الفيلسوف سبينوزا واليهود والتوراة

 

د.جعفر هادي حسن                                                                                                                                              Dr Jaafar Hadi Hassan

 

يعد باروخ سبينوزا واحداً من أشهر فلاسفة العصر الحديث في الغرب إذ يعتبر واضع اسس الفلسفة العقلية التي ظهرت في القرن الثامن عشر ويعتبره اليهود اشهر فلاسفتهم على الاطلاق. ولم تحدث آراء سبينوزا ردود فعل في حياته على آرائه إلا عند أبناء جلدته اليهود، والمؤسسة الدينية بالذات. خاصة عن تلك الآراء التي تتعلق بالتوراة والشريعة اليهودية .وكان من نتيجة ذلك أن أصدرت هذه المؤسسة قراراً دينياً بطرده من اليهودية (حِرم بالعبرية) وحرمانه منها وعزله عن اليهود.

وفي مقالنا هذا سنركزعلى هذا الجانب من حياة سبينوزا وذكر بعض آرائه التي اثارت اليهود عليه دون التطرق إلى تفصيلات فلسفته.

ولد باروخ سبينوزا في امستردام – هولندا العام 1632م لعائلة يهودية من المرانوس(الذين أجبروا على التحول إلى الكاثوليكية في أسبانيا والبرتغال) كانت هربت من البرتغال واستقرت في هولندا بعد رحلة خلال فرنسا.وعند وصول العائلة إلى هولندا أشهرت يهوديتها.كما يفعل الكثيرمن المرانوس الذين يهربون من محاكم التفتيش ويصلون إلى هولندا.وأصبح أبوه وجده أعضاء كبارا في كنيس معروف.وكان أبوه تاجرا ثريا وصاحب نشاط في الجالية اليهودية.وفي السادسة من عمره توفيت امه وعند بلوغه سن الدخول الى المدرسة، أدخلته عائلته مدرسة خاصة بيهود البرتغال واسبانياً. وفي هذه المدرسة درّسه اساتذة يهود مشهورون من الذين كانوا مرانوس سابقين منهم منسّه بن اسرائيل الذي اقنع كرومويل – حاكم بريطانيا – بارجاع اليهود الى بريطانيا إذ كانواقد طردوا منها العام 1290م.- وكان منسه بن اسرائيل من أبرز زعماء اليهود في وقته وأشهرحاخاميهم في هولندا. وكان منهم الحاخام والشاعر اسحق أبوب فونسيكا الذي كان أول حاخام يذهب إلى البرازيل ويعتقد أنه كان من أتباع القبلاه وأتباع شبتاي صبي المسيح الدجال أيضا . وكان استاذه الثالث شاؤول ليفي مورتيرا وهو يهودي إيطالي كان من المرانوس أيضا وكان حاخاما وعضوا في المحكمة الدينية التي أصدرت طردا من اليهودية بحق سبينوزا فيما بعد كما كان منسه بن إسرائيل كذلك.

ليس هناك تفصيلات عما درسه سبينوزا في هذه المدرسه ولكن لأن المدرسة كانت يهودية فمن المعتقد أنه درس شيئا من التلمود والتوراة وبعض شروحهما، ويعتقد كذلك أنه درس تاريخ بعض الشخصيات اليهودية وأعمالها مثل موسى بن ميمون (ت 1204م) وابراهام بن عزرا (ت 1164م).وهما عالمان يهوديان مشهوران بين اليهود كانا قد نشأا ودرسا في الأندلس.

وعرف هذان العالمان إضافة الى كونهما فقيهين، بآرائهما الفلسفية، واشتهر الأول بمحاولاته للجمع بين الشريعة والعقل بعد أن قرأ الفلاسفة المسلمين وتأثر بهم. ويبدوذلك واضحا في كتابه موره نبوخيم(دلالة الحائرين) وعرف الثاني برأيه بالقول بوحدة الوجود. واشتهر سبينوزا فيما بعد ايضاً برأيه القائل بوحدة الوجود. وجعلت آراء هذين الشخصيتين وغيرهما سبينوزا يتساءل عن بعض المسائل ويبحث لها عن حل. وذكر مؤرخو حياته أنه عندما كان في الخامسة عشرة من عمره تجرأ وقدم مجموعة من الأسئلة تنطوي على شكوكه الى استاذه مورتيرا. وأثناء دراسته وجد سبينوزا ميلاُ في نفسه لدراسة الفلسفة. ولما لم تكن مدرسته توفر له ذلك، التحق بمدرسة أحد الأساتذة المعروفين واسمه فرانسسكوس فان اندن. وكان هذا طبيباً ولغويا أيضاً وينتمي الى جماعة مسيحية لا ترتبط بأي كنيسة معروفة وليس لها رجال دين.(وهي فرقة انفصلت عن الكالفينية ونشأت في بداية القرن السابع عشروسمي أعضاؤها “كوليجانتس” من كلمة”كولج” التي أطلقوها على اجتماعاتهم التي كانوا يعقدونها في أول يوم أحد من كل شهر.وفي نهاية القرن السابع عشر أصبح لأراء سبينوزا تأثيرعليها إلى الحد الذي انقسمت الفرقة على نفسها وسمي أحد قسميها باسم سبينوزا واستمر وجود الفرقة إلى القرن التاسع عشر) .وقد أصبح أستاذه هذا صديقه الحميم فيما بعد. وكان هذا الاستاذ يدرس بعض الطلاب من ابناء الطبقة الراقية في امستردام. ودرس سبينوزا مع أستاذه هذا موضوعات كثيرة منها الرياضيات والفيزياء والفلسفة، خصوصاً فلسفة ديكارت. ودرس كذلك اللغة اللاتينية وكانت المشرفة على تدريسه في هذه اللغة ابنة استاذه ولم تكن اللغة اللاتينية تدرس في المدرسة اليهودية إذ اعتقد اليهود أن دراستها تؤدي الى الهرطقة و كما يعتقد انه درس شيئا من الطب مع هذا الأستاذ ايضا.

وباختلاطه مع الطلاب المسيحيين، اطلع على وجهات نظر أخرى وأفكار جديدة لم يكن اطلع عليها قبلاً. إضافة الى تأثير استاذه عليه. وتميز سبينوزا عن بقية الطلاب خلال دراسته بذكائه وجده، فأعجب به كثير منهم وتحلق حوله طلاب يهود ومسيحيون. وأخذ يبوح بآراء جديدة ويجهر بها، ويقول إن عمل الإنسان يجب أن يتفق مع العقل، ولما كان الكثير في الشريعة اليهودية الحالية لا يتفق مع العقل، فلا بد وأن يكون هذا من صنع البشر وليس وحياً أوحي به الى موسى، وإنما هو شيئ كتبه الناس بعده. وأخذ كذلك يشكك في أن يكون للشريعة اليهودية الأولوية على قانون الطبيعة. ولما كانت هذه قناعته نحو الشريعة اليهودية، فقد وجد أنه من غير الصحيح أن يطبق الشعائر والطقوس اليهودية، لأن ذلك سيكون نفاقاً وهو لا يريد أن يطبق شيئاً لا يعتقد به، فترك حضور الكنيس وتطبيق شعائر السبت والمناسبات الدينية الأخرى وأخذ يخالف أحكام الكشروت (الحلال من الطعام وغيره). وراح يؤثر بأفكاره هذه على طلابه الذين أخذوا يدرسون على يديه.وعندما عرفت المؤسسة الدينية

اليهودية بافكار سبينوزا هذه أصابها القلق مما سمعته. فقد كان رجالها يأملون منه خيراً قبل أن يعرفوا آراءه هذه لما عرف عنه من ذكاء وموهبة. وكان أكثر ما يخشونه أن يترك سبينوزا اليهودية ويتحول الى المسيحية ويستغل مواهبه للهجوم عليهم وعلى الشريعة اليهودية، وتكون حاله كحال الكثير من الرهبان والراهبات والقساوسة الذين كانوا من أصل يهودي وانضموا الى الكنيسة حيث أخذ بعضهم ينتقد اليهودية ويهاجمها.وكان أحد هؤلاء من أقرباء سبينوزا واسمه دون دياغو دي سبينوزا حيث كان مسؤولا كبيرا في محاكم التفتيش في أسبانيا.

وحاولت المؤسسة الدينية اليهودية في البداية أن تعامله بإحسان ولطف ومن دون أذى، فدعته إليها وكلمته عن آرائه وعما إذا كان ما نسب إليه صحيحاً، فأقر بذلك ولم ينكره، بل ودافع عنه وقال لهم ان له الحق في حرية الرأي

والتفكير. وأشهدت المؤسسة على ما قاله شهوداً ومع ذلك لم تطبق عليه أحكام الشريعة اليهودية آنئذ كي لا يكون ذلك سبباً في انضمامه الى المسيحية. وحاولت بعد ذلك أن تغريه بالمال، فأرسلت مع أحد أصدقائه رسالة تعرض عليه مبلغاً كبيراً من المال ينفق عليه طوال حياته إذا هو توقف عن نقد اليهودية والحاخامين، وحضر الكنيس بين حين وآخر. ورفض سبينوزا هذا العرض وأصر على حرية الرأي والعمل، واستمر يجاهر بأفكاره ويدرسها لطلابه.وعندها ساءت علاقته بالمؤسسة الدينية وعُرف بين اليهود بآرائه التي يخالف بها اليهود الآخرين. وقد ذكر بعض المؤرخين لحياته. بأن أحد اليهود المتعصبين حاول اغتياله بسكين ولكن المحاولة كانت فاشلة.(1) وليس بعيدا أن يكون هذا قد حدث وبفتوى من الحاخامين إذ جوز هؤلاء اغتيال من يعتبرونه قد خرج عن اليهودية بنقده لها عقابا له على ذلك وهناك عدد من الحالات الموثقة . ولما لم تجد المؤسسة الدينية تغيرا في آرائه أصدرت “حرم” بحقه بتاريخ 27تموز في العام 1665 أمام جموع اليهود وبحضور نسخة من التوراة كما هو متعارف عليه.وهذا نص الحِرم
“إننا رؤساء الطائفة اليهودية نعلمكم بالتالي: إننا لفترة طويلة كانت لنا معرفة واطلاع على الآراء والأعمال الشريرة لسبينوزا. ونحن من خلال وسائل عدة حاولنا أن نقنعه بترك طريقه الشرير ولكننا لم نجد تغييراً نحو الأفضل في افكاره المنحرفة والفاسدة التي يمارسها ويدرسها. وكذلك الأعمال المروعة التي ارتكبها والتي كانت تصلنا معلومات عنها في كل يوم من شهود موثوقين. وكان الشهود أدلوا بشهاداتهم بحضور سبينوزا نفسه، وبحضور حاخامينا الذين أيّدوا ذلك. ولذلك قررنا وبمصادقة حاخامينا أن المذكور يطرد ويعزل من بيت بني إسرائيل ونحن الآن نعلن بالآتي نص الطرد (من اليهودية) عليه:

إنه طبقاً لقرارات الملائكة وأحكام الأولياء، فإننا نمنع باروخ سبينوزا ونطرده (من اليهودية) بتأييد الإله وموافقته وكل جماعة إسرائيل. وحصل هذا بوجود كتاب شريعتنا المقدسة التي تضم الاوامر والنواهي الـ613. ونحن نحجر عليه كالحجر الذي فرضه يشوع بن نون على مدينة أريحا وكاللعنة التي لعن بها النبي اليشع على الشاب. وبكل لعن مذكور في الكتاب المقدس. وليُلعن سبينوزا في الليل وليُلعن في النهار وحين يقوم وحين ينام، وسوف لن يغفر له الله، وان غضب الله وسخطه سيكونان دائماً على هذا الرجل. وسيأتي الله بكل اللعن المذكور في كتاب الشريعة عليه وسيُمحى اسمه من تحت السماء، ولنيته السيئة، فإن الرب سيقضي عليه من بين أسباط بني إسرائيل.(وسيلعن) بكل لعنات السموات المذكورة في الكتاب المقدس. وأنتم الذين تتمسكون بالإله الرب ستحيون اليوم والى الأبد ونحن نعلن الآن بأنه لا يجوز لأحد أن يتصل به بشكل مباشر أو بواسطة الكتابة. ولا يجوز لأحد أن يزامله ولا أن يقضي له حاجة أو يريه أي نوع من الرحمة ولا أن يسكن معه تحت سقف واحد ولا أن يقرب منه لمسافة أربعة أذرع.ولا يجوز لأحد أن يقرأ مؤلفاته مطبوعة أو مكتوبة بخط يده”. ويعتقد أن عمرسبينوزا عندما صدر الطرد بحقه كان في حدود الخامسة والعشرين سنة.(2)

ولم يكن سبينوزا حاضراً عندما قرئ نص”الحرم” لكنه عندما سمع به لم يكترث أو يهتم ولذلك فإنه لم يحاول أن يصطلح مع المؤسسة الدينية كما فعل أوريل داكوستا(راجع مقالنا عنه). بل انه كتب إلى رؤساء الجالية دفاعا عن آرائه وأعماله ولكن المؤسسة الدينية اليهودية لم تقبل دفاعه بل طلبت من مسؤولي أمستردام أن يصدروا أمراً بنفي سبينوزا من المدينة الى الأبد.والطرد من المدينة هو أحد أنواع العقاب الذي استعمله الحاخامون سابقا بحق اليهودي الذي ينتقد اليهودية او الحاخامين إن لم يفتوا بقتله. وبعد مناقشات بين هؤلاء ورجال الدين المسيحيين قرروا أن ينفوه لأشهر عدة، فغادر سبينوزا المدينة وذهب واستقر في ريجينزبرغ قرب ليدن مع صديق غير يهودي لأن اليهود تحاشوه بسبب”الحرم”. وغيّر اسمه من “باروخ” العبري الى “بندكت” (بندكتوس) اللاتيني الذي يحمل المعنى نفسه وهو “مبارك وربما كان ذلك احتجاجاً على معاملة اليهود له.,وانتقل بعد ذلك إلى مدينة لاهاي حيث قضى فيها بقية حياته.

.وفي هذا الوقت كتب الى سلطات امستردام مدافعاً عن آرائه ومناقشاً لهم في أنه لم يقترف ذنباً بحق قانون الدولة ولكنه فقط مارس حقه المطلق في مراجعة دين آبائه والدين بصورة عامة وأنه عرض رأياً مخالفاً لذلك.ووذكر بعض المؤرخين بأن سبينوزا التحق بجامعة ليدن ودرس فيها.وفي الأثناء اضطر أن يتخلى عن العمل التجاري بعد صدور الطرد حيث كان يعمل بالتجارة مع أخيه بعد وفاة أبيه وأخذ يعمل في صقل العدسات وجلوها وهو عمل أجاده وأتقنه.وكان يسترزق منه وكان يقول إنه فقط يريد أن يحصل على مال ليدفع أجور سكنه وثمن غذائه وأجور دفن جثته. ويقال إن عمله في صقل العدسات أثر في صحته وسبب موته فيما بعد. وبلغت اجادته لهذا العمل حداً جعله معروفاً قبل أن يشتهر كفيلسوف له أهميته وفلسفته الخاصة به. وربما بسبب هذا الاهتمام كتب رسالة عن “قوس قزح”.

وبعد أن اشتهر اسم سبينوزا عُرض عليه أن يكون أستاذا في جامعة هايدلبرغ وهي من الجامعات الألمانية المشهورة ولكنه رفض وعرض عليه كذلك أن يكون فيلسوف القصر في فرنسا في حكم لويس الرابع عشر ولكنه رفض أيضا. كذلك أخذ يراسله بعض الفلاسفة ويناقشون آراءه خاصة بما يتعلق بالقوانين الطبيعية ووحدة الوجود وخلود النفس وكذلك آراؤه عن الفيلسوف ديكارت التي ناقشها سبينوزا بشيئ من التفصيل. ويوجد اليوم عدد من هذه الرسائل نشرها بعض الذين كتبوا عنه وهي تدل على احترام هؤلاء له.وتقديرهم لعلمه وفلسفته.(3) وعلى رغم محاربة اليهود لسبينوزا، استمر بالحديث عن آرائه حول اليهودية والبوح بها. ومن هذه الآراء ما سماه بالتفسير الصحيح للتوراة، وقال ان لكل شخص الحق في أن يقوم بتفسير التوراة، ولكن التوراة يجب أن تفسر كما هي وأن تفسيرها يشبه تفسير الطبيعة، فكما أن تفسير ظواهر الطبيعة يحتاج الى دراسة التاريخ، فكذلك يجب أن نعرف تاريخ التوراة. ودراسة تاريخ التوراة لا بد وأن تشمل ثلاثة اشياء هي تحليل اللغة العبرية، والبحث في مصطلحات كل سفر، وكذلك البحث عن اصول اسفار التوراة كالبحث عن النسخة الأولى والهدف من كتابة كل سفر، وكيف استقبله الناس، ومن الذي اقترح أن يدخل سفراً معيناً ولا يدخل آخر الى غير ذلك. ومن آرائه أن الأسفار الخمسة الأولى من التوراة التي نسبها اليهود الى النبي موسى لم تظهر إلا بعد وفاته بقرون، وان هذه الاسفار ومعها سفر يشوع وسفر القضاة وأسفار أخرى كانت تمثل كتاباً واحداً ضخماً جمعه عزرا الكاتب(يعتقد أنه عاش في القرن الخامس قبل الميلاد)، ولم يكن تمكن من تنقيحه بسبب الموت المبكر أو لأسباب أخرى غيره. وان عدم التنقيح والتهذيب بيّن على هذه الأسفار لأنها تضم خليطا كثيراً من الاعادات والتناقضات. وهذا يكشف أن هذه المادة كانت جمعت على أيدي مؤلفين عدة، وان بعض الأسفار الأخرى كسفر الأيام الأول والثاني كتبا بعد وفاة عزرا الكاتب بفترة طويلة، وقد يكون ذلك بعد القرن الثاني قبل الميلاد. ورأى كذلك أن مزامير داود جمعت وقسمت الى خمسة أقسام في القرن الأول الميلادي وكذلك سفر الأمثال، وذكر ان اسفار الأنبياء إنما هي بقايا كتب أخرى وليست من وضع الأنبياء، وان في هذه الأسفار كثيراً من التناقضات التي تتعلق بالقضايا الروحية والطبيعية.

وتبنى سبينوزا رأي ابراهام بن عزرا في سفر أيوب، الذي اعتقد أن هذا السفر في أصله ليس يهودياً وإنما هو ترجمة من لغة أخرى. وقال إن هذا يعني أن الشعوب الأخرى كان عندها كتب مقدسة.( وسفر أيوب هو من الأسفار التي حيرت علماء العهد القديم حول أصله.حتى أن بعضهم رأى بأن هناك تأثيرات نبطية- عربية في أسلوبه ولغته). وقال كذلك ان الذين جمعوا أسفار التوراة لم يجمعوها بشكل صحيح، بل ادخلوا بعض ما يجب أن يخرج منها وأخرجوا بعض ما يجب أن يدخل فيها، إذ كان يجب أن لا يدخلوا سفر الأيام وان لا يخرجوا كتاب “الحكمة” (حكمة سليمان) وكتاب “طوبيا”.(وهذان الكتابان لايعتبران مما يسمى بالكتب القانونية.وهذه الكتب تسمى باللاتينية أبوكرافا). وأشار الى ان مفسر العهد القديم يواجه الكثير من المشاكل نظراً الى عدم المعرفة باللغة العبرية القديمة، وكذلك عدم المعرفة بظروف جمع الأسفار. ورأى أن القصص المذكورة في العهد القديم يجب أن لا تفهم بشكل حرفي وإنما قصد منها أن ترشد الناس الذين لا يستوعبون فهم القضايا العقلية والمفاهيم المجردة.(4) وأكد أن شريعة التوراة صعبة التطبيق ولذلك يلاقي الذين يطبقونها صعوبة كبيرة في ممارستها.ويرى سبينوزا أن الشريعة اليهودية بكل طقوسها لم يقصد منها أن تكون دينا عالميا طلب من الناس إتباعه والإلتزام به وإنما هو كان خاصا باليهود دون غيرهم حتى يحفظوا به كيانهم.(5)

وهو يستدل من أسفار التوراة على أن اليهود ما كان يجب عليهم تقديم الأضاحي أو الاحتفال بالمناسبات والأعياد بعد تدمير مملكتهم. ويقول إن ذلك واضح من سفر النبي أرميا حيث قال بعد تدمير المعبد إن الرب يرضى في أن يعرفه الناس وأنه رحيم يحكم بالعدل ويريد تطبيق العدالة في الأرض كما جاء في 9:23 “بل بهذا يفتخر المفتخر بأنه يفهم ويعرفني لأنني أنا الرب المجري الرحمة والحكم والبر في الأرض لأن فيه رضاي يقول الرب” وهؤلاء هم الذين يُمدحون وكأن الرب قال إنه لا يريد من اليهود شيئاً خاصاً عدا أن يطيعوا القانون الطبيعي الذي هو ملزم لكل الناس. ويقول إن العهد الجديد(الإنجيل) يؤكد على هذا، فهو يؤكد على الجانب الأخلاقي وتعليمات الانجيل هي حول ذلك، وأن مملكة السماء هي الجزاء لذلك، وأن فريضة الأضاحي لم يتكلم عنها تلاميذ المسيح عندما أخذوا يبشرون بين غير اليهود ولكن بالتأكيد بقي الفريسيون يمارسون فريضة الأضاحي بعد تدمير مملكة اليهود، ولكن ممارستهم هذه لم تكن من أجل ارضاء الرب بل كانت معارضة للمسيحيين وضداً لهم.

واليهود عندما أخذوا أسرى تفرقوا شيعاً بين الناس كما اعتقد وتركوا تقديم الأضاحي بل تركوا شريعة موسى، بل تركوا حتى تقاليدهم القومية واعتبروها غير ضرورية وأخذوا يندمجون بين الشعوب كما هو واضح من سفر أشعيا ونحميا وأنا لا أشك بأنهم (فعلوا ذلك) لأنهم اعتقدوا بأنهم غير ملزمين بشريعة موسى بعد تدمير مملكتهم كما كانوا بين المصريين قبل خروجهم من مصر وانشاء مملكتهم فيما بعد وهم عندئذ لم يكونوا ملزمين بشريعة معينة غير القانون الطبيعي وقانون الدولة التي كانوا يعيشون فيها.

وهو يقول أيضاً إنه بعد تهديم الهيكل انتهى درو شريعة موسى لأنه بمجرد أن أصبح اليهود مواطنين في بابل، فإن مملكة الرب انتهت وأصبحت حقوقهم مع دولة بابل، وأن العهد الذي على اليهود بان يلتزموا بالوصايا قد نسخ وانتهى. وقد انتهت الدولة التي كانت تعتمد على هذا، ولذلك فإن العبرانيين في هذه الحالة لا يمكنهم أن يلتزموا بهذه الأحكام والوصايا، لأن علاقتهم كانت بملك بابل الذين عليهم أن يطيعوه في كل الأشياء وليس بغيره وأن النبي أرميا كان قد طلب منهم ذلك.

وهم في هذه الحالة ليس لهم مشاركة في الحكومة حتى يشاركوا في سلامها، بل عليهم ان يشاركوا في سلامها على أنهم عبيد وأسرى، فعليهم الاطاعة في كل شيء وأن يتفادوا الفتنة والعداوات وذلك باتباع قوانين الدولة مهما كانت مختلفة عن شريعتهم، ولذلك فإنه من الواضح أن الدين بين العبرانيين يكون بالشريعة على أنها شريعة تلك الدولة، بل على أنه قانون طبيعي عام ينطلق من العقل.

ويمكن اختصار ذلك بالقول إن الدين سواء كان موحى به أو عن طريق الأنبياء أو عن طريق القابلية الطبيعية يكون له قوة التنفيذ فقط من خلال التشريعات التي يقودها حاكم الدولة المستقلة والرب ليس له دولة خاصة بين البشر وإنما يحكم من خلالهم”(6)
وبهذا الرأي يختلف سبينوزا تماما عن بقية اليهود خاصة الحاخامين منهم الذين يرون أن الشريعة اليهودية أبدية ولايمكن أن تنسخ ويبطل العمل بها

أما بالنسبة الى فكرة الشعب المختار فهو قد خالف اليهود فيها، وعبر عن اعتقاده بأن الرب لا يفرق بين الشعوب وهو يحبهم جميعاً ويرغب في أن تكون حالهم طيبة، وأنه لم يختر اليهود على بقية الشعوب من أجل التوراة (كما يرى الكثيرمن اليهود الذين يقولون أن التوراة عرضت على بقية الشعوب فرفضتها وقبلها اليهود) واليهود ليس لهم خصوصية الهية كذلك، وليسوا أكثر فهماً أو أكثر فضائل من الآخرين. وهم انما بقوا على مر العصور ليس بسبب عناية خاصة من الرب، ولكن بقاءهم يرجع الى كره الشعوب لهم ويرجع الى روح العداء نحوهم. إذ أن هذه الروح هي التي أبقتهم مستمرين في الوجود الى هذا الوقت. وقال: “إذا كان اليهود يعتقدون حقيقة أنهم شعب مختار فليس لدي رفض لذلك ولكن ليس هناك فرق على الاطلاق بين اليهود وشعوب العالم الأخرى من حيث ما حققوه روحياً وفكرياً”.(7)

واتهم سبينوزا بالالحاد من قبل اليهود ومن قبل غيرهم كذلك. وربما كان ذلك بعد ظهور كتابه الشهير في الدين والسياسة الذي نشر في العام 1670م.ولم يضع سبينوزا عليه اسمه وإنما وضع عليه ألأحرف ألأولى منه وكان الكتاب قد منع بعد ظهوره في كل هولندا لذلك بيع ضمن أغلفة مزورة. ويرى باحثون بأن كتابه هذا قد أرسى أسس نقد العهد القديم الذي طوره فيما بعد العلماء الألمان. وارسل سبينوزا رسالة – على اثر اتهامه بالالحاد – الى أحد علماء اليهود المعروفين واسمه أوربيودي كاسترو (ت 1687م) يدافع فيها ضد اتهامه بالالحاد وعدم التدين.وكان هذا الحاخام من أشد الناس عداء لمن يبدي رأيا مخالفا لليهودية ألأرثودوكسية وله كتابات معروفة ضدهم.وهو قد كتب فيما بعد نقداً لفلسفة سبينوزا ونشره فيما يبدو بعد وفاة الأخير. ونشر سبينوزا في العام 1674م كتابه في الاخلاق، ولكنه لم يتمكن من توزيعه لمعارضة رجال الدين له. كما الف كتابا عن طبعة العقل وفي العام 1677م توفي سبينوزا ولم يسمح اليهود بدفنه في مقابرهم، فدفن في مقابر المسيحيين مع أنه لم يكن مسيحياً. ودفن في قبر لم يكتب عليه اسمه.ولم يخلف مالا كافيا لنفقات جنازته فدفن في قبر مؤجر.وربما كان الحاخامون قد منعوا عائلته من إقامة الحداد عليه لأنه في نظرهم مات غيرمؤمن.ومنع الحداد على أشخاص مثل سبينوزا الذي انتقداليهودية واجب يلتزم به الحاخامون منذ قرون وهم يتبعون في ذلك فتوى للحاخام المعروف موسى بن ميمون وردت في كتابه “شريعة الحداد”.ونص الفتوى هو”كل من فصل نفسه عن الممارسة اليهودية بعدم تطبيق الوصايا أو لا يلتزم بشعائر المناسبات الدينية أو أنه لايذهب إلى الكنيس أو إلى بيت الدراسة ويعتبر نفسه حرا (من هذه الإلتزامات) ويسلك مثل بقية الشعوب(ويكون) من المرتدين والمتحولين إلى دين آخر ومثل الجواسيس فهؤلاء لا يجوز إقامة الحداد عليهم.وعندما يموتون يجب على إخوتهم والأقرباء ألآخرين أن يلبسوا لباسا أبيض ويقيموا حفلات فرح لأن الذين يكرهون الرب تبارك اسمه قد هلكوا” ظل تطبيق هذه الفتوى مستمرا إلى وقت قريب.بل إن بعض الباحثين يقول إنها مازالت مستعملة عند بعض اليهود إلى اليوم(8).وقد الفت الكثير من الكتب عن حياة سبينوزا وفلسفته.كما كتبت مسرحية في القرن الماضي وعرضت على المسارح كما له تمثال كبير في لاهاي في هولندا .
(1) J. Prinz,The Secret Jews,p94

(2) Ibid,p.88

(3)يوجد الكثير من هذه الرسائل في الكتاب الذي حرره
Edwin Curly,وعنوانه A Spinoza Reader

(4) Encyclopedia Judaica, Spinoza

(5) E. Curly ed., A Spinoza Reader p.,98

(6) B.Spinoza,ATheologico-political Treatise and Political Tritise,p.72
(7) Encyclopedia Judaica, Spinoza

(8) I. Shahak and M.Mezvinsky, Jewish Fundamentalism in Israel,p.124

مؤرخون اسرائيليون يشككون في أسطورة مصداه(مسداه) د. جعفر هادي حسن

يبدو أن أحد الرموز الصهيونية المهمة الذي أصبح يضرب عميقا في وجدان الإسرائيليين قد أخذت تحوم حوله الشكوك. ونقصد بهذا الرمز قلعة مصداه وما حيك حولها من بطولة. والاسم مصداه–وهو يكتب خطأ مسداه(مساداه)إذ أنه بالعبرية بالصاد وجذرها قريب من الجذر العربي”صدد”– قد أطلق على قلعة بناها الرومان في فلسطين على قمة صخرة ضخمة عالية تشرف على وادي البحر الميت. وكان هرود الكبير حاكم يهودا قد بنى فيها قصرين وحماماً وقنوات مياه وسورا حولها في القرن الأول قبل الميلاد.وسكن في هذه المنطقة كثير من الأقوام منذ قرون بعيدة حيث اكتشفت في هذه المنطقة بعض مخلفاتهم وآثارهم.وأكثر مااكتشف فيها أثار من العصور الرومانية.ويعتبر الإسرائيليون اليوم قلعة مصداه جزءا من تاريخهم وهويتهم وهم يعتمدون في ذلك على ماذكره المؤرخ اليهودي فلاسفوس جوزيفوس(من القرن الأول الميلادي) في كتابه”الحرب اليهودية” عن مواجهة بين الجيش الروماني ومجموعة من اليهود المقاومين .

وجوزيفوس( الذي كان يعمل مسؤولا مع الرومان) هو المؤرخ الوحيد الذي ذكر هذه الحادثة.فهو قد ذكر بأن هذه القلعة كانت معقلا لهؤلاء اليهود الذين هربوا من وجه الجيش الروماني الذي احتل القدس وقد تحصنوا في هذه القلعلة لفترة من الزمن وكان عددهم كما قال أقل بقليل من ألف شخص واسماهم “سيكاري” وبقي هؤلاء يعيشون في القلعة لبضع سنين كما يقول إلى أن هاجمهم الجيش الروماني وحاصرهم ولما يئس اليهود المحاصرون من النصر وتأكدوا من حدوث الهزيمة الحتمية خطب فيهم زعيمهم الذي سماه اليعازر بن ياعير خطبة طويلة طلب في نهايتها منهم الإنتحار الجماعي بدل التسليم للجيش الروماني .فانتحر هؤلاء رجالا ونساء وأطفالا ولم ينج منهم إلا امرأة مسنة ورجل وخمسة أولاد كانوا قد اختبأوا في قناة للماءتحت الأرض وهذه المرأة المسنة هي الـتي أخبرت جوزيفوس بالحادثة كما يقول.

وجعل اليهود الصهاينة ماذكره جوزيفوس حدثا حقيقيا والفوا حوله القصص ونظموا فيه الأشعار وعملوا عنه الأفلام وكان بعض هؤلاء اليهود في العشرينات والثلاثينات من هذا القرن يأتون إلى فلسطين ويصعدون إلى القلعة ويبقون فيها لأيام يشعلون النيران ويرقصون حولها ويغنون .

وبعد ظهور الدولة اليهودية كانت هناك محاولات محمومة للكشف عن آثار القلعة ومعرفة مافيها ولكن المحاولات لاقت الكثير من الصعوبات ولم يكشف في حينه عن شيئ ذي أهمية وكانت المحاولة الرئيسة والمهمة للكشف عن آثار مصداه في عام1963 وهي تلك التي قام بها إيغال يادين (رئيس للجيش الإسرائيلي ونائب رئيس وزراء أسبق ومختص بالآثار) إذ أقنع بن غوريون بجدوى المحاولة والإنفاق عليها وفائدتها لإسرائيل.وتولى يادين مهمة البحث والتنقيب يساعده عدد كبير من المختصين وعدد أكبر من المتطوعين.وأقام معسكرا لهؤلاء المتطوعين اليهود الذين وصل عددهم إلى المئات وعمل يادين لفترة طويلة في البحث ولم يبق مكان في هذه القلعة إلا ونبشه.وقد عثر على بعض الأماكن المحترقة التي اعتقد بأنها كانت تستعمل من قبل اليهود المحاصرين كمخازن واكتشف كومة من الفحم والى جانبها بقايا بعض الملابس وغيرها من أشياءأخرى وزعم أنها كانت قد جمعت قبل الإنتحار واشعلت النار فيها.واكتشف كذلك بعض الهياكل العظمية التي اعتقد بأنها كانت بقايا من السيكاري لعائلة واحدة (وقد دفنت هذه البقايايا فيما بعد في احتفال عسكري مهيب أقامته الدولة)واكتشف كذلك بعض القطع الخزفية من أهمها إحدى عشرة قطعة كتب على كل واحدة اسم .وظن يادين بان هذه القطع هي التي ذكرها جوزيفوس والتي استعملها آخر عشرة أشخاص لإجراء القرعة لمن يقوم بعملية قتل الآخرين ولتأكيد ظنه هذا قرأ أحد هذه الأسماء على أنه”بن ياعير” حيث يكون هذا مطابقا لإسم الزعيم المفترض اليعازر بن ياعير.وهكذا ربط يادين هذه البقايا والمخلفات البسيطة بالسكاري وأخذ يقوم بكثير من الدعاية لها في وسائل الإعلام فاصبحت قلعة مصداه مزارا مهما يزوره اليهود عامة والإسرائيلون خاصة جماعات جماعات.من المدارس والمنظمات حيث يقف الطلاب وغيرهم على حافة القلعة وينادون بأعلى أصواتهم أيها الرومان سوف لانستسلم. وجعلها الجيش الإسرائيلي مكانا يقسم عنده العسكريون قسم الولاء للدولة ويرددون في قسمهم عبارة “إن مصداه سوف لاتسقط مرة أخرى”وأخذ الإسرائيليون يكتبون هذه العبارة على بعض الأشياء والملابس واصبحت قصة السيكاري المفترضة مع الرومان رمزا لمقاومة الإسرائيليين للعرب.وألف إيغال يادين كتابا عام 1968عنوانه “مصداه”.

وأصبح الإسرائيليون مأخوذين بما ذكر عن مصداه بل أخذوا ينظرون لها نظرة تقديس.واعتبرتها غولدا مئير من العقد التي تتحكم باليهود إلى جانب عقدة هتلر والمذبحة وشكلت مجموعة من اليهود منظمة باسم سيكاري.

وفي السنين الأخيرة أخذت الشكوك والتساؤلات تكثر حول ما اعتقد بأنه حقائق مؤكدة والذين أثاروا ذلك هم الباحثون والمؤرخون اليهود الإسرائيليين خاصة. فمن الأمور التي أثيرت حولها هو الشك في حقيقة حدوث الإنتحار الجماعي الذي ذكره جوزيفوس ويقولون إن هذا لايمكن إثباته لأن الراوي لهذه القصة هو جوزيفوس وحده دون مؤرخ آخر وهو لم ير الحادثة التي يرويها بنفسه فهو نسبها إلى المرأة العجوز التي ذكرناها.ويرى بعض الباحثين أن جوزيفوس ربما قرأ هذه القصة في أحد المصادر القديمة ثم زاد عليها وبالغ فيها ويقول جونثان برايس أستاذ اللغات القديمة والتاريخ في جامعة تل أبيب إن جوزبفوس يصف السيكاري في كتابه المذكور(حرب اليهود في القسم الثاني في الصفحات432وما بعدها) بأقبح الصفات وأشنعها وهو يكرههم ويحتقرهم.ويذكر هذا الباحث وهنا يتساءل المرء لماذا إذن ذكر جوزيفوس هذه القصة التي تعتبر فضيلة لهم ومدحا بحقهم؟وهو يرى بأن جوزيفوس أراد أن يؤكد رأيه الذي كان يراه وهو دعوة اليهود إلى عدم الثورة ضد الرومان واستدل بذكره للإنتحار الجماعي كدليل على عدم مقدرة اليهود على مقاومة الرومان.

وبالنسبة إلى القطع الخزفية التي ادعى يادين أنه عثر عليها ذكر هؤلاء الباحثون بأن الفكرة التي جاء بها يادين إنما هي من اختراعه وأنه ظنها ظنا من دون أي دليل يدعمها أما الهياكل العظمية التي اعتقد أنها لعائلة واحدة انتحرت سوية فان شيئا من هذا لم يؤكد أبداً وليس هناك دليل على صحة الفكرة

ومن المسائل التي أثير حولها الشكوك هو موضوع فترة الحصارفقد اشيع بأنها كانت لفترة ثلاث سنوات أو أربع وذكرت وكانها حقيقة ثابتة ولكن حنه كوثن وهي مدرسة تاريخ ولغات قديمة في الجامعة العبرية تقول انه بالمقارنة مع ماحدث تاريخيا في حصارات الرومان في اماكن أخرى فإن حصار “مصداه” لايمكن أن يكون قد استمر لسنوات بل لأسابيع من ستة اسابيع إلى ثمانية وليس أكثر من ذلك وتقول إن فترة الحصار هذه قد بولغ بها بشكل متعمد من أجل تأكيد اسطورة “مصداه” لأنه كلما كان الحصار أطول يكون الإعجاب بالمحاصرين أكثر حيث جعل الحصار من العام 70م إلى العام 73م كما ان هناك مبالغة بالمقاومة وهي والحصارقد انتزعا من سياقهما.

كما أن من الباحثين من انتقد إيغال يادين نقدا لاذعا واعتبره مبالغا بنشره أفكارا لاصحة لها أثرت على جيل أوجيلين من الإسرائيليين وكان من هؤلاء نيل آشر سيلبرمان الذي أصدر عام1994 كتابا عن إيغال يادين اعتبره فيه صانع أساطير .وفي عام 2002 كتب الأستاذ نحمان بن يهودا استاذ علم الإجتماع والأنثروبولوجي في الجامعة العبرية كتابا عنوانه “إخفاء الحقيقة: علم الآثار واسطورة مصداه” اتهم فيه يادين بالكذب وأنه أخفى الحقائق وهو في كتابه يتقفى أيضا الطرق التي اتبعها في اخفاء الحقائق بعد أن اطلع على التقارير عن المكتشفات.أما عن المجموعة التي يفترض أنها كانت تقاوم فقد قال عنهم في كتابه الآخر”اسطورة مصداه والذاكرة الجماعية وخلق الأسطورة في إسرائيل “ان أبطال مصداه لم يكونوا سوى مجموعة من قطاع الطرق والقتلة الذين يسمون سيكاري الذين أرعبوا القرى اليهودية وذبحوا سكانها وهم قد التجاوا إلى مصداه بعد أن اجبرهم يهود القدس على الهرب. فهم لم يفعلوا شيئا لحماية القدس من الهجوم الروماني عليها وعلى الرغم من أنه كان هناك دفاع بطولى عن المدينة ضد الجيش الروماني إلا أنه لم يكن هناك شيئ من هذا في مصداه والتي كانت في حقيقتها مأوى للعصابات وقد انتحر هؤلاء بعد أن حاصرهم الجيش الروماني وهي ليست كما صورت واعتبرت جزءا من هوية أسرائيل”وبالرغم من كل هذه الشكوك فإن الإسرائليين لايريدون الإعتراف بها لأن اسطورة مصداه قد أصبحت جزءاً من هويتهم ومترسخة
وقت غير قصير لتزول من أذهانهم وتختفي من وجدانهم. في تفكيرهم وهي تحتاج إلى

د.جعفر هادي حسن الحاخام عوبادياه يوسف وبعض آرائه وفتاواه

السفارديم (الشرقيين)، بل يعتبر كبير مراجعهم وبسبب ذلك اطلقوا عليه “مران”(استاذنا) وهو لقب يعطى لأكبرمرجع ديني يهودي. والحاخام عوبادياه ليس فقط ضليعاً ومتبحراً في االفقه اليهودي وأحكامه، بل هو صاحب مؤلفات كثيرة فيه تربوعلى الثلاثين مؤلفا.

وقد تدرج الحاخام عوبادياه في المناصب الدينية إلى أن وصل إلى أعلى منصب يصل اليه حاخام في عصرنا حيث أصبح رئيساً للحاخامين السفارديم في إسرائيل. ثم دخل المعترك السياسي وأصبح الزعيم الروحي لحزب شاس منذ الثمانينات ولهذا الحزب اليوم ثقل سياسي كبير، فهو يعتبر أكبر ثالث حزب بعد كديما وحزب العمل.

والحاخام عوبادياه يستغل اليوم موقعه وثقله السياسي في لعب دور لتغيير ثقافة المجتمع الإسرائيلي بصورة عامة وفرض السلوك(المنهاج) السفاردي عليه . إذ معروف أن الصهيونيين الأوائل الذين أنشأوا الدولة كانوا من الاشكنازيم (الأوربيين) والعلمانيين وقد فرض هؤلاء سلوكهم وأفكارهم على المجتمع الإسرائيلي وعندما جلبوا اليهود الشرقيين كاليمنيين والمغاربة كانت نظرتهم لهم نظرة تتسم بكثير من الإحتقار والدونية وقد عبرت عن ذلك قولة بن غوريون المشهورة”إنهم(اليهود الشرقيون) تراب البشر” .وكان عند وصول هؤلاء إلى إسرائيل يرشون بمادة الدي تي دي تطهيرا لهم وكانوا يجبرونهم في كثير من الأحيان على قص ضفائرهم(فئوت بالعبرية) التي على جانبي الرأس وعلى تغيير سلوكهم عندما كانوا في المعبروت (المدن الموقتة). كما كانوا يجبرونهم على نزع غطاء الرأس وعلى حلق لحاهم إلى غير ذلك من أعمال مؤذية لهم ومخالفة لمعتقدهم.كما نشروا بينهم الثقافة العلمانية بطريق القوة. ومن المعروف أن هؤلاء اليهود كانوا يُنسَبون إلى أعمال أقل مستوى من أعمال الأشكنازيم وهم قد قاموا باحتجاجات على هذه المعاملة أشهرها احتجاج الحركة التي سميت بحركة الفهود السود في السبعينات من القرن الماضي. وكان ينضم إلى هذه الإحتجاجات الآلاف منهم.وبعد أن قابلتهم غولدا مئير قالت عنهم إنهم أناس سيئون ولكن الحكومة فيما بعد اضطرت أن تلبي بعض مطالبهم.

وما زال اليهود الشرقيون يشعرون بالحيف والظلم ولم يشعروا بأنهم أعطوا ما يعتبرونه حقاً لهم. فهم يعتقدون أنهم شاركوا مشاركة فعالة في تأسيس الدولة واستمرارها، كما أنهم يشعرون بأن يهوديتهم أقدم تاريخاً وأكثر أصالة من يهودية الاشكنازيم الذين تعود يهوديتهم إلى القرن الثامن الميلادي عندما تحول ملوك دولة الخزرالى اليهودية وتبعتهم بعض فئات من المجتمع.

ولذلك يرى الحاخام عوبادياه بأن المعادلة التي استمرت في الدولة على هذا النمط طيلة العقود السابقة يجب أن تتغير، حيث أصبح اليهود الشرقيون أصحاب ثقل سياسي واجتماعي كبير، فهو إضافة الى تأثير حزبه السياسي، أخذ يقوم بانشاء المؤسسات التربوية وهي مؤسسات ضخمة حيث أنشأ شبكة كبيرة من المدارس يصل عدد طلابها إلى أربعين ألف طالب أو أكثر ومؤسسات تعنى بالرعاية الاجتماعية من توفير عمل للعاطلين ورعاية صحية للمرضى.

ومن مظاهر فرض خطته أنه لا يترك فرصة تفوت إلا وينتقد فيها الاشكنازيم عامة وزعمائهم خاصة، نقداً لاذعاً يثير حفيظة هؤلاء ورد فعلهم الغاضب. وهذه بعض الأمثلة مما قال في حق هؤلاء:
فهو قال عن يوسي ساريد، الزعيم السابق لحزب ميرتس العلماني، إن الله سيقلعه من جذوره وإن هامان ملعون (الذي يعتبره اليهود عدواً لهم) وكذلك ساريد. وقال الحاخام لاتباعه إن عليهم أن يزيلوا ذكرى ساريد.

وقال عن شولاميت ألوني (التي كانت وزيرة في حكومة اسحق رابين) إنه سيقيم احتفالاً عند موتها.

وقال عن أعضاء المحكمة العليا أنهم يجامعون نساءهم في الأوقات المحرمة.

كما أنه قال عن ارييل شارون:” إن الذي أعطاه الحكومة هم اليهود الحريديم (المتدينون جداً) ولكنه فضل أكلي لحم الخنزير والكارهين لليهود(وهو)حزب شينوي (حزب علماني). إن شارون رجل ناكر للجميل”.

وزاد على ذلك “ان شارون رجل وحشي وشرير وسيضربه الله ضربة قاضية ويميته وسوف ينام نومته الأخيرة ولا يصحو منها”.

وقال عن المهاجرين الروس إنهم اناس مجرمون ونساؤهم مومسات.

وكان من تصريحاته التي أثارت ردود فعل واسعة عند الاشكنازيم تصريحه الذي ضرب على وتر حساس عند الاشكنازيم حيث مس به قضية الهولوكوست (المحرقة) فقال عام 2000 إن الملايين الذين قتلوا في المحرقة كانوا قد قتلوا عقاباً من الرب على ذنوبهم التي ارتكبوها في حياة سابقة حيث ارتكبوا كل أنواع الذنوب التي لا يجوز أن ترتكب. وكان هذا التصريح قد أثار ردود فعل غاضبة ليس في إسرائيل فقط، ولكن بين اليهود الاشكنازيم في العالم، حيث قال هؤلاء إن كلامه يعني أن الاشكنازيم هم مذنبون بينما الشرقيون لم يذنبوا، لذلك لم يصبهم ما اصاب أولئك بل ان البعض من هؤلاء قال إن كلامه هو تبرير لما حدث وان النازيين قاموا بما يجب أن يكون.

وقال عن أتباع المذهب اليهودي الاصلاحي (وأغلبهم اشكنازيم) “إن رؤوسهم محشوة تبنا”ً ومعروف أنه واليهود الأرثودكس مثله لا يعترفون بيهودية المذهب الإصلاحي.

وللحاخام فتاوى وتصريحات عن المرأة تثير حنق الحركات النسوية وعداوتها، فهو قال مرة عن نساء الاشكنازيم إنهن يلدن أطفالاً غير طاهرين. وقال عام 1997 لا يجوز للرجل أن يمشي بين امرأتين أو حمارين أو جملين لأن النساء لا يهتممن بالتوراة ودراستها وكل من يكون قريباً منهن يكون مثلهن”. وقال بعد حرب اسرائيل على لبنان إن قتل الجنود الإسرائيليين في حرب إسرائيل على لبنان سببه عدم التزامهم بالشريعة. ولا يترك الأشكنازيم فرصة إلا ويردون عليه ويسخرون منه وكثيرا ما يرسمونه برسوم كاريكاتورية وهو يعبث بانفه باصبعه السبابة لأنه نسب اليه حرمة ادخال الإصبع بالأنف يوم السبت خشية أن يزيل الإنسان شعرة منه ويكون عملا مخالفا لشريعة السبت. كما يسخر منه الحاخامون الأرثودكس من اليهود الأشكنازيم عندما يذكر أمامهم سعة علمه وعدد مؤلفاته في الشريعة اليهودية فيقولون عنه “إنه حمار يحمل أسفارا”.كما انتقده الحاخامون الأشكنازيم في عام 2007 عندما بدأت السنة العبرية التي تسمى الشميطاه وهي السنة السابعة من التقويم العبري التي يجب أن لاتزرع فيها الأرض لسنة كاملة (وتسمى بالعبرية شميطاه من الجذر العبري شمط:يتخلى عن).حيث قام الحاخام بحيلة شرعية وباع الأرض إلى رجل غير يهودي (فلسطيني) بيعا رمزيا حيث يتمكن اليهود من زراعة الأرض في السنة المذكورة على أنها ليست أرضهم.

كما أن له أقوالاً ضد العرب والفلسطينيين تتسم بالكره لهم واحتقارهم فقد قال عن العرب “ليس هناك حيوانات أسوأ من العرب” ووصف الفلسطينيين مرة بأنهم ثعابين وأفاعٍ وعماليق (أعداء اليهود التاريخيين). وقال إنهم ملعونون وأشرار، وان الله سيقلعهم من جذورهم. وقال إن الرب شعر بالأسف لأنه خلقهم.

وقال عنهم أيضاً إنه حرام أن يعطف الإنسان عليهم، بل ويجب قصفهم بالصواريخ حتى يقضى عليهم، وانهم أشرار وملعونون وسيضربهم الله بأعمالهم على رؤوسهم ويمحو نسلهم ويبيدهم ويدمرهم ويمحيهم من هذا العالم. وقال مرة إن القدس القديمة يجتاحها العرب مثل الدود. إن هؤلاء يجب أن يذهبوا الى الجحيم وان المسيح سيعجل بذهابهم الى ذلك الطريق.وقال عندما كانت محادثات السلام أثناء حكومة إيهود باراك قال مخاطبا له “اي سلام هذا؟ هل تريد أن تضعنا بجانبهم(الفلسطينيين) إنك تاتي بثعابين وتضعهم بجانبنا هل يمكن أن يكون لنا سلام مع الثعابين؟” كما قال “إن شارون يجب أن لا يتردد في ضرب الفلسطينيين ويجب أن ينسى النقد من الخارج ويجب أن يسمع لنصيحتي ويضربهم بشدة. من هم شعوب العالم؟ فالمسيح سيأتي ويسخر منهم ويدينهم ويشتتهم بنفخة واحدة”.

وقد تجاوز الحاخام عوبادياه العرب إلى غيرهم. فهو يحرم نقل دم غير اليهودي إلى اليهودي في حال احتاج اليهودي إلى الدم، وهو علل ذلك بقوله إن الطعام غير الكوشر (غير الحلال) وهو الطعام الذي يأكله غير اليهود يكون له تأثير سيئ على اليهودي الذي يتسلم الدم، فهو قد يحدث آثاراً سيئة مثل العنف والقسوة والحمق ولذلك إذا كان اليهودي بحاجة إلى الدم، فعليه أن ينتظر الحصول عليه من اليهودي.

وهناك حادثة مشهورة في إسرائيل حدثت في تسعينات القرن الماضي عندما اكتشف أن بنك الدم الإسرائيلي كان يرفض استعمال دم يهود الفلاشا وكان يتخلص منه. وعندما اكتشف هذا الأمر تظاهرالآلاف من هؤلاء واحتجوا على ذلك لأيام ولكن لم ينتج عن ذلك شيئ على الرغم من اللجان التي شكلت للتحقيق في هذا ألأمر.

كما ان لهذا الحاخام قولاً معروفً عن أماكن العبادة لغير اليهود فهو يقول إن إسرائيل عندما تكون قوية عليها أن تدمر هذه الأماكن التي وصفها ببيوت الكفرة.

كما أنه تشفى بما حدث للناس في نيوأورليانز عندما دمر اعصار كاترينا المدينة وشرد الناس. وقال يومها: “إن قلة من الناس يدرسون التوراة، والتوراة هي التي تبقي على العالم وتحافظ عليه. إن هناك سوداً (وهو استعمل الكلمة العبرية العنصرية: كوشيم = سود) لا يدرسون التوراة، فقال الله لنجلب عليهم تسونامي ونغرقهم وان مئات الآلاف الذين شردوا وعشرات الآلاف الذين ماتوا كان عقابا من الرب”.

وبسبب تصريحاته هذه وفتاواه فإنه يتهم بالعنصرية وكره الآخرين. ولكن الحاخام عوبادياه لايعطي هذه الإتهامات كبير وزن، فهو لم يقدم اعتذاراً للآخرين ولا مرة واحدة ولم يشعر بالندم وهو مستمر في تصريحاته دون الإهتمام بأحد أو خشية منه.

دراسة تكشف عن وجود آلاف العسكريين اليهود خدموا في الجيش النازي

د.جعفر هادي حسن

لم يكن الباحث الأمريكي براين مارك ِرغ يعرف ان البحث عن اصوله اليهوديه

سيقوده الى كشف مهم يتعلق بعدد كبير من الضباط والجنود اليهود الذين خدموا في الجيش النازي خلال الحرب العالمية الثانية. وكانت بداية رحلة البحث عندما أخبرته عائلته البروتستانية بانها من أصول يهودية المانية. ولرغبته الملحة لمعرفة هذه ألأصول سافر إلى المانيا وبعد بحث طويل هناك عثر على اسم ام جدته في سجل مدينة لايبزج ووجد ضمن تفاصيل الحالة الشخصية كلمة يهودية اشارة إلى دينها. ثم تبين له أن أبا جده الذي هاجر من المانيا الى الولايات المتحدة هو الذي تحول الى البروتستانية ولذلك نشات عائلته على هذه الديانة واكتشف ِرغ ان اقرباءه الذين بقوا في المانيا ظلوا على ديانتهم اليهودية وان البعض منهم قتله النازيون والبعض الآخر خدم في الجيش النازي.

وعندما كان في المانيا يبحث عن أصله ذهب لمشاهدة فلم سينمائي عنوانه “يوربا يوربا” والفلم يحكي قصة يهودي يخفي هويته وينضم إلى الجيش النازي ويسلم من القتل وبعد انتهاء الفلم التفت ِرغ إلى شخص مسن كان يجلس إلى جانبه وسأله عن بعض ماورد في الفلم . ومن الصدف النادرة أن الرجل المسن أخبره أنه هو نفسه كان قد زور وثائقه واخفى أصله لينضم الى الجيش النازي عام 1938 وحارب معه في فرنسا وبولندا وعلى الجبهة الروسية.وبعد انتهاء الحرب قبض عليه الروس واخذوه إلى أحد معسكرات العمل في سيبريا وظل هناك لخمس سنوات وبعد أن أطلق سراحه عام 1950 رجع إلى المانيا. ودفعه فضوله للحصول على معلومات أكثر حول اليهود الذين خدموا في الجيش النازي فالتقى الرجل المسن مرة أخرى وحصل منه على بعض التفصيلات الإضافية حول الموضوع .ثم أخذه البحث إلى إسرائيل ودراسة اليهودية وتاريخ المحرقة النازية(الهلوكوست) ثم سافر إلى تركيا والسويد وإيطاليا بحثا عن تفاصيل أخرى.وجمع خلال بحثه ثلاثين ألف وثيقة لم يعرف الباحثون شيئا عن الكثير منها من قبل. وعثر في حينهاعلى أسماء ألف ومئتي يهودي على الأقل خدموا في الجيش النازي وقابل 400 من هؤلاء أو أقربائهم. وتبين له أن آلافا من اليهود أو من أصل خليط يهودي وغيره خدموا في الجيش النازي.

وكان مما عثر عليه قائمة وضعها الجيش النازي تضم سبعة وسبعين ضابطا كبيرا من أصل يهودي أوخليط وكان من بين الضباط خمسة عشر جنرالا وثلاثة وعشرون عقيدا. وكان الجيش النازي قد وضع هذه القائمة عام 1944 بناء على طلب هتلر ليتم تسريحهم من الجيش في حال أصبح وجودهم خطرا على الحكم. ويقول ِرغ إن الجيش النازي اعترف بان القائمة غير كاملة وأنه بامكانه هو(رغ) اضافة ستين اسما آخر من الضباط الكبار من أصل يهودي ممن كانوا يعملون في الجيش النازي في القطعات البحرية والجوية والبرية.ومن هؤلاء اثنان برتبة فيلد مارشال و10 جنرالات و14 ضابطاً برتبة عقيد و30برتبة رائد. وهو يقول إن 17 من هؤلاء الضباط منحوا أعلى وسام في الجيش وهو وسام “صليب الفارس”مع أنهم كانوا معروفين بأصلهم اليهودي وماوجده ِرغ يدحض ما ذكره هلموت شمدت المستشار الأسبق لألمانيا(1974-1982) الذي كان ضابطا في القوة الجوية أيام الحكم النازي —وهو من أصل يهودي– عندما قابله ِرغ بأن عدد الضباط اليهود من مثله كان في حدود 15 إلى 20ضابطا في الجيش النازي—وكانت أم شمدت قد أخبرته عن أصله اليهودي عندما كان على وشك الحصول على رتبة عالية في منظمة شباب هتلر حيث أخفى أصله اليهودي وكان أبو شمدت قد ولد لتاجريهودي من علاقة غير شرعية وقد كشف هو نفسه هذا السر عام 1984واعلنه على رؤوس الأشهاد بعد أن سبقه إلى هذا الإعلان جيسكار ديستان الرئيس الأسبق لفرنسا—

وكان من هؤلاء الضباط الكبار الذين خدموا في الجيش النازي الفيلد مارشال إيرهارد ملخ(وملخ تعني ملك بالعبرية) وكانت رتبته أعلى رتبة بين الضباط اليهود. وعلى الرغم من أباه كان يهوديا إلا ان هتلر أصدر قرارا خاصا به عندما كان جنرالا وجاء في القرار أن ملخ يعتبر من أصل آري.وكان ملخ قد ولد عام 1892وأصبح عام 1926 رئيسا للخطوط الجوية الألمانية ومسؤولا عن القوة الجوية الألمانية عام1935.ومنحه هتلر وسام صليب الفارس لدوره في الحملة العسكرية على النروج. وبعد انتهاء الحرب أدين ملخ في محكمة نورنبرغ لجرائم الحرب وحكم عليه بالسجن المؤبد ثم خفض الحكم إلى خمس عشرة سنة ولكن أطلق سراحه عام 1954 وتوفي عام 1972. ومن الضباط الكبار أيضا الأدميرال برنهارد روجي الذي كان مسؤولا كبيرا في القوات البحرية ومنح عدة أوسمة وبعد انتهاء الحرب لم يعتقله الحلفاء لأنه كما ذكِر عامَل أسراهم برحمة وتوفي عام1982.

ومن الضباط الكبار هلموت ويلبرغ الذي كان من أم يهودية ووصل إلى رتبة جنرال طيار وكان مسؤولا عن القطعات الجوية التي ذهبت إلى أسبانيا عام 1936 لمساعدة فرانكو ثم أصبح مسؤولا عن كلية الطيران ومنح ويلبرغ أعلى الأوسمة العسكرية وتوفي عندما تحطمت طائرته عام 1941وقد عثر على وثيقة في ملفه تذكر أن هتلر اعتبره آري منذ عام 1935.ومن هؤلاء أيضا الجنرال هانس زيكرتوت الذي كان أيضا قد منح وساماً.

وكان من هؤلاء العقيد والترهوليندر الذي كانت أمه يهودية أيضا وانضم إلى الجيش عام 1922 ومع أنه كان ضابط المقر في برلين إلا أنه كتب في ملفه عبارة”ليس من الجنس الآري” إلا أنه بقي يخدم في الجيش مع الضباط الألمان وارسل إلى الصين في بعض المهمات ومنحه هتلر ميداليتين للخدمة المشرفة إحداهما عام 1936 والأخرى عام 1939 بعد أن راجع ملفه ورأى بعض صوره. وقد أصبح آمراً لكتيبة رماة القنابل في بولندا كما أنه حارب على الجبهة الروسية حيث منح وسام الصليب الحديدي لتدميره 21 دبابة في معركة كورسك وكان الروس قد أسروه وسجنوه لفترة 12 سنة.ووجد كذلك اسم العقيد الركن ارنست بلوخ ضمن قائمة ال77 اسما وهو ابن الطبيب اليهودي اوسكمار بلوخ.وتبين من الوثائق التي عثر عليها أن هذا الضابط كان هو الذي ساعد الزعيم الروحي للحسيديم اللوبافتش جوزيف شنيرسون عندما كان محاصرا مع عائلته وبعض أتباعه في أحد أحياء وارشو عام1939.ويذكر الحسيديم اللوبافتش ان عسكريا المانيا كان قد ساعد زعيمهم في محنته.وهم يذكرون هذه الحادثة على انها كرامة من كرامات زعيمهم حين قام عسكري الماني بمساعدة حاخام يهودي على الهرب ولم يكن الباحثون اليهود في تاريخ اليهود الحسيديم ليأخذوا ما جاء في أدبيات الحسيديم مأخذ الجد إذ حتى اسم العسكري لم يكن مذكورا. إضافة إلى ما كان معروفا أن وزارة الخارجية الأمريكية قد تدخلت مع الحكومة الألمانية آنذاك بضغط من يهود الولايات المتحدة لإنقاذ الحاخام.لكن الوثائق التي اكتشفت تبين أن هذا الضايط كان له دور مهم في تهريب هذا الحاخام إلى مكان آخرحيث استقر في النهاية في الولايات المتحدة الأمريكية وكان الضابط عندما يسأل عن اصطحابه لليهود—الذين كانت تشي بهم ملابسهم وقبعاتهم وظفائرهم على جانبي الرأس—يقول لهم إن عنده أوامر خاصة بأخذهم إلى برلين.وكان بلوخ قد انضم إلى الجيش الألماني عندما كان في السادسة عشرة من عمره وفي عام 1935 ضمه فلهلم كناريس رئيس الإستخبارات العسكرية إلى قسمه واسند اليه مهمة جمع المعلومات عن القدرة العسكرية لبعض الدول.وعندما تحدث الأدميرال كناريس رئيس الإستخبارات العسكرية مع هتلر عن أصل بلوخ اليهودي وعرض عليه بعض الصور في ملفه العسكري وقع هتلر وثيقة جاء فيها”أنا هتلر زعيم الشعب الألماني أوافق على أن الرائد ارنست بلوخ من أصل الماني ولكن يعاد النظر في وضعه بعد انتهاء الحرب ليتقرر فيما إذا كان لا يزال يستحق رتبته”ثم رقي فيما بعد إلى رتبة عقيد ركن ومنح وسام الصليب الحديدي واوسمة أخرى.واكتشف هملر أصله اليهودي عام 1944 وقدم توصية إلى هتلر بتسريحه من الجيش فسرحه.

وكثيرا ما وجد توقيع هتلر على مثل القرار المذكور اعلاه .

وكان من هؤلاء الضباط روبرت بوكارت الذي وصل إلى رتبة رائد في الجيش النازي وأخرج منه عام1934 لاكتشاف يهوديته ولكنه أرجع اليه في السنة نفسها بناء على أمر من هتلر وقد ارسل إلى الصين لمساعدة جيش تشن كاي شك.وفي عام 1941 أرسل إلى الجبهة الروسية وكان قائد كتبية دبابات ومنح في هذه السنة وسام صليب الفارس على ماقام في هذه الجبهة ثم نقل إلى شمال أفريقيا ليلتحق بجيوش رومل .وبعد معركة العلمين القي القبض عليه من قبل الحلفاء والحق بأبيه اليهودي الذي كان قد هرب من المانيا.وفي عام 1946 رجع إلى المانيا. وقبل وفاته عام 1983 أخبر طلاب مدرسة في المانيا بأن اليهود الذين حاربوا في الجيش كانوا يحاربون من أجل بلدهم.

ومن هؤلاء الذي قابلهم براين ِرغ عسكري باسم ادغار جيكبسون (اسم مستعار) وهو طلب من ِرغ أن يخفي اسمه الحقيقي وكان قد وصل إلى رتبة رائد في الجيش وعمل مع الجيش النازي في فرنسا في قسم الدعاية ومنح وسام الصليب الحديدي من الدرجة ألأولى.

وكان من الأحياء الذين قابلهم ِرغ جوزيف هامبرغر(اسم مستعار) الذي كان يتجاوز عمره الثمانين في حينها ويقول بانه يهودي كامل بالتعريف النازي ورحل من شمال المانيا إلى جنوبها وغير اسمه واخفى يهوديته ودخل مدرسة الضباط وتزوج من امرأة يهودية من بلدته وخدم في الجيش ست سنوات ووصل إلى رتبة نقيب.وظل في الجيش ولم يعرف أحد عن يهوديته شيئا وقتل بعض أقربائه على يد النازيين.

وذكِر عن بعض هؤلاء الضباط أنهم كانوا يتجرأون على زيارة أقربائهم في معسكرات الأعتقال النازية.وذهب أحدهم لزيارة ابيه مرة وعندما اعترضه أحد الحراس وأخبره الضابط عن سبب الزيارة قال له الحارس إنه لولم يكن يحمل وساما عسكريا لأرسله إلى حيث يوجد أبوه.كما أن بعض هؤلاء قد خدموا في فرق الأس ألأس الخاصة.

ومن القصص التي تذكر في هذا الصدد أن الصحف النازية نشرت عام1939 صورة لجندي يعتبر يهوديا طبقا للتصنيف النازي اسمه وارنرغولدبرغ وكتب تحتها”الجندي الألماني المثالي” ولكنه طرد من الجيش عام1940 بعد أن اكتشف أصله.وقد ظهر هذا الجندي على شاشة التلفزيون قبل بضع سنين وتحدث عن قصته.

ويقول ِرغ بينما كان هؤلاء يخدمون في الجيش النازي كان أقرباؤهم يقتلون في معسكرات اعتقال النازيين ويقول إنه وثق مايقرب من2300 من أسماء هؤلاء الضحايا من أقرباء ألف عسكري يهودي.ويخلص ِرغ في دراسته التي نشرها في كتاب بعنوان “جنود هتلر اليهود” إلى وجود عدد هائل من هؤلاء العسكريين أوصلهم إلى أكثر من مائة ألف ممن اعتبرهم الحكم النازي يهوداً.كما عثر الباحث على صورة كثيرة لبعض هؤلاء.بينما يرى آخرون بأن العدد قد يصل إلى150ألفاً.

ويقول الدكتورجونثان شتاينبرغ الذي أشرف على بحث ِرغ في جامعة كمبرج إن الباحث كشف عن حقيقة خافية وغير معروفة من قبل وهو فصل لايصدق من عمل البشر قام به أناس من أعلى الرتب العسكرية وإن هذا الفصل الجديد سيجعل النازية أكثر تعقيدا حيث أدخل هذا الفصل عنصرا جديدا في النقاش حول دور هتلر في المحرقة. بينما قال أحد الكتاب بأن هذا الكشف لابد وأن يحدث رد فعل عميق ويثير استغراب المؤرخين للفترة النازية.وسيبدو هذا الكشف مرعبا لجيل ما بعد الحرب الذي نشأ على أن النازية كانت تريد التخلص من اليهود في أوربا على شكل مذابح واذا كان بعض البولنديين والفرنسيين خدموا في الجيش النازي فان ذلك كان حين كانت الدولتان تحت سيطرة المانيا لكن الباحث كشف بالوثائق عن اشخاص يهود خدموا في الجيش النازي اختيارا بل إنهم بذلوا جهدا كبيرا ليبقوا فيه حتى عندما حقق معهم عن أصلهم وان البعض منهم وصل إلى مراتب عليا في الجيش وحصلوا على أوسمة رفيعة كوسام صليب الفارس.

ويقول إن هؤلاء كانوا يخدمون في جيش هتلر وفي الوقت نفسه أغمضوا عيونهم عما كان يقوم به من قتل لأبناء جلدهم في المانيا وغيرها من الدول. وأخذ الباحثون يخوضون في الأسباب التي دعت هؤلاء للقيام بما قاموا فبعضهم أدانهم وآخرون أعطوا تبريرات لعملهم. ومهما تكن وجهة نظر الباحثين حول ماقام به هؤلاء فإن الكشف عن هذا الحدث التاريخي هو كشف مهم بامتيازوهويضاف إلى كشف آخر حدث أيضا في الحرب العالمية الثانية وهوتعاون بعض المسؤولين الصهيونيين مع النازيين أثناء الحرب المذكورة والذي وثقه الكاتب اليهودي “لني برنر” في كتابه”إحدى وخمسون وثيقة عن تعاون الصهيونيين مع النازيين”(بالإنجليزية) المنشور عام2002.

*نشر أصل هذه المقالة في صحيفة الحياة7-4-1997

يعتبر الحاخام عوبادياه يوسف الذي ولد في البصرة عام 1920 من أشهر علماء اليهود

Dr. Jaafar Hadi Hassan “The Law of Return” and the displacement of unrecognized Jews to Israel

من المعروف أن الغالبية العظمى من سكان إسرائيل اليهود هم من المهاجرين الذين هاجروا إليها بعد نشوئها وقد انيط تهجير هؤلاء بمؤسسة الوكالة اليهودية التي كانت ومازالت اليوم ذراعا مهما ورئيسا للحركة الصهيونية وكان بن غوريون رئيسها لفترة قبل إنشاء الدولة. ولهذه الوكالة عدد كبير من المندوبين يسمون شليحيم(رُسُل) ترسلهم هذه المؤسسة إلى أقطار العالم حيث يوجد من يمكن تهجيره.
كما أسندت الدولةالتأكد من يهودية الشخص وفيما إذا كانت كوشر(صحيحة) إلى مؤسسة كبيرة أخرى هي رئاسة الحاخامية وهي أيضا كانت قد أنشئت قبل ظهورالدولة. ورئاسة الحاخامية اليوم يرأسها حاخامان كبيران أحدهما أشكنازي والآخر سفاردي وكل من يعمل في هذه المؤسسة ويديرها هم من اليهود الأرثودكس.

ومن أجل تحقيق الأهداف الإستراتيجية للصهيونية فإن الوكالة اليهودية تعمل على جلب أكبر عدد ممكن من المهاجرين لذلك فهي لاتدقق كثيرا في حقيقة يهودية من تهجرأو في الوثائق التي يحملها الرجل أوالمرأة. ولابد من الإشارة هنا بأن الوكالة تقوم باقناع بعض الذين تهجرهم بأنهم من بقايا مايسمى بالقبائل العشر الضائعة وهي فكرة رسخت في مخيلة اليهود منذ أن قضى الآشوريون على مملكة السامرة(مملكة الشمال) وهجروا سكانها من هذه القبائل وشتتتوهم خارج فلسطين في القرن الثامن قبل الميلاد.وآخر من هجرتهم الوكالة على أساس من هذه الفكرة مجموعة من قبائل تسكن على الحدود الهندية البورمية(مينمار) واسمتهم “بني منسه” في شهر تشرين الثاني من هذا العام(2006).

كما أن هذه الفكرة أيضا لعبت دورا في تهجير الفلاشا الذين سنذكرهم فيما بعد. وقد تبين لرئاسة الحاخامية خلال العقود الماضية أن الكثير من هؤلاءهم ليسوا يهودا أو مشكوكا في يهوديتهم أوممن لاتعترف بهم رئاسة الحاخامية .وهناك اليوم مئات الآلاف منهم وعددهم يزداد بتقدم الزمن.

وأصبحت قضية هؤلاء بسبب كثرتهم قضية قومية يدورحولها الجدل والنقاش بين فترة وأخرى وأخذت تعرف بقضية “من هو اليهودي”. ولأن رئاسة الحاخامية لاتعترف بهؤلاء(إضافة إلى سيطرتها على قضايا قوانين الأحوال المدنية كالزواج والطلاق وغيرهما) فقد أصبح ذلك أحد ألأسباب الرئيسة للتوترالذي يسود اليوم في إسرائيل بين العلمانيين واليهود الأرثودكس حتى أن حزبا سياسيا “حزب شينوي”(التغيير) كان قد انشئ قبل سنوات على أساس رفض سيطرة رئاسة الحاخامية على هذه الأمور. ولكن لأهمية الأحزاب ألأرثودكسية ومشاركتها الدائمة والفعالة في الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة لا يتمكن العلمانيون من تغييرالوضع الحالي.

وكان من أوائل المجموعات التي هجرتها الوكالة اليهودية ولم تعترف بهم رئاسة الحاخامية فرقة اليهود القرائين. وهؤلاء لايعترفون إلا بقدسية الكتب الخمسة الأولى من التوراة دون البقية منها من الكتوبيم (المكتوبات) والنبيئيم (الأنبياء).ولا يعترفون كذلك بقدسية التلمود ولا بكونه مصدرا ثانيا للشريعة اليهودية. وهم أيضا يعترفون بيهودية اليهودي حتى لو ولد من أب.(بينما يؤكد اليهود الأرثودكس على ضرورة يهودية الأم). وهناك اختلافات أخرى تتعلق بالصلاة والطلاق وغيرهما. ولذلك ومنذ ظهورهم قبل ألف سنة في العراق لم تعترف بهم اليهودية الرسمية وحاربتهم وأفتت فتاوى ضدهم وحرمت التعامل معهم والزواج منهم والسكن بينهم، واعتبرتهم خارجين عن اليهودية .ومنذ وصولهم حاول هؤلاء بشتى الطرق أن يحصلوا على الإعتراف بهم ولكن دون جدوى إذ أصرت المؤسسة الدينية على عدم الإعتراف بهم.2وهم مازالوا كذلك حيث يعتبرون مجموعة مستقلة مثلهم مثل المجموعات الأخرى المستقلة من غير اليهود كالدروز والبهائيين وغيرهم.وسمحت لهم الحكومة أن تكون لهم مؤسساتهم ومحاكمهم الدينية الخاصة بهم وكنسهم. وهم يصدرون وثائقهم الدينية لأتباعهم ويدفنون موتاهم في مقابرهم. وتؤكد رئاسة الحاخامية على حرمة الزواج منهم بين فترة وأخرى. فعندما سئل رئيس الحاخامين السفارديم الأسبق الحاخام نسيم عن إمكانية الزواج من القرائين كان جوابه إن ذلك غير ممكن إلا إذا تحول القراؤون إلى يهود أرثودكس.كما قال رئيس الحاخامين الأشكنازيم الأسبق الحاخام الترمان إن علماءنا قد لعنوا أي شخص يرفع الحظر والمنع عن الزواج من القرائين ولذلك فإنه من غير الممكن رفع هذا الحظر3.

ولما كانت القضايا المدنية والشخصية مرتبطة برئاسة الحاخامية فإن القرائين يعانون مشاكل كثيرة نتيجة لذلك فهم لايمكنهم أن يحصلوا على وثائق طلاق أو زواج من رئاسة الحاخامية ولا يمكنهم أن يدفنوا موتاهم في مقابراليهود أو يسمح لهم أن يكونوا أعضاء في المجالس البلدية.وبسبب ذلك أصبحت لهم مؤسستهم الدينية التي تشرف على القضايا التي ذكرناها وكذك قضايا الكشر(الحلال والطاهر من الطعام وغيره).وتعتبرهم اليوم رئاسة الحاخامية اليوم فرقة منفصلة وكذلك وهم أيضا يعاملون من قبل الدولة كذلك مثلهم مثل الطوائف غير اليهودية كالدروز والمسيحيين والمسلمين والبهائيين.وهم يعتبرون معاملة الدولة خيانة لهم وأنها تعاملهم سكانا من الدرجة الثانية.

ومن اليهود غير المعترف بهم في إسرائيل اليهود الذين يطلقون على أنفسهم التقدميون وهم أساسا اليهود الإصلاحيون واليهود المحافظون(المسورتي). وآخرون. واليهود الإصلاحيون كانوا قد ظهروا في بداية القرن التاسع عشر في ألمانيا. وكانت فرقة اليهود المحافظين قد انشقت عن الاصلاحيين وظهرت في ألمانيا أيضا.

وهؤلاء يختلفون مع اليهود الأرثودكس في مسائل أساسية مثل عدم اعتقادهم بعصمة التوراة من الخطأ إذ يرون بأن التوراة كتبها بشر على مراحل والبشر معرضون للخطأ.وهم ايضا لايعتقدون بقدسية التلمود ولكنهم يقبلون بعضه.واليهود المحافظون خاصة يعتبرون الوحي مستمرا وأن الشريعة في تطور مستمر.وعندهم وعند الإصلاحيين لجان تقوم بتشريع الأحكام الجديدة كلما اقتضى الأمر ذلك.كما أن المحافظين والإصلاحيين يجيزون للمرأة أن تكون حاخامة تقوم بما يقوم به الحاخام من واجبات من إمامة الصلاة وإلقاء العظة والزواج والإشراف على طقوس المناسبات الدينية إلى غير ذلك من أمور.وعند الإصلاحيين والمحافظين اليوم عشرات النساء الحاخامات وهو شيئ يحرمه اليهود الأرثودوكس.وماتقوم به هؤلاء الحاخامات من عقود زواج يعتبر باطلا وغير نافذ بل حتى ما يقوم به حاخاموا هاتين الفرقتين يعتبر باطلا .والكثير من الإصلاحيين يعتبرون الشخص يهوديا من الاب إضافة إلى كونه كذلك من الام وليس من الأم فقط.كما أنهم يجيزون الزواج المختلط(بين اليهود وغير اليهود).وهم لايمانعون أن يكون المثلي حاخاما والمثلية حاخامة مع أن ذلك محرم بنص التوراة حيث جاء في سفر الأحبار18-22″والذكر لاتضاجعه مضاجعة النساء

إنها جريمة”. كل هذه القضايا جعلت هؤلاء خارجين عن اليهودية في نظررئاسة الحاخامية واليهود الأرثودكس بصورة عامة. وفي السنين الأولى من إنشاء إسرائيل إشتكى هؤلاء من عدم الإعتراف بهم من قبل رئاسة الحاخامية إلى بن غوريون وغولدا مئير فقال لهما هذان إن عليهم أن يهاجروا إلى إسرائيل بأعداد كبيرة حتى يصبحوا قوة ليعترف بهم.4 ( وهذا يؤكد أن المؤسسين للدولة والقائمين عليها لايهمهم فيما إذا كان المهاجر يهوديا معترفا بيهوديته أو لا). وتصدر رئاسة الحاخامية بيانات ضد هؤلاء بين فترة وأخرى. وقد جاء في أحد هذه البيانات عن الإصلاحيين “إن الإصلاحيين فرقة دينية منفصلة في إسرائيل وهي دين مختلف في كل جانب من جوانبها… لأنها لاتؤمن بالتوراة وتجيز الزواج المختلط” كما أن رئيس الحاخمين السفارديم الأسبق إسحق نسيم كان قد قال”إن الإصلاح ليس دينا”.وتحذر رئاسة الحاخامية اليهود من الصلاة في كنس هؤلاء بين فترة وأخرى.وقد جاء في أحد بياناتها في عام1982م”إنه تحرم الصلاة حرمة مطلقة في كنس الإصلاحيين والمحافظين وكل من يصلي في مثل هذه الكنس فإنه لايؤدي واجبات التوراة والصلاة”5 وقد نشر في عام(2004) إعلان في الصحف الأرثودكسية وقعه كبار الحاخامين الأرثودكس مثل الحاخام شالوم يوسف الياشيف والحاخام عوفاديا يوسف المرشد الروحي لحزب “شاس” جاء فيه عن الإصلاحيين والمحافظين “إنهم يدمرون الديانة اليهودية ويحاولون حرق الأرض المقدسة…وأنه لن يتم الإعتراف بهم طبقا للتوراة. كما يمنع منعا باتا التفاوض مع هؤلاء المخربين الذين يزيفون التوراة”.ويتهمهم هؤلاء بتشجيع الإندماج في المجتمع غيراليهودي. وكما ذكرت فإن رئاسة الحاخامية لا تعترف بعقود الزواج التي يبرمها هؤلاء. وعلى الرغم من عدم الإعتراف بهؤلاء ورغم الفتاوى ضدهم فإن أعدادهم تزداد في إسرائيل ولهم نشاط واسع ومؤسسات وكنس كثيرة كما أن الدولة تعترف بهم وتمنحهم الجنسية على أنهم مواطنون يتمتعون بالمواطنة الكاملة . كما صدرت قرارات عن المحكمة العليا في إسرائيل بالسماح لهم أن يكونوا أعضاء في المجالس البلدية على الرغم من عدم موافقة رئاسة الحاخامية. ومع أن هؤلاء غير معترف بهم فإن آخرين مثل المهاجرين الروس يلجأون إليهم للتحول الى اليهودية على يديهم والحصول على وثيقة بذلك منهم.والمحافظون والإصلاحيزن نشيطون جدا في الحركة الصهيونية ولكل واحدة من المجموعتين منظمة خاصة بهاتعمل بنشاط على تحقيق أهداف الصهيونية مثل المساعدة في تمويل المهاجرين وتوطينهم.كما ان لهما مستوطنات خاصة بهما.ويحاول هؤلاء اليوم مع الحكومة في إسرائيل أن تكون لهم رئاسة حاخامية خاصة بهم ولكن الضغط الذي تمارسه رئاسة الحاخامية في الدولة ووجود الأحزاب الأرثودوكسية يمنعان تحقيق ذلك على ألأقل المستقبل القريب. ولكن هناك إحتمال كبير في أن يتحقق ذلك في المستقبل البعيد لأن أعداد الإصلاحيين والمحافظين تزداد في إسرائيل بسبب الزيادة الطبيعية والهجرة المستمرة.كما أن المنتمين إلى هاتين الفرقتين في الولايات المتحدة الأمريكية يصل عددهم إلى ثلاثة ملايين ولهم تأثير على إسرائيل بسبب مساعداتهم المالية الكبيرة وتأثيرهم على السياسة الأمريكية لصالحها.

ومن الفرق التي لاتعترف بها رئاسة الحاخامية فرقة تسمى إعادة بناء اليهودية.وهي فرقة حديثة أنشأها حاخام معروف إسمه مردخاي قبلان(ت1980)في النصف الأول من القرن العشرين في الولايات المتحدة الأمريكية.وهي أول فرقة يهودية تنشأ في هذاالبلد.وقد وضع أفكاره في كتاب مهم أسمهJudaism as Civilisation

ويرى الحاخام مردخاي بأن اليهودية ليست دينا فقط وإنما هي “حضارة دينية متطورة” شاركت في تكوينها وإنتاجها عدة روافد وعناصر منها الأدب والتراث الشعبي والفن والتقاليد وغيرها والدين واحد منها.وكل هذه كما يقول تتطور ولذلك فهو يعتقد بأن الشريعة دائما يجب أن تتطور لتلبي حاجات العصر. وهو لا يرى بأن التوراة قد أوحي بها أو أنها معصومة من الخطأ لأنها كتبت من قبل كتاب مختلفين وفي عصور مختلفة ولأن الذين كتبوا الشريعة هم بشر كما يقول.كما أن هناك أحكاما في اليهودية مرت عليها قرون وهي تتصف بالجمود والتحجر ويجب على اليهود أن يتخلصوا منها وهو شيئ ضروري لبقائهم كما يقول .وهذه الفرقة الفت كتب صلوات مختلفة عن كتب الصلوات عند اليهود الأخرين. فقد حذفوا منها أشياء وأضافوا أشياء أخرى فقد حذفوا منه موضوع نزول التوراة على جبل سيناء كما حذفوا الصلاة التي تشير الى شخص المسيح المخلص وحذفوا الصلاة التي تشير الى الاضاحي . وكذلك حذفوا العبارات التي تشير الى قضايا الثواب والعقاب وكذلك العبارات التي تشير الى أن اليهود هم الشعب المختاروالذي تؤكد عليه أكثر كتب الصلاة اليهودية و يرى مؤسس الفرقة بأن هذه الفكرة هي فكرة عنصرية.

لا تتفق وروح العصر وهي افتتان بالنفس ومؤذية لاصحابها وتعني أيضا أنه شيئ يرثه الشخص.كما أنها تبرر تفوق عنصر معين وتبرر عدم مساواة الخلق وهذا شيئ غير ديمقراطي وغير أخلاقي كما يقول.وهو يرى بأن كل شعب له دور في التاريخ واليهود هم مثل الاخرين ولا يتميزون عنهم.وهويرفض رأي اليهود الآخرين الذين يقولون بان ترك الاعتقاد بفكرة الاختيار يجعل اليهود يفقدون الارادة في الحياة .وهذه الفرقة مثل بقية الفرق الأخرى تعترف بيهودية الشخص الذي يولد من أب يهودي إلى جانب من ولد من أم يهودية.6

وهي أيضا كالفرقتين السابقتين غير معترف بها من قبل المؤسسة الدينية في إسرائيل . ولكن لها فيها نشاط واسع ولها فيها كنس ومؤسسات ثقافية وإجتماعية.ولأن هذه الفرقة قد نشأت في الولايات المتحدة الأمريكية فإن أكثر المنتمين اليها يوجدون في هذا البلد وهم لا يتجاوزون عشرات الألاف ولكنهم مستمرون بالهجرة إلى إسرائيل. واليهود الأرثودكس في الولايات المتحدة الأمريكية لا يعترفون بيهودية هذه الفرقة أيضاوأصدروا فتاوى متكررة بذلك.أما موقف هذه الفرقة من إسرئيل فإن مؤسس الفرقة يؤمن بالصهيونية ولكنها ليست الصهيونية السياسية التي يقول عنها بانها تعتبر الدولة غاية في حد ذاتها وأنها تهمل الجاليات اليهودية بل ترفضها.بل هو يؤمن بما يسمى بالصهيونية الروحية او الثقافية .ويعتقد بأن قبلان كان قد تأثر بهذه الفكرة بالمفكر اليهودي إحد هاعام(ت 1927) .وهو قد طالب بأن تكون هناك علاقة قوية ووثيقة بين يهود إسرائيل والجماعات اليهودية خارجها وقال بأن كلا منهما لايستغني عن الأخر.وقد وصف هذه العلاقة بين الإثنين بقوله(إن إسرائيل بدون يهود الشتات هي جسد بلا روح وان يهود الشتات بدون اسرائيل مثل روح بدون جسد). كما ركز على تدريس اللغة العبرية والأدب العبري.

.ومن هذه الجماعات التي لم تعترف بها رئاسة الحاخامية في إسرائيل يهود أثيوبيا(الفلاشا).ويعني جذر هذه الكلمة باللغة الجعزية التي هي إحدى اللغات الأثيوبية “المهاجر,المنفي” ولذلك هم لايحبون هذا الإسم ويطلقون على أنفسهم “بيتا يسرائيل”(بيت إسرائيل) ولكن أسم الفلاشا هو الغالب عليهم خاصة في إسرائيل. وكان هؤلاء قد جلبتهم إسرائيل من أثيوبيا في عمليتين مشهورتين في الثمانينات وبداية التسعينات من القرن الماضي. ومنذ وصولهم إلى إسرائيل شككت رئاسة الحاخامية بيهوديتهم.وشككت في صحة طلاقهم وزواجهم.وبسبب ذلك طلبت رئاسة الحاخامية منهم أن يتحولوا إلى اليهودية الأرثودكسية حتى يعترف بهم يهودا. كما طلبوا من الرجال أن يختتنوا مع أنهم مختونون وكان التبرير لذلك أن ختانهم غير شرعي.وطالبتهم كذلك بأداء بعض الطقوس الأخرى واضطر بعضهم للتحول إلى اليهودية الأرثودوكسية.والكثير منهم لم يوافقوا على ذلك واعتبروا ذلك إهانة وإحتقارا لهم .لأنهم يعتبرون أنفسهم يهودا منذ القدم بل وأصح يهودية من كثير من اليهود الأخرين. وتعبيرا عن عدم رضاهم قاموا باحتجاجات ومظاهرات واعتصموا أمام مكتب رئيس رئيس الوزراء ومقر رئاسة الحاخامية لأيام. بل إن البعض منهم عبر عن احتجاجه بالإنتحار.وبسبب المشاكل التي يلاقونها من قبل رئاسة الحاخامية والتشكيك في يهوديتهم انضم الكثير منهم الى فرقة اليهودية الإصلاحية و فرقة اليهودية المحافظة وتخرج بعضهم حاخامين من مؤسساتهما على الرغم من أن هاتين الفرقتين غير معترف بهما من قبل المؤسسة الدينية في إسرائيل كما ذكرنا سابقا. ويعود السبب في ذلك كما أعتقد إلى سهولة التحول إلى اليهودية عند هاتين الفرقتين.ويشكو الفلاشا من معاملة الإسرائيليين لهم والتي يعتبرونها معاملة تتسم بالعنصرية حيث يطلقون على الواحد منهم”كوشي” وهي كلمة عبرية تعني”أسود” تحقيرا لهم. واحتج الكثير من الاسرائيليين وتظاهروا على سكن هؤلاء بينهم. كما أنهم يلقون معاملة مهينة في الجيش وكان ذلك سببا في انتحار بعضهم.وهم كذلك يشكون من معاملة الدولة لهم والتفريق ضدهم في السكن والتربية. وربما بسبب هذا أخذ البعض من شبابهم يبحث عن هويته في الثقافة الافريقية او الكاريبية بدل الإسرائيلية.وكانوا قد قاموا بمظاهرات ضخمة في التسعينات من القرن الماضي بعد ان علموا أن وزارة الصحة تتخلص من الدم الذي يتبرعون به للشك في أنه يحمل فيروس الأيدز. ولم يوقفوا المظاهرات إلا بعد أن أخذوا وعدا بتشكيل لجنة للتحقيق في الموضوع.ولأن اللجنة تلكات فقد تظاهروا مرة أخرى هذه السنة(2006).وربما يصل عدد هؤلاء اليوم إلى أكثر من ثمانين الفا.

وتنقل إسرائيل منذ أكثر من سنة مجموعة أخرى من هؤلاء يسمون “فلاشا مورا” وهؤلاء هم مسيحيون أثيوبيون يدعون أن أصلهم يهودي وإن المبشرين قد حولوا أجدادهم إلى مسيحيين.ويبلغ عدد هؤلاء حوالي خمسة عشر الفا بل أكثر من ذلك وتنقلهم إسرائيل تدريجيا على دفعات شهرية منذ بضع سنين ومازال نقلهم مستمرا إلى اليوم.ويساعد في ترحيلهم إضافة إلى الوكالة اليهودية منظمات أمريكية يهودية ومنظمات مسيحية صهيونية.ويقول المسؤولون في إسرائيل إن هؤلاء لا يهجرون على أساس قانون العودة ولكن طبقا لقانون الدخول إلى إسرائيل.وقد خصصت إسرائيل لكثيرمنهم أماكن في النقب خاصة بهم تطبيقا للخطة التي وضعتها إسرائيل لتهويد النقب.

ومن الجماعات اليهودية غير المعترف بها من قبل رئاسة الحاخامية فرقة

اليهوداليسوعيون”وهي تسمية افضلها علىMessianic Jews تسمى بالإنجليزية تسمية”اليهود المسيحانيون” التي هي الترجمة الحرفية للعبارة الإنجليزية المذكورة. لأن اليهود الأرثودكس أيضا مسيحانيون إذ أنهم يؤمنون بمسيح مخلص ولكنه مسيح يهودي كما هو معروف بينما يؤمن اليسوعيون مع كونهم يهودا بالمسيح عيسى (يسوع) الذي ينتظرون ظهوره الثاني فهم يهود وهم يسوعيون.وبسبب إيمانهم بالمسيح عيسى فإنهم في رأي الأرثودكس خارجون عن اليهودية مهما كانت ممارستهم الدينية للشريعة اليهودية.

ويقول اليهود اليسوعيون أن فرقتهم ليست جديدة بل هي ترجع في أصولها إلى تلامذة المسيح عيسى أنفسهم حيث كان هؤلاء يهودا يمارسون الشريعة اليهودية وفي الوقت نفسه كانوا مؤمنين برسالة عيسى.ولم ينقطع إستمرار وجود هذه الفرقة منذ ذلك الوقت.ولكنها لم تكن نشطة في القرون السابقة وأخذت تنشط منذ بداية القرن العشرين.ويعد أفراد هذه الفرقة اليوم بمئات الألاف وهم منتشرون في كثير من بلدان العالم ولكن الغالبية العظمى منهم يوجدون في الولايات المتحدة الأمريكية. وتبلغ أعدادهم في إسرائيل عدة آلاف لهم كنسهم ومؤسساتهم الثقافية والإجتماعية. وقد كانت نشاطاتهم في السابق في إسرائيل شبه سرية خوفا من رئاسة الحاخامية واليهود الأرثودكس بصورة عامة. لأن هؤلاء يرون بأن اليهود اليسوعيين هم أقرب إلى المسيحية منهم إلى اليهودية وإن مايقومون به في إسرائيل إنما هو تبشير بالمسيحية.لذلك فهم يلاحقونهم ويتعقبون نشاطاتهم ويتقفون آثارهم من خلال منظماتهم التي اسست من أجل الدفاع عن اليهودية الأرثودكسية ومحاربة النشاطات التبشيرية.

وأقدم هذه المنظمات الأرثودكسية وأكثرها نشاطا منظمة”يد لأحيم”(مساعدة الأخوة).ومع كل هذه الملاحقة فإن أعدادهم قد ازدادت في السنين الأخيرة وكذلك نشاطهم.ولابد أن نذكر هنا بان هؤلاء على الرغم من عدم اعتراف رئاسة الحاخامية بهم فإنهم صهيونيون متشددون حيث أنهم يجعلون الهجرة الى إسرائيل والسكن فيها فريضة واجبة لا يجوز التهاون بها أو التخلف عنها. ولذلك فإن أعدادهم ستزداد في المستقبل.8

ومن الفرق التي لاتعترف بها المؤسسة الدينية فرقة من الأمريكيين السود الذين يسمون أنفسهم “العبرانيون الإسرائيليون”.وهذه الفرقة هي فرقة حديثة أنشئت في النصف الثاني من القرن العشرين.وزعيمها وأحد مؤسسيها هو بن عامي الذي وصل مع عدد من أتباعه إلى إسرائيل في نهاية الستينات.وعند وصولهم طلبوا السماح لهم بالدخول الى إسرائيل طبقا لقانون العودة. و سمحت لهم السلطات بالدخول والبقاء موقتا.وقدموا طلبا لرئاسة الحاخامية للإعتراف بهم ولكن رئاسة الحاخامية رفضت ذلك وطلبت منهم أن يؤدوا شعائر التهود طبقا للطريقةالأرثودكسية كي يحصلوا بعد ذلك على الجنسية الإسرائيلية ولكنهم رفضوا ذلك واعتبروه شيئا مهينا لهم وتشكيكا بيهوديتهم.وظلوا على اعتقادهم الذي يختلفون به عن اعتقاد الأرثودكس.فهم يعتقدون فقط بالكتب الخمسة الأولى من العهد القديم ككتب منزلة كذلك هم لايعترفون بالتلمودالذي هو المصدر الثاني للشريعة اليهودية كما ذكرنا.

ويختلفون عن اليهود الأرثودكس في أنهم يقدسون عيسى بن مريم كنبي وهم يستشهدون باقواله كثيرا.كما أنهم لايحتفلون ببعض الأعياد المهمة مثل الفصح ويعتبرونه حدثا تاريخيا قد مضى ولا ضرورة للاحتفال به.كما انهم لايمارسون بعض الشعائر اليهودية المعروفة.وهم ينظرون إلى زعيمهم بن عامي ليس زعيما فقط ولكنه نبي أيضا.وهم يعتقدون بان إبراهيم واسحق ويعقوب كانوا من الجنس الأسود وكذلك اليهود الأوائل.وهؤلاء وإن كانوا يتمتعون بالإقامة الدائمية فقط إلا انهم كما اظن سيمنحون الجنسية في وقت ما في المستقبل حيث اعلن ان الحكومة ستخصص لهم مستوطنات خاصة بهم.9

ومن الفرق غير المعترف بها في إسرائيل من قبل رئاسة الحاخامية فرقة Huministic Judaismتسمى اليهودية البشرية

وكانت هذه الفرقة قد أسسها حاخام أمريكي في ستينات القرن الماضي اسمه شيرون وين .والمقصود بالبشرية هنا هو أنها من صنع البشر(اليهود)فهم الذين أوجدوا اليهودية وأبدعوها ولا علاقة لها بوحي منزل أو خالق. ولذلك أسمى كتابه الذي وضع فيه اصول الفرقة وعقائدها “يهودية بدون الله ” وهو يقول بأن اليهود هم الذين صنعوا تاريخهم وليس هناك قوة ميتافيزيقية اثرت في مساره.وتنكر الفرقة بهذا وجود خالق لهذا الكون وينكرون كذلك وجود بعض الشخصيات التاريخية مثل إبراهيم واسحق ويعقوب كما ينكرون ايضا حادثة خروج بني إسرائيل من مصر.وهم لايعتبرون ما جاء في التوراة ملزما بل إن ما فيها من أحكام يجب في رأيهم يجب أن يتطور بتطور الزمن.وهم ينتقدون التوراة نقدا شديدا وقاسيا فهم يقولون بأن التوراة فيها الكثير من الأخطاء والتناقضات وهي مثيرة للتشويش والإرباك للقارئ.

وهم يرون فيها وثيقة رجعية فيها الكثير من الإهانة والإذلال لليهود المعاصرين.

كما انهم يرون فيها وثيقة شوفينية لانها تعتبر اليهود شعبا مختارا ومتميزا عن غيره وله حقوق خاصة به وانه شعب مفضل على غيره وان له فضائل فطرية خاصة به

دون غيره من الشعوب الاخرى.

ولهذه الفرقة اليوم عشرات الالاف من الأتباع وعشرات المراكز في مختلف انحاء العالم وأتباع هذه الفرقة يختلفون في نظرتهم إلى إسرائيل إذ أنهم يعتبرونها دولة ذات شعبين عربي ويهودي. وهم يرون بأن جذور الإسرائيليين هي في الشتات وليس في فلسطين التاريخية كما هي نظرة اليهود الصهاينة.وهم يقولون بان الإسرائيليين يعرفون بان آباءهم واجدادهم هاجروا إليها من خارجها وهم ليسوا سكانا محليين وليس لهم ذكريات سابقة عن هذا البلد الذي هاجروا اليه ولم يكونوا يتكلمون لغته.وإن وجود الإسراءيليين هو انعكاس ليهود الشتات وان التوتر بين الاشكنازيم والسفارديم هو نموذج للتوتر بين الجماعات اليهودية خارج اسرائيل ولذلك فإن إسرائيل لا يمكن أن تكون دولة طبيعية.وهم ينتقدون اسرائيل لانها تلح على الجماعات اليهودية بالهجرة اليها وهم لايريدون ذلك. ولذلك فانها كما يرون لايمكنها ان تتعامل معها بشكل واقعي.10

ومن المجموعات الكبيرة التي هاجرت الى اسرائيل مجموعة اليهود الروس التي هاجرت في نهاية القرن الماضي. ويقصد باليهود الروس ليس فقط الذي هاجروا من روسيا وإنما يطلق هذا الإسم على كل من هاجر من دول الإتحاد السوفياتي السابق وقد تاكد فيما بعد بان عددا كبيرا من هؤلاء هم ليسوا يهودا.وطبقا لما ذكرته رئاسة الحاخامية فإن هناك مايقرب من ثلثمائة الف من هؤلاء هم غير يهود. بل إن بعض الإحصائيات قد ذكرت بأن50/ من هؤلاء هم غير يهود.11 وقد تأكد أيضا بأن عددا كبيرا منهم هم مسيحيون وليس له علاقة باليهودية.والغالبية العظمى من هؤلاء لايهتمون باعتناق اليهودية كما يطلب منهم 12 وبعضهم وجد شروط التحول الى اليهودية الأرثودكسية شروطا صعبة لا تطاق ولا يمكن القبول بها.كما أن البعض الآخر من هؤلاء هم من فرقة “اليهود اليسوعيين” الذين ذكرناهم سابقا. وهذه الفرقة هي فرقة نشطة في روسيا ودول البلطيق.وهؤلاء يرفضون التحول الى اليهودية الأرثوكسية لانهم يعتقدون أن فرقتهم تمثل اليهودية الحقيقية وان فرقتهم هي الناجية. والكثير من المهاجرين الروس لايؤمنون بالشريعة اليهودية ويقولون إنهم يهود في شيئين.أحدهما بالمقارنة مع العرب وثانيهما في بطاقة الهوية.ومنذ هجرة هؤلاء برزت بعض المظاهر التي تخالف الشريعة اليهودية في اسرائيل مثل فتح الدكاكين بكثرة في اسرائيل في يوم السبت وكذلك ازدياد عدد مخازن بيع لحم الخنزير وعدم صيام يوم الكبور الذي يعتبر اقدس يوم عند اليهود.وكل هذه الأمور تثير حفيظة اليهود الأرثودكس وغضبهم.وقد أنشأ المهاجرون الروس عددا من الأحزاب والمنظمات التي تعادي العرب في فلسطين.وأكبر هذه الأحزاب حزب “إسرائيل بعالياه” الذي أسسه شرانسكي في التسعينات من القرن الماضي وقد شارك هذا الحزب في عدد من حكومات الليكود وكان شرانسكي وزيرا ونائبا لرئيس الوزراء في بعضها .ومن سياسة هذا الحزب رفضه للانسحاب من الأراضي المحتلة.ومن هذه الأحزاب حزب “إسرائيل بيتينو” الذي اسسه أفيغدور ليبرمان الذي ينادي بطرد الفلسطينيين من

ديارهم بل إنه يدعو علنا إلى القضاء على كل أعضاء قيادة حماس. ومن منظمات المهاجرين الروس منظمة “الإتحاد السلافي” ومنظمة “إتحاد الإسرائيليين البيض”.وهاتان المنظمتان ليس لكرههما للفلسطينيين حدود، بل إن الأخيرة تدعو إلى قتلهم علنا.وقد نشرت الصحف في العام2004 الكثير من الأخبارعن تمثيل الجنود الروس بجثث الفلسطينيين والإستهانة بها. ومع أن رئاسة الحاخامية في إسرائيل لا تعترف بهذه الفرق إلا أن الدولة تمنحهم الجنسية والمساعدات وتوفر لهم وسائل ألإقامة المريحة ويصبحون مواطنين كاملي المواطنةوهذا يثير الشكوك حول نية الدولة التي تسمح لهؤلاء طبقا لما أسمته قانون العودة الذي شرعته عام 1950 والذي يحق لليهودي طبقا له الحصول على الجنسية بمجرد وصوله إلى إسرائيل. وترفض عودة أهل البلد من اللاجئين الفلسطينيين مع أن قرار الأمم المتحدة رقم194 ينص بوضوح لايقبل التأوييل بضرورة قبول اسرائيل رجوع اللاجئين الفلسطينيين إلى أرضهم.ولأنها لاتسمح إلا لمن تعتبره يهوديا فقد اعتبر”قانون العودة” قانونا عنصريا.

هوامش

1-عن اليهود القرائيين راجع كتابنا”فرقة القرائيين اليهود”

(2. S.Z. Abramov, Perpetual Dilemma pp.282-3. 3. D. Ross, Acts of Faith p.142. 4. W. Frankel, Israel Observed pp.217-8 5. M.A. Meyer, Response to Modernity, A History of the Reform Movement in Judaism p.468. 6. Dan-Cohn-Sherbok, The Future of Judaism pp.135-137

r7عن اليهود الفلاشا راجع:جعفر هادي حس ،صحيفة الحياةفي 9-10-11-12شباط1996.

8-عن اليهود اليسوعيين: راجع جعفر هادي حسن،صحيفة الحياة في 30-7-1997 وما بعده

9. On the history and beliefs of the Hebrew Israelites see M. Launds (Jr)

Israel’s Black Hebrews.10. The main reference on the subject of Secular Humanistic Judaism is “Judaism Beyond God” by Sherwin T Wine (a prominent exponents of this sect).11. the Jerusalem Report 25/12/1997. 12-D. Siegel The Great Immigration , Russian Jews in Israel, p.64

* نشرت هذه الدراسة في مجلة النورعدد 178–2007

Dr. Jaafar Hadi Hassan منظمة نطوري قارتا اليهودية ونظرتها إلى الصهيونية واسرائيل د. جعفر هادي حسن

كان الغالبية العظمى من اليهود المتدينين من المعارضين للحركة الصهيونية عند ظهورها، وكان من هؤلاء المجموعة التي يطلق عليها اليوم “نطوري قارتا” وهي مجموعة غير سياسية، لأن رفضها للصهيونية وإسرائيل على أساس ديني وليس سياسي، وكانت هذه المجموعة قبل انفصالها واستقلالها ضمن مجموعة أكبر هي “اغودات إسرائيل”، وهي منظمة كبيرة نشأت في بداية القرن العشرين كمعارضة للحركة الصهيونية وعندما انتقلت اغودات اسرائيل الى فلسطين في الربع الأول من القرن العشرين أخذت تدعو الى مجتمع يهودي منفصل عن تأثير الصهيونية، وأنشأت مؤسسات دينية خاصة بها منفصلة عن تلك التي كان يشرف عليها الحاخام ابراهام اسحق كوك (ت 1935) الذي كان مؤيداً للحركة الصهيونية والذي أصبح رئيس حاخامي فلسطين فيما بعد.

وعندما رأت هذه المنظمة معارضة الفلسطينيين الشديدة للاستيطان قررت عقد اتفاق معهم ولكن بعد أن علمت عصابة “الهاغانا” التي كانت تحارب الفلسطينيين اغتالت إبرز زعيم للمنظمة وهو يعقوب اسرائيل دي هان عام 1924 وأجهضت المحاولات فتوقفت المحادثات وهو ما أرادته “الهاغانا”.

وطلبت اغودات اسرائيل من حكومة الانتداب وعصبة الأمم أن يكون لها كيانها المستقل عن اليهود الآخرين الذين نظموا أنفسهم في جمعيات ومجالس ليست بعيدة عن تأثير الحركة الصهيونية وكان لها ما أرادت. ولكن وصول المهاجرين الجدد من بولندا والمانيا وحديثهم عن اضطهاد اليهود اثر على توجه اغودات اسرائيل، فأخذت تميل إلى التعاون مع المؤسسات الصهيونية تدريجياً وعندئذ رفضت مجموعة نطوري قارتا هذا التعاون، فانفصلت عنها واستقلت بنفسها واتخذت الاسم “حبرت حاييم” جمعية حاييم.

ثم بعد فترة قصيرة اتخذت الاسم الحالي وهو اسم ارامي يعني “حراس المدينة”، ويقصد بالمدينة هنا هي مدينة القدس. وهذا الاسم مأخوذ من جملة وردت في التلمود الاورشليمي (الفلسطيني) وهي “ان حراس المدينة (نطوري قارتا) هم ليسوا الجنود لأن هؤلاء هم مدمرّوها بل (الحراس)هم علماء الشريعة وكتاب التوراة”. وأشار النص إلى عبارة (المزمور 127/1) “وإن لم يبنِ الرب البيت فباطلاً يتعب البناؤون، وإن لم يحفظ الرب المدينة فعبثاً يسهر الحارسون”. وبعد انفصال نطوري قارتا اصبح الحاخام عمرام بلاو (ت 1974) زعيمها وهو من مواليد القدس وأخورئيس سابق لأغودات إسرائيل.

وبعد فترة اصدرت نطوري قارتا صحيفة “هاحوماه” (السور) تدافع فيها عن موقفها وتنتقد الحركة الصهيونية وكذلك أخذت تنتقد أغودات اسرائيل ومواقفها، وقد كتبت مرة في أحد أعدادها عنها ما نصه “ان اغودات اسرائيل انشئت لتحارب الكفر (الصهيونية) ولكنها اليوم أصبحت أخطر أعداء اليهود المتدينين”، وأنذرت من يتعاون معها بالمقاطعة، كما سحبت ابناءها من مدارسها.

وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ارسلت وفوداً الى بعض المنظمات الدولية والى الأمم المتحدة التي كانت قد انشئت حديثاً تطالبها في أن تكون القدس تحت اشراف دولي، وأن لا تكون تحت سيطرة الصهيونيين.

وكان الحاخام عمرام بلاو أثناء الحرب العربية – اليهودية يخرج الى الشوارع ويقول لليهود “لا تغرنكم زعامة الوكالة الصهيونية التي ترفض التوراة ولا تسمحوا لأولادكم وبناتكم أن يذبحوا من أجل هذه الدولة الفوضوية. إننا مع السلام ومع العرب وسنلجأ الى الحكومة البريطانية لتخلصنا من هذه المحنة”.

وعندما أعلنت دولة إسرائيل أخذت نطوري قارتا تنظم مظاهرات واحتجاجات وصلوات وصياماً وأرسلوا كذلك مذكرات الى الأمم المتحدة تطالبها برفض الاعتراف وقالوا للبريطانيين عند الإعلان “ارحمونا واسحبوا قرار الاستقلال وازيلوا حكمهم (الصهيونيين) عنا”، كما قالوا “نحن نقول بصراحة بأننا لا نعترف بنظام المجدفين ولا نخضع لأوامرهم ولسنا ملزمين بأي حال من الأحوال بقوانينهم وتشريعاتهم”.

وما زال أتباع نطوري قارتا الى اليوم لا يعترفون بيوم الاستقلال ويعتبرونه يوم ندب وحزن وكان الحاخام عمرام بلاو يخرج فيه لابساً مسوحاً حيث لم تكن تفوته فرصة التظاهر ضد الدولة والاحتجاج عليها والتشهير بها، وكان قد اعتقل بسبب ذلك مائة وثلاثاً وخمسين مرة. وقد قال مرة للقاضي عندما كان يحاكمه”انني ارغب في توضيح مسألة وهي أن القدس مدينة دولية بالنسبة الى منظمة الأمم المتحدة ولا بد للمحكمة أن تحكم بقانون دولي، ولما كنت من سكان القدس فليس لكم الحق في أخذي الى سجن يافا التي هي ضمن المنطقة التي يسمونها دولة اسرائيل”. وكان الحاخام بلاو قد وضع على باب داره لوحة كتب عليها “أنا يهودي ولست صهيونياً” بالعربية والانجليزية والعبرية.

وهم يعتقدون بأن هذه الدولة ليست علمانية حسب، بل انها تقوم كذلك على رفض الإله ورفض التوراة ورفض الشعب اليهودي وتؤكد نطوري قارتا في أدبياتها على أن إسرائيل دولة غير شرعية ومخالفة لمعتقدات الشريعة اليهودية، لأنها انشئت على فكرة الصهيونية، وهي كما تقول فكرة باطلة، إذ أنها تخالف معتقد ظهور المسيح المخلص اليهودي (وهو من المعتقدلت الثلاثة عشر) الذي هو وحده الذي سينشئ الدولة اليهودية الحقيقية. وعلى اليهود واجب الانتظار لهذا الحدث الذي هو في رأيها اعجازياً ليس لبشر دخل في حدوثه. وتقول إن عمل الصهيونيين هو عمل “حمل على ذنب وولد على ذنب”. ولما كانت نظرتهم الى الدولة اليهودية على أنها دولة غير شرعية، فإنه يترتب على ذلك مسألة مهمة وخطرة وهي عدم وجوب اطاعة قوانينها ومخالفتها إذا كان ذلك من جل تحقيق غايات دينية وهم يقولون إنهم لو كانوا في دولة غير يهودية فإنهم يرضخون لحكمها ويطيعون قوانينها ويمتثلون لأوامرها لأن الدولة الأجنبية لا تدعي أنها دولة يهودية على العكس ماتدعيه إسرائيل. ويحتم على اليهود اطاعة قوانين الدولة الأجنبية طبقاً للقاعدة الفقهية اليهودية “دينا ملخوتا دينا”، وهي عبارة آرامية تعني “قانون الدولة قانون”.

وقد نشرت نطوري قارتا بياناً قبل حرب حزيران (يونيو) بأيام جاء فيه “نحن لا نكره أحداً، ونحن نكره الحرب والنزاع بأي شكل من الاشكال ولسنا ضد أي مجتمعأ وشعب، لأن توراتنا المقدسة لم تأمرنا بهذا في شتاتنا… وان قدرنا مع هؤلاء العصاة (الصهيونية) إنما هو بسبب ذنوبنا وما علينا إلا أن نصلي وندعو الله لانقاذنا من هذا القدر وينجينا منه”.

كذلك هم ينتقدون الأحزاب الدينية التي تتعاون مع الدولة ويذكرونها بأنها مذنبة لأنها تتعاون مع حكومة “كافرة”، كذلك يتهمونها بأنها تتعاون من أجل منافع مادية ومصالح دنيوية وليس من أجل اصلاح الدولة كما تدعي بعض هذه الأحزاب، وهم يطالبون السكان بأن لا ينخدعوا بما يقوله هؤلاء من ادعاء اصلاح سلوك الدولة واصلاح قوانينها وترشيد سلوك المجتمع فيها، وهم يدعون هذه الأحزاب الى الانسحاب سياسياً واجتماعياً.

وهم لا يمتنعون عن الانتخابات فقط، بل إنهم يقفون عند صناديق الاقتراع مع من يؤيدهم من الارثودكس الآخرين يحثون الناس على عدم الانتخاب والادلاء بأصواتهم. ومعروف ان اتباع نطوري قارتا لا يرسلون ابنائهم الى مدارس الدولة ولا يخدمون في الجيش، وهم يرفضون الهوية التي تصدرها الدولة للسكان فيها. وكان زعيمهم الحاخام بلا قد اصدر لهم وثائق بدل تسجيل انفسهم مواطنين في الدولة وقد حملت الوثائق عبارة مأخوذة من سفر استير 3/2 وهي “ولم ينحن مردخاي ولم يركع”. ولهم نشيدهم الخاص بهم وهو كان قد كتبه الحاخام بلاو في السجن، وهم يرددونه دائماً في مظاهراتهم واحتجاجاتهم. كما أصدر لهم عملة ورقية خاصة بهم حتى لا يستعملوا عملة الدولة. وهم لا يعترفون بوثيقة الكشروت (الحلال والطاهر) التي تصدرها رئاسة الحاخامية في إسرائيل. وهم يشرفون بأنفسهم على أطعمتهم وذبح ذبائحهم، إذ هم لا يعترفون بما يذبحه اليهود حتى لو كانوا من اليهود الارثودكس.

وكان الحاخام عمرام بلاو قد كتب رسالة وجهها الى العالم قبل وفاته بقليل وجعل عنوانها “الى الذين يؤمنون بالعدالة” وطلب توزيعها على الناس وقد جاء في بعضها “إن الشعب اليهودي يعارض أي أذى للشعب العربي، وان هذا الشعب لم يؤذ الشعب اليهودي أبداً الى أن جاءت القومية الصهيونية. إن التوراة توجب على الشعب اليهودي أن يعيش بسلام في البلدان التي يعيش فيها، وأن لا يثور ضد أي دولة، خاصة إذا كان ذلك يتعلق بفلسطين حيث نحن ممنوعون ان نهاجر اليها بشكل جماعي”.

وهو في هذا المقطع يشير الى ما ذكره التلمود من أن اليهود عاهدوا الرب على ثلاثة اشياء وهي أن لا يستعجلوا الخلاص ولا يدخلوا فلسطين بالقوة ولا يثوروا على الشعوب التي يعيشون بينها.

وقد جاء في رسالته ايضاً مقطع يتضمن قراءة تنبوئية للمستقبل، حيث جاء فيه “ان أي شخص في العالم يؤمن بالعدالة لا بد أن يتأكد بأن العالم كله سيصيبه الأذى إذا سمح للتجربة الصهيونية أن تستمر لأن هذا الأذى سيصيب الكثير من الأبرياء وكل شخص صاحب رحمة وعادل لا بد أن يقف ضد الصهيونيين ويوقفهم” ويؤكد ماتنبأ به هذا الحاخام مما نراه اليوم من قتل للأبرياء منذ نشوء الدولة الصهيونية وما زال العالم يتوقع المزيد.

وترى نطوري قارتا ان المشروع الصهيوني نهايته الفشل، وأن المحرقة النازية هي عقاب من الرب لليهود لأنهم وافقوا على المشروع الصهيوني.وهم يتهمون الصهيونيين بالتعاون مع النازيين، ومن ذلك اتفاقهم معهم على ارسال الشباب اليهود الى فلسطين لانشاء المستوطنات بعد صعود النازية.ويشير نطوري قارتا هنا إلى ماذكره آيخمان في في اتفاقه مع رودولف كستنر الممثل المعروف للحركة الصهيونية في نص معروف عن هذا الموضوع حيث قال “إن هناك تشابها بين نظرتنا في منظمة ألاس ألأس ونظرة أولئك الزعماء الصهيونيين…. الذين ربما يحاربون معركتهم ألأخيرة فرودولف كستنر الممثل الرسمي للحركة الصهيونية….الذي هو محام بارد جدا وصهيوني متعصب لم يمانع في أن يساعد على إبقاء اليهود في المعسكرات وتسفيرهم بل وافق على أن يبقى النظام (مستمرا) في المعسكرات الجماعية إذا أنا وافقت على ان أسمح لبضع مئات أو بضعة آلاف من الشباب اليهود بالهجرة إلى فلسطين بشكل غير قانوني وكان هذا اتفاقا جيدا من أجل حفظ النظام في المعسكرات. فإن خمسة عشر ألف أو عشرين ألف وربما أكثر كثمن هو ليس ثمنا مرتفعا جدا لي ….وعندما جاء لي كستنرلم يكن أبدا خائفا أبدا من رجال الغستابو.وقد تناقشنا على مستوى الند للند وعندما كنا نتحدث كان هو يدخن السيجار المعطر واحدا بعد الآخر من علبة فضية وقداحة فضية.وهو كرجل بولندي جيد ومتحفظ كان بالإمكان أن يكون ضابط غستابو ممتاز… وكان اهتمام الدكتور كستنر ينصب على اختيار مجموعة من اليهود الهنغاريين ليهاجروا إلى إسرائيل….وأني أعتقد بأن كستنر كان يمكن أن يضحي بألف أو مائة ألف ليحقق هدفه السياسي .وهو لم يكن مهتما بكبار السن من اليهود الذين اندمجوا في المجتمع الهنغاري.وقد قلت له إننا أيضا ضحينا بدماء قبل أن نأتي إلى السلطة(1)

وكذلك اتهموهم باستغلال المحرقة بعد حدوثها لتحقيق أهدافهم، “إذ أنهم لم يحركوا ساكناً عندما كان القتل مستمراً حيث كانوا قادرين على ايقافه لأنهم كانوا يريدون استمرار الموت والمعاناة لتحقيق أهدافهم بعد انتهاء الحرب” كما قالوا. ولا تنكر نطوري قارتا بأن ما حدث على يد النازية لليهود كان كارثياً عليهم، ولكنها تعتقد بأن عدد القتلى الذي يذكر هو رقم مبالغ فيه. وهي تدعو الى تفكيك دولة إسرائيل لأنها تعتقد أن وجودها سبب المشاكل في الشرق الأوسط. وكان ممثلون عن نطوري قارتا قد حضروا مؤتمراً في نهاية العام الماضي2006 نظمته إيران عن المحرقة. وقد صدرت قرارات في بريطانيا بمقاطعتهم وعزلهم وعدم التعامل معهم وتظاهر بعض اليهود ضدهم في الولايات المتحدة الأمريكية. ولكن هؤلاء أصروا على أن ما قاموا به كان صحيحاً، وأنه كان بدافع من مبادئهم وعقيدتهم الدينية.

ويوجد الكثير من أتباع نطوري قارتا في إسرائيل (في القدس ورمات بيت شمش وبني برق).وهم موجودون ايضاً في بريطانيا وفي الولايات المتحدة الأمريكية وفي بلجيكا ايضاً. وهم يتظاهرون بين فترة وأخرى ضد إسرائيل وسياستها ويرفعون لافتات كتب عليها “يهودية لا صهيونية” و “نحن ننتظر تدمير الصهيونية”، وهم يرفعون كذلك لافتات مؤيدة للفلسطينيين ومدافعة عن قضيتهم. ويعتقد أن اتباع نطوري قارتا لا يتجاوز عشرة آلاف وربما كان أ قل من ذلك.

وهناك مجموعة أخرى من اليهودلها النظرة نفسها نحو الصهيونية واسرائيل، رأيت من المفيد أن أذكرها هنا، لأن الكثير من الناس لا يعرف عنها شيئاً، لأنها أقل نشاطاً وظهوراً من نطوري قارتا. وأقل شهرة مع أنها أكثرعدداً منها، حيث يصل عدد أتباعها إلى أكثر من مائة ألف. وهذه المجموعة هي مجموعة الحسيديم الستماريم وهؤلاء مثل نطوري قارتا هم من اليهود الحريديم (المتدينين جداً). وربما كان زعيمهم الأكبر الحاخام يوئيل تيتلباوم (ت 1979) من أكثر اليهود المتدينين كتابة وخطابة ضد الصهيونية واسرائيل. وكان هذا الحاخام من أوائل الذين عقدوا مؤتمراً (في عام 1924) ضد الصهيونية مع حاخامين آخرين. وهو كان يقول عنها إنها عقيدة وايديولوجية شيطانية، واعتبر التعامل معها جريمة كبرى، وقال عنها إنها أعظم الشرور خطراً في هذا العصر وأكثرها ضرراً وسوءاً. بل إنه كان يقول “إن المآسي والكوارث التي حلت باليهود إنما سببها الصهيونيون ووسائلهم الشريرة، وان ما قام به النازيون كان سببه الذين خالفوا أوامر الرب وثاروا على الأمم، وان اعمالهم هي التي أعطت الوسائل للذين ظلموهم”. وهو قد أكد دائماً على أن انشاء إسرائيل كان معوقاً لظهور المخلص ومؤخراً له “وانه لولا ظهور الدولة لكان المخلص قد ظهر”.

ورأيه مثل رأي نطوري قارتا في أن انشاء الدولة اليهودية الحقيقية هي مسؤولية المسيح المخلص، فهو الذي ينشؤها ويقوم على شؤونها ويحكمها. ويقولون إن كل دولة تنشأ باسم اليهود وتقوم قبل العصر المسيحاني هي دولة مزيفة وفاقدة للشرعية حتى لو كان القائمون عليها ملتزمين بالشريعة اليهودية. وهو يضرب على ذلك مثلاً من التاريخ بحكومة “باركوخبا” (الذي ثار على الرومان في فلسطين في القرن الثاني الميلادي وسيطر على بعض اجزائها لثلاث سنوات). فهو – كما يقول – كان ملتزماً بالشريعة اليهودية ومطبقاً لها وكان يحث اليهود على التمسك بها ومع ذلك فقد فشلت ثورته لأنه كان يحاول تعجيل الخلاص. فزعماء اسرائيل – كما يقول الحاخام تيثلباوم – حتى لو كانوا من أكثر اليهود تديناً وأشدهم التزاماً بوصايا التوراة وأحرصهم على تطبيقها، فإن دولتهم ستظل دولة ليس لها من الشرعية شيء وغني عن القول بأنها ليست بداية خلاص. وكان قد أطلَ يوماً على أتباعه وهم في الكنيس حاملاً نسخة من التوراة وقال لهم “من كان منكم يعتقد أن اسرائيل هي بداية خلاص فليخرج من هذا الكنيس فإنني لا أحب الصلاة مع من يعتقد ذلك حتى لو بقيت وحدي”.

وكان هذا الحاخام يتمنى زوال الدولة والقضاء عليها من أجل أن تقوم على أنقاضها دولة المسيح المخلص، ولكنه يريد أن يكون لهذا الزوال بضربة إلهية وليس من قبل الشعوب الأخرى، وقال في ذلك “إننا نحتاج الى رحمة للقضاء على هذه الدولة بقوة من الأعلى من قبل الإله تبارك وتعالى وليس من قبل الشعوب الأخرى، إذ لو حصل ذلك، لا سمح الله، فإن الخطر سيكون عظيماً على اليهود”.

وبعد حرب حزيران عام 1967 نشر الحاخام يوئيل تيثلباوم كتيباً باللغة العبرية عنوانه “عال هاغئولاه وعال هاتمورها” (حول الخلاص والتغيير)، وضح فيه طبيعة ما حدث من وجهة نظره. وفي الوقت نفسه رد فيه على كثير من اليهود الذين اعتقدوا بأن انتصار إسرائيل إنما هو معجزة إلهية، وأن هذا الانتصار يؤكد بأن الدولة هي دولة شرعية. بل أكد أن نتيجة الحرب لم تكن انتصارا لإسرائيل وكان من الأفضل لها لو لم تبدأ الحرب. وقد ذكر في مقدمة هذا الكتيب بأن ما حدث إنما هو اغراء من الشيطان واختبار من الخالق لليهودي المؤمن، وقال “كما ان الذنوب العظيمة لهذا الجيل قد أبانت نسبة كبيرة من علائم ظهور المخلص فكذلك الآن جاء الشيطان وأرسل سهامه (الصهيونية) ليحاول بقوة أن يمنع خلاصنا وانقاذ أرواحنا بظهور المخلص بسبب هذه الذنوب المؤلمة. فقد جاء الشيطان بطريق النفاق والخداع وبطريق التلبس بلباس المعجزة والخلاص حتى يخدع اليهود ليؤيدوا الصهاينة والهراطقة الذين جاؤوا للقضاء على التوراة بأجمعها”.

وفي المقاطع التالية لا ينتقد الحاخام تيتلباوم الصهاينة وحدهم ويتهمهم بشتى التهم وينعتهم بأسوأ النعوت ولكنه أيضا يوجه نقدا شديدا وعنيفا لرجال الدين الذين هم في رأيه ساهموا في إشعال الحرب وتأجيجها وإضفاء الغطاء الشرعي عليها وتبريرها.واتهم هؤلاء بأنهم الأنبياء الكاذبون وأنبياء الزور وأنبياء البعل فهو يقول “إن الصهاينة وعملاءهم من المتدينين يحرفون الحق بطرق متعددة من أجل أن يبرروا أعمالهم ضد الإله ومن أجل أن يعموا عيون اليهود وقلوبهم ليتبعوا طريقهم. لقد كذبوا عندما قالوا إنهم أجبروا على حرب العرب حيث ادعوا بأن العرب قد أعلنوا الحرب عليهم، وهم يدعون كذلك بأنهم يضحون بأنفسهم في تلقي حراب الأعداء من أجل اليهود. وهناك من اليهود غير العقلاء ليس فقط يصدق ما يقوله هؤلاء الصهاينة، بل إنهم يمدحونهم بأنهم خلصوهم مع أن الصهاينة ليس لهم يد في هذا الخلاص، وان العكس هو الصحيح… إن عمى هؤلاء هو الذي قادهم لتأييد الصهاينة وتبعهم آلاف اليهود على ذلك، فاصبحوا من مؤيدي الوثنيين والهراطقة

وقد كررنا مراراً ما قاله حاخامونا: بأن كل من ينضم الى الصهاينة ويبرر أعمالهم أو يؤيدهم ويساندهم بالمال أو غيره أو يوافقهم في آرائهم، فإنه منهم ومشارك في اجرامهم، وسيعاقب على ذلك لأنه بدون شك يكون مؤيداً للهرطقة. إن الصهاينة مجرمون لأنهم يعطون تبريراً (لأعمالهم) من التوراة، وهم يحرِّفونها لتتفق مع أفكارهم الباطلة، وأن هدفهم أن يُعموا (عيون) اليهود البسطاء الذين يتعبدون بالتوراة، وهم يريدون من العامة أن يصدِّقوا بأن التوراة تتفق مع آرائهم والطرق الخبيثة لزعمائهم.”

ويقول أيضا “لقد سمعناهم يدعون بأن الحرب (عام 1967م) إنما كانت واجبة طبقاً لتعاليم التوراة، ومنذ البداية كان رجال الدين هؤلاء يحثون الجنود على الحرب، ويفهمونهم بأن الحرب إنما هي حرب مقدسة وأنها حرب واجبة ويعطونهم تبريرات كاذبة باسم التوراة. ومن الواضح أن الذي يُلام ويعنف على ضياع آلاف الجنود في هذه الحرب هم رجال الدين وأتباعهم من رجال الحكومة. إن الحرب التي قاموا بها هو عمل مخالف لتعاليم التوراة، وان الذي دفعهم الى الحرب هو شيء محرّم وغير جائز، وهو مخالف لتعاليم الوراة ومناقض لها لعدة أسباب:
أولاً، انه من الواضح لكل انسان حقيقة أن الصراع وأصل المشكلة وخطر الحرب إنما هو نتيجة لانشاء الدولة الصهيونية. إذ أن الدولة الصهيونية قد أثارت العرب بعدة طرق. وانه من الطبيعي لو لم يصرالصهاينة على انشاء دولة تُحكم من قبل الاشرار – وهي دولة لم يكن لها حاجة، ولم ينتفع منها اليهود حيث سببت تدمير الدين واستئصال التوراة – لما كانت هناك حرب، بل ولا تكون أبداً، بل ولما كانت هناك حاجة لجعل حياة اليهود في خطر بواسطة تهديد الحرب.

ثانياً، انه لمما لا شك فيه أن التوراة لا تُجيز قتل اليهودي حتى لو كان ذلك مقابل الدولة الصهيونية كلها. وعلى الرغم من أن هؤلاء الاشرار يريدون بقاء الدولة والعالم كذلك معهم على رأيهم الخاطئ هذا، فإن رأي التوراة سوف لا يتغيّر تجاه الحق. الى جانب ذلك، فإن من غير المعقول أن توافق توراتنا المقدسة على تهديد حياة اليهود بالحرب من أجل وجود حكومة ودولة من الهراطقة، وكيف يمكن ليهودي مؤمن أو رجل دين أن يبرر الأعمال الشريرة للصهاينة. إنه من واجبنا أن نعلن أمام الناس وبكل صدق بأن كل يهودي مؤمن لا يرغب بهذه الدولة، لأن مجرد وجودها هو ضد التوراة المقدسة، وهو ضد مملكة السماء، وان هذه الدولة هي عقبة أمام اليهود في كل أنحاء العالم.

ثالثاً، إذا كان ما يقولونه – وهو قول زور وخداع – بأن دولتهم يجب أن توجد حتى يكون اليهود مثل بقية الشعوب (لهم دولة)، فإن نتيجة هذا يكون تحقيق رغبتهم في تحكيم التوراة المقدسة. وإذا كان هذا كذلك، فكيف يجرأون على القول بأن التوراة هي التي تجيز لهم الحرب؟! إن الإنسان لتصيبه الدهشه والعجب الشديد عندما يسمع يهوداً يعتبرون أنفسهم متدينين يؤيدون هؤلاء الكفار والهراطقة باسم التوراة!! إن هؤلاء ايدوا الصهاينة في دخولهم الحرب بتنبؤات كاذبة، وأخبروا الصهاينة بأنهم سينتصرون من خلال قوة التوراة، ولقد غشوهم عندما قالوا لهم بأن هذه الحرب هي حرب مقدسة. إن عمل أنبياء الزور هؤلاء يُقارن بعمل أنبياء البعل ايام المعبد اليهودي، بل إنهم أسوأ منهم. إن التوراة تأمرنا أن لا نقرّب أنبياء الزور، وأن لا نسمع كلام الزور والكذب منهم حتى لو كان كلامهم له علاقة بالفرائض، بل حتى لو كان كلامهم في خدمة الخالق، لأن من أوامر التوراة أن لا نسمع لأنبياء الكذب حتى لو كان الهدف نبيلاً إن الإستماع إلى ما يقولونه حرام.

رابعاً، إن التوراة توجب علينا العمل بكل ما في وسعنا من أجل السلام والابتعاد عن الحرب، ولكن هؤلاء الأشرار الصهاينة يعملون على النقيض ويحاربون الشعوب الأخرى بشكل مستمر. إنه لا يجوز الدخول في الحرب من أجل توسيع الحدود أو من أجل منافع وهمية أخرى. إن الشريعة لا تبرر قتل اليهود من أجل تحقيق نصر أو من أجل منافع تخيلية. وهم من أجل أن يخدعوا البسطاء يريدون اتباع الشريعة، فإنهم يستخدمون الصهاينة المتدينين الذين يلبسون ثوب الارثودكسية الدينية والذين يحرفون التوراة ويجعلونها سخرية، حيث يؤولونها بشكل كاذب ليثبتوا أن التوراة تتفق وآراء هؤلاء الهراطقة القتلة.

إنه من الواضح والبيّن أن كل من يجرّ اليهود الى الخراب ويخاطر بأرواحهم خارج فرائض التوراة، فإنه قاتل. وأما حجتهم في أنه لم تكن هناك وسيلة لمنع الحرب، فهي حجة واهية لا تستحق حتى النقاش، إذ أنهم كانوا مصممين على الحرب، وأخذ القرار حولها كان بيد هؤلاء الزعماء الكفار الذين لا يرون لحياة اليهودي قيمة، بل إنهم عرّضوا حياة كل يهودي للخطر من أجل المحافظة على حكومتهم… إنهم مستعدون للقضاء على أكثر اليهود من أجل أن يحققوا هدف حكومتهم ودولتهم الملعونة.

كيف يمكن للكهنة الذين ساعدوا الصهاينة أن يرفعوا رؤوسهم دون حياء؟! وكيف يمكنهم أن يكذبوا بكل وقاحة وأن يخدعوا اليهود بقولهم إن هؤلاء الكفار إنما يخوضون الحرب طبقاً لأحكام الشريعة؟! إن السماء لتتفطر من مراوغتهم وخداعهم ووقاحتهم العلنية والتي هي أوضح من الشمس للناس. إن الذي يجعل التوراة تتفق مع آراء الكفار هو كافر مثلهم حتى لو كان لابساً ثياب الحاخامين، بل حتى لو كان رئيس الحاخامين. إن تبريرهم الحرب بأنها كانت من أجل الدفاع عن النفس لأن العدو قد هددهم بالقضاء عليهم هو تبرير غير مقبول:

أولا، إنه من المعروف أن هذا التهديد ليس جديداً، وكان العرب قد هددوا دون حساب في السنين السابقة.

ثانياً، إن ما يقوله الصهاينة بأن العرب قد هددوهم بالقضاء عليهم إذن لماذا لم يخافوهم في تلك السنين، بل إنه كان بإمكانهم أن يجتمعوا معهم في السابق حول اتفاق سلام، ويمتنعوا عن إثارتهم إذا كانوا هم حقيقة خائفين منهم . إنه ليس هناك ذرة صدق في قولهم في أنهم قلقون وخائفون من التهديد، وإن تبريرهم المبني على الدفاع عن النفس ضد تهديد العرب إنما هو من أجل خداع الناس، بل الواقع انهم لم يخافوا العرب بل سخروا منهم، فكيف يسمح لهؤلاء أن يخاطروا بحياة اليهود، ومن الذي أمرهم بهذا؟ ومن الذي قال لهم إن هذا يتفق وفرائض التوراة؟ إنه من الواضح أن التوراة تناقض ما قاموا به، وطبقاً للشريعة فإنهم قتلة، وان رجال الدين أولئك الذين ايدوهم وحرفوا أحكام التوراة لهم سيكونون في النهاية محاسبين على ما قاموا به. وإلى اليوم بعد أن وضعت الحرب أوزارها، فإن هؤلاء يتنازعون مع الأمم ويستفزونها،ويعرضون حياة آلاف اليهود في العالم الى الخطر، وحتى لو كان هؤلاء صالحين فإنهم قد ارتكبوا ذنباً عظيماً بخوضهم الحرب ومخالفة الشريعة. لقد قال موسى بن ميمون: “حتى لو قرر اليهود الدخول في الحرب في سبيل الله فإنهم سيعاقبون عقاباً شديداً إذا لم يأخذوا الموافقة الشرعية على ذلك”. إذن كيف يكون عقاب الذين يدنسون أسم الله ويجتثون التوراة والدين اليهودي؟! إنهم لم يحققوا نصراً في الحرب، ولكن الذي حدث هو أن الله أنقذ اليهود برحمته وليس للصهاينة الأنذال يد في ذلك، بل إنهم كانوا مسببّين للخوف والفوضى. إنهم لم يخدموا اليهود بحربهم، ولقد كان أفضل لهم لو أنهم لم يبدأوا النزاع ولم يدخلوا الحرب، وإن من يمدح هؤلاء ويمدح جيشهم، فإنه يجدف على الله.

إن الإنسان يجب أن يبتعد عن هؤلاء ويبتعد عن جماعتهم الى اقصى بقعة من بقاع الأرض، لأن معاشرتهم خطر على الإنسان وعلى الروح معاً، كما أنهم أناس تلاحقهم شبهة القتل”.

وكان الحاخام تيثلباوم يؤكد على اتباعه في إسرائيل بأن لا يتعاونوا مع الدولة ولا يقسموا قسم الولاء لها ولا يشاركوا في انتخاباتها ولا يحتكموا الى محاكمها ولا يلجأوا الى قضائها وأن لا يبحثوا عن وظائف فيها ولا يحصلوا على جوازات سفر منها. كما منع اتباعه من الذهاب الى حائط المبكى والصلاة عنده، ويكلل الستماريم عيد البوريم عندهم بحرق العلم الإسرائيلي.(2)

ويتظاهر الستماريم في بعض المناسبات ضد إسرائيل ويقفون أمام مبنى الأمم المتحدة يحملون لافتات كتب على بعضها “إسرائيل لا تمثل اليهودية الأصيلة” و”دولة إسرائيل تدنيس لعقيدة اليهود” و”الصهيونية غسلت أدمغة يهود أميركا”. كما انهم ينظمون اعتصامات ايضاً بين فترة وأخرى أمام القنصلية الإسرائيلية في نيويورك ويقفون محتجين أحياناً أمام البيت الأبيض على ما يرونه اضطهاداً دينياً في إسرائيل. وهم يطالبون كذلك بايقاف ما يسمونه إلغاء الشريعة اليهودية في إسرائيل وتدنيس مدينة القدس بشكل متعمد.

1-Moshe Menuhim,The decadence of Judaism in Our Time pp481-

483

2- راجع عن اليهود الستماريم كتابنا”اليهود الحسيديم

د.جعفر هادي حسن Dr. Jaafar Hadi Hassan من تاريخ فكرة الدولة الواحدة ذات القوميتين(للفلسطينيين واليهود)

على الرغم من رفض إسرائيل لفكرة الدولة الواحدة ذات القوميتين التي أشار اليها بعض المسؤولين كخيار محتمل للفلسطينيين فإن طرح هذه الفكرة لأول مرة كان من قبل يهود فلسطين في عشرينيات القرن الماضي، حيث بادر عدد منهم بالترويج لهذه الفكرة والدعوة إلى قبولها. ومن اجل تفعيلها ونشرها بين اليهود والعرب، أنشأ هؤلاء لجنة باسم «بويت شالوم» (ميثاق السلام) في العام 1925 وبمحاولة منهم لاقناع عرب فلسطين بالموافقة على هذه الفكرة صوتوا بالاغلبية في أحد اجتماعاتهم على فرض قيود على عدد المهاجرين اليهود إلى فلسطين.

ونشرت هذه اللجنة مشروعها في مذكرة حددت فيها أهداف عملها وكان من أهم هذه الاهداف التأكيد على إقامة دولة واحدة للعرب واليهود، يتقاسمون فيها ادارة الدولة مناصفة مع غض النظر عن نسبة عدد كل منهما. كما اصدرت اللجنة مجلة شهرية باسم «شأفيتنو» (طموحنا) وكانت المجلة تعبر عن افكار اعضاء اللجنة وطموحاتهم. وانضم إلى اللجنة مئات من اليهود، اغلبهم من اصل اوروبي، منهم شخصيات معروفة من الأدباء والأساتذة والصحافيين. وطالب هؤلاء الحركة الصهيونية بالاعتراف بالاغلبية العربية في فلسطين، وقالوا بأن عدم الاعتراف بهذا الواقع سيؤدي إلى فشل المشروع الصهيوني. كما رفضوا فكرة ان اليهودي الذي يدعو إلى الهجرة اليهودية والجماعية وإنشاء دولة يهودية هو وحده الصهيوني الحقيقي. فهم قد اعتبروا انفسهم صهيونيين حتى مع دعوتهم إلى إقامة دولة واحدة لليهود والعرب في فلسطين.

لجنة الميثاق ومؤسسوها

من المفيد ان نذكر لمحة عن الاعضاء البارزين لهذه اللجنة: فمن المؤسسين لهذه اللجنة يهودا مغنس، وهو ايضاً احد مؤسسي الجامعة العبرية وأول رئيس لها. وكان مغنس شديد التحمس للاتفاق مع عرب فلسطين وكان يقول ان الاتفاق بين العرب واليهود في فلسطين هو ذو اهمية قصوى ليس فقط من اجل بناء البلد ولكنه أيضاً مهم للحياة الروحية لليهود.

وقال في كلمة عند افتتاح السنة الدراسية للعام 1929-1930 في الجامعة العبرية بأن اهم واجبات اليهود هو ان يحاولوا الدخول إلى الارض الموعودة ليس بطريق العنف كما فعل يوشع بن نون ولكن بطريقة سلمية حضارية وعن طريق العمل النشيط والحب والتضحية والتصميم على عدم القيام بعمل يخالف الضمير. كما كان يؤكد على القول بأن مهمته هي جمع العرب واليهود في بلد واحد وكان ناشطاً في ذلك حتى وفاته في العام 1948. وكان من المنتقدين لاقتراح اللجنة الملكية البريطانية بتقسيم فلسطين بعد احداث العام 1936.

وكان من اعضاءها جوزيف لوري وهو من الشخصيات الصهيونية وكان عضواً نشطاً فيها في الفترة الاولى من انشاء «الميثاق» اذ كان يعتقد بأن التفاهم مع العرب ذو فائدة للصهيونية.

ومن هؤلاء ايضاً صموئيل هوغو برغمن ذو الميول الصهيونية وكان استاذاً للفلسفة في الجامعة العبرية وكان رئيسا لها فيما بعد ووهو الذي حررايضاً القسم الفلسفي في «دائرة المعارف اليهودية» وألّف عدداً من الكتب وكان برغمن ناطقاً رسمياً باسم «الميثاق».وكان من اوائل اعضاء «الميثاق» ارنست سيمون وهو استاذ جامعي ومحرر «دائرة معارف التربية» اليهودية وكان من النشيطين في العمل على إقامة دولة واحدة وكان ينضم إلى كل جماعة تدعو إلى هذه الفكرة، واكد على ضرورة حصول اليهود والعرب على حقوقهم بالتساوي في فلسطين.

وضمت اللجنة هانس كوهين وهو مؤرخ واستاذ جامعي له اكثر من ثلاثين كتاباً. وعلى الرغم من انه كان صهيونياً لكنه اختلف مع اعضاء الحركة الصهيونية حول موضوع العرب في فلسطين.

وشارك في عضوية اللجنة غرشوم شولم الاستاذ والمؤلف المعروف في الدراسات اليهودية وهو أشهر مختص بالقبلاه.وأصبح رئيس الاكاديمية الإسرائيلية فيما بعد وكان غرشوم منتمياً إلى الحركة الصهيونية وكان من هؤلاء رابي بنيامين وهو صحافي وكاتب له مئات المقالات والد راسات وقد ترأس تحرير مجلة “الميثاق”.

و من مؤسسي «الميثاق» يعقوب ثون وهو الصهيوني كان قد انتخب لرئاسة المجلس الموقت لعموم جماعة اليهود في فلسطين وكان نشطاً في جمع العرب واليهود على اتفاق، كان ينتقد المنظمات اليهودية التي تعاونت مع البريطانيين وقد استقال من «الميثاق» فيما بعد واصبح زعيم «هافعل ها صغير» ثم انضم إلى حزب «ماباي.

وما يثير الانتباه ان من الاعضاء المؤسسين للميثاق آرثر روبن. وهولم يكن ناشطاً في الحركة الصهيونية فحسب، وانما كان ممثلها ورئيس مكتبها في فلسطين والشخص المسؤول عن الاستيطان وانشاء المستوطنات. وبسبب نشاطه كانت السلطات العثمانية قد ابعدته إلى اسطنبول، ولكن روبن لم يكن فقط من المؤسسين للميثاق، بل كان في بدايته رئيساً له، وكان عند انشاء الميثاق يؤمن بفكرة الدولة الثنائية القومية ولكن بعد احداث العامين 1929 و1936 توصل إلى قناعة بأن الوقت غير مناسب لاجراء محادثات يهودية ـ عربية. ولذلك اخذ يركز على تقوية الجماعات اليهودية في فلسطين سياسياً واقتصادياً.

وعلى الرغم من أن هذه اللجنة كانت تحارب بشدة من قبل كثير من الصهيونيين بخاصة جماعة جابوتنسكي المتطرفة الا ان مجموعات صهيونية صغيرة كانت مؤيدة لفكرة الدولة الواحدة مثل «هاشومر هاتسعير» و«ما بام» و”قدماه مزراحاه”

لجنة “احود”

وقد استمر نشاط اعضاء الميثاق إلى ثلاثينيات القرن الماضي، ويعتقد انه توقف رسمياً عن العمل في العام 1933 ولكن نشاط بعض اعضائه استمر وقوي، بخاصة بعد إنشاء لجنة التفاهم العربي ـ اليهودي، حيث تكونت لجنة في العام 1942 وسميت «إحود» (وحدة/ اتحاد)، وهي كما يشير اسمها بوضوح تدعو إلى انشاء دولة واحدة للعرب واليهود. وكان من المشاركين فيها أعضاء من الميثاق اضافة إلى أعضاء آخرين مثل موشيه سملانسكي وهو اوكراني الاصل، اشتهر بكونه قاصا وناقداً. وكان في قصصه يظهر الجوانب الانسانية لعرب فلسطين، كما كان يشيد بتراثهم المتعدد الجوانب وتقاليدهم الغنية كما كان يؤكد على ضرورة العلاقة الطيبة بين اليهود والعرب في فلسطين، وطالب الحركة الصهيونية بتشغيل العرب في المزارع وليس اليهود وحدهم. وكان يرأس تحرير مجلة «بستاني» التي اصدرها اتحاد المزارعين اليهود.

بين غاندي ومارتن بوبر

وكان من المشاركين النشطين في هذه اللجنة الفيلسوف المعروف صاحب الدراسات اليهودية الكثيرة مارتن بوبر، وهو الذي رد على رسالة المهاتما غاندي التي قال فيها بأن فلسطين لسكانها العرب وان موطن اليهودي هو الذي يولد فيه. ولم يوافق بوبر على ما قاله غاندي ولكنه أكد على ضرورة اتفاق العرب واليهود في فلسطين كبلد لهما سوية من دون ان تفرض أية مجموعة أرادتها على المجموعة الاخرى. وقد جاء في رسالته «اننا نعتبر ان من واجبنا تفهّم واحترام مطالبة الآخرين التي تعارض مطالبتنا وان التوفيق بين المطالبتين ممكن”.

وكان بوبر قد قال في احد المؤتمرات الصهيونية ان اليهود يعلنون عن رغبتهم في العيش بسلام واخوَة مع العرب ويحاولون ان يعملوا على تطوير البلد المشترك.

وكانت اللجنة تؤكد على وحدة البلد كما كان اعضاؤها اكثر انسجاماً مع بعضهم من اعضاء لجنة الميثاق وقد ركزوا على مخاطبة المثقفين العرب واليهود، واصدروا مجلة باسم «بعيوت» (مشاكل). ولكن عمل اللجنة توقف بعد ان بدأ القتال بين العرب واليهود وتوفي اقدم اعضائها وانشطهم يهودامغنس.

وقد تم احياءها على يد احد مؤسسيها القدماء وهو رابي بنيامين الذي اصدر مجلة باسم «نر» (شمعة)، وبعد وفاته ظلت المجلة تصدر ـ برئاسة تحرير جديدة ـ إلى ان توقفت في ستينيات القرن الماضي.

تراجع فكرة الدولة الواحدة

وبعد انشاء إسرائيل وتهجير الفلسطينيين اتبعت إسرائيل سياسة جلب المهاجرين لجعل اليهود اغلبية وضمان يهودية الدولة. واختفى الحديث عن الدولة الواحدة ذات القوميتين او كاد. وفي اعقاب حرب العام 1967 واستيلاء إسرائيل على الاراضي العربية، واجهت إسرائيل مشكلة كبيرة وهي وجود عدد كبير من الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة.

فكانت هذه المشكلة هي الشغل الشاغل للمسؤولين وكانت هناك تساؤلات عدة حول ضم هذه الأراضي إلى إسرائيل أو عدم ضمها واذا ما ضُمت فهل يمنح الفلسطينيون الجنسية الإسرائيلية ام لا، أو أنهم يبعدون إلى دولة او دول عربية، او ان على إسرائيل ان تتخلى عن هذه الاراضي. ولم يُتخذ قرار في هذه القضية وظلت الاراضي محتلة ولكن إسرائيل اتبعت سياسة زرع المستوطنات لايجاد حقائق على الارض وترك حل القضية للمستقبل.

ولم تظهر مقالات في هذه الفترة عن فكرة اقامة الدولة الواحدة لشخصيات معروفة سوى على اغلب الظن، ما كتبه اليهودي الاميركي المعروف (آ.ف. ستون) الذي دعا إلى إقامة دولة ذات قوميتين وعرض الفكرة على المسؤولين الإسرائيلين ولكنه لم يجد اذاناً صاغية. وبعد ان يئس من ذلك اخذ يدعو إلى انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة، ويدعو إلى إنشاء دولة فلسطينية مستقلة. وبسبب مواقفه هذه اتهمه المتشددون من اليهود بأنه «عدو إسرائيل» ولكنه لم يكف عن النقد. وكتب مرة عن تعارض القيم الصهيونية والفكرة الديموقراطية وقال «بأن يهود إسرائيل يدافعون عن مجتمع قيمه العليا العنصرية والاقصاء» وقد دعا اليهود إلى محاربة ذلك.

اليسار الإسرائيلي يعيد طرح الفكرة

وفي بداية السبعينيات استغلت فكرة اقامة الدولة الواحدة من قبل اليسار الإسرائيلي كتحذير ضد استمرار الاحتفاظ بالاراضي المحتلة وفي مقابلة مع الـ«جيروسليم بوست» في آذار ـ مارس ـ العام 1973، قال السكرتير العام للهستدروت بن أهارون، «ان إسرائيل سوف لا يكون لها سيطرة حقيقية في دولة واحدة ذات قوميتين وان الإسرائيليين يجب ان يقتنعوا بالدولة التي لهم الآن والتي تضم مجموعة كبيرة من العرب».

وعلى الرغم من معارضة الليكود الرسمية لقيام الدولة الواحدة فإن بعض المنتمين له لا يمانعون في ذلك شرط ان تكون لإسرائيل السيادة رسمياً على الاراضي المحتلة في الضفة الغربية وقطاع غزة.

وفي مقابلة مع الـ«واشنطن بوست» في تشرين الثاني ـ نوفمبر ـ العام 1979 قال الياهو بن اليعازرالمدير العام السابق في وزارة الخارجية: «يمكننا ان نعيش معهم (الفلسطينيين) ويمكنهم ان يعيشوا معنا وانا افضل ان يكونوا مواطنين يحملون الجنسية وانا لست خائفاً من اقامة دولة واحدة ذات قوميتين لانها ستكون دولة يهودية ذات اقلية عربية كبيرة».

ولا شك ان هذا التفكير كان يفترض ان العرب سيبقون اقلية ولكن في العام 1980، نشر اثنان من أساتذة الجامعة العبرية دراسة حول سكان إسرائيل وكانت نتيجة الدراسة ان نسبة الولادة العالية بين الفلسطينيين ستجعلهم اكثرية وسيكون اليهود أقلية حتى لو كانت هناك زيادة كبيرة في عدد المهاجرين إلى إسرائيل. وجاء في الدراسة ان نسبة اليهود ـ في فلسطين كلها (بين النهر والبحر) ستكون 45 في المئة في العام 2010، وان ابقاء الضفة الغربية وغزة محتلة سيجعل الاغلية اليهودية في خطر. وكان من الرافضين لهذه النسبة ارييل شارون الذي كان وزيراً للزراعة في حكومة بيغن، وقال بأن نسبة اليهود لمجموع سكان المنطقة ستكون 64 في المئة في العام 2000 اذا بقيت نسبة المهاجرين إلى إسرائيل في حدود الثلاثين ألفاً كل سنة. ولكن شارون اخطأ التقدير كما يتضح اليوم. واخذت الاحصاءات الاخرى تؤكد ما ذكره استاذا الجامعة العبرية.

وقد اصبحت القضية الديموغرافية ـ كما صارت تسمى ـ تذكر دائماً عندما يدور الحديث عن مستقبل الاراضي المحتلة من فلسطين. واصبحت ايضاً احدى قضايا الانتخابات منذ العام 1981 واستمرحزبا الليكود والعمل في سياسة رفض الانسحاب إلى حدود العام 1967. وكذلك الاستمرار في بناء المستوطناتزويرى بعض الإسائيليين بأن الإستمرار في بناء المستوطنات سيؤدي إلى نهاية المشروع الصهيوني وظهور دولة واحدة ذات قوميتين. واخذ بعض اليساريين يطالب بالفصل بين الفلسطينيين والإسرائيليين ويقولون انه من دون ذلك ستكون النتيجة قيام دولة واحدة مثل افريقيا الجنوبية سابقاً، اي اقلية تحكم اكثرية وهؤلاء اليساريون هم من المتحمسين لبناء الجدار العازل.

واستمر هؤلاء ينتقدون حكومة الليكود على استمرارها في بناء المستوطنات وتوسيعها ويطالبون بالفصل الكامل عن الفلسطينيين. وبسبب الهاجس الديموغرافي، عملت إسرائيل في العشرين سنة الماضية على استقدام مليون روسي، وما زالت تنشط في جلب المهاجرين. كل ذلك من اجل الاحتفاظ بالاغلبية اليهودية، ولكن منابع الهجرة اخذت تجف شيئاً فشيئاً بل ان المهاجرين من إسرائيل إلى دول اخرى كانوا اكثر من المهاجرين إليها في بعض الأعوام الأخيرة وهي مازالت تجلب الآلاف من «الفلاشا مورا» مع ان يهوديتهم مشكوك فيها، بل ان بعض المتطرفين الإسرائيليين مثل اسحق رفد، طالب الدولة بتقنين الولادة عند مسلمي فلسطين وتشديد الرقابة عليها حتى لا يتفوق عدد الفلسطينيين على اليهود.

إسرائيل لايمكنها أن تستمر كدولة لليهود وحدهم

وقد عاد الإسرائيلون المؤمنون بفكرة الدولة الواحدة إلى الحديث عنها والكتابة فيها ومناقشتها، وكان من اهم ما صدر في العام الماضي مقالتان تناقشان فكرة الدولة الواحدة ثنائية القومية، احداهما للصحافي والسياسي والنائب السابق لرئيس بلدية القدس ميرون بنفنستي والاخرى للسياسي اليساري حاييم هانغبي. يقول بنفنستي في مقالته، ان تحقيق الحلم الصهيوني أصبح غير ممكن لان هذه الارض لا تحتمل وجود دولتين مستقلتين اذ ان هذا شيء غير قابل للتطبيق وان أفضل حل هو اقامة الدولة الواحدة ثنائية القومية. وفي الواقع فإن هذه الدولة موجودة عملياً وعلينا فقط ان نغير تفكيرنا نحوها وان نعطيها التبرير القانوني ويجب علينا ان نفكر بشكل مختلف ويكون عندنا خطاب مختلف وان لا نستمر بالحديث عن الدولة الفلسطينية المستقلة والجدار الفاصل لاننا في النهاية سنكون اقلية هنا. ويضيف بنفنستي، ان حكام جنوب افريقيا قد فهموا في مرحلة معينة من التاريخ بأنه لا يوجد خيار سوى التخلي عن النظام العنصري. وعلى المؤسسة الإسرائيلية ان تفهم بأنها لا يمكن ان تفرض سيطرتها بالقوة على ثلاثة ملايين ونصف المليون من الفلسطينيين في الاراضي المحتلة وعلى مليون ونصف مليون فلسطيني داخل إسرائيل. .ان الدولة الواحدة يجب ان تشمل كل فلسطين التاريخية وان يتمتع ابناء القوميتين بالحقوق الكاملة ويشتركون جميعاً في ادارة الدولة.

اما حاييم هانغبي فهو يعتقد كذلك “بأن الحلم الصهيوني قد انتهى وفشل وان إسرائيل كدولة يهودية لا يمكن ان تستمر اكثر مما استمرت وانه ليس هناك بديل للصراع اليوم سوى اقامة دولة واحدة ذات قوميتين وان هذا هو الحل الوحيد الذي سيخلصنا مما نحن فيه وهو الذي سيجعلنا نتحول من كوننا غرباء في ارضنا إلى سكان محليين». وهو يؤكد على حق عودة اللاجئين ويقول «انه من الواضح جداً بأن هذا المشروع لا يمكن ان يتحقق من دون الاعتراف بمبدأ حق العودة لان القضية تتعلق بشعب حكم عليه ان يُطرد من ارضه”

وهو يرى كما يرى بنفنستي “ان نظرتنا يجب ان تتغير وتفكيرنا كذلك ليتجه نحو فكرة الدولة الواحدة وتتحول إسرائيل كما تحولت جنوب افريقيا وليس هناك خيار غير هذا”

وفي 2003 ايضاً انتقل النقاش حول موضوع الدولة الواحدة إلى يهود الولايات المتحدة الاميركية وكتب توني غولت وهو استاذ تاريخ يهودي في احدى الجامعات مقالة مهمة في تشرين الاول ـ اكتوبر ـ من العام المذكور في مجلة «نيويورك ريفيو» (The New York Review of Books)، عنوانها «البديل» وهي مقالة طويلة سنذكر النقاط الرئيسية فيها:

يرى الكاتب ان خيار الدولتين لم يعد خياراً لانه قد فات وقته وان هناك كثيراً من المستوطنات والمستوطنين والكثير من الفلسطينيين يعيشون في مكان واحد على الرغم من الاسلاك الشائكة والحواجز.

ان الوقت قد حان للتفكير فيما لم يكن يخطر على بال وهو حل الدولة الواحدة الذي هو حل مرغوب فيه. وهذه الفكرة ليست فكرة شاذة، ان الدول اليوم فيها ثقافات متعددة واجناس متعددة وإسرائيل نفسها هي ذات ثقافات متعددة ولكنها ميزت نفسها عن الدول الديموقراطية في ان المواطن فيها يعتبر مواطناً طبقاً لمقياس اثني ـ ديني وهي في هذا الامر تعتبر شاذة بين الشعوب المعاصرة لانها دولة يهودية حيث يكون لليهود الموقع الاول فيها في زمن ليس فيه مكان لمثل هذه الدولة.

ان الشعوب اليوم في العالم يزداد اندماجها ويزداد التزاوج بينها بكل اختيار حيث ازيلت الحواجز الثقافية والاثنية، وفي مثل هذا العالم فإن إسرائيل تعتبر خارج السياق الطبيعي للتاريخ وذات وظائف شاذة.

ان تحول إسرائيل من دولة يهودية إلى دولة واحدة ذات قوميتين ليس سهلاً ولكنه ليس مستحيلاً كما يبدو للبعض وفي الواقع فان هناك تقدماً نحو الدولة الواحدة.

الحقيقة المحزنة هو ان سلوك إسرائيل اليوم ليس سيئاً لاميركا فقط بل هو سيىء لإسرائيل نفسها كما يعترف الكثير من الإسرائيليين بهمس. ان سلوكها في الواقع سيىء لليهود ايضاً وما يحصل من هجوم على يهود الشتات سببه ما ترتكبه إسرائيل وما تقوم به من اعمال.

ان من يعتقد بأن الجدار الالكتروني العازل سيكون الحل فإنه يجهل خمسين سنة من التاريخ. ان هذا الجدار، الذي سيدمر ما بقي من علاقة بين العرب واليهود سوف لا يجلب الا الاذلال وعدم الاستقرار للجانبين اليهودي والعربي. انه مثل جدار برلين يعبر عن الافلاس الاخلاقي والقانوني للنظام الذي يفترض ان يحمي.

ان هذا النقاش ـ كما اعتقد ـ سيستمر ويزداد مؤيدو فكرة الدولة الواحدة كلما تقدم الزمن بل ان المسؤولين في وزارة الخارجية الإسرائيلية اعترفوا بأن الفكرة آخذة في الانتشار.

نشرت في مجلة”النور2004″

د.جعفر هادي حسن احتلال العراق وتقسيمه في الفكر المسيحي الصهيوني

الأديب التشيكي اليهودي فرانز كافكا (ت 1924) معروف في العالم العربي، خصوصاً بين ادبائه، أما

الحاخام نحمان براسلاف (ت 1811) الذي ولد في إحدى مدن اوكرانيا فهو غير معروف عند العرب، بل ربما لم يسمع به أحد منهم. وهو عند اليهود له شهرة واسعة في المجالين الديني والأدبي. ففي المجال الديني هو أحد زعماء الحركة الحسيدية (حركة يهودية دينية اوجدها الحاخام بعل شم طوب في القرن الثامن عشر في أوروبا. ويسمى اتباعها بالعبرية الحسيديم – أي الأتقياء).كما أن مؤسس الحركة كان جده من جانب ألأم. وللحاخام نحمان أتباع ومريدون ما زالوا الى اليوم يؤمنون بأفكاره وتعاليمه وفلسفته ويذهبون بالمئات إلى مدينة أومان كل سنة لزيارة قبره والإحتفال عنده بذكرى وفاته. وهم من بين كل الجماعات الحسيدية التي تبلغ العشرات لم تختر خليفة له. وقداعتبراحد المفكرين اليهود المعاصرين الحاخام نحمان من أكثر رجال الفكر الديني اليهودي عمقاً بين الذين ظهروا في القرون المتأخرة. أما في المجال الأدبي فهو يعرف بمجموعة من القصص (نحو 30 قصة) طويلة وقصيرة. وتعتبر هذه من أشهر القصص في أدب اليهود قبل عصرنا هذا، وترجمت الى لغات عدة. وكان الحاخام نحمان يعتبر نفسه أفضل زعماء الحركة الحسيدية معهم وانه شخص مختلف عنهم.ولذلك فقد كان يتنازع معهم ويتنازعون معه حتى أن البعض منهم قد البَ الحسيديم ضده واوغر صدورهم عليه لغرابة سلوكه واقواله. وكان يقول أنا لست من هذا العالم ولذلك فأنا لا أهتم به وليس هناك من يشبهني. وكان يقول كذلك “لو كشف عن حكمتي لأكتفى بها البشر بدل الطعام والشراب”، وكذلك قوله”اعتقد أن الكون يقوم على عملية جدلية وكذلك الإنسان نفسه”.

وكان من عادة هذا الحاخام أن يترك مريديه وتلامذته ويسافر إلى أماكن لا يعرفونها. وكان يقول “لو علم الناس أهداف رحلاتي لقبّلوا آثار أقدامي”. وفي هذه الرحلات كان يسلك سلوكاً فيه غرابة وعدم توافق مع السلوك العام. ففي سفرته الى فلسطين مر بمدينة اسطنبول ومشى حافي القدمين مكشوف الرأس لابساً ملابسه ظهراً لبطن، ويتحرش بالآخرين ويعتدي عليهم ويصيح في وجه المارة من دون سبب فكان هؤلاء يشتمونه ويضربونه،ولم يكن ذلك ليمنعه عن هذا السلوك.وكان صاحبه في السفر عندما يسأله عن سبب سلوكه يجيبه بالقول إن الذهاب الى فلسطين من أعظم الأهداف التي يحققها الإنسان، ولتحقيق هذا الهدف لا بد من وجود صعوبات وعقبات!وقد بقي الحاخام نحمان بضعة أشهر في فلسطين وتركها على عجل بعد دخول نابليون لها.

وعرف كذلك عن هذا الحاخام سخريته من العالم والناس، فقال مرة: “سوف أصطحب زوجتي وأذهب بعيداً عن الناس، اراقبهم وأضحك مما يعملون”. وفي بعض قصصه نرى بطل القصة يتميز بالضحك والسخرية كالقصة التالية: “كان في قديم الزمان بلد ضم كل بلدان العالم، وكان في ذلك البلد مدينة احتوت على كل المدن، وكان في تلك المدينة شارع ضم كل الشوارع وفي ذلك الشارع بيت ضم تحت سقفه كل بيوت ذلك الشارع، وكان في ذلك البيت غرفة ضمت كل الغرف، فيها انسان تمثل فيه كل الناس. وكان هذا الإنسان يضحك ويضحك بشكل لم يضحك مثله أحد أبداً”.وكان الحاخام ألف كتابا عن القضايا الباطنية سماه الكتاب المحروق وطلب احراقه في حياته وقد احرق.

هذا شيء مختصر جداً عن حياة الحاخام نحمان ليس فيها شيء يشبه حياة فرانز كافكا، ولكن من جانب آخر هناك بعض التشابه بين الاثنين:فقد توفي كلاهما في عمر متقارب: الأول في الأربعين والثاني في الثانية والأربعين. ثم أن كليهما مات بمرض السل.وطلب كل منهما أن تحرق مؤلفاته بعد موته وكان لكل منهما صديق مخلص: صديق كافكا كان ماكس برود. وصديق الحاخام نحمان وتلميذه كان ناثان بن نفتالي هرتس.وكان ماكس برود هو الذي عرف كافكا على العالم وأشرف على نشر أعماله كما كتب عنه رواية.وهو نفسه كاتب ومؤلف. ألف عددا كبيرا من الكتب وله قصص ومسرحيات أيضا. وناثان كان سكرتير الحاخام نحمان وتلميذه وكان يقرأ عليه قصصه ويحررها وهوالذي أشرف على نشرها.

وعدا عن هذا التشابه في حياتهما، فإن هناك تشابهاً أكثر أهمية وهو التشابه في قصصهما أو التأثير والتاثرفي أدبهما.فأول مايجلب النظر هو الغموض الذي يسود في قصص الأديبين. فمن المعروف أن روايات كافكا وقصصه تتسم بالغموض والتعقيد وصعوبة معرفة الهدف منها، كرواية “القلعة” مثلاً. وقارئ هذه الرواية يجد صعوبة في فهم أحداثها والغرض منها. فليس هناك هدف يتحقق فيها، بل إن القلعة لا يمكن الدخول إليها. أما رواية “المحاكمة” فبطلها لا يعرف ماذا كانت تهمته، بل لا يعرف ما هي طبيعة محاكمته. وهذا الغموض هو أيضاً ظاهرة من ظواهر قصص الحاخام نحمان خصوصاً قصة “الشحاذون السبعة” فهي من اشد قصصه غموضاً وابهاماً وأكثرها تعقيداً. وكان الحاخام يعطي أهمية كبيرة لهذه القصة بل إنها كانت المفضلة عنده حتى أنه قال عنهاا: “لو لم أكن أعرف شيئاً سوى هذه القصة لكان ذلك شيئاً عظيماً”.

وتتميز بعض قصصهما بتركها من دون نهاية، فقصة “الشحاذون السبعة” التي ذكرناها سابقاً، هي أيضاً من القصص التي ليس لها نهاية.ويبدو مما يذكره الحاخام بأن عدم وضع نهاية لها هو شيئ مقصود فهو قد قال “اننا لا نستحق أن نسمع نهايتها الى أن يظهر المسيح المخلص”. أما كافكا فهو لم يذكر لنا سبباً أو أسباباً لعدم وجود نهاية لبعض قصصه. ويلاحظ كذلك في هذه القصص ما يضعه المؤلفان من عقبات وصعوبات في طريق البطل الذي يريد أن يحقق شيئاً.

ولا ندري لماذا يجعل كافكا بطله لا يحقق غايته، أما بالنسبة الى البطل في قصص الحاخام نحمان، فإنه في كثير من الأحيان يحقق غايته، خصوصاً إذا كان الهدف مهماً وذا قيمة. ونعرف من قراءتنا لفلسفة الحاخام نحمان أنه كلما كانت العقبات كثيرة والصعوبات شديدة في طريق تحقيق الهدف كلما كان هذا أعظم شأناً وأكثر قيمة. بل بزيادة الصعوبات تزداد الرغبة في تحقيق ذلك الهدف والحصول عليه.

وربما كان التشابه الأكثر وضوحاً ما نجده بين رواية كافكا “المسخ” وقصة الحاخام نحمان “الأمير الديك”. فالبطل في كليهما يرى نفسه قد تحول الى مخلوق آخر. ففي قصة الحاخام نحمان يرى الأمير نفسه وقد تحول الى ديك. وحاول الملك ابوه أن يجد طبيباً يعالجه فعجزعن ذلك الى أن جاءه رجل حكيم وضمن له علاجه وشفاءه. وهذه القصة على أهمية أحداثها وثرائها وما تهدف إليه، فهي مكثفة وقصيرة جداً لا تتجاوز الصفحة الواحدة وبضعة أسطر.وقد جاءت بالنص التالي

“أصاب أميراً شيئ من الجنون وأعتقد في نفسه أنه ديك فنزع ملابسه وجلس تحت طاولة الطعام يلتقط بقاياه من خبز وكسرعظام مثل الديك. وقد عجزأطباء الملك عن شفائه من مرضه فأصاب أباه حزن شديد. فجاءه عالم (ديني) وأخبر الملك أنه يتمكن من شفائه من مرضه. فنزع العالم ملابسه وجلس إلى جنب الأمير تحت الطاولة وأخذ يأكل بقايا الطعام كما يأكل الأمير. فسأله هذا عمن يكون هو ولماذا انضم إليه فسأل العالم ألأمير وقال له من أنت وماذا تعمل هنا فقال له الأمير أنا ديك، فقال له العالم وأنا كذلك فظل العالم مع الأمير فترة حتى أصبحا صديقين وفي أحد الأيام أشار العالم إلى الخدم أن يعطوه قميصين وقال العالم للأميرمن قال لك إن الديك لايلبس قميصا فالبس القميص وستبقى ديكا فلبس كلاهما القميصين ثم أشار العالم إلى الخدم أن يعطوهما سروالين وقال للأمير من قال لك بأن الديك لايلبس سروالا واستمر معه على هذه الحال حتى لبسا ملابسما كلها ثم أشار العالم على الخدم أن يعطوهما طعاما عاديا وقال للأمير من قال لك أن لا تأكل طعاما جيدا فبإمكانك أن تأكل أي شيئ وأنت ديك فأكلا طعاما كلاهما وفي النهاية قال للأمير من قال لك ان الديك يجب أن يجلس تحت الطاولة ولا يجلس عندها واستمر العالم مع الأمير على هذه الحال حتى شفي الأمير”.

أما في رواية :المسخ” لكافكا، فإن بطلها غريغور سامسا يصحو في أحد الايام فيجد نفسه قد تحول الى حشرة ضخمة ذات أرجل متعددة وبطن كبير ويجد صعوبة في التحرك ويشعر بأن صوته قد تغير كذلك ويبقى في غرفته لا يخرج منها ويكلم أهله من وراء بابها، ويختبئ تحت الأريكة لا يخرج إلا عندما يريد أن يأكل خجلاً من أن يراه أهله. ولا يهتم به أهله كثيراً ولم يأتوا له بطبيب لمعالجته والبحث عن مشكلته. وتنتهي الرواية بموته في غرفته حيث تجده الخادمة في يوم من الأيام جثة هامدة. ولا يثير ذلك الشيء الكثير من الحزن عند أهله.وفي اعتقادي أن التفصيلات المختلفة في القصتين ليست مهمة ولكن المهم فيما أرى هي فكرة المسخ.

ومن الصعب على القارئ أن يعرف هدف رواية كافكا والمغزى منها وقد اعطيت لها تفسيرات كثيرة شأنها شأن قصصه الأخرى. ولكن الذي يعرف خلفية الحاخام نحمان وثقافته وفلسفته يعرف الهدف من قصة “الأميرالديك” ويفهم مغزاها من دون حاجة لأي تفكير كثير. فالحاخام نحمان، كما ذكرنا، كان زعيماً روحياً من الزعماء الحسيديم. وهو من الذين يؤمنون بأن على الزعيم الروحي مسؤولية تجاه أتباعه وهي مساعدتهم وانقاذهم إذا انحرفوا عن السلوك الحسيدي وإن اقتضى ذلك أن ينزل هذا الزعيم الروحي الى المستوى الواطئ الذي وصله هذا التابع من جماعته. وهذه الفكرة تسمى في الفكر الحسيدي “الهبوط من أجل الصعود”، أي أن الزعيم الروحي يهبط من أجل أن يصعد الحسيد (أحد الاتباع).ففي القصة المذكورة فإن الأمير يمثل التابع (الحسيد) الذي هبط الى سلوك أدنى لا يليق بسلوك الحسيديم، والعالم(الديني) يمثل الزعيم الروحي الذي تخلى عن مكانته (موقتاً) لينزل الى المستوى الهابط للتابع من أجل أن يصعده ويرفعه الى المستوى الذي يجب أن يكون عليه من وجهة نظر الفكر الحسيدي. ويتساءل دارس قصص هذين الأدبيين: هل كان ما حدث صدفة أو كان من قبيل التأثير والتأثر؟

لا استبعد أن يكون الاحتمال الثاني هو الصحيح. لأن كافكا لم يكن بعيداً عن الفكر الحسيدي وزعمائه، فقد عرَفه الكاتب اليهودي المعروف جورج لانغر (وهذا كان متأثراً بالفكر الحسيدي ويحضر جلسات زعمائه) على الحركة الحسيدية وأطلعه عليها وربما ازداد كافكا معرفة بها وبزعمائها عندما درس العبرية والديانة اليهودية. وربما كان اطلاعه على قصص الحاخام نحمان الذي كتب أصلاً باليديش – جزءاً من اطلاعه على ما كتبه زعماء هذه الحركة. وقد كتب كافكا قصصه بالألمانية بينما كتب الحاخام نحمان قصصه باليديش التي هي خليط من العبرية والألمانية القديمة وبعض السلافية. وربما كان كافكا يعرف هذه اللغة وإن لم يذكر ذلك عنه وإن كان من غير الصعب عليه أن يفهمها خاصة وأنه يعرف العبرية والألمانية وربما كان صديقه اليهودي اسحاق لوي الذي يعرف اليديش ويجيدها هو الذي ساعده في ذلك. هذه ملاحظات عابرة وليست هي دراسة بل حتى ولا ما يقرب من الدراسة. وربما تكون هذه الملاحظات مدخلا لدراسة يقوم بها المهتمون بمراجعة أدب كافكا في ضوء تأثره بالحركة الحسيدية وأفكارها والتي ربما تقود إلى فك مغاليق الغامض في بعض رواياته.

  احتفال اليهود بالسنة العبرية الجديدة  د.جعفر هادي حسن Dr Jaafar Hadi Hassan

النفخ بالشوفار

تشليخ

لليهود تقويم خاص بهم وهو يختلف عما عند الآخرين فهو يبدأ عندهم من بداية الخلق طبقاً لما ورد في التوراة من عدد سنين آدم ونوح وغيرهم. والسنة العبرية في هذا العام(2007) هي8-5767 .وهم يعتمدون في السنين على دورة الشمس وفي الشهورعلى دورة القمر. فسنتهم هي شمسية- قمرية وعدد الأشهر في السنة العبرية هي أثنا عشر شهرا ولما كانت دورة الشمس تزيد في أيامها على دورة القمر فقد أزادوا شهرا في بعض السنين واسموه آذار الثاني فتصبح السنة ثلاثة عشر شهرا  فتضاف سبعة أشهر في كل تسع عشرة سنة.وتكون الإضافة في السنة الثالثة والسادسة والثامنة والحادية عشرة والرابعة عشرة والسابعة عشرة والتاسعة عشرة كل ذلك من أجل أن تبقى المناسبات الدينية في أوقاتها التي بدأت بها أول مرة . وعدد ايام الشهر هي 29 أو 30 .وهم يحتفلون بالسنة الجديدة  في اليوم الأول من الشهر العبري تشري.وهذه هي المناسبة الوحيدة التي تكون في أول الشهر ويعتبرهذا اليوم الذي يسمى بالعبري (روش هاشناه) ثاني أقدس يوم عند اليهود بعد يوم الكبور.ولايكون هذا اليوم في يوم الأحد ولا في يوم الأربعاء ولا في يوم الجمعة حتى لا يكون يوم الكبور (الذي ياتي بعد عشرة أيام من رأس السنة ) في اليوم الذي يسبق السبت أو اليوم الذي يليه إذ في هذه الحالة تكون مناسبتان يمنع فيهما العمل ويكون ذلك شاقا على اليهود.
ووردت بعض الاشارات في التوراة الى أهمية هذا اليوم. فقد ورد في سفراللاويين /الاحبار 23/24-25″وخاطب الرب موسى قائلا :في اليوم الاول من الشهر السابع يكون لكم يوم راحة تذكاراً بهتاف وبوق محفل مقدس. عمل خدمة لا تعملوا وقربوا ذبيحة بالنار للرب”. كما وردت له اشارة ثانية في سفر العدد 29/1 “وفي اليوم الاول من الشهر السابع محفل مقدس يكون لكم فلا تعملوا فيه عمل خدمة، يكون لكم يوم هتاف”. ولا بد هنا من توضيح نقطتين حول ما جاء في التوراة الاولى: ان الشهر تشري لم يذكر اسمه في النصين وانما ذكر بدله الشهر السابع، لان العبرانيين كانوا يعدون شهورهم بالعدد، هكذا :الشهر الاول، الشهر الثاني الخ الى ان اسرهم البابليون واخذوهم الى العراق فتعلموا اسماء الشهور واستعاروها كما استعاروا أشياء أخرى غيرها.ولذلك  فاسماء الشهور التي يستعملها اليهود اليوم هي التي كان قد استعملها البابليون في تقويمهم السنوي.وهي نيسان،أيَار،سيوان،تموز، آب، أيلول، تشري، مرحشوان،كسلو،طبث،شبط،آذار
والنقطة الثانية هي ان الشهر تشري قد اشير له في التوراة بأنه الشهر السابع لان العبرانيين كانوا يعدون شهورالسنة من نيسان (ابريل) وما زالوا كذلك ربما لأنه هكذا ورد في التوراة ولذلك يكون شهر تشري هو الشهر السابع. وأصبح الاول من تشري بداية السنة العبرية الجديدة في وقت متأخر بعد الاسر البابلي. ويعتقد بأن هذا ايضاً كان بسبب تأثر اليهود بالتقويم البابلي، اذ كانت السنة تبدأ عند البابلييين في هذا الشهر، وكانوا يحتفلون في الاول منه احتفالاً خاصاً واسموه “ريش شتين” (رأس السنة). وربما استعمل اليهود الاسم البابلي نفسه لاننا نجدهم قد استعملوا الاسم الارامي “ريش شيتا” – وهو لا يبعد كثيراً عن البابلي – قبل استعمالهم للعبري “روش هاشناه” الذي ورد مرة واحدة في أحد كتب العهد القديم المتأخرة بالمعنى العام وليس الخاص الذي يشير إلى الإحتفال. ويقع احتفال السنة العبرية الجديدة في وقتنا الحاضر في أيلول(سبتمبر) وتشرين الأول(اكتوبر)وفي التلمود رسالة خاصة عن هذا اليوم وفيه تأكيد على أهمية الإحتفال برأس السنة الجديدة كما ويشبر إلى أن أحداثا مهمة كانت قد حدثت فيه.
ويؤدي اليهود شعائر هذه المناسبة ليومين، وليس ليوم واحد، سواء أكانوا في اسرائيل ام في خارجها.(بعض المذاهب تؤديه في يوم واحد). واعتبر هذان اليومان يوماً واحداً ولذلك سميا “يوما اريخا” وهي عبارة آرامية تعني”اليوم الطويل”. ويبدو أن هذه التسمية قديمة عندهم لأنهم استعملوا لها اللغة الأرامية التي كانت مستعملة بينهم منذ ما قبل الميلاد
وسبب تقديس اليومين – وهو طقس بداً منذ عصر التلمود – هو ان هذه المناسبة هي المناسبة الدينية الوحيدة التي تقع في اليوم الاول من الشهر. وكان الاول من الشهر يحدد برؤية الهلال ويناط ثبوت الهلال او عدمه بالمؤسسة الدينية… وعن طريق هذه المؤسسة تخبر الجماعات اليهودية داخل فلسطين وخارجها بثبوت رؤية الهلال. وكان هذا يتم بواسطة الرسل و بإشعال النار على رؤوس التلال والاماكن العالية. ولما كان من الصعوبة التأكد من ذلك بواسطة هذه الطرق، اذ ان ايصال الخبر كان كثيراً ما يتأخر على الجماعات اليهودية ليس خارج فلسطين بل وفي داخلها كذلك، اصبح اضافة اليوم الثاني من الشهر الى الاول منه تقليداً سار عليه اليهود الى اليوم حتى بعد ان وضعوا تقويمهم السنوي الثابت في نهاية القرن الميلادي الرابع الذي  ذكرناه أعلاه.
وأصبح اليوم الثاني من هذه المناسبة يوماً اختيارياً في مذهب اليهودية المحافظة. اما  مذهب اليهودية الاصلاحية فقد الغاه تماماً ويحيي اتباعه هذه المناسبة ليوم واحد فقط. وهذا من الاختلافات الدينية المعاصرة التي اصبح مذهب اليهودية الاصلاحية يتميز بها عن المذاهب الأخرى. واعتبار الاول من شهر تشري بداية للسنة اليهودية الجديدة هو اعتقاد لاكثر يهود هذا العصر وليس لكلهم اذ ان بعض الفرق اليهودية مثل السامريين والقرائين والفلاشا وغيرهم لا تعتبر هذا اليوم هو اليوم الاول من السنة الجديدة، وان كانت تقدسه طبقاً لما ورد عنه في التوراة.
اسماء اليوم
يطلق اليهود عدة اسماء على هذا اليوم فهم يسمونه “يوم تروعاه” (يوم النفخ بالبوق) كما ورد في التوراة. وكانت هذه التسمية شائعة في القرون الاولى للميلاد. ويسمونه ايضاً “يوم هازخارون” (يوم الذكرى) واستعمل التلمود هذا الإسم وهو يتكرر كثيراً في الاناشيد والمدائح الدينية. ويعلل اليهود هذه التسمية بأن الرب يذكر خلقه في هذا اليوم ويريهم رحمته.
ويسمونه كذلك “يوم هادين” (يوم الدينونة او يوم الحساب). فاليهود يعتقدون بأن الرب يحاسب عباده في هذا اليوم على ما عملوه خلال السنة. وذكر في التلمود أنه في هذا اليوم يمر الناس من أمام عرش الله وفيه تكون  ثلاثة سجلات لاعمال الناس، احدها للاخيار والآخر للاشرار والثالث للذين بين الاثنين. ويكون البت بمصير المجموعة الاخيرة في يوم الكبور الذي يأتي بعد بضعة ايام من رأس السنة. ويرى اليهود كذلك بأن الرب يعفو عن كثير من هذه الذنوب ويغفرها بهذه المناسبة من أجل ان لا تتكاثر ولا يزداد عددها اذ ان كثرتها – كما يرون – تفسد العالم وتحطمه. وتكون هناك عملية جدلية بين الذنوب والعالم فكلما كانت الذنوب كثيرة فالعالم يصبح فاسدا ويدمر وكلما كانت الذنوب أقل بقي العالم واستمر بالبقاء ولذلك يكون بقاء العالم والحفاظ عليه مرتبط بهذا الغفران.
أحداث اليوم
تذكر ادبيات اليهود بأن احداثاً مهمة وقعت في هذا اليوم اكثرها مرتبط بتاريخهم. فهم يعتقدون بأن الله قد خلق الكون في هذا اليوم كما يذكر التلمود وأن كلاً من قابيل وهابيل قد قدم اضحيته في هذا اليوم. وأن النبي ابراهيم والنبي يعقوب ولدا وماتا في هذ اليوم. كما وأن الرب استجاب في هذا اليوم دعوات حنه أم النبي صموئيل عند معبد شيلوه ودعوة سارة زوجة النبي ابراهيم وكذلك راحيل زوجة يعقوب فرزقهن بأولاد بعد أن كنَ عواقر وأن اسحق كان قد ولد في هذا اليوم
وان النبي ابراهيم قدم ابنه أضحية في اليوم نفسه، والقصة التي تتعلق بهذا الحدث وردت في سفر التكوين من التوراة تقرأ بهذه المناسبة. ويعتقدون كذلك بأن النبي يوسف كان قد اطلق من سجنه في هذا الوقت وان بني اسرائيل قد اعتقوا من العبودية في مصر في هذا اليوم وان كان خروجهم قد تأخر الى وقت الفصح. ويقولون كذلك ان سليمان كان قد انهى بناء الهيكل في هذا اليوم ,.وبأن الخلاص لليهود على يد مخلص مرسل يظهر في آخر الزمان سيكون في الاول من السنة اليهودية.
التحضير للمناسبة
يتهيأ اليهود لهذه المناسبة بتنظيف بيوتهم كما ينظفونها لاية مناسبة دينية اخرى كما أنهم يشعلون عددا من الشموع. وعادة ما تقوم المرأة باشعال الشموع كما في حالة يوم السبت.ويقرأون دعاء (يسمونه بركات كما يسمونه في يوم السبت) ولكن الدعاء يختلف عن ذلك الذي في يوم السبت.وكذلك يختلف عنه في أنه يجوز أن تشعل الشموع بعد دخول وقت المناسبة وإن كانوا يفضلون أن يكون ذلك قبلها بينما يجب إشعالها قبل دخول وقتها في يوم السبت.وهم يشترطون أن يكون إشعال الشموع من نار موجودة كإشعالها من نار طباخ وغيره.ويكون اشعال الشموع في اليوم الثاني بعد مغيب الشمس بساعة أو بعد ظهور ثلاث نجوم .وقبل دخول اليوم الاول من السنة بيوم يحلق الكثيرمن اليهود شعورهم ويغتسلون ويلبسون ملابس نظيفة وهي غالبا ما تكون بيضاء وهو ماذكر في التلمود.كما أكد أيضا على ضرورة الفرح والسرور في هذا اليوم وأن لا يظهر اليهودي كآبة أو حزنا. وبعض اليهود المتدينين يصومون عن الكلام الدنيوي قبل شهر من هذه المناسبة حتى دخولها ويركزون في كلامهم على مسائل تتعلق بالدين وترتبط به، ويعللون ذلك بأنه تطهير للنفس. وبعض هؤلاء يبدأون بالصلاة منذ منتصف ليلة الاول من الشهر ويذهبون صباحاً الى الكنيس ويؤدون الصلاة الخاصة بالمناسبة.
الصلاة الخاصة
قبل ان يؤدي اليهود صلاتهم الخاصة بهذا اليوم فإن صلاة شحريت (صلاة الصبح) تؤدى في وقت مبكر حيث يبدأ اداؤها مبكراً على غير المعتاد فتكون في الساعة السابعة والنصف او في حدودها صباحاً وتنتهي بين الثانية عشرة والنصف والواحدة وتبدأ الصلاة مع نداء “الحزَان”(المنشد) بصوت عال جداً يقول فيه “هاملخ، هاملخ” (الملك، الملك) اشارة الى الرب. وتذكر في هذه صلاة خاصة بها هي “افينو ملكينو” ( يا أبانا ياملكنا) وفي أثنائها يضربون بيدهم اليمنى على صدورهم تعبيرا عن الندم ويقولون”يا ابانا لقد اذنبنا أمامك” اما المقاطع الخاصة التي تقرأ من التوراة بهذه المناسبة فهي:
1 – قصة تضحية النبي ابراهيم بابنه اسحق طبقا للتوراة
ومعروف أن التضحية لم تتم لأن الرب أوقف إبراهيم قبل أن يذبح ابنه
2 – قصة سارة زوجة النبي ابراهيم.
3 – قصة حنّة ام النبي صموئيل التي كانت عاقراً – كما ذكر – وصلَت من اجل ان يرزقها الله بولد وكانت تقرأ صلاتها بإخفات ولذلك فإن اليهود يقرأون هذه المقاطع اخفاتاً كذلك. وتعتبر هذه الصلاة هي الصلاة الرئيسة للمناسبة.
4 – وهناك كذلك صلاة خاصة اسمها “ابينوملخينو” (يا أبانا يا ملكنا).
5 – وهناك صلاة اسمها “زخرنو” (تذكرنا) تكون جزءاً من هذه الصلاة الخاصة.
6 – يقرأ كذلك المزمور السابع والعشرين.
7- وتقرأ مقاطع من التوراة ترتبط بالبوق(الشوفار) تسمى “شوفاروت” وهي عادة تتعلق بالوحي لموسى على جبل سيناء
8- وتقرأ كذلك مقاطع من التوراة تتعلق بمايسمونه الأمهات الثلاث( حنه وساره وراحيل)
8- وتقرأ كذلك ثلاثة نصوص من كل من التوراة(الكتب الخمسة الأولى) ومن قسم المكتوبات ومن قسم الأنبياء
9– وفي اليوم الثاني من هذه المناسبة تقرأ كذلك في الصلاة مقاطع من “سفر إرميا” التي تتعلق براحيل زوجة النبي يعقوب اذ يذكر ان راحيل ندبت شتات اليهود وبكت من اجلهم، وان اليهود سيرجعون من ارض العدو. وهناك صلوات اخرى غير هذه يطول ذكرها.وبهذه المناسبة يلبس الحاخام والحزان والنافخ بالبوق لباسا أبيض. يغطى صندوق التوراة ومنصة التوراة(البيماه) والتوراة نفسها بقماش أبيض.

النفخ بالبوق (الشوفار)
من الشعائر التي يتميز بها هذا اليوم هو شعيرة النفخ بالبوق (الشوفار). ولا يعرف اليهود السبب الذي يوجب النفخ بالبوق في هذا اليوم ولا اعطى التلمود سبباً لذلك عند ذكره له، إلا ان حاخامي اليهود وعلماءهم ذكروا أسباباً لذلك اوصلوها الى اكثر من عشرة لا أرى ضرورة لذكرها هنا.
وقال موسى بن ميمون إن النفخ بالبوق هو من أجل تنبيه المذنبين كي يتوبوا.ولكن هذا فيما أرى تعليل ضعيف و ربما يكون سبب النفخ أن هذه المناسبة مهمة كبقية المناسبات الأخرى التي ينفخ فيها اليهود بالشوفار كالصيام العام والمناسبات المهمة والكوارث وغيرها.والبوق الذي ينفخ فيه اليهود هو عبارة عن قرن حيوان طاهر طبقاً للشريعة اليهودية كالغزال والشاة والعنز. ولا يجوز استخدام قرن البقرة أو الثور لعلاقته بالعجل الذهبي الذي صنعه بنو اسرائيل وعبدوه اثناء غياب النبي موسى عنهم. وقد اصبح قرن الغنم هو المفضل في الفترة الاخيرة.
وبمرور الزمن اصبحت هناك شروط خاصة بالبوق وبالشخص الذي ينفخ فيه. فالبوق يجب ان يكون مقوساً ولا يجوز ان يحاط طرفه عند الفم بالذهب أو غيره. اما النافخ فيجب ان يغتسل وان يتوجه الى جهة الشرق عند النفخ ويجب ان يمسك البوق باليد اليمني وان يرفع نهاية البوق الى الاعلى ويلبس لباساً ابيض خاصاً بهذه المناسبة كما ذكرنا.
وعند النفخ يقف بجانب النافخ شخص اسمه “المنادي” ولا يبدأ النفخ إلا عندما يطلب منه المنادي ذلك.
ويضع النافخ الى جانبه عدة ابواق لاستعمالها في حالة الحاجة إليها. وفي الغالب يكون عدد النفخات ثلاثين نفخة كل مجموعة مقسمة الى ثلاث نفخات تختلف طولاً وقصرا .وقد أطلق على انواع هذه النفخات الثلاث اسماء خاصة بها. وعند بعض الجماعات اليهودية يصل عدد النفخات الى مئة نفخة. وأوجب الحاخامون على كل يهودي ذكر ان يسمع صوت البوق ولا يجب على الطفل والمرأة. واذا كان اليهودي مقعداً في بيته او مريضاً في مستشفى فإن نافخاً بالبوق خاصاً يذهب له وينفخ عنده.
وفي العصر الحاضر افتى رئيس الحاخامين الأسبق شلومو غورن بعدم وجوب سماع النفخ بالبوق في رأس السنة على الجنود الاسرائيليين القريبين من القواعد العسكرية العربية حتى لا تعرف أماكن وجودهم
ممنوعات اليوم
ولا يجوز لليهودي في هذا اليوم ان يطبخ طعاماً لا يأكله. ولا يجوز له اشعال النار او اطفاءها ولذلك يشعل الكثير من اليهود النار قبل يوم من هذه المناسبة وينقصونها ويزيدونها فقط في هذا اليوم. وبسبب عدم جواز اشعال النار فإن المدخنين من اليهود في باحة الكنيس يشعلون سجائرهم من بعضهم البعض او يشعلونها من شمعة وضعت في مكان معين من اجل هذا الغرض. وهم لا يطفئون هذه الجسائر ولا يطفئون الشمعة كذلك ويتركونهما تحترقان لوحدهما. والذي يشعل الشموع في هذا اليوم – وهي احدى الشعائر الواجبة – عليه ان يشعلها من نار موجودة وان الكثير من اليهود يشعل الشموع قبل حلول هذه المناسبة بوقت.
ويمنع في هذه المناسبة اصلاح الألات المعطوبة، وكذلك منع الحاخامون الجماع في هذا اليوم. ولا يجوز النوم كذلك بعد وجبة طعام الظهر وقبل صلاة العصر. ولا يجوز ضرب الصدر في الصلاة في هذا اليوم كما يضربون في صلاة ايام الاسبوع وفي يوم الكبور عندما يقولون “يا ابانا يا ملكنا لقد اخطأنا امامك”.
الطعام الخاص
يأكل اليهود انواعاً خاصة من الطعام بهذه المناسبة بعضها يعدونه بانفسهم والبعض الآخر يشترونه. فهم يخبزون خبزاً (حلاّه) لهذه المناسبة يعملونه على شكل دائرة يتفاءلون بهذا بأن تكون دورة الحياة لهم مستمرة وتكون دورة غير منتهية. وبعض الجاليات اليهودية تعمل هذا الخبز على شكل سلم اشارة الى صعود الناس وهبوطهم في حظوظهم. وهم يقطعون الخبز قطعاً صغيرة ويغمسونه في العسل ثم يأكلونه ويقرأون عليه  دعاء بالنص التالي “اللهم جدّد لنا سعادة السنة وفرحها”.أويقولون “لتكن السنة حلوة وطيبة”. وهم كذلك يأكلون التفاح بعد تقطعيه قطعاً وغمسه بالعسل ايضاً ويقرأون الدعاء نفسه. ويعملون كذلك فطائر بإضافة شيء من العسل إليها. ويأكلون كذلك بعض الفواكه المجففة وكذلك فواكه الموسم في الليلة الثانية قبل الصلاة. وذكر التلمود استحباب أكل الخضروات التي توحي أسماؤها بالإيجابية. وهم كذلك يأكلون رأس شاة او رأس سمكة  ويتذوقه كبير العائلة اولاً ثم يديره على افرادها واحداً واحداً وهم يدعون عند ذلك بقولهم “اللهم اجعلنا الرأس ولا تجعلنا الذنب”.وكذلك يقولون “لنكن كثيرين ومثمرين مثل السمك أو الغنم” وطبق السمك هو جزء من هذا الطعام الخاص على أن لا يطبخ السمك مع الخل لانهم لا يأكلون شيئاً حامضاً او مراً في هذه المناسبة.
ويعمل اليهود الاشكنازيم طبقاً من الجزر لان الجزر باللغة اليديشية هو Mahren وهذه الكلمة نفسها تدل ايضاً على الزيادة (في الحظ والبنين)(3). وهم يمتنعون في هذا الوقت عن أكل الجوز لانه يحدث السعال كما يقولون وهذا يؤثر على اداء الصلاة. اضافة الى ان كلمة “اجوز” العبرية والتي لها المعنى العربي نفسه تساوي قيمتها العددية بحساب الجّمل قيمة اعداد حروف كلمة “خطأ” (ذنب) في اللغة العبريةّ.وقبل القيام بعمل التشليخ يقوم اليهود بأداء صلاة ـتسمى”نتاناه توقف” (اعطانا قوة) وهي صلاة يعتبرونها من اكثر الصلوات إثارة للحزن والشجن حيث تتصاعد عند قراءتها الأصوات بالبكاء والنحيب رجالا ونساء.
طقس التشليخ
اصبح التشليخ جزءاً مهماً من تقاليد هذه المناسبة الدينية حتى غير المتدينين منهم يقومون بذلك اذ يذهب اليهود الى ضفاف البحار والانهار يؤدون طقوساً خاصة. وكلمة “تشليخ” مشتقة من الجذر العبري “شلخ” (ارسل، رمى، نزع الخ وهي مثل شلح العربية). ووردت هذه الكلمة ضمن عبارة في العهد القديم في سفر ميخا 7/19 وهي “(وتشليخ) وترمي في اعماق البحر جميع خطاياهم”.ويبدو أن هذا الطقس يعتمد على هذا النص.
والطريقة المتبعة في ذلك هي ان اليهود بعد ان ينتهوا من صلاة العصر وقبل مغيب الشمس يذهبون الى موضع الماء في طوابير. واشترط الحاخامون في هذا الماء ان يكون فيه سمك كما منعوا ان يطعم هذا السمك وعند اداء طقس التشليخ يؤدي لليهود صلاة خاصة يقرأون فيها فقرات من سفر ميخا 7/18 – 20 وهي “من هو اله مثلك يتحمل الآثام ويصفح عن معاصي ميراثه. ولا يشتد غضبه ويحب الرحمة. وسيعود فيرأف بنا ويدوس آثامنا وتطرح في اعماق البحر جميع خطاياهم وتمنح يعقوب الصدق وابراهيم الرحمة كما اقسمت لآبائنا منذ الايام القديمة”.
ويقرأون كذلك المزمور 118/5 – 6 “في الضيق دعوت الرب فاستجاب  لي وفي الرحب اقام الرب معي فلا أخاف وماذا يصنع بي البشر والرب معي وهو بين ناصريَ فأرى خيبة مبغضيَ. الاعتصام بالرب خير من الاتكال على البشر والاعتصام بالرب خير من الاتكال على العظماء”. وكذلك المزمور33 والمزمور 130 .
ثم بعد ذلك ينفضون اطراف ملابسهم و”جيوبهم” وهم يرمزون بهذا الى نقل ذنوبهم الى الماء ليجرفها والى السمك ليأخذها. وفي اوروبا يذهب اليهود الحسيديم(راجع عن هؤلاء كتابنا :اليهود الحسيديم) في مسيرة جماعية الى النهر وهم يحملون شموعاً وبعد الانتهاء من شعائر التشليخ يشعلون اكواماً من التبن ويرمونه في البحر فتبدو وكأنها مراكب صغيرة من نار. ويعتقد الحسيديم انهم بعملهم هذا يتطهرون من ذنوبهم التي جرفها تيار الماء وأخذها معه وان النار احرقتها كذلك.وبعض الحسيديم في اسرائيل-كما في مدينة صفد- يصعدون فوق سطوح بيوتهم باتجاه بحيرة طبرية حيث يرونها من بعيد ويؤدون طقس التشليخ
وفي بعض الجاليات اليهودية لا يكتفي اليهود بالوقوف عند الماء بل انهم بعد صلاة التشليخ يدخلون النهر ويسبحون فيه وذلك بدلاً من نفض ثيابهم وهم يقولون بأن عملهم هذا يكون اكثر تطهيراً للنفس من الذنوب من غيره لان ماء النهر يغسل كل الذنوب التي اقترفها الانسان في السنة السابقة!!
وفي بعض الاماكن حيث لا توجد انهار او بحار فإن اليهود يذهبون الى بئر او نبع ماء يؤدون هذه الشعائر عنده. وتعمل بعض الجاليات اليهودية حوضاً للماء وتضع فيه سمكاً حيَا وغالباً مايضعون هذا الحوض في الكنيس بل ان البعض منهم لحرصه على اداء هذا العمل يذهب الى الحمام العام للجماعة ويؤدي الطقس عنده ويعفي نفسه من وجود السمك. ولا يعرف اليهود السبب في اشتراط وجود السمك في الماء. واعطى الحاخامون بعض الأسباب لذلك فبعضهم قال ان ذلك تفاؤلاً بكثرة عدد السمك ليكون اليهود كثيرو العدد. وبعضهم قال بأن عيون السمك دائماً مفتوحة فيأمل اليهودي ان تكون عين ربه لا تغمض عنه يرعاه دائماً ويرأف به ويعطف عليه. وبعضهم قال بأن عين الشرلا تؤثر في السمك! فكذلك يأمل اليهود ان لا تؤثر فيهم عين الشر.ومعروف أن السمكة تُرسم في التمائم والحروز اليهودية وخاصة في الكف الذي يصنع من معدن ويوضع في مكان حيث يوضع الوليدالجديد لطرد العين الشريرة واثرها كما يعتقدون.
وعلى الرغم ان اليهود يؤدون طقس التشليخ منذ قرون طويلة(منذ القرن الرابع عشر على مايعتقد) إلا انهم لا يعرفون اصل هذه الطقوس ولا كيف بدأت. ولكن احد حاخاميهم – من القرن الخامس عشر – ربط بين هذا العمل والقصة التي وردت في المدراش عن النبي ابراهيم عندما كان ذاهباً ليضحي بأبنه ورفض أن يمنعه أي شيئ عن إداء ذلك  حتى بعد أن حول الشيطان نفسه الى نهر غامر واعترض طريقه!. وبعض الباحثين اليهود ليسوا مقتنعين بهذا وذهبوا الى ان اصل هذا الطقس هو اصل وثني لا علاقة له بالشريعة اليهودية ولا صلة له بها
التهاني
التهنئة التي يقولها اليهودي لصاحبه بهذه المناسبة هي “لشناه طوباه تكتبو وتختمو (بصيغة الجمع)” ومعناها “ليكتب (اسمك) ويختم لسنة طيبة” ويكون الجواب “غام اتم” (وانتم كذلك) وهذه التهنئة تقال منذ بداية شهر سبتمبر الى حلول الاول من السنة الجديدة. ولكن بعد  حلوله تختلف صيغة التهنئة وتكون “غمر ختيماه طوباه” ومعناها “ليكمل (سجلك) بختام سعيد”. ويرجع التغيير الى ما قاله الحاخامون وذكروه وهو ان هناك ثلاث مراحل قبل ان يكتب الانسان في الاشرار او الاخيار. الاولى هي الانكتاب والتسجيل والثانية “الختم” والثالثة “الختم النهائي” الذي لا رجوع فيه.
فالانكتاب يكون في الاول من السنة والختم يكون بعده في يوم الكبور والختم النهائي يأتي بعده بعشرة ايام في “هوشناه رباه” وهي المناسبة التي تأتي بعد عشرة أيام من يوم الكبور بعد أن يكون الحكم الإلهي قد نزل في ذلك اليوم. والناس الاخيار والاشرار يسجلون في رأس السنة في الساعات الثلاث الأولى من اليوم. اما الذين يكونون بين الاخيار والاشرار فيبقى قدرهم معلقاً الى يوم الكبور كما ذكرنا سابقا ولذلك فإن اليهود في اليوم الاول من السنة الجديدة يهنئون بعضهم بعضاً على افتراض ان كل واحد منهم قد كتب في الصالحين ولذلك لا يقال للشخص بعد حلول رأس السنة “ليكتب اسمك…” لان هذا يعني ان قدره ما زال معلقاً مع المعلقة اقدارهم، وفي هذا اهانة للشخص واساءة له. ولهذه الصيغ تأثير على تجارة بطاقات التهنئة بهذه المناسبة. فبعد دخول الاول من السنة تكون البطاقات التي تحمل العبارة الاولى رخيصة جداً، اما التي تحمل العبارة الثانية فإنها تبقى محافظة على اسعارها كاملة حتى حلول يوم الكبور. وقد اصبح الآن من العادات الشائعة بين الكثير من اليهود ان يرسلوا بطاقات التهنئة بهذه المناسبة اضافة الى ارسال التهاني عن طريق الصحف والنشرات التي تصدرها الكنس بعد استيفاء الاجور من المرسلين.واضافة إلى إقبال اليهود على شراء البطاقات فإن شراء أنواع الشوفار تزداد وكذلك الإقبال على الروزنامات وغطاء خبز “الحلاًه” الذي يعمل من قماش وغيره
نشرت في صحيفة الحياة

*نشرت في صحيفة الحياة د. جعفر هادي حسن Dr Jaafar Hadi Hassan

يؤدي اليهود الارثوذكس طقساً يسمونه
“كفاروت” ويكون أداؤه في اليوم الذي يسبق يوم الكفور(الغفران) الذي يصادف في العاشر من الشهر العبري “تشري”. وبعضهم يؤديه في ليلة رأس السنة اليهودية الجديدة. وكلمة “كفاروت” هي جمع للكلمة العبرية “كفاراة” التي تعني في اللغة العربية “فدية” أو “كفارة”.وهي مشتقة من الجذرنفسه الذي اشتق منه الجذر العربي ” كفر” وعندما تطلق كلمة “كفاروت” دون تخصيص فإنما يقصد منها هذا الطقس. .ويأمل الذين يمارسونه  نيل العفو والمغفرة من ربهم لأن يوم الكفورهو الأكثر قدسية عندهم. وقد وجدوا هذا الطقس لائقاً بهذا اليوم ومناسباً له. وهم يكفرون عن ذنوبهم فيه بحيوان عادة وهو إما ديك أو دجاجة. ويكفر الرجل بالديك، والمرأة بالدجاجة.
واصبح اللون المفضل لهذا الحيوان هو اللون الأبيض استناداً الى ما جاء في سفر اشعيا 1/18 “تعالوا نتخاطب لو كانت خطاياكم كالقرمز تبيّض كالثلج…”. وهذا النص ليس له علاقة بالكفاروت وإنما هو نص عام جعلوا له علاقة بلون الحيوان تبريراله.
ويؤدى هذا الطقس في ليلة يوم الكبور. ويرى الحاخامون ان في هذا الوقت تكون رحمة الرب عامة وشاملة. وقبل أن يذبح الحيوان لا بد للشخص أن يأخذه بيده اليمنى ثم يديره حول رأسه ثلاث مرات أو يديره شخص آخر حول رأسه ويقول أثناء ذلك “هذا عوض عني وينوب عن تقدمتي، وهو مفارقي وهذا الديك سيلقى الموت وأنا سأعيش حياة طويلة سعيدة هانئة”. وتقول المرأة ذلك بصيغة التأنيث وتذكر الدجاجة بدل الديك.
وكثيراً ما يؤدي اليهودي هذا الطقس في إسرائيل هذه ألأيام في المدارس الدينية (اليشيفوت) أو في الكنس، ومن أجل ذلك فإن إعلانات تلصق على نواصي الشوارع في حارات اليهود الارثوذكس تشير الى اسماء هذه الأماكن والأوقات التي يؤدي فيها طقس الكفاروت. وغالباً ما تعطى الفدية اليوم في إسرائيل الى المؤسسات الدينية.
وأجاز الحاخامون أن يدير الشخص الطير بالنيابة فوق رأس شخص آخر بشرط أن يكون قد أداره أولاً حول رأسه هو وكثيرا ما يعمل ذلك رب العائلة. ثم يذبح الطير ويكون ذبحه أيضاً عند الفجر.وعادة مايذبجه قصاب مجاز شرعا(شوحط بالعبرية). ويتصدقون بالحيوان المذبوح على الفقراء. ومن المتعارف عليه أن ترمى أحشاء الطير في مكان مفتوح على سطح الكنيس أو في ساحته كي تأكلها الطيور. وهذا كما يقول الحاخامون، فيه اظهار الرحمة على هذه الطيور ومن يرحم هذه الطيور يرحمه الله!.
ويقول بعض الحاخامين كذلك إن هناك سبباً آخر لرمي الأحشاء للطير، وهو أن هذه الطيور قد تعودت أكل لحم الحيوان الميت وهو نوع من السرقة وعندما يرمي اليهودي هذه الاحشاء للطير فإنه يبين بذلك تصميمه على الإمتناع عن السرقة!! وهم يعتقدون أن هذه الكفارة ستأخذ معها كل كارثة ربما تصيب المضَحي أو سوء حظ يقع عليه. ولا بد للشخص أن يعبر عن ندمه وأسفه على ما اقترفه من ذنوب عندما يقوم بأداء هذا العمل.
ولهذا الطقس صلاة يؤديها اليهودي في بدايته ويطلق عليها”بني آدم” لأنها تتعلق بالبشر عموما أو لأن العبارة مذكورة في هذه المقاطع. وهي من المزمور 107 تتضمن العبارات 10 و14 و17-22 منه وهي: “كانوا مقيمين في الظلمة وظلال الموت اسرى البؤس والحديد……. أخرجهم من الظلمة وظلال الموت وحطم قيودهم….. كانوا مرضى في طريق معصيتهم وأشقياء في آثامهم تعاف نفوسهم كل طعام فيلامِسون أبواب الموت فصرخوا إلى الرب في ضيقهم فخلصهم من شدائدهم وارسل كلمته فشفاهم ومن الهوة انقذ حياتهم. فليحمدوا الرب لأجل رحمته وعجائبه لبني البشر وليذبحوا ذبائح الحمد وليحدَثوا بأعماله بالتهليل”. ويقرأون كذلك من سفر ايوب 33/23-24: “ان وجد ملاك شفيع له وسيط بين الألف ليعلم الإنسان بواجبه ويرحمه ويقول أعفه من الهبوط في الهوة فقد وجدت فدية”.
ويرى الحاخامون أنه إذا صعب الحصول على الديك والدجاجة فيجوز التعويض بالسمك الحي ويشترط  فيه أن يكون حيا وكذلك يجوز التعويض بالأوز، ولكن لا يجوز التضحية بالحمام واليمام.والسبب في ذلك كما يقولون انه لا يجوز التضحية بحيوان كان يضحى به ايام وجود الهيكل.فالحمام واليمام والمعز والغنم حيوانات كان يضحى بها وقتئذٍ.. أما الدجاج فلم يكن يقدم كأضحية ولذلك اتفق على التضحية به… وبعض الحاخامين يفضلون استعمال المال على الدجاج وبعد أن يدار به حول الرأس يتصدق به على الفقراء وهو مايفعله الكثير من اليهود هذه ألأيام. بل انه في بعض الأقليات اليهودية لا يستعمل الدجاج بل المال هو المستعمل وعندئذ تُغير الصيغة التي ذكرناها سابقاً وتصبح “هذا عوض عني… وهذا المال سيذهب الى الصدقة وأنا سأعيش…”.
واعطى علماء القبلاه اليهود تفسيرات باطنية ومعاني خفية لهذا الطقس. ولاقت هذه قبولاً من عامة اليهود وشعبية بينهم. وأكد حاخامون معروفون على أهمية هذا الطقس وذلك بجعله واجباً وأضافوا الكثير من الشعائر الأخرى وهي شبيهة بتلك التي تتعلق بفريضة الأضحية ايام الهيكل اليهودي، مثل وضع اليد على الحيوان وشعيرة صلاة الاعتراف وذبحه مباشرة وغير ذلك. وقد وردت شعائر فريضة الأضحية هذه في سفر اللاويين 16/3-22 وجاء في بعضها ” بهذا يدخل هارون القدس بعجل من البقر لذبيحة الخطيئة وبكبش للمحرقة ويأخذ من عند جماعة بني إسرائيل تيسين من المعز لذبيحة الخطيئة وكبشا للمحرقة….فيقرب هارون عجل ذبيحة الخطيئة التي عليه ويكفر عن نفسه وعن بيته ثم يأخذ التيسين ويوقفهما أمام الهيكل عند باب خيمة الموعد ويلقي هارون عليهما قرعتين إحداهما للرب والأخرى لعزازيل. ويقرب هارون التيس الذي وقعت عليه القرعة للرب ويصنعه ذبيحة خطيئة والتيس الذي وقعت عليه قرعة عزازيل يقيمه حيا امام الرب ليكفر عليه ويرسله إلى عزازيل في البرية ويقرب هارون عجل ذبيحة الخطيئة …فاذا انتهى  من التكفير عن القدس وعن خيمة الموعد وعن المذبح يقدم التيس الحي ويضع هارون يديه على رأسه ويعترف عليه بجميع آثام بني إسرائيل ومعاصيهم وخطاياهم ثم يضعها على رأس التيس ثم يرسله إلى البرية بيد رجل معد له فيحمل التيس جميع آثامهم إلى أرض قاحلة…..”ويقول الحاخامون إن هذه ألأضحية المذكورة في التوراة هي عن جماعة بني إسرائيل كلهم والكفاروت هي عن ألأفراد.ولكن بعض الحاخامين عارضوا أداءه لأنه لم يذكر في التلمود. وكان من هؤلاء سلمون بن أدرت (1310) الحاخام الأندلسي الشهير. الذي حرم ممارسته بشدة واعتبره طقسا وثنيا من بقايا تراث العموريين (ولكن هذا غير صحيح لأنه لم يعرف أنه مورس قبل القرن التاسع الميلادي.كما أنه لم يذكر في التلمود. وكذلك عارض أداءه الفقيه اليهودي المعروف جوزيف كارو (توفي 1575م) وقال عنه انه عادة غبية.وبعضهم اعتبره عملا سحريا. ومن الذين انتقدوه ايضاً وسخروا منه يهودا بن سلومون الحريزي (توفي 1235م) الذي ترجم مقامات الحريري الى العبرية حيث قلده بتأليف خمسين مقامة من انشائه كتبت باللغة العبرية. وفي إحدى هذه المقامات يهزأ  ببعض العادات والتقاليد التي اعتبرها مثيرة للسخرية ومنها طقس “الكفاروت”، حيث يجعل الديك يتكلم معبراً عن خوفه وقلقه من المصير الذي سيلاقيه ولذلك يهرب من يد صاحبه ويصعد على سطح الكنيس حيث يدور كلام بينه وبين الشخص الذي اراد التفكير به وقتله.ولكن اليهود خاصة ألأرثودكس منهم مازالوا مستمرين في أداءهذا الطقس إلى يومنا هذا.ودخلت كلمة كفاروت قاموس اليدش والعبرية حيث تشير الكلمة إلى الخسارة المالية وغيرها وكذلك للجهد الذي لاطائل من ورائه.(1)Encyclopedia Judaica, Kapparot
(2) P.Birnbaum,Encyclopedia of Jewish Concepts,Kapparot
(3) B.Greenburg, How to run Traditional Jewish Household,pp333-4
*نشرت في صحيفة الحياة

 التحول إلى اليهودية وشرط السكن في اسرائيل Dr Jaafar Hadi Hassan د. جعفر هادي حسن 

كثر في السنين ألأخيرة التحول إلى اليهودية بسبب الزواج المختلط بين اليهود وغيرهم. فنسبة الزواج المختلط في تصاعد مستمر في العشرين السنة الأخيرة، خصوصاً في الولايات المتحدة الأمريكية حيث وصلت اليوم إلى أكثر من50 بالمئة. ولا بد لمن يعتنق اليهودية من أن يؤدي بعض الشعائر والطقوس الخاصة بذلك مثل الإغتسال للرجل والمرأة والختان للرجل وغير ذلك. وتختلف المذاهب اليهودية المعاصرة اليوم اختلافاً كبيراً في تطبيق شروط التهود ولكنها عند اليهود الارثودكس تكون أكثر تعقيداً وتستمر أطول فترة مما هي عند المذاهب الأخرى حيث تكون أخف وطأة وأقصر فترة  بل إن بعض المذاهب اليهودية لم يشترط  حتى الختان على الرجل بينما يعتبر هذا الأمر من أهم الشروط في التحول إلى اليهودية عند اليهود ألأرثودكس ولا يصبح يهوديا من لايختتن.
وفي هذا المقال سأقتصر على حالة واحدة من حالات التهود التي أحدثت ضجة واثارت قدراً كبيراً من الجدل والنقاش بين اليهود أنفسهم وبين اليهود وغيرهم.في السنين الماضية. وهي قد  وصلت ليس الى المحاكم فحسب، بل الى مجلس اللوردات في بريطانيا(لان صاحبة القضية بريطانية) مع أنها سبق وأن أدت مراسيم التهود وشعائره في إسرائيل. وتأتي أهمية هذه الحالة ليس فقط من الشروط التي يضعها الأرثودكس بل أيضا لدور إسرائيل كدولة في هذا ألأمر وهو شيئ لامثيل له في حالات التهود.
وصاحبة القضية هذه إمرأة اسمها بولا. ولدت في بريطانيا لعائلة لم تعتبر يهودية على الرغم من أن أم والدها كانت يهودية. وعندما كانت شابة قررت الذهاب الى إسرائيل للعمل في أحد “القبوصيم” (المستعمرات) لفترة شهر كما ذهب الآلاف من الشباب والشابات من غير اليهود قبلها وبعدها حيث تشجع إسرائيل على ذلك للتأثير على أفكار هؤلاء في نظرتهم إلى الصراع العربي الإسرائيلي وكذلك نظرتهم إلى العرب وقد أحرزت إسرائيل نجاحا في ذلك. وأثناء وجودها هناك تعرفت على شخص إسرائيلي يعمل في القبوص اسمه يوسي كوهن.(وكثيرا ماحدث مثل هذا للائي يذهبن إلى العمل هناك). وبعد شهر غادرت إسرائيل ثم رجعت إليها بعد سنة ودخلت مدرسة في القبوص متخصصة في تعليم اللغة العبرية للكبار (تسمى الفان) ثم قررت أن تعتنق اليهودية. وقد بررت ذلك بالقول إنه من الصعب أن يعيش الإنسان في إسرائيل دون ان يكون يهودياً. واتصلت برئيس الحاخامين الاشكنازيم وهو آنذاك شلومو غورن(هناك أيضا رئيس حاخامين لليهود الشرقيين الذين يسمون أيضا سفارديم ولابد أن يكون كلاهما من الأرثودكس). وكان الحاخام غورن قد عمل قبل ذلك في الجيش ووصل إلى رتبة رئيس الحاخامين فيه وأنشأ مركزين في القبوصيم لمن يريد أن يعتنق اليهودية حيث تُدَرس فيهما الشريعة اليهودية  وتُمارس فرائضها من قبل هؤلاء مع اليهود الآخرين. وتستمر الدروس لأشهر عدة، ثم بعد ذلك يختبرالرجل او المراة فيما إذا كان مخلصاً في نيته أو كانت مخلصة في نيتها أم لا. وإذا تبين صدقه،او صدقها فإنه يؤخذ-والمرأة تؤخذ إلى المحكمة الشرعية (بيت دين)  لأداء مراسيم اعتناق اليهودية (في بريطانيا يستمر التحضير للتهود ثلاث أو اربع سنوات عند اليهود الارثوذكس). ويقول رئيس الحاخامين عن “بولا” إنه قابلها ثلاث مرات، مرة قبل أن تبدأ التحضير للتهود والثانية بعد أن انتهت منه والثالثة عندما أرادت أداء مراسيم التهود.
وسألها فيما إذا كان عندها صديق، فأجابت بالنفي ( الكثير من حاخامي اليهود الارثوذكس لا يوافقون على أداء مراسيم التهود لأمرأة تريد أن تعتنق اليهودية لسبب عاطفي ). وطلب منها رئيس الحاخامين أن تقسم بالتوراة في أنها ستؤدي الفرائض اليهودية وتطبقها كما يطلب ذلك من الآخرين. ويفسرهذا الأمر أن الكثير ممن يعتنق اليهودية لا يلتزم بتطبيق الفرائض، لذلك يُرسل مفتشون  بين فترة وأخرى للـتأكد من أن هؤلاء يأكلون طعاماً كوشر (طاهر) ولا يعملون في يوم السبت ويذهبون إلى الكنيس الى غير ذلك. وطلب منها كذلك ان تتعهد بالإقامة في إسرائيل.وهذا الشرط هو شرط فريد ولم يكن يشترطه الحاخامون لمن تحول في فلسطين قبل ظهور الدولة.
واعتبر رئيس الحاخامين حالتها مرضية فاتخذت اسماً يهودياً( وهو مايفعله المتهود عادة) ومنحت وثيقة اعتناق اليهودية التي تثبت تهودها. لكن رئيس الحاخامين اضاف عبارة مهمة الى الوثيقة وهي “غير صالحة خارج إسرائيل”.والغرض من هذا الشرط هو أن تبقى في إسرائيل وتتخذها سكنا دائما لها وبهذه العبارة بدأت مشكلة المرأة ، إذ أن العبارة تشير الى أن صاحبة الوثيقة هي يهودية(بظرف المكان) في إسرائيل وغير يهودية خارجها. إضافة الى مشكلة أن زوجها كوهن، كما سنرى.
ويقول رئيس الحاخامين في تبريره لوضع العبارة ان الغرض منها “غير صالحة خارج إسرائيل” ليس أن الشخص يهودي في إسرائيل وغير يهودي خارجها، وإنما بهدف حتى لا ينكث المتهود عهده ويترك إسرائيل. إذ أن البقاء في الدولة – كما يقول – هو جزء مهم من عملية التهود. والعيش فيها يذكر الشخص بيهوديته، بينما إذا عاش خارجها، فإنه ينسى أنه متهود ويحتاج الى أن يذَكر دائماً بذلك. فاليهودية دين جديد له وأن الذي ينوي العيش في إسرائيل بعدما يتحول الى اليهودية يعطي للحاخام الذي يقوم بالعملية ثقة أكبر باخلاصه وصدقه.ولكن السبب الحقيقي فيما يبدو لي هو سبب ايديولوجي إذ أن هدف رئيس الحاخامين هو هدف صهيوني بحت فالرجل معروف بصهيونيته المتشددة وتشجيعه للمهاجرين ونظرته الدونية إلى العرب فهو منذ عام 1967 دعا لتهديم مسجد قبة الصخرة وبناء مايسمى بالهيكل الثالث مكانه.
وبعد حصول “بولا” على وثيقة التهود تزوجت من صديق اسمه يوسي كوهن  وجاءت بعد سنوات الى بريطانيا مع زوجها للسكن فيها. وبدأت المشكلة عندما أخذت ولديها الى المدرسة اليهودية لتسجيلهما فيها وهي مدرسة تابعة لليهود الارثوذكس. وسألها مسؤول المدرسة فيما إذا كانت يهودية أو متحولة إلى اليهودية فأخبرته بأنها متحولة الى اليهودية. ولما أثار المسؤول بعض الشكوك حول الموضوع، ذهبت الى حاخام المدينة وأطلعته على الوثيقة. ولما رأى فيها عبارة “غير صالحة خارج إسرائيل” قال لها إن العبارة تثير الشك. فقالت له ان العبارة يقصد منها أن تكون وسيلة لمنع المتهود من مغادرة اسرائيل مباشرة وبالنسبة لها فقد بقيت فيها ما يقرب من عشر سنوات. فأخبرها الحاخام بضرورة ارسال الوثيقة الى المحكمة الدينية اليهودية في لندن لأخذ رأيها في الموضوع. فأرسلت الوثيقة الى المحكمة وكان جواب المحكمة أن وثيقتها غير صالحة خارج إسرائيل وعليها أن تخرج ولديها من المدرسة. فذهبت الى لندن لتقابل أحد قضاة المحكمة وتسأله شخصياً عن موضوعها، فأخبرها بأن تهودها غير نافذ المفعول خارج إسرائيل… ولما سألته ماذا تقول لأولادها في هذه الحالة، قال لها قولي لهم الحقيقة انهم يهود في إسرائيل وغير يهود خارجها.! وأخبرها القاضي أنه بالإمكان إعادة مراسيم تهودها لكن عليها أن تُطلق من زوجها لأنه كوهن (كاهن). وكوهن في التقاليد اليهودية يكون  من أحفاد “هارون” من قبيلة اللاويين الذين اختصوا بالكهانة في المعبد وامتازوا على بقية ابناء اسرائيل بذلك. ولو كان المعبد اليهودي اليوم قائماً لكان كوهن زوج “بولا” يخدم فيه شهراً في السنة على الأقل يشرف على نحر الأضاحي وحرق البخور والاعتناء بزيت الفوانيس في المعبد ويتسلم أوائل الثمارالأولى ويبارك من يأتي لزيارة المعبد الى غير ذلك من أعمال وشعائر.
وإضافة إلى ذلك، فإن الكاهن يتميز أيضاً  بميزات خاصة به فهو أول من يدعى لقراءة التوراة في الكنيس ولا يجوز له أن يتزوج بمومس ولا بإمرأة مطلقة ولا يجوز له كذلك أن يتزوج من متهودة. وهذه القضايا ما زالت تطبق في العصر الحاضر عند اليهود الارثوذكس، خصوصاً في اسرائيل. لذلك أخبرت المرأة بأنها يجب أن تطلق زوجها إذا تحولت مرة أخرى إلى اليهودية لأنه كاهن وهو لايجوز له أن يتزوج مطلقة كما ذكرت.
واشتكت “بولا” رئيس حاخامي اليهود في بريطانيا عن طريق محاميها. ورد محامي رئيس الحاخامين عليها بقوله: “إنه يجب أن تدركي أنه في الحالات الأخرى المشابهة لحالتك التي وضع عليها الشرط نفسه لم تعترف المحكمة الشرعية اليهودية بالوثيقة في بريطانيا. وأمكن اصلاح بعض تلك الحالات في هذا البلد (بإعادة مراسيم التهود)، لكن ذلك غير ممكن في حالتك، لأنك متزوجة من كاهن ولا يجوز للمتهودة أن تتزوج منه، وان زواجك من كاهن يجعل إعادة تهودك غير ممكنة”.
عندها رفعت قضيتها الى مجلس اللوردات البريطاني لينظر فيها. وعندما تطورت القضية الى هذا الحد، أخذ رئيس الحاخامين الاشكناز شلوموغورن قراراً بإبطال تهود “بولا” وتجريدها من يهوديتها حتى في إسرائيل.(وهذا القرار من النادر أن يحدث مثله) وقال في سبب ذلك أن تهودها كان على أساس باطل حين بني على تشويه الحقائق وتحريفها، لأنها (بولا) أخفت عنه بأن لها صديقاً على رغم قسمها بأنها ستلتزم بالفرائض (وترد بولا انها لم تكن تخرج مع يوسي كوهن قبل تهودها) ثم أنها سكنت خارج إسرائيل على رغم أنها قد أعطت تعهداً بأنها ستعيش في إسرائيل. ثم قال رئيس الحاخامين “ولو كانت قد أخبرتني بأن الذي ستتزوجه هو كاهن لكنت قد أوقفت التهود حالاً ودون تردد” وقال إن الطفلين ليسا يهوديين لأن امهما ليست يهودية (في نظر اليهود الارثوذكس لا يمكن لشخص أن يكون يهودياً عن طريق الأب). ومع ذلك يجب أن يربيا تربية يهودية وعندما يصلا الى سن البلوغ يطلب منهما ان يتهودا بشكل رسمي. وقالت الأم لا أدري ماذا سيكون شعورهما عندئذ إذ أن هويتهما قد اهتزت. ورفضت أن تبقي ولديها في المدرسة وأدخلتهما مدرسة حكومية وظلت تهاجم الحاخامين الارثوذكس واعتبرت ان ما حصل لها من عذاب نفسي كان بسببهم.
وأخيراً انضمت هي وزوجها الى اليهود الاصلاحيين – إذ اعتبرها هؤلاء يهودية – وقالت عنهم انهم هم اليهود الحقيقيون. واكتشفت من خلال مشكلتها بأن هناك تناحراً شديداً وخلافاً عميقاً بين المذهبين الاصلاحي والارثودكسي وأنها لم تكن تعلم حدة العداوة وشدتها بين المذهبين إلا بعد أن حدثت لها هذه المشكلة.