذا الجندي على شاشة التلفزيون قبل بضع سنين وتحدث عن قصته.

ويقول ِرغ بينما كان هؤلاء يخدمون في الجيش النازي كان أقرباؤهم يقتلون في معسكرات اعتقال النازيين ويقول إنه وثق مايقرب من2300 من أسماء هؤلاء الضحايا من أقرباء ألف عسكري يهودي.ويخلص ِرغ في دراسته التي نشرها في كتاب بعنوان “جنود هتلر اليهود” إلى وجود عدد هائل من هؤلاء العسكريين أوصلهم إلى أكثر من مائة ألف ممن اعتبرهم الحكم النازي يهوداً.كما عثر الباحث على صورة كثيرة لبعض هؤلاء.بينما يرى آخرون بأن العدد قد يصل إلى150ألفاً.

ويقول الدكتورجونثان شتاينبرغ الذي أشرف على بحث ِرغ في جامعة كمبرج إن الباحث كشف عن حقيقة خافية وغير معروفة من قبل وهو فصل لايصدق من عمل البشر قام به أناس من أعلى الرتب العسكرية وإن هذا الفصل الجديد سيجعل النازية أكثر تعقيدا حيث أدخل هذا الفصل عنصرا جديدا في النقاش حول دور هتلر في المحرقة. بينما قال أحد الكتاب بأن هذا الكشف لابد وأن يحدث رد فعل عميق ويثير استغراب المؤرخين للفترة النازية.وسيبدو هذا الكشف مرعبا لجيل ما بعد الحرب الذي نشأ على أن النازية كانت تريد التخلص من اليهود في أوربا على شكل مذابح واذا كان بعض البولنديين والفرنسيين خدموا في الجيش النازي فان ذلك كان حين كانت الدولتان تحت سيطرة المانيا لكن الباحث كشف بالوثائق عن اشخاص يهود خدموا في الجيش النازي اختيارا بل إنهم بذلوا جهدا كبيرا ليبقوا فيه حتى عندما حقق معهم عن أصلهم وان البعض منهم وصل إلى مراتب عليا في الجيش وحصلوا على أوسمة رفيعة كوسام صليب الفارس.

ويقول إن هؤلاء كانوا يخدمون في جيش هتلر وفي الوقت نفسه أغمضوا عيونهم عما كان يقوم به من قتل لأبناء جلدهم في المانيا وغيرها من الدول. وأخذ الباحثون يخوضون في الأسباب التي دعت هؤلاء للقيام بما قاموا فبعضهم أدانهم وآخرون أعطوا تبريرات لعملهم. ومهما تكن وجهة نظر الباحثين حول ماقام به هؤلاء فإن الكشف عن هذا الحدث التاريخي هو كشف مهم بامتيازوهويضاف إلى كشف آخر حدث أيضا في الحرب العالمية الثانية وهوتعاون بعض المسؤولين الصهيونيين مع النازيين أثناء الحرب المذكورة والذي وثقه الكاتب اليهودي “لني برنر” في كتابه”إحدى وخمسون وثيقة عن تعاون الصهيونيين مع النازيين”(بالإنجليزية) المنشور عام2002.

*نشر أصل هذه المقالة في صحيفة الحياة7-4-1997

يعتبر الحاخام عوبادياه يوسف الذي ولد في البصرة عام 1920 من أشهر علماء اليهود

Dr. Jaafar Hadi Hassan “The Law of Return” and the displacement of unrecognized Jews to Israel

من المعروف أن الغالبية العظمى من سكان إسرائيل اليهود هم من المهاجرين الذين هاجروا إليها بعد نشوئها وقد انيط تهجير هؤلاء بمؤسسة الوكالة اليهودية التي كانت ومازالت اليوم ذراعا مهما ورئيسا للحركة الصهيونية وكان بن غوريون رئيسها لفترة قبل إنشاء الدولة. ولهذه الوكالة عدد كبير من المندوبين يسمون شليحيم(رُسُل) ترسلهم هذه المؤسسة إلى أقطار العالم حيث يوجد من يمكن تهجيره.
كما أسندت الدولةالتأكد من يهودية الشخص وفيما إذا كانت كوشر(صحيحة) إلى مؤسسة كبيرة أخرى هي رئاسة الحاخامية وهي أيضا كانت قد أنشئت قبل ظهورالدولة. ورئاسة الحاخامية اليوم يرأسها حاخامان كبيران أحدهما أشكنازي والآخر سفاردي وكل من يعمل في هذه المؤسسة ويديرها هم من اليهود الأرثودكس.

ومن أجل تحقيق الأهداف الإستراتيجية للصهيونية فإن الوكالة اليهودية تعمل على جلب أكبر عدد ممكن من المهاجرين لذلك فهي لاتدقق كثيرا في حقيقة يهودية من تهجرأو في الوثائق التي يحملها الرجل أوالمرأة. ولابد من الإشارة هنا بأن الوكالة تقوم باقناع بعض الذين تهجرهم بأنهم من بقايا مايسمى بالقبائل العشر الضائعة وهي فكرة رسخت في مخيلة اليهود منذ أن قضى الآشوريون على مملكة السامرة(مملكة الشمال) وهجروا سكانها من هذه القبائل وشتتتوهم خارج فلسطين في القرن الثامن قبل الميلاد.وآخر من هجرتهم الوكالة على أساس من هذه الفكرة مجموعة من قبائل تسكن على الحدود الهندية البورمية(مينمار) واسمتهم “بني منسه” في شهر تشرين الثاني من هذا العام(2006).

كما أن هذه الفكرة أيضا لعبت دورا في تهجير الفلاشا الذين سنذكرهم فيما بعد. وقد تبين لرئاسة الحاخامية خلال العقود الماضية أن الكثير من هؤلاءهم ليسوا يهودا أو مشكوكا في يهوديتهم أوممن لاتعترف بهم رئاسة الحاخامية .وهناك اليوم مئات الآلاف منهم وعددهم يزداد بتقدم الزمن.

وأصبحت قضية هؤلاء بسبب كثرتهم قضية قومية يدورحولها الجدل والنقاش بين فترة وأخرى وأخذت تعرف بقضية “من هو اليهودي”. ولأن رئاسة الحاخامية لاتعترف بهؤلاء(إضافة إلى سيطرتها على قضايا قوانين الأحوال المدنية كالزواج والطلاق وغيرهما) فقد أصبح ذلك أحد ألأسباب الرئيسة للتوترالذي يسود اليوم في إسرائيل بين العلمانيين واليهود الأرثودكس حتى أن حزبا سياسيا “حزب شينوي”(التغيير) كان قد انشئ قبل سنوات على أساس رفض سيطرة رئاسة الحاخامية على هذه الأمور. ولكن لأهمية الأحزاب ألأرثودكسية ومشاركتها الدائمة والفعالة في الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة لا يتمكن العلمانيون من تغييرالوضع الحالي.

وكان من أوائل المجموعات التي هجرتها الوكالة اليهودية ولم تعترف بهم رئاسة الحاخامية فرقة اليهود القرائين. وهؤلاء لايعترفون إلا بقدسية الكتب الخمسة الأولى من التوراة دون البقية منها من الكتوبيم (المكتوبات) والنبيئيم (الأنبياء).ولا يعترفون كذلك بقدسية التلمود ولا بكونه مصدرا ثانيا للشريعة اليهودية. وهم أيضا يعترفون بيهودية اليهودي حتى لو ولد من أب.(بينما يؤكد اليهود الأرثودكس على ضرورة يهودية الأم). وهناك اختلافات أخرى تتعلق بالصلاة والطلاق وغيرهما. ولذلك ومنذ ظهورهم قبل ألف سنة في العراق لم تعترف بهم اليهودية الرسمية وحاربتهم وأفتت فتاوى ضدهم وحرمت التعامل معهم والزواج منهم والسكن بينهم، واعتبرتهم خارجين عن اليهودية .ومنذ وصولهم حاول هؤلاء بشتى الطرق أن يحصلوا على الإعتراف بهم ولكن دون جدوى إذ أصرت المؤسسة الدينية على عدم الإعتراف بهم.2وهم مازالوا كذلك حيث يعتبرون مجموعة مستقلة مثلهم مثل المجموعات الأخرى المستقلة من غير اليهود كالدروز والبهائيين وغيرهم.وسمحت لهم الحكومة أن تكون لهم مؤسساتهم ومحاكمهم الدينية الخاصة بهم وكنسهم. وهم يصدرون وثائقهم الدينية لأتباعهم ويدفنون موتاهم في مقابرهم. وتؤكد رئاسة الحاخامية على حرمة الزواج منهم بين فترة وأخرى. فعندما سئل رئيس الحاخامين السفارديم الأسبق الحاخام نسيم عن إمكانية الزواج من القرائين كان جوابه إن ذلك غير ممكن إلا إذا تحول القراؤون إلى يهود أرثودكس.كما قال رئيس الحاخامين الأشكنازيم الأسبق الحاخام الترمان إن علماءنا قد لعنوا أي شخص يرفع الحظر والمنع عن الزواج من القرائين ولذلك فإنه من غير الممكن رفع هذا الحظر3.

ولما كانت القضايا المدنية والشخصية مرتبطة برئاسة الحاخامية فإن القرائين يعانون مشاكل كثيرة نتيجة لذلك فهم لايمكنهم أن يحصلوا على وثائق طلاق أو زواج من رئاسة الحاخامية ولا يمكنهم أن يدفنوا موتاهم في مقابراليهود أو يسمح لهم أن يكونوا أعضاء في المجالس البلدية.وبسبب ذلك أصبحت لهم مؤسستهم الدينية التي تشرف على القضايا التي ذكرناها وكذك قضايا الكشر(الحلال والطاهر من الطعام وغيره).وتعتبرهم اليوم رئاسة الحاخامية اليوم فرقة منفصلة وكذلك وهم أيضا يعاملون من قبل الدولة كذلك مثلهم مثل الطوائف غير اليهودية كالدروز والمسيحيين والمسلمين والبهائيين.وهم يعتبرون معاملة الدولة خيانة لهم وأنها تعاملهم سكانا من الدرجة الثانية.

ومن اليهود غير المعترف بهم في إسرائيل اليهود الذين يطلقون على أنفسهم التقدميون وهم أساسا اليهود الإصلاحيون واليهود المحافظون(المسورتي). وآخرون. واليهود الإصلاحيون كانوا قد ظهروا في بداية القرن التاسع عشر في ألمانيا. وكانت فرقة اليهود المحافظين قد انشقت عن الاصلاحيين وظهرت في ألمانيا أيضا.

وهؤلاء يختلفون مع اليهود الأرثودكس في مسائل أساسية مثل عدم اعتقادهم بعصمة التوراة من الخطأ إذ يرون بأن التوراة كتبها بشر على مراحل والبشر معرضون للخطأ.وهم ايضا لايعتقدون بقدسية التلمود ولكنهم يقبلون بعضه.واليهود المحافظون خاصة يعتبرون الوحي مستمرا وأن الشريعة في تطور مستمر.وعندهم وعند الإصلاحيين لجان تقوم بتشريع الأحكام الجديدة كلما اقتضى الأمر ذلك.كما أن المحافظين والإصلاحيين يجيزون للمرأة أن تكون حاخامة تقوم بما يقوم به الحاخام من واجبات من إمامة الصلاة وإلقاء العظة والزواج والإشراف على طقوس المناسبات الدينية إلى غير ذلك من أمور.وعند الإصلاحيين والمحافظين اليوم عشرات النساء الحاخامات وهو شيئ يحرمه اليهود الأرثودوكس.وماتقوم به هؤلاء الحاخامات من عقود زواج يعتبر باطلا وغير نافذ بل حتى ما يقوم به حاخاموا هاتين الفرقتين يعتبر باطلا .والكثير من الإصلاحيين يعتبرون الشخص يهوديا من الاب إضافة إلى كونه كذلك من الام وليس من الأم فقط.كما أنهم يجيزون الزواج المختلط(بين اليهود وغير اليهود).وهم لايمانعون أن يكون المثلي حاخاما والمثلية حاخامة مع أن ذلك محرم بنص التوراة حيث جاء في سفر الأحبار18-22″والذكر لاتضاجعه مضاجعة النساء

إنها جريمة”. كل هذه القضايا جعلت هؤلاء خارجين عن اليهودية في نظررئاسة الحاخامية واليهود الأرثودكس بصورة عامة. وفي السنين الأولى من إنشاء إسرائيل إشتكى هؤلاء من عدم الإعتراف بهم من قبل رئاسة الحاخامية إلى بن غوريون وغولدا مئير فقال لهما هذان إن عليهم أن يهاجروا إلى إسرائيل بأعداد كبيرة حتى يصبحوا قوة ليعترف بهم.4 ( وهذا يؤكد أن المؤسسين للدولة والقائمين عليها لايهمهم فيما إذا كان المهاجر يهوديا معترفا بيهوديته أو لا). وتصدر رئاسة الحاخامية بيانات ضد هؤلاء بين فترة وأخرى. وقد جاء في أحد هذه البيانات عن الإصلاحيين “إن الإصلاحيين فرقة دينية منفصلة في إسرائيل وهي دين مختلف في كل جانب من جوانبها… لأنها لاتؤمن بالتوراة وتجيز الزواج المختلط” كما أن رئيس الحاخمين السفارديم الأسبق إسحق نسيم كان قد قال”إن الإصلاح ليس دينا”.وتحذر رئاسة الحاخامية اليهود من الصلاة في كنس هؤلاء بين فترة وأخرى.وقد جاء في أحد بياناتها في عام1982م”إنه تحرم الصلاة حرمة مطلقة في كنس الإصلاحيين والمحافظين وكل من يصلي في مثل هذه الكنس فإنه لايؤدي واجبات التوراة والصلاة”5 وقد نشر في عام(2004) إعلان في الصحف الأرثودكسية وقعه كبار الحاخامين الأرثودكس مثل الحاخام شالوم يوسف الياشيف والحاخام عوفاديا يوسف المرشد الروحي لحزب “شاس” جاء فيه عن الإصلاحيين والمحافظين “إنهم يدمرون الديانة اليهودية ويحاولون حرق الأرض المقدسة…وأنه لن يتم الإعتراف بهم طبقا للتوراة. كما يمنع منعا باتا التفاوض مع هؤلاء المخربين الذين يزيفون التوراة”.ويتهمهم هؤلاء بتشجيع الإندماج في المجتمع غيراليهودي. وكما ذكرت فإن رئاسة الحاخامية لا تعترف بعقود الزواج التي يبرمها هؤلاء. وعلى الرغم من عدم الإعتراف بهؤلاء ورغم الفتاوى ضدهم فإن أعدادهم تزداد في إسرائيل ولهم نشاط واسع ومؤسسات وكنس كثيرة كما أن الدولة تعترف بهم وتمنحهم الجنسية على أنهم مواطنون يتمتعون بالمواطنة الكاملة . كما صدرت قرارات عن المحكمة العليا في إسرائيل بالسماح لهم أن يكونوا أعضاء في المجالس البلدية على الرغم من عدم موافقة رئاسة الحاخامية. ومع أن هؤلاء غير معترف بهم فإن آخرين مثل المهاجرين الروس يلجأون إليهم للتحول الى اليهودية على يديهم والحصول على وثيقة بذلك منهم.والمحافظون والإصلاحيزن نشيطون جدا في الحركة الصهيونية ولكل واحدة من المجموعتين منظمة خاصة بهاتعمل بنشاط على تحقيق أهداف الصهيونية مثل المساعدة في تمويل المهاجرين وتوطينهم.كما ان لهما مستوطنات خاصة بهما.ويحاول هؤلاء اليوم مع الحكومة في إسرائيل أن تكون لهم رئاسة حاخامية خاصة بهم ولكن الضغط الذي تمارسه رئاسة الحاخامية في الدولة ووجود الأحزاب الأرثودوكسية يمنعان تحقيق ذلك على ألأقل المستقبل القريب. ولكن هناك إحتمال كبير في أن يتحقق ذلك في المستقبل البعيد لأن أعداد الإصلاحيين والمحافظين تزداد في إسرائيل بسبب الزيادة الطبيعية والهجرة المستمرة.كما أن المنتمين إلى هاتين الفرقتين في الولايات المتحدة الأمريكية يصل عددهم إلى ثلاثة ملايين ولهم تأثير على إسرائيل بسبب مساعداتهم المالية الكبيرة وتأثيرهم على السياسة الأمريكية لصالحها.

ومن الفرق التي لاتعترف بها رئاسة الحاخامية فرقة تسمى إعادة بناء اليهودية.وهي فرقة حديثة أنشأها حاخام معروف إسمه مردخاي قبلان(ت1980)في النصف الأول من القرن العشرين في الولايات المتحدة الأمريكية.وهي أول فرقة يهودية تنشأ في هذاالبلد.وقد وضع أفكاره في كتاب مهم أسمهJudaism as Civilisation

ويرى الحاخام مردخاي بأن اليهودية ليست دينا فقط وإنما هي “حضارة دينية متطورة” شاركت في تكوينها وإنتاجها عدة روافد وعناصر منها الأدب والتراث الشعبي والفن والتقاليد وغيرها والدين واحد منها.وكل هذه كما يقول تتطور ولذلك فهو يعتقد بأن الشريعة دائما يجب أن تتطور لتلبي حاجات العصر. وهو لا يرى بأن التوراة قد أوحي بها أو أنها معصومة من الخطأ لأنها كتبت من قبل كتاب مختلفين وفي عصور مختلفة ولأن الذين كتبوا الشريعة هم بشر كما يقول.كما أن هناك أحكاما في اليهودية مرت عليها قرون وهي تتصف بالجمود والتحجر ويجب على اليهود أن يتخلصوا منها وهو شيئ ضروري لبقائهم كما يقول .وهذه الفرقة الفت كتب صلوات مختلفة عن كتب الصلوات عند اليهود الأخرين. فقد حذفوا منها أشياء وأضافوا أشياء أخرى فقد حذفوا منه موضوع نزول التوراة على جبل سيناء كما حذفوا الصلاة التي تشير الى شخص المسيح المخلص وحذفوا الصلاة التي تشير الى الاضاحي . وكذلك حذفوا العبارات التي تشير الى قضايا الثواب والعقاب وكذلك العبارات التي تشير الى أن اليهود هم الشعب المختاروالذي تؤكد عليه أكثر كتب الصلاة اليهودية و يرى مؤسس الفرقة بأن هذه الفكرة هي فكرة عنصرية.

لا تتفق وروح العصر وهي افتتان بالنفس ومؤذية لاصحابها وتعني أيضا أنه شيئ يرثه الشخص.كما أنها تبرر تفوق عنصر معين وتبرر عدم مساواة الخلق وهذا شيئ غير ديمقراطي وغير أخلاقي كما يقول.وهو يرى بأن كل شعب له دور في التاريخ واليهود هم مثل الاخرين ولا يتميزون عنهم.وهويرفض رأي اليهود الآخرين الذين يقولون بان ترك الاعتقاد بفكرة الاختيار يجعل اليهود يفقدون الارادة في الحياة .وهذه الفرقة مثل بقية الفرق الأخرى تعترف بيهودية الشخص الذي يولد من أب يهودي إلى جانب من ولد من أم يهودية.6

وهي أيضا كالفرقتين السابقتين غير معترف بها من قبل المؤسسة الدينية في إسرائيل . ولكن لها فيها نشاط واسع ولها فيها كنس ومؤسسات ثقافية وإجتماعية.ولأن هذه الفرقة قد نشأت في الولايات المتحدة الأمريكية فإن أكثر المنتمين اليها يوجدون في هذا البلد وهم لا يتجاوزون عشرات الألاف ولكنهم مستمرون بالهجرة إلى إسرائيل. واليهود الأرثودكس في الولايات المتحدة الأمريكية لا يعترفون بيهودية هذه الفرقة أيضاوأصدروا فتاوى متكررة بذلك.أما موقف هذه الفرقة من إسرئيل فإن مؤسس الفرقة يؤمن بالصهيونية ولكنها ليست الصهيونية السياسية التي يقول عنها بانها تعتبر الدولة غاية في حد ذاتها وأنها تهمل الجاليات اليهودية بل ترفضها.بل هو يؤمن بما يسمى بالصهيونية الروحية او الثقافية .ويعتقد بأن قبلان كان قد تأثر بهذه الفكرة بالمفكر اليهودي إحد هاعام(ت 1927) .وهو قد طالب بأن تكون هناك علاقة قوية ووثيقة بين يهود إسرائيل والجماعات اليهودية خارجها وقال بأن كلا منهما لايستغني عن الأخر.وقد وصف هذه العلاقة بين الإثنين بقوله(إن إسرائيل بدون يهود الشتات هي جسد بلا روح وان يهود الشتات بدون اسرائيل مثل روح بدون جسد). كما ركز على تدريس اللغة العبرية والأدب العبري.

.ومن هذه الجماعات التي لم تعترف بها رئاسة الحاخامية في إسرائيل يهود أثيوبيا(الفلاشا).ويعني جذر هذه الكلمة باللغة الجعزية التي هي إحدى اللغات الأثيوبية “المهاجر,المنفي” ولذلك هم لايحبون هذا الإسم ويطلقون على أنفسهم “بيتا يسرائيل”(بيت إسرائيل) ولكن أسم الفلاشا هو الغالب عليهم خاصة في إسرائيل. وكان هؤلاء قد جلبتهم إسرائيل من أثيوبيا في عمليتين مشهورتين في الثمانينات وبداية التسعينات من القرن الماضي. ومنذ وصولهم إلى إسرائيل شككت رئاسة الحاخامية بيهوديتهم.وشككت في صحة طلاقهم وزواجهم.وبسبب ذلك طلبت رئاسة الحاخامية منهم أن يتحولوا إلى اليهودية الأرثودكسية حتى يعترف بهم يهودا. كما طلبوا من الرجال أن يختتنوا مع أنهم مختونون وكان التبرير لذلك أن ختانهم غير شرعي.وطالبتهم كذلك بأداء بعض الطقوس الأخرى واضطر بعضهم للتحول إلى اليهودية الأرثودوكسية.والكثير منهم لم يوافقوا على ذلك واعتبروا ذلك إهانة وإحتقارا لهم .لأنهم يعتبرون أنفسهم يهودا منذ القدم بل وأصح يهودية من كثير من اليهود الأخرين. وتعبيرا عن عدم رضاهم قاموا باحتجاجات ومظاهرات واعتصموا أمام مكتب رئيس رئيس الوزراء ومقر رئاسة الحاخامية لأيام. بل إن البعض منهم عبر عن احتجاجه بالإنتحار.وبسبب المشاكل التي يلاقونها من قبل رئاسة الحاخامية والتشكيك في يهوديتهم انضم الكثير منهم الى فرقة اليهودية الإصلاحية و فرقة اليهودية المحافظة وتخرج بعضهم حاخامين من مؤسساتهما على الرغم من أن هاتين الفرقتين غير معترف بهما من قبل المؤسسة الدينية في إسرائيل كما ذكرنا سابقا. ويعود السبب في ذلك كما أعتقد إلى سهولة التحول إلى اليهودية عند هاتين الفرقتين.ويشكو الفلاشا من معاملة الإسرائيليين لهم والتي يعتبرونها معاملة تتسم بالعنصرية حيث يطلقون على الواحد منهم”كوشي” وهي كلمة عبرية تعني”أسود” تحقيرا لهم. واحتج الكثير من الاسرائيليين وتظاهروا على سكن هؤلاء بينهم. كما أنهم يلقون معاملة مهينة في الجيش وكان ذلك سببا في انتحار بعضهم.وهم كذلك يشكون من معاملة الدولة لهم والتفريق ضدهم في السكن والتربية. وربما بسبب هذا أخذ البعض من شبابهم يبحث عن هويته في الثقافة الافريقية او الكاريبية بدل الإسرائيلية.وكانوا قد قاموا بمظاهرات ضخمة في التسعينات من القرن الماضي بعد ان علموا أن وزارة الصحة تتخلص من الدم الذي يتبرعون به للشك في أنه يحمل فيروس الأيدز. ولم يوقفوا المظاهرات إلا بعد أن أخذوا وعدا بتشكيل لجنة للتحقيق في الموضوع.ولأن اللجنة تلكات فقد تظاهروا مرة أخرى هذه السنة(2006).وربما يصل عدد هؤلاء اليوم إلى أكثر من ثمانين الفا.

وتنقل إسرائيل منذ أكثر من سنة مجموعة أخرى من هؤلاء يسمون “فلاشا مورا” وهؤلاء هم مسيحيون أثيوبيون يدعون أن أصلهم يهودي وإن المبشرين قد حولوا أجدادهم إلى مسيحيين.ويبلغ عدد هؤلاء حوالي خمسة عشر الفا بل أكثر من ذلك وتنقلهم إسرائيل تدريجيا على دفعات شهرية منذ بضع سنين ومازال نقلهم مستمرا إلى اليوم.ويساعد في ترحيلهم إضافة إلى الوكالة اليهودية منظمات أمريكية يهودية ومنظمات مسيحية صهيونية.ويقول المسؤولون في إسرائيل إن هؤلاء لا يهجرون على أساس قانون العودة ولكن طبقا لقانون الدخول إلى إسرائيل.وقد خصصت إسرائيل لكثيرمنهم أماكن في النقب خاصة بهم تطبيقا للخطة التي وضعتها إسرائيل لتهويد النقب.

ومن الجماعات اليهودية غير المعترف بها من قبل رئاسة الحاخامية فرقة

اليهوداليسوعيون”وهي تسمية افضلها علىMessianic Jews تسمى بالإنجليزية تسمية”اليهود المسيحانيون” التي هي الترجمة الحرفية للعبارة الإنجليزية المذكورة. لأن اليهود الأرثودكس أيضا مسيحانيون إذ أنهم يؤمنون بمسيح مخلص ولكنه مسيح يهودي كما هو معروف بينما يؤمن اليسوعيون مع كونهم يهودا بالمسيح عيسى (يسوع) الذي ينتظرون ظهوره الثاني فهم يهود وهم يسوعيون.وبسبب إيمانهم بالمسيح عيسى فإنهم في رأي الأرثودكس خارجون عن اليهودية مهما كانت ممارستهم الدينية للشريعة اليهودية.

ويقول اليهود اليسوعيون أن فرقتهم ليست جديدة بل هي ترجع في أصولها إلى تلامذة المسيح عيسى أنفسهم حيث كان هؤلاء يهودا يمارسون الشريعة اليهودية وفي الوقت نفسه كانوا مؤمنين برسالة عيسى.ولم ينقطع إستمرار وجود هذه الفرقة منذ ذلك الوقت.ولكنها لم تكن نشطة في القرون السابقة وأخذت تنشط منذ بداية القرن العشرين.ويعد أفراد هذه الفرقة اليوم بمئات الألاف وهم منتشرون في كثير من بلدان العالم ولكن الغالبية العظمى منهم يوجدون في الولايات المتحدة الأمريكية. وتبلغ أعدادهم في إسرائيل عدة آلاف لهم كنسهم ومؤسساتهم الثقافية والإجتماعية. وقد كانت نشاطاتهم في السابق في إسرائيل شبه سرية خوفا من رئاسة الحاخامية واليهود الأرثودكس بصورة عامة. لأن هؤلاء يرون بأن اليهود اليسوعيين هم أقرب إلى المسيحية منهم إلى اليهودية وإن مايقومون به في إسرائيل إنما هو تبشير بالمسيحية.لذلك فهم يلاحقونهم ويتعقبون نشاطاتهم ويتقفون آثارهم من خلال منظماتهم التي اسست من أجل الدفاع عن اليهودية الأرثودكسية ومحاربة النشاطات التبشيرية.

وأقدم هذه المنظمات الأرثودكسية وأكثرها نشاطا منظمة”يد لأحيم”(مساعدة الأخوة).ومع كل هذه الملاحقة فإن أعدادهم قد ازدادت في السنين الأخيرة وكذلك نشاطهم.ولابد أن نذكر هنا بان هؤلاء على الرغم من عدم اعتراف رئاسة الحاخامية بهم فإنهم صهيونيون متشددون حيث أنهم يجعلون الهجرة الى إسرائيل والسكن فيها فريضة واجبة لا يجوز التهاون بها أو التخلف عنها. ولذلك فإن أعدادهم ستزداد في المستقبل.8

ومن الفرق التي لاتعترف بها المؤسسة الدينية فرقة من الأمريكيين السود الذين يسمون أنفسهم “العبرانيون الإسرائيليون”.وهذه الفرقة هي فرقة حديثة أنشئت في النصف الثاني من القرن العشرين.وزعيمها وأحد مؤسسيها هو بن عامي الذي وصل مع عدد من أتباعه إلى إسرائيل في نهاية الستينات.وعند وصولهم طلبوا السماح لهم بالدخول الى إسرائيل طبقا لقانون العودة. و سمحت لهم السلطات بالدخول والبقاء موقتا.وقدموا طلبا لرئاسة الحاخامية للإعتراف بهم ولكن رئاسة الحاخامية رفضت ذلك وطلبت منهم أن يؤدوا شعائر التهود طبقا للطريقةالأرثودكسية كي يحصلوا بعد ذلك على الجنسية الإسرائيلية ولكنهم رفضوا ذلك واعتبروه شيئا مهينا لهم وتشكيكا بيهوديتهم.وظلوا على اعتقادهم الذي يختلفون به عن اعتقاد الأرثودكس.فهم يعتقدون فقط بالكتب الخمسة الأولى من العهد القديم ككتب منزلة كذلك هم لايعترفون بالتلمودالذي هو المصدر الثاني للشريعة اليهودية كما ذكرنا.

ويختلفون عن اليهود الأرثودكس في أنهم يقدسون عيسى بن مريم كنبي وهم يستشهدون باقواله كثيرا.كما أنهم لايحتفلون ببعض الأعياد المهمة مثل الفصح ويعتبرونه حدثا تاريخيا قد مضى ولا ضرورة للاحتفال به.كما انهم لايمارسون بعض الشعائر اليهودية المعروفة.وهم ينظرون إلى زعيمهم بن عامي ليس زعيما فقط ولكنه نبي أيضا.وهم يعتقدون بان إبراهيم واسحق ويعقوب كانوا من الجنس الأسود وكذلك اليهود الأوائل.وهؤلاء وإن كانوا يتمتعون بالإقامة الدائمية فقط إلا انهم كما اظن سيمنحون الجنسية في وقت ما في المستقبل حيث اعلن ان الحكومة ستخصص لهم مستوطنات خاصة بهم.9

ومن الفرق غير المعترف بها في إسرائيل من قبل رئاسة الحاخامية فرقة Huministic Judaismتسمى اليهودية البشرية

وكانت هذه الفرقة قد أسسها حاخام أمريكي في ستينات القرن الماضي اسمه شيرون وين .والمقصود بالبشرية هنا هو أنها من صنع البشر(اليهود)فهم الذين أوجدوا اليهودية وأبدعوها ولا علاقة لها بوحي منزل أو خالق. ولذلك أسمى كتابه الذي وضع فيه اصول الفرقة وعقائدها “يهودية بدون الله ” وهو يقول بأن اليهود هم الذين صنعوا تاريخهم وليس هناك قوة ميتافيزيقية اثرت في مساره.وتنكر الفرقة بهذا وجود خالق لهذا الكون وينكرون كذلك وجود بعض الشخصيات التاريخية مثل إبراهيم واسحق ويعقوب كما ينكرون ايضا حادثة خروج بني إسرائيل من مصر.وهم لايعتبرون ما جاء في التوراة ملزما بل إن ما فيها من أحكام يجب في رأيهم يجب أن يتطور بتطور الزمن.وهم ينتقدون التوراة نقدا شديدا وقاسيا فهم يقولون بأن التوراة فيها الكثير من الأخطاء والتناقضات وهي مثيرة للتشويش والإرباك للقارئ.

وهم يرون فيها وثيقة رجعية فيها الكثير من الإهانة والإذلال لليهود المعاصرين.

كما انهم يرون فيها وثيقة شوفينية لانها تعتبر اليهود شعبا مختارا ومتميزا عن غيره وله حقوق خاصة به وانه شعب مفضل على غيره وان له فضائل فطرية خاصة به

دون غيره من الشعوب الاخرى.

ولهذه الفرقة اليوم عشرات الالاف من الأتباع وعشرات المراكز في مختلف انحاء العالم وأتباع هذه الفرقة يختلفون في نظرتهم إلى إسرائيل إذ أنهم يعتبرونها دولة ذات شعبين عربي ويهودي. وهم يرون بأن جذور الإسرائيليين هي في الشتات وليس في فلسطين التاريخية كما هي نظرة اليهود الصهاينة.وهم يقولون بان الإسرائيليين يعرفون بان آباءهم واجدادهم هاجروا إليها من خارجها وهم ليسوا سكانا محليين وليس لهم ذكريات سابقة عن هذا البلد الذي هاجروا اليه ولم يكونوا يتكلمون لغته.وإن وجود الإسراءيليين هو انعكاس ليهود الشتات وان التوتر بين الاشكنازيم والسفارديم هو نموذج للتوتر بين الجماعات اليهودية خارج اسرائيل ولذلك فإن إسرائيل لا يمكن أن تكون دولة طبيعية.وهم ينتقدون اسرائيل لانها تلح على الجماعات اليهودية بالهجرة اليها وهم لايريدون ذلك. ولذلك فانها كما يرون لايمكنها ان تتعامل معها بشكل واقعي.10

ومن المجموعات الكبيرة التي هاجرت الى اسرائيل مجموعة اليهود الروس التي هاجرت في نهاية القرن الماضي. ويقصد باليهود الروس ليس فقط الذي هاجروا من روسيا وإنما يطلق هذا الإسم على كل من هاجر من دول الإتحاد السوفياتي السابق وقد تاكد فيما بعد بان عددا كبيرا من هؤلاء هم ليسوا يهودا.وطبقا لما ذكرته رئاسة الحاخامية فإن هناك مايقرب من ثلثمائة الف من هؤلاء هم غير يهود. بل إن بعض الإحصائيات قد ذكرت بأن50/ من هؤلاء هم غير يهود.11 وقد تأكد أيضا بأن عددا كبيرا منهم هم مسيحيون وليس له علاقة باليهودية.والغالبية العظمى من هؤلاء لايهتمون باعتناق اليهودية كما يطلب منهم 12 وبعضهم وجد شروط التحول الى اليهودية الأرثودكسية شروطا صعبة لا تطاق ولا يمكن القبول بها.كما أن البعض الآخر من هؤلاء هم من فرقة “اليهود اليسوعيين” الذين ذكرناهم سابقا. وهذه الفرقة هي فرقة نشطة في روسيا ودول البلطيق.وهؤلاء يرفضون التحول الى اليهودية الأرثوكسية لانهم يعتقدون أن فرقتهم تمثل اليهودية الحقيقية وان فرقتهم هي الناجية. والكثير من المهاجرين الروس لايؤمنون بالشريعة اليهودية ويقولون إنهم يهود في شيئين.أحدهما بالمقارنة مع العرب وثانيهما في بطاقة الهوية.ومنذ هجرة هؤلاء برزت بعض المظاهر التي تخالف الشريعة اليهودية في اسرائيل مثل فتح الدكاكين بكثرة في اسرائيل في يوم السبت وكذلك ازدياد عدد مخازن بيع لحم الخنزير وعدم صيام يوم الكبور الذي يعتبر اقدس يوم عند اليهود.وكل هذه الأمور تثير حفيظة اليهود الأرثودكس وغضبهم.وقد أنشأ المهاجرون الروس عددا من الأحزاب والمنظمات التي تعادي العرب في فلسطين.وأكبر هذه الأحزاب حزب “إسرائيل بعالياه” الذي أسسه شرانسكي في التسعينات من القرن الماضي وقد شارك هذا الحزب في عدد من حكومات الليكود وكان شرانسكي وزيرا ونائبا لرئيس الوزراء في بعضها .ومن سياسة هذا الحزب رفضه للانسحاب من الأراضي المحتلة.ومن هذه الأحزاب حزب “إسرائيل بيتينو” الذي اسسه أفيغدور ليبرمان الذي ينادي بطرد الفلسطينيين من

ديارهم بل إنه يدعو علنا إلى القضاء على كل أعضاء قيادة حماس. ومن منظمات المهاجرين الروس منظمة “الإتحاد السلافي” ومنظمة “إتحاد الإسرائيليين البيض”.وهاتان المنظمتان ليس لكرههما للفلسطينيين حدود، بل إن الأخيرة تدعو إلى قتلهم علنا.وقد نشرت الصحف في العام2004 الكثير من الأخبارعن تمثيل الجنود الروس بجثث الفلسطينيين والإستهانة بها. ومع أن رئاسة الحاخامية في إسرائيل لا تعترف بهذه الفرق إلا أن الدولة تمنحهم الجنسية والمساعدات وتوفر لهم وسائل ألإقامة المريحة ويصبحون مواطنين كاملي المواطنةوهذا يثير الشكوك حول نية الدولة التي تسمح لهؤلاء طبقا لما أسمته قانون العودة الذي شرعته عام 1950 والذي يحق لليهودي طبقا له الحصول على الجنسية بمجرد وصوله إلى إسرائيل. وترفض عودة أهل البلد من اللاجئين الفلسطينيين مع أن قرار الأمم المتحدة رقم194 ينص بوضوح لايقبل التأوييل بضرورة قبول اسرائيل رجوع اللاجئين الفلسطينيين إلى أرضهم.ولأنها لاتسمح إلا لمن تعتبره يهوديا فقد اعتبر”قانون العودة” قانونا عنصريا.

هوامش

1-عن اليهود القرائيين راجع كتابنا”فرقة القرائيين اليهود”

(2. S.Z. Abramov, Perpetual Dilemma pp.282-3. 3. D. Ross, Acts of Faith p.142. 4. W. Frankel, Israel Observed pp.217-8 5. M.A. Meyer, Response to Modernity, A History of the Reform Movement in Judaism p.468. 6. Dan-Cohn-Sherbok, The Future of Judaism pp.135-137

r7عن اليهود الفلاشا راجع:جعفر هادي حس ،صحيفة الحياةفي 9-10-11-12شباط1996.

8-عن اليهود اليسوعيين: راجع جعفر هادي حسن،صحيفة الحياة في 30-7-1997 وما بعده

9. On the history and beliefs of the Hebrew Israelites see M. Launds (Jr)

Israel’s Black Hebrews.10. The main reference on the subject of Secular Humanistic Judaism is “Judaism Beyond God” by Sherwin T Wine (a prominent exponents of this sect).11. the Jerusalem Report 25/12/1997. 12-D. Siegel The Great Immigration , Russian Jews in Israel, p.64

* نشرت هذه الدراسة في مجلة النورعدد 178–2007

منظمة نطوري قارتا اليهودية ونظرتها إلى الصهيونية واسرائيل د. جعفر هادي حسن

كان الغالبية العظمى من اليهود المتدينين من المعارضين للحركة الصهيونية عند ظهورها، وكان من هؤلاء المجموعة التي يطلق عليها اليوم “نطوري قارتا” وهي مجموعة غير سياسية، لأن رفضها للصهيونية وإسرائيل على أساس ديني وليس سياسي، وكانت هذه المجموعة قبل انفصالها واستقلالها ضمن مجموعة أكبر هي “اغودات إسرائيل”، وهي منظمة كبيرة نشأت في بداية القرن العشرين كمعارضة للحركة الصهيونية وعندما انتقلت اغودات اسرائيل الى فلسطين في الربع الأول من القرن العشرين أخذت تدعو الى مجتمع يهودي منفصل عن تأثير الصهيونية، وأنشأت مؤسسات دينية خاصة بها منفصلة عن تلك التي كان يشرف عليها الحاخام ابراهام اسحق كوك (ت 1935) الذي كان مؤيداً للحركة الصهيونية والذي أصبح رئيس حاخامي فلسطين فيما بعد.

وعندما رأت هذه المنظمة معارضة الفلسطينيين الشديدة للاستيطان قررت عقد اتفاق معهم ولكن بعد أن علمت عصابة “الهاغانا” التي كانت تحارب الفلسطينيين اغتالت إبرز زعيم للمنظمة وهو يعقوب اسرائيل دي هان عام 1924 وأجهضت المحاولات فتوقفت المحادثات وهو ما أرادته “الهاغانا”.

وطلبت اغودات اسرائيل من حكومة الانتداب وعصبة الأمم أن يكون لها كيانها المستقل عن اليهود الآخرين الذين نظموا أنفسهم في جمعيات ومجالس ليست بعيدة عن تأثير الحركة الصهيونية وكان لها ما أرادت. ولكن وصول المهاجرين الجدد من بولندا والمانيا وحديثهم عن اضطهاد اليهود اثر على توجه اغودات اسرائيل، فأخذت تميل إلى التعاون مع المؤسسات الصهيونية تدريجياً وعندئذ رفضت مجموعة نطوري قارتا هذا التعاون، فانفصلت عنها واستقلت بنفسها واتخذت الاسم “حبرت حاييم” جمعية حاييم.

ثم بعد فترة قصيرة اتخذت الاسم الحالي وهو اسم ارامي يعني “حراس المدينة”، ويقصد بالمدينة هنا هي مدينة القدس. وهذا الاسم مأخوذ من جملة وردت في التلمود الاورشليمي (الفلسطيني) وهي “ان حراس المدينة (نطوري قارتا) هم ليسوا الجنود لأن هؤلاء هم مدمرّوها بل (الحراس)هم علماء الشريعة وكتاب التوراة”. وأشار النص إلى عبارة (المزمور 127/1) “وإن لم يبنِ الرب البيت فباطلاً يتعب البناؤون، وإن لم يحفظ الرب المدينة فعبثاً يسهر الحارسون”. وبعد انفصال نطوري قارتا اصبح الحاخام عمرام بلاو (ت 1974) زعيمها وهو من مواليد القدس وأخورئيس سابق لأغودات إسرائيل.

وبعد فترة اصدرت نطوري قارتا صحيفة “هاحوماه” (السور) تدافع فيها عن موقفها وتنتقد الحركة الصهيونية وكذلك أخذت تنتقد أغودات اسرائيل ومواقفها، وقد كتبت مرة في أحد أعدادها عنها ما نصه “ان اغودات اسرائيل انشئت لتحارب الكفر (الصهيونية) ولكنها اليوم أصبحت أخطر أعداء اليهود المتدينين”، وأنذرت من يتعاون معها بالمقاطعة، كما سحبت ابناءها من مدارسها.

وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ارسلت وفوداً الى بعض المنظمات الدولية والى الأمم المتحدة التي كانت قد انشئت حديثاً تطالبها في أن تكون القدس تحت اشراف دولي، وأن لا تكون تحت سيطرة الصهيونيين.

وكان الحاخام عمرام بلاو أثناء الحرب العربية – اليهودية يخرج الى الشوارع ويقول لليهود “لا تغرنكم زعامة الوكالة الصهيونية التي ترفض التوراة ولا تسمحوا لأولادكم وبناتكم أن يذبحوا من أجل هذه الدولة الفوضوية. إننا مع السلام ومع العرب وسنلجأ الى الحكومة البريطانية لتخلصنا من هذه المحنة”.

وعندما أعلنت دولة إسرائيل أخذت نطوري قارتا تنظم مظاهرات واحتجاجات وصلوات وصياماً وأرسلوا كذلك مذكرات الى الأمم المتحدة تطالبها برفض الاعتراف وقالوا للبريطانيين عند الإعلان “ارحمونا واسحبوا قرار الاستقلال وازيلوا حكمهم (الصهيونيين) عنا”، كما قالوا “نحن نقول بصراحة بأننا لا نعترف بنظام المجدفين ولا نخضع لأوامرهم ولسنا ملزمين بأي حال من الأحوال بقوانينهم وتشريعاتهم”.

وما زال أتباع نطوري قارتا الى اليوم لا يعترفون بيوم الاستقلال ويعتبرونه يوم ندب وحزن وكان الحاخام عمرام بلاو يخرج فيه لابساً مسوحاً حيث لم تكن تفوته فرصة التظاهر ضد الدولة والاحتجاج عليها والتشهير بها، وكان قد اعتقل بسبب ذلك مائة وثلاثاً وخمسين مرة. وقد قال مرة للقاضي عندما كان يحاكمه”انني ارغب في توضيح مسألة وهي أن القدس مدينة دولية بالنسبة الى منظمة الأمم المتحدة ولا بد للمحكمة أن تحكم بقانون دولي، ولما كنت من سكان القدس فليس لكم الحق في أخذي الى سجن يافا التي هي ضمن المنطقة التي يسمونها دولة اسرائيل”. وكان الحاخام بلاو قد وضع على باب داره لوحة كتب عليها “أنا يهودي ولست صهيونياً” بالعربية والانجليزية والعبرية.

وهم يعتقدون بأن هذه الدولة ليست علمانية حسب، بل انها تقوم كذلك على رفض الإله ورفض التوراة ورفض الشعب اليهودي وتؤكد نطوري قارتا في أدبياتها على أن إسرائيل دولة غير شرعية ومخالفة لمعتقدات الشريعة اليهودية، لأنها انشئت على فكرة الصهيونية، وهي كما تقول فكرة باطلة، إذ أنها تخالف معتقد ظهور المسيح المخلص اليهودي (وهو من المعتقدلت الثلاثة عشر) الذي هو وحده الذي سينشئ الدولة اليهودية الحقيقية. وعلى اليهود واجب الانتظار لهذا الحدث الذي هو في رأيها اعجازياً ليس لبشر دخل في حدوثه. وتقول إن عمل الصهيونيين هو عمل “حمل على ذنب وولد على ذنب”. ولما كانت نظرتهم الى الدولة اليهودية على أنها دولة غير شرعية، فإنه يترتب على ذلك مسألة مهمة وخطرة وهي عدم وجوب اطاعة قوانينها ومخالفتها إذا كان ذلك من جل تحقيق غايات دينية وهم يقولون إنهم لو كانوا في دولة غير يهودية فإنهم يرضخون لحكمها ويطيعون قوانينها ويمتثلون لأوامرها لأن الدولة الأجنبية لا تدعي أنها دولة يهودية على العكس ماتدعيه إسرائيل. ويحتم على اليهود اطاعة قوانين الدولة الأجنبية طبقاً للقاعدة الفقهية اليهودية “دينا ملخوتا دينا”، وهي عبارة آرامية تعني “قانون الدولة قانون”.

وقد نشرت نطوري قارتا بياناً قبل حرب حزيران (يونيو) بأيام جاء فيه “نحن لا نكره أحداً، ونحن نكره الحرب والنزاع بأي شكل من الاشكال ولسنا ضد أي مجتمعأ وشعب، لأن توراتنا المقدسة لم تأمرنا بهذا في شتاتنا… وان قدرنا مع هؤلاء العصاة (الصهيونية) إنما هو بسبب ذنوبنا وما علينا إلا أن نصلي وندعو الله لانقاذنا من هذا القدر وينجينا منه”.

كذلك هم ينتقدون الأحزاب الدينية التي تتعاون مع الدولة ويذكرونها بأنها مذنبة لأنها تتعاون مع حكومة “كافرة”، كذلك يتهمونها بأنها تتعاون من أجل منافع مادية ومصالح دنيوية وليس من أجل اصلاح الدولة كما تدعي بعض هذه الأحزاب، وهم يطالبون السكان بأن لا ينخدعوا بما يقوله هؤلاء من ادعاء اصلاح سلوك الدولة واصلاح قوانينها وترشيد سلوك المجتمع فيها، وهم يدعون هذه الأحزاب الى الانسحاب سياسياً واجتماعياً.

وهم لا يمتنعون عن الانتخابات فقط، بل إنهم يقفون عند صناديق الاقتراع مع من يؤيدهم من الارثودكس الآخرين يحثون الناس على عدم الانتخاب والادلاء بأصواتهم. ومعروف ان اتباع نطوري قارتا لا يرسلون ابنائهم الى مدارس الدولة ولا يخدمون في الجيش، وهم يرفضون الهوية التي تصدرها الدولة للسكان فيها. وكان زعيمهم الحاخام بلا قد اصدر لهم وثائق بدل تسجيل انفسهم مواطنين في الدولة وقد حملت الوثائق عبارة مأخوذة من سفر استير 3/2 وهي “ولم ينحن مردخاي ولم يركع”. ولهم نشيدهم الخاص بهم وهو كان قد كتبه الحاخام بلاو في السجن، وهم يرددونه دائماً في مظاهراتهم واحتجاجاتهم. كما أصدر لهم عملة ورقية خاصة بهم حتى لا يستعملوا عملة الدولة. وهم لا يعترفون بوثيقة الكشروت (الحلال والطاهر) التي تصدرها رئاسة الحاخامية في إسرائيل. وهم يشرفون بأنفسهم على أطعمتهم وذبح ذبائحهم، إذ هم لا يعترفون بما يذبحه اليهود حتى لو كانوا من اليهود الارثودكس.

وكان الحاخام عمرام بلاو قد كتب رسالة وجهها الى العالم قبل وفاته بقليل وجعل عنوانها “الى الذين يؤمنون بالعدالة” وطلب توزيعها على الناس وقد جاء في بعضها “إن الشعب اليهودي يعارض أي أذى للشعب العربي، وان هذا الشعب لم يؤذ الشعب اليهودي أبداً الى أن جاءت القومية الصهيونية. إن التوراة توجب على الشعب اليهودي أن يعيش بسلام في البلدان التي يعيش فيها، وأن لا يثور ضد أي دولة، خاصة إذا كان ذلك يتعلق بفلسطين حيث نحن ممنوعون ان نهاجر اليها بشكل جماعي”.

وهو في هذا المقطع يشير الى ما ذكره التلمود من أن اليهود عاهدوا الرب على ثلاثة اشياء وهي أن لا يستعجلوا الخلاص ولا يدخلوا فلسطين بالقوة ولا يثوروا على الشعوب التي يعيشون بينها.

وقد جاء في رسالته ايضاً مقطع يتضمن قراءة تنبوئية للمستقبل، حيث جاء فيه “ان أي شخص في العالم يؤمن بالعدالة لا بد أن يتأكد بأن العالم كله سيصيبه الأذى إذا سمح للتجربة الصهيونية أن تستمر لأن هذا الأذى سيصيب الكثير من الأبرياء وكل شخص صاحب رحمة وعادل لا بد أن يقف ضد الصهيونيين ويوقفهم” ويؤكد ماتنبأ به هذا الحاخام مما نراه اليوم من قتل للأبرياء منذ نشوء الدولة الصهيونية وما زال العالم يتوقع المزيد.

وترى نطوري قارتا ان المشروع الصهيوني نهايته الفشل، وأن المحرقة النازية هي عقاب من الرب لليهود لأنهم وافقوا على المشروع الصهيوني.وهم يتهمون الصهيونيين بالتعاون مع النازيين، ومن ذلك اتفاقهم معهم على ارسال الشباب اليهود الى فلسطين لانشاء المستوطنات بعد صعود النازية.ويشير نطوري قارتا هنا إلى ماذكره آيخمان في في اتفاقه مع رودولف كستنر الممثل المعروف للحركة الصهيونية في نص معروف عن هذا الموضوع حيث قال “إن هناك تشابها بين نظرتنا في منظمة ألاس ألأس ونظرة أولئك الزعماء الصهيونيين…. الذين ربما يحاربون معركتهم ألأخيرة فرودولف كستنر الممثل الرسمي للحركة الصهيونية….الذي هو محام بارد جدا وصهيوني متعصب لم يمانع في أن يساعد على إبقاء اليهود في المعسكرات وتسفيرهم بل وافق على أن يبقى النظام (مستمرا) في المعسكرات الجماعية إذا أنا وافقت على ان أسمح لبضع مئات أو بضعة آلاف من الشباب اليهود بالهجرة إلى فلسطين بشكل غير قانوني وكان هذا اتفاقا جيدا من أجل حفظ النظام في المعسكرات. فإن خمسة عشر ألف أو عشرين ألف وربما أكثر كثمن هو ليس ثمنا مرتفعا جدا لي ….وعندما جاء لي كستنرلم يكن أبدا خائفا أبدا من رجال الغستابو.وقد تناقشنا على مستوى الند للند وعندما كنا نتحدث كان هو يدخن السيجار المعطر واحدا بعد الآخر من علبة فضية وقداحة فضية.وهو كرجل بولندي جيد ومتحفظ كان بالإمكان أن يكون ضابط غستابو ممتاز… وكان اهتمام الدكتور كستنر ينصب على اختيار مجموعة من اليهود الهنغاريين ليهاجروا إلى إسرائيل….وأني أعتقد بأن كستنر كان يمكن أن يضحي بألف أو مائة ألف ليحقق هدفه السياسي .وهو لم يكن مهتما بكبار السن من اليهود الذين اندمجوا في المجتمع الهنغاري.وقد قلت له إننا أيضا ضحينا بدماء قبل أن نأتي إلى السلطة(1)

وكذلك اتهموهم باستغلال المحرقة بعد حدوثها لتحقيق أهدافهم، “إذ أنهم لم يحركوا ساكناً عندما كان القتل مستمراً حيث كانوا قادرين على ايقافه لأنهم كانوا يريدون استمرار الموت والمعاناة لتحقيق أهدافهم بعد انتهاء الحرب” كما قالوا. ولا تنكر نطوري قارتا بأن ما حدث على يد النازية لليهود كان كارثياً عليهم، ولكنها تعتقد بأن عدد القتلى الذي يذكر هو رقم مبالغ فيه. وهي تدعو الى تفكيك دولة إسرائيل لأنها تعتقد أن وجودها سبب المشاكل في الشرق الأوسط. وكان ممثلون عن نطوري قارتا قد حضروا مؤتمراً في نهاية العام الماضي2006 نظمته إيران عن المحرقة. وقد صدرت قرارات في بريطانيا بمقاطعتهم وعزلهم وعدم التعامل معهم وتظاهر بعض اليهود ضدهم في الولايات المتحدة الأمريكية. ولكن هؤلاء أصروا على أن ما قاموا به كان صحيحاً، وأنه كان بدافع من مبادئهم وعقيدتهم الدينية.

ويوجد الكثير من أتباع نطوري قارتا في إسرائيل (في القدس ورمات بيت شمش وبني برق).وهم موجودون ايضاً في بريطانيا وفي الولايات المتحدة الأمريكية وفي بلجيكا ايضاً. وهم يتظاهرون بين فترة وأخرى ضد إسرائيل وسياستها ويرفعون لافتات كتب عليها “يهودية لا صهيونية” و “نحن ننتظر تدمير الصهيونية”، وهم يرفعون كذلك لافتات مؤيدة للفلسطينيين ومدافعة عن قضيتهم. ويعتقد أن اتباع نطوري قارتا لا يتجاوز عشرة آلاف وربما كان أ قل من ذلك.

وهناك مجموعة أخرى من اليهودلها النظرة نفسها نحو الصهيونية واسرائيل، رأيت من المفيد أن أذكرها هنا، لأن الكثير من الناس لا يعرف عنها شيئاً، لأنها أقل نشاطاً وظهوراً من نطوري قارتا. وأقل شهرة مع أنها أكثرعدداً منها، حيث يصل عدد أتباعها إلى أكثر من مائة ألف. وهذه المجموعة هي مجموعة الحسيديم الستماريم وهؤلاء مثل نطوري قارتا هم من اليهود الحريديم (المتدينين جداً). وربما كان زعيمهم الأكبر الحاخام يوئيل تيتلباوم (ت 1979) من أكثر اليهود المتدينين كتابة وخطابة ضد الصهيونية واسرائيل. وكان هذا الحاخام من أوائل الذين عقدوا مؤتمراً (في عام 1924) ضد الصهيونية مع حاخامين آخرين. وهو كان يقول عنها إنها عقيدة وايديولوجية شيطانية، واعتبر التعامل معها جريمة كبرى، وقال عنها إنها أعظم الشرور خطراً في هذا العصر وأكثرها ضرراً وسوءاً. بل إنه كان يقول “إن المآسي والكوارث التي حلت باليهود إنما سببها الصهيونيون ووسائلهم الشريرة، وان ما قام به النازيون كان سببه الذين خالفوا أوامر الرب وثاروا على الأمم، وان اعمالهم هي التي أعطت الوسائل للذين ظلموهم”. وهو قد أكد دائماً على أن انشاء إسرائيل كان معوقاً لظهور المخلص ومؤخراً له “وانه لولا ظهور الدولة لكان المخلص قد ظهر”.

ورأيه مثل رأي نطوري قارتا في أن انشاء الدولة اليهودية الحقيقية هي مسؤولية المسيح المخلص، فهو الذي ينشؤها ويقوم على شؤونها ويحكمها. ويقولون إن كل دولة تنشأ باسم اليهود وتقوم قبل العصر المسيحاني هي دولة مزيفة وفاقدة للشرعية حتى لو كان القائمون عليها ملتزمين بالشريعة اليهودية. وهو يضرب على ذلك مثلاً من التاريخ بحكومة “باركوخبا” (الذي ثار على الرومان في فلسطين في القرن الثاني الميلادي وسيطر على بعض اجزائها لثلاث سنوات). فهو – كما يقول – كان ملتزماً بالشريعة اليهودية ومطبقاً لها وكان يحث اليهود على التمسك بها ومع ذلك فقد فشلت ثورته لأنه كان يحاول تعجيل الخلاص. فزعماء اسرائيل – كما يقول الحاخام تيثلباوم – حتى لو كانوا من أكثر اليهود تديناً وأشدهم التزاماً بوصايا التوراة وأحرصهم على تطبيقها، فإن دولتهم ستظل دولة ليس لها من الشرعية شيء وغني عن القول بأنها ليست بداية خلاص. وكان قد أطلَ يوماً على أتباعه وهم في الكنيس حاملاً نسخة من التوراة وقال لهم “من كان منكم يعتقد أن اسرائيل هي بداية خلاص فليخرج من هذا الكنيس فإنني لا أحب الصلاة مع من يعتقد ذلك حتى لو بقيت وحدي”.

وكان هذا الحاخام يتمنى زوال الدولة والقضاء عليها من أجل أن تقوم على أنقاضها دولة المسيح المخلص، ولكنه يريد أن يكون لهذا الزوال بضربة إلهية وليس من قبل الشعوب الأخرى، وقال في ذلك “إننا نحتاج الى رحمة للقضاء على هذه الدولة بقوة من الأعلى من قبل الإله تبارك وتعالى وليس من قبل الشعوب الأخرى، إذ لو حصل ذلك، لا سمح الله، فإن الخطر سيكون عظيماً على اليهود”.

وبعد حرب حزيران عام 1967 نشر الحاخام يوئيل تيثلباوم كتيباً باللغة العبرية عنوانه “عال هاغئولاه وعال هاتمورها” (حول الخلاص والتغيير)، وضح فيه طبيعة ما حدث من وجهة نظره. وفي الوقت نفسه رد فيه على كثير من اليهود الذين اعتقدوا بأن انتصار إسرائيل إنما هو معجزة إلهية، وأن هذا الانتصار يؤكد بأن الدولة هي دولة شرعية. بل أكد أن نتيجة الحرب لم تكن انتصارا لإسرائيل وكان من الأفضل لها لو لم تبدأ الحرب. وقد ذكر في مقدمة هذا الكتيب بأن ما حدث إنما هو اغراء من الشيطان واختبار من الخالق لليهودي المؤمن، وقال “كما ان الذنوب العظيمة لهذا الجيل قد أبانت نسبة كبيرة من علائم ظهور المخلص فكذلك الآن جاء الشيطان وأرسل سهامه (الصهيونية) ليحاول بقوة أن يمنع خلاصنا وانقاذ أرواحنا بظهور المخلص بسبب هذه الذنوب المؤلمة. فقد جاء الشيطان بطريق النفاق والخداع وبطريق التلبس بلباس المعجزة والخلاص حتى يخدع اليهود ليؤيدوا الصهاينة والهراطقة الذين جاؤوا للقضاء على التوراة بأجمعها”.

وفي المقاطع التالية لا ينتقد الحاخام تيتلباوم الصهاينة وحدهم ويتهمهم بشتى التهم وينعتهم بأسوأ النعوت ولكنه أيضا يوجه نقدا شديدا وعنيفا لرجال الدين الذين هم في رأيه ساهموا في إشعال الحرب وتأجيجها وإضفاء الغطاء الشرعي عليها وتبريرها.واتهم هؤلاء بأنهم الأنبياء الكاذبون وأنبياء الزور وأنبياء البعل فهو يقول “إن الصهاينة وعملاءهم من المتدينين يحرفون الحق بطرق متعددة من أجل أن يبرروا أعمالهم ضد الإله ومن أجل أن يعموا عيون اليهود وقلوبهم ليتبعوا طريقهم. لقد كذبوا عندما قالوا إنهم أجبروا على حرب العرب حيث ادعوا بأن العرب قد أعلنوا الحرب عليهم، وهم يدعون كذلك بأنهم يضحون بأنفسهم في تلقي حراب الأعداء من أجل اليهود. وهناك من اليهود غير العقلاء ليس فقط يصدق ما يقوله هؤلاء الصهاينة، بل إنهم يمدحونهم بأنهم خلصوهم مع أن الصهاينة ليس لهم يد في هذا الخلاص، وان العكس هو الصحيح… إن عمى هؤلاء هو الذي قادهم لتأييد الصهاينة وتبعهم آلاف اليهود على ذلك، فاصبحوا من مؤيدي الوثنيين والهراطقة

وقد كررنا مراراً ما قاله حاخامونا: بأن كل من ينضم الى الصهاينة ويبرر أعمالهم أو يؤيدهم ويساندهم بالمال أو غيره أو يوافقهم في آرائهم، فإنه منهم ومشارك في اجرامهم، وسيعاقب على ذلك لأنه بدون شك يكون مؤيداً للهرطقة. إن الصهاينة مجرمون لأنهم يعطون تبريراً (لأعمالهم) من التوراة، وهم يحرِّفونها لتتفق مع أفكارهم الباطلة، وأن هدفهم أن يُعموا (عيون) اليهود البسطاء الذين يتعبدون بالتوراة، وهم يريدون من العامة أن يصدِّقوا بأن التوراة تتفق مع آرائهم والطرق الخبيثة لزعمائهم.”

ويقول أيضا “لقد سمعناهم يدعون بأن الحرب (عام 1967م) إنما كانت واجبة طبقاً لتعاليم التوراة، ومنذ البداية كان رجال الدين هؤلاء يحثون الجنود على الحرب، ويفهمونهم بأن الحرب إنما هي حرب مقدسة وأنها حرب واجبة ويعطونهم تبريرات كاذبة باسم التوراة. ومن الواضح أن الذي يُلام ويعنف على ضياع آلاف الجنود في هذه الحرب هم رجال الدين وأتباعهم من رجال الحكومة. إن الحرب التي قاموا بها هو عمل مخالف لتعاليم التوراة، وان الذي دفعهم الى الحرب هو شيء محرّم وغير جائز، وهو مخالف لتعاليم الوراة ومناقض لها لعدة أسباب:
أولاً، انه من الواضح لكل انسان حقيقة أن الصراع وأصل المشكلة وخطر الحرب إنما هو نتيجة لانشاء الدولة الصهيونية. إذ أن الدولة الصهيونية قد أثارت العرب بعدة طرق. وانه من الطبيعي لو لم يصرالصهاينة على انشاء دولة تُحكم من قبل الاشرار – وهي دولة لم يكن لها حاجة، ولم ينتفع منها اليهود حيث سببت تدمير الدين واستئصال التوراة – لما كانت هناك حرب، بل ولا تكون أبداً، بل ولما كانت هناك حاجة لجعل حياة اليهود في خطر بواسطة تهديد الحرب.

ثانياً، انه لمما لا شك فيه أن التوراة لا تُجيز قتل اليهودي حتى لو كان ذلك مقابل الدولة الصهيونية كلها. وعلى الرغم من أن هؤلاء الاشرار يريدون بقاء الدولة والعالم كذلك معهم على رأيهم الخاطئ هذا، فإن رأي التوراة سوف لا يتغيّر تجاه الحق. الى جانب ذلك، فإن من غير المعقول أن توافق توراتنا المقدسة على تهديد حياة اليهود بالحرب من أجل وجود حكومة ودولة من الهراطقة، وكيف يمكن ليهودي مؤمن أو رجل دين أن يبرر الأعمال الشريرة للصهاينة. إنه من واجبنا أن نعلن أمام الناس وبكل صدق بأن كل يهودي مؤمن لا يرغب بهذه الدولة، لأن مجرد وجودها هو ضد التوراة المقدسة، وهو ضد مملكة السماء، وان هذه الدولة هي عقبة أمام اليهود في كل أنحاء العالم.

ثالثاً، إذا كان ما يقولونه – وهو قول زور وخداع – بأن دولتهم يجب أن توجد حتى يكون اليهود مثل بقية الشعوب (لهم دولة)، فإن نتيجة هذا يكون تحقيق رغبتهم في تحكيم التوراة المقدسة. وإذا كان هذا كذلك، فكيف يجرأون على القول بأن التوراة هي التي تجيز لهم الحرب؟! إن الإنسان لتصيبه الدهشه والعجب الشديد عندما يسمع يهوداً يعتبرون أنفسهم متدينين يؤيدون هؤلاء الكفار والهراطقة باسم التوراة!! إن هؤلاء ايدوا الصهاينة في دخولهم الحرب بتنبؤات كاذبة، وأخبروا الصهاينة بأنهم سينتصرون من خلال قوة التوراة، ولقد غشوهم عندما قالوا لهم بأن هذه الحرب هي حرب مقدسة. إن عمل أنبياء الزور هؤلاء يُقارن بعمل أنبياء البعل ايام المعبد اليهودي، بل إنهم أسوأ منهم. إن التوراة تأمرنا أن لا نقرّب أنبياء الزور، وأن لا نسمع كلام الزور والكذب منهم حتى لو كان كلامهم له علاقة بالفرائض، بل حتى لو كان كلامهم في خدمة الخالق، لأن من أوامر التوراة أن لا نسمع لأنبياء الكذب حتى لو كان الهدف نبيلاً إن الإستماع إلى ما يقولونه حرام.

رابعاً، إن التوراة توجب علينا العمل بكل ما في وسعنا من أجل السلام والابتعاد عن الحرب، ولكن هؤلاء الأشرار الصهاينة يعملون على النقيض ويحاربون الشعوب الأخرى بشكل مستمر. إنه لا يجوز الدخول في الحرب من أجل توسيع الحدود أو من أجل منافع وهمية أخرى. إن الشريعة لا تبرر قتل اليهود من أجل تحقيق نصر أو من أجل منافع تخيلية. وهم من أجل أن يخدعوا البسطاء يريدون اتباع الشريعة، فإنهم يستخدمون الصهاينة المتدينين الذين يلبسون ثوب الارثودكسية الدينية والذين يحرفون التوراة ويجعلونها سخرية، حيث يؤولونها بشكل كاذب ليثبتوا أن التوراة تتفق وآراء هؤلاء الهراطقة القتلة.

إنه من الواضح والبيّن أن كل من يجرّ اليهود الى الخراب ويخاطر بأرواحهم خارج فرائض التوراة، فإنه قاتل. وأما حجتهم في أنه لم تكن هناك وسيلة لمنع الحرب، فهي حجة واهية لا تستحق حتى النقاش، إذ أنهم كانوا مصممين على الحرب، وأخذ القرار حولها كان بيد هؤلاء الزعماء الكفار الذين لا يرون لحياة اليهودي قيمة، بل إنهم عرّضوا حياة كل يهودي للخطر من أجل المحافظة على حكومتهم… إنهم مستعدون للقضاء على أكثر اليهود من أجل أن يحققوا هدف حكومتهم ودولتهم الملعونة.

كيف يمكن للكهنة الذين ساعدوا الصهاينة أن يرفعوا رؤوسهم دون حياء؟! وكيف يمكنهم أن يكذبوا بكل وقاحة وأن يخدعوا اليهود بقولهم إن هؤلاء الكفار إنما يخوضون الحرب طبقاً لأحكام الشريعة؟! إن السماء لتتفطر من مراوغتهم وخداعهم ووقاحتهم العلنية والتي هي أوضح من الشمس للناس. إن الذي يجعل التوراة تتفق مع آراء الكفار هو كافر مثلهم حتى لو كان لابساً ثياب الحاخامين، بل حتى لو كان رئيس الحاخامين. إن تبريرهم الحرب بأنها كانت من أجل الدفاع عن النفس لأن العدو قد هددهم بالقضاء عليهم هو تبرير غير مقبول:

أولا، إنه من المعروف أن هذا التهديد ليس جديداً، وكان العرب قد هددوا دون حساب في السنين السابقة.

ثانياً، إن ما يقوله الصهاينة بأن العرب قد هددوهم بالقضاء عليهم إذن لماذا لم يخافوهم في تلك السنين، بل إنه كان بإمكانهم أن يجتمعوا معهم في السابق حول اتفاق سلام، ويمتنعوا عن إثارتهم إذا كانوا هم حقيقة خائفين منهم . إنه ليس هناك ذرة صدق في قولهم في أنهم قلقون وخائفون من التهديد، وإن تبريرهم المبني على الدفاع عن النفس ضد تهديد العرب إنما هو من أجل خداع الناس، بل الواقع انهم لم يخافوا العرب بل سخروا منهم، فكيف يسمح لهؤلاء أن يخاطروا بحياة اليهود، ومن الذي أمرهم بهذا؟ ومن الذي قال لهم إن هذا يتفق وفرائض التوراة؟ إنه من الواضح أن التوراة تناقض ما قاموا به، وطبقاً للشريعة فإنهم قتلة، وان رجال الدين أولئك الذين ايدوهم وحرفوا أحكام التوراة لهم سيكونون في النهاية محاسبين على ما قاموا به. وإلى اليوم بعد أن وضعت الحرب أوزارها، فإن هؤلاء يتنازعون مع الأمم ويستفزونها،ويعرضون حياة آلاف اليهود في العالم الى الخطر، وحتى لو كان هؤلاء صالحين فإنهم قد ارتكبوا ذنباً عظيماً بخوضهم الحرب ومخالفة الشريعة. لقد قال موسى بن ميمون: “حتى لو قرر اليهود الدخول في الحرب في سبيل الله فإنهم سيعاقبون عقاباً شديداً إذا لم يأخذوا الموافقة الشرعية على ذلك”. إذن كيف يكون عقاب الذين يدنسون أسم الله ويجتثون التوراة والدين اليهودي؟! إنهم لم يحققوا نصراً في الحرب، ولكن الذي حدث هو أن الله أنقذ اليهود برحمته وليس للصهاينة الأنذال يد في ذلك، بل إنهم كانوا مسببّين للخوف والفوضى. إنهم لم يخدموا اليهود بحربهم، ولقد كان أفضل لهم لو أنهم لم يبدأوا النزاع ولم يدخلوا الحرب، وإن من يمدح هؤلاء ويمدح جيشهم، فإنه يجدف على الله.

إن الإنسان يجب أن يبتعد عن هؤلاء ويبتعد عن جماعتهم الى اقصى بقعة من بقاع الأرض، لأن معاشرتهم خطر على الإنسان وعلى الروح معاً، كما أنهم أناس تلاحقهم شبهة القتل”.

وكان الحاخام تيثلباوم يؤكد على اتباعه في إسرائيل بأن لا يتعاونوا مع الدولة ولا يقسموا قسم الولاء لها ولا يشاركوا في انتخاباتها ولا يحتكموا الى محاكمها ولا يلجأوا الى قضائها وأن لا يبحثوا عن وظائف فيها ولا يحصلوا على جوازات سفر منها. كما منع اتباعه من الذهاب الى حائط المبكى والصلاة عنده، ويكلل الستماريم عيد البوريم عندهم بحرق العلم الإسرائيلي.(2)

ويتظاهر الستماريم في بعض المناسبات ضد إسرائيل ويقفون أمام مبنى الأمم المتحدة يحملون لافتات كتب على بعضها “إسرائيل لا تمثل اليهودية الأصيلة” و”دولة إسرائيل تدنيس لعقيدة اليهود” و”الصهيونية غسلت أدمغة يهود أميركا”. كما انهم ينظمون اعتصامات ايضاً بين فترة وأخرى أمام القنصلية الإسرائيلية في نيويورك ويقفون محتجين أحياناً أمام البيت الأبيض على ما يرونه اضطهاداً دينياً في إسرائيل. وهم يطالبون كذلك بايقاف ما يسمونه إلغاء الشريعة اليهودية في إسرائيل وتدنيس مدينة القدس بشكل متعمد.

1-Moshe Menuhim,The decadence of Judaism in Our Time pp481-

483

2- راجع عن اليهود الستماريم كتابنا”اليهود الحسيديم