شبتاي صبي وظهورفرقة الدونمة ودورها في تركيا الحديثة  د.جعفر هادي حسن   

Shabtai Zevi 1666

 

 

 

 

د.جعفر هادي حسن
تعتبر حركة شبتاي صبي من اكبر الحركات اليهودية التي كان لها أثر سلبي على
اليهود في العصر الحديث.
وكان شبتاي قد ادعى كذباً أنه المسيح المخلص لليهود وصدقه الآلاف من اليهود في كل مكان وجدوا فيه من اليمن حتى بولندا، وبعد سنة أو تزيد اهتزت فيها الجاليات اليهودية ظهر كذبه ولكن ذلك لم ينه حركته بل استمرت مجموعة كبيرة منهم تؤمن به حتى يومنا هذا ويوجد الغالبية العظمى من هؤلاء اليوم في تركيا ويطلق عليهم الدونمة.
ولد شبثاي صبي عام 1626م في مدينة إزميرالتركية لأبوين يهوديين( وطبقا لتقاليد أتباعه كانت ولادته في التاسع من آب الذي يولد فيه المسيح المخلص)ويعتقد أنه ينحدر من عائلة من اليهود السفارديم هاجرت من جزيرة ايبريا (اسبانيا والبرتغال) بعد أن طرد هؤلاء من هذه الجزيرة. وكان أبوه مردخاي يعمل بتجارة الدجاج والبيض وكان أيضاً وكيلاً لبعض الشركات البريطانية والهولندية. وكان شبناي أحد اخوة ثلاثة ولدوا لمردخاي ومنذ صغره توسم فيه أبوه ملامح ذكاء فأراد أن يحقق رغبة في نفسه في أن يصبح أحد أبنائه حاخاماً، وارسل شبثاي منذ صغره الى المدارس الدينية اليهودية ودرس أيضاً على بعض الحاخامين المعروفين وأصبح حاخاماً وهو لم يتجاوز العشرين من عمره.
ومنذ أن كان طالباً أخذ شبثاي يهتم بدراسة القبلاه (العلوم الباطنية اليهودية) حيث كان يجلس الساعات الطوال يتعمق بدراسة كتبها والتعمق بها والكشف عن أسرارها. ومنذ وقت مبكر في حياته أعجب به بعض الطلاب وانجذبوا إليه فتحلقوا حوله يدرسون معه ويناقشونه. وكان شبثاي يذهب بهم مرة أو مرتين في الأسبوع الى خارج المدينة يتناقشون ويتدارسون معه.
وتزوج شباي في الثانية والعشرين من عمره ولكنه لم يقرب زوجته وطلقها بعد بضعة أشهر وبعد فترة تزوج بامرأة أخرى ولكنه أيضاً لم يقربها وطلقها وكان طلابه والمقربون له يفسرون ذلك على أنه نوع من الطهارة والتبتل. وأما هو فكان يقول بأن روح القدس قد أوحى له بأن زواجه من المرأة المناسبة لم يحن بعد. وفي الوقت نفسه أخذ شبتاي يسلك سلوكاً مخالفاً للسلوك العام وكان مزاجه يتراوح بين نشاط وهيجان بالغين، يعقبهما حالة انقباض وقنوط وقد لازمته هذه الحالة في كل حياته.
وكان شبثاي عندما تعتريه الحالة الأولى يتغنى بالأشعار وينشد المزامير بصوت عال (وعرف شبثاي بصوته الجميل) ويرقص أمام طلابه وزواره ولكنه كان يلجأ الى الوحدة والاعتزال عندما تصيبه الحالة الثانية. وعندما كان يسأل عن اعتزاله كان جوابه بأنه كان يصارع قوى الشر والشياطين. وبدأ شبتاي يلمح الى طلابه بأنه سيحقق أشياء عظيمة في المستقبل، كما أخذ يتحدث عن المسيح المخلص ووقت ظهوره ولم يكن هذا ليجلب انتباه اليهود لولا أنه كان يقوم بأعمال مخالفة لليهودية.
وفي أحد الأيام عندما كان يقرأ أحد مقاطع التوراة نطق الاسم “يهوه” كما هو مكتوب في التوراة. ونطق هذا الاسم محرم على الإنسان العادي اليهودي ويجب أن يقول مكانه “أدوناي” (سيدي). وقد تكرر هذا العمل من قبل شبتاي، ثم بعد فترة أخذ يلمح إلى طلابه وأصحابه بأنه سيكون المخلص لليهود.
ولا ندري كيف اعتقد شبثاي في نفسه أنه المسيح المخلص ولكن يُنسب له أنه أخبر أحد الحاخامين في حلب فيما بعد (عام 1665) بالقصة التالية: “إنه في إحدى الليالي من عام 1648 هبط عليه روح الله عندما كان يتمشى في الليل على بعد ساعتين من المدينة (أزمير) حيث سمع صوت الله يقول له أنت مخلص إسرائيل وأنت المسيح بن داوود المختار من قبل رب يعقوب وأنت المقدر لك انقاذ إسرائيل وجمعهم من أركان الأرض الأربعة”.
ولم يبق ادعاء شبتاي محصوراً بين الحلقة القريبة له من الناس، بل سمع بذلك حاخامو المدينة وعندما استدعوه للمثول أمامهم رفض ذلك وسخر منهم. فاصدروا “حِرم” بحقه (الطرد من اليهودية والعزل عن اليهود)، وكذلك طالبوه بالخروج من المدينة. واضطر شبثاي للخروج من أزمير – ربما بضغط من عائلته – وذهب الى سالونيك التي كانت جزءاً من الامبراطورية العثمانية وفيها واحدة من أكبر الجاليات اليهودية. وفي أحد الأيام أولم وليمة لبعض الحاخامين ثم جاء بمظلة زواج (التي تستعمل في احتفال الزواج اليهودي)، وأحضر نسخة من التوراة وأخذ يقوم بمراسيم عقد الزواج بينه وبين التوراة، وعندما اعترض عليه قال بأن كل من يؤمن بالتوراة ويلتزم بها فهو زوج لها. وقال بأن هناك اشارات في العهد القديم لذلك، كما استمر على نطق الاسم يهوه، وقال لأن ذلك من خصائص المسيح المخلص. وأثارت أعماله غضب الحاخامين في هذه المدينة، فطلبوا منه أن يخرج منها، فذهب الى أثينا التي كانت أيضاً فيها جالية يهودية. ولا ندري كم بقي هناك، ولكن يعتقد أنه رجع منها الى تركيا عام 1658.
ولم يذهب إلى أزمير، بل ذهب الى مدينة القسطنطينية. وفي بداية قدومه استقبله الحاخامون استقبالاً حسناً، ولكن نظرتهم تغيرت بعد أن رأوا الغريب من سلوكه ومن أعماله الغريبة التي قام بها في هذه السنة. انه اشترى سمكة كبيرة ولفها بقماش ووضعها في مهد وعندما سمع الحاخامون بذلك سألوه، فقال لهم إن خلاص بني إسرائيل سيكون من خلال رمز الحوت وان المهد يرمز إلى النمو البطيء لخلاص إسرائيل.
ثم كان من أعماله المخالفة للشريعة اليهودية أنه احتفل بأعياد يهودية ثلاثة في أسبوع واحد، وهو عمل غير جائز في اليهودية. وعندما نوقش بذلك شبتاي استشهد بنص من سفر اشعيا 51/4 وهو: “انصتوا إليّ يا شعبي ويا أمتي اصغي لأن شريعة تخرج من عندي”. وهذا يعني أنه يمكنه أن يشرع تشريعات جديدة وأصدر الحاخامون “حرم” بحقه مرة أخرى، وكذلك حكموا عليه بالجلد أربعين جلدة. وخرج شبثاي من المدينة واتجه الى مدينته أزمير. وقضى فيها فترة طويلة نادرا ما يخرج من بيته كما كان الناس يتحاشون الاتصال به بسبب “الحرم” الذي صدر بحقه.
واقترح عليه أخواه الإبتعاد عن المدينة والخروج من عزلته والذهاب الى فلسطين.
ورحب شبتاى بذلك وكأنه كان ينتظره  فغادر أزمير على ما يبدو  في عام 1662 وفي طريقه إلى فلسطين مرّ بجزيرة رودس ثم ذهب من هناك الى سوريا ومن سوريا ذهب الى مصر ونزل ضيفاً على مسؤول الخزانة في مصر رفائيل يوسف شلبي الذي كان يهوديا ثرياً وكان ينفق على بعض الحاخامين الذين كانوا يعيشون في كنفه. وخلال وجوده هنا أصبحت علاقته وثيقة برفائيل يوسف وبعد فترة توجه الى فلسطين وسكن في غرفة ظل يعتكف فيها لقترات طويلة وكان يخرج ليلاً لزيارة بعض قبور أولياء اليهود، وكان يقول إنه كان يسمع اصواتاً تخرج من هذه القبور، وكان يأمل أن تحل أرواح الأولياء فيه.
وتعرف شبثاي هناك على بعض الحاخامين ومجموعة من اليهود، وربما لم يكن هؤلاء قد عرفوا بالحِرم الذي صدر بحقه أو بادعائه ولذلك لما احتاجت الجالية اليهودية في أورشليم الى الأموال، طلبت منه أن يذهب الى مصر لطلب المساعدة من رفائيل يوسف. ووافق شبثاي على هذه المهمة ولكنه هذه المرة أخبر رفائيل يوسف أنه المسيح الذي ينتظره اليهود ويقال بأن هذا صدقه. وأثناء ما كان في مصر سمع عن امرأة تعيش في ايطاليا اشتهرت بجمالها اسمها سارة، وكان يحكى عنها حكايات غريبة وتتنبأ للناس بمستقبلهم وكان الناس يشكُون بسلوكها وكانت تقول إنها ستتزوج المسيح المخلص. وعندما سمع شبتاي بها ارسل لها خبراً برغبته في الزواج منها، فوافقت دون تردد والتحقت به فتزوج منها وقد رعى الزواج وأنفق عليه رفائيل يوسف.
كما سمع وهو في مصر عن شخص يسكن غزة اسمه ناثان بنيامين اشكنازي الغزي وكان هذا حاخاماً ومتبحراً بالقبلاه ويقال إنه كان يتنبأ للناس (وقد أصبح لهذا الحاخام فيما بعد دور مهم ومتميز في حركة شبتاي). ولا ندري ما الذي جذب شبتاي له فوصل الى غزة والتقى به، ومنذ اللقاء الأول ارتبط الإثنان بعلاقة وثيقة وبعد عدة لقاءات آمن ناثان بأن شبتاي هو المسيح المخلص وأخذ يستدل على ذلك من كتب القبلاه وغيرها. ثم سافرا سوية الى مدينة الخليل وزارا بعض قبور الأولياء من اليهود ورجعا الى غزة.
ويبدو أن الاثنين قد اتفقا على أن يعلن شبتاي نفسه الى العالم بأنه هو المسيح المخلص وهيأ ناثان لذلك ببعض الأمور منها أنه أثناء ما كان ينشد هو وطلابه بعض الأناشيد تظاهر بالاغماء وقال أثناء ذلك الجملة التالية: “اسمع يا ناثان الى محبوبي واعمل كما يقول لك. اسمع لمحبوبي شبتاي صبي” وكرر ذلك عدة مرات.
ثم أدعى أنه عثر على وثيقة من القرن الثاني عشر كتبها حاخام اسمه ابراهام جاء فيها أن شخصاً اسمه شبتاي صبي سيولد لمردخاي في عام 5386 (1626م) وسيكون هو المسيح الحق الذي يكون خلاص اليهود على يديه وتكون مملكته أبدية( تبين فيما بعد أن الوثيقة مزورة) كما أخذ يعطي أدلة من خلال نصوص في القبلاه أن شبتاي هو المخلص. وصدقه الناس حتى الحاخامون في غزة صدقوا هذا الإدعاء وأعلن المتنبئ ناثان أمام الناس أن شبتاي هو مخلص اليهود وأنه هو المسيح المنتظر وقد وقع الإعلان عن هذا بين 14 و17 من الشهر العبري سيوان الذي صادف 28-32 مايو من عام 1665.
وطلب ناثان من الناس أن يتوبوا ويكفروا عن ذنوبهم. وذهب شبتاي ومجموعة من أتباعه الى القدس وركب فرساً وطاف بالمدينة سبع مرات وقام بارتكاب أعمال مخالفة للشريعة اليهودية للتدليل على أنه المسيح المخلص. وهناك التقى شخصاً اسمه صموئيل فريمو أصبح مستشاراً وكاتباً له يدافع عنه ويؤكد مسيحانيته. كما عين شبتاي مجموعة من أتباعه ممثلين لقبائل إسرائيل الاثنتي عشرة وأخذ هؤلاء يجوبون فلسطين مبشرين بظهور المخلص شبتاي.
وأعلن شبثاي أنه سيذهب الى تركيا ويقود السلطان أسيراً. ومن فلسطين رحل شبتاي الى سوريا حيث استقبل من قبل اليهود بالحفاوة والتكريم حيث كانوايتبركون برؤيته ويقبلون يديه ويتطلعون إلى لقائه.
وقرر المتنبئ ناثان الالتحاق بشبتاي وأثناء ذلك كان يبعث برسائل الى الجاليات يؤكد لها انتصار اليهود القريب على أعدائهم وقال في إحدى رسائله: “في وقت قريب سوف يكشف لكم عن كل الأشياء بجلاء ووضوح وسوف تعلمون ذلك من قبل الاله نفسه مبارك هو الذي ينتظر، ومبارك كل من يشمله خلاص المسيح الحق الذي سيتحقق في وقت عاجل ويتحقق معه حكمه وتتحقق مملكته فينا الآن وإلى الأبد”.
وأخذ اليهود يذكرون اسمه في كنسهم على أنه ملك إسرائيل والمسيح المخلص حتى في الدولة العثمانية ابدل اسم السلطان باسم شبتاي. وقسم شبتاي العالم إلى بلدان عين عليها ملوكاً من اليهود ومنهم أخواه اليشع ويوسف كما أصبحت زوجته سارة ملكة لفلسطين. وأخذ شبتاي يوقع رسائله بـ “ابن الله البكر” ومثلها من العبارات كماان بعض الكتب اليهودية التي نشرت في هذه الفترة كانت تذكر عبارة “شبتاي صبي ملك إسرائيل مسيح رب يعقوب”. وحث شبتاي اليهود على أن يكونوا سعداء مسرورين، كما أخذ يعدهم بالسلطة والسيطرة على الآخرين فقال في إحدى رسائله: “وكل يوم مخصص للحزن والآلام اجعلوه يوم فرح وسرور، لأنه يوم ظهوري ولا تخافوا شيئاً لأنه سوف تكون لكم سلطة على كل الشعوب وسوف لا تكون سلطتكم على من في الأرض فقط، بل كذلك على المخلوقات التي هي في أعماق البحر…”.
وكان لرسائل شبتاي وقع كبير في نفوس العامة من اليهود ورفع لمعنوياتهم حتى أنه قد ذكر أن بعض اليهود أخذوا ينظرون الى المسيحيين بعين الاحتقار، بل ويهددونهم ويتوعدونهم بالتأثر لمعاملتهم لهم. كما كانوا يعتقدون بأن خلاصهم اصبح وشيكاً.
وكانت هذه الرسائل تقرأ في الكنس، وكانت تفرح اليهود وتسرهم وكان البعض منهم يخرجون الى الشوارع ويرقصون. وذكر أحد الحاخامين المعارضين لشبتاي عما كان اليهود بعملونه في امستردام “كان الناس يرقصون على ضرب الدفوف وكانت نسخ التوراة قد جددت أغطيتها وكان اليهود يحملونها ويطوفون بها في الشوارع  وأخبار المسيح المخلص تقرأ على الناس دون خوف من المسيحيين” ويذكر المؤرخون بأن مظاهرات في هذه الفترة خرجت في بولندا حمل اليهود فيها صور شبثاي واغضبت هذه المظاهرات المسيحيين، فاعتدوا على اليهود فاشتكى هؤلاء الى الملك جان كسيمير واصدر مرسوماً حول هذه الحوادث كان بعضه  ينص على عدم حمل اليهود لصور شبتاي.
كما أهمل الكثير من اليهود تجارتهم منتظرين الذهاب الى أورشليم مع مسيحهم المخلص، بل إن البعض باع أملاكه وقد ذكر بعض المؤرخين بأن ثلث يهود أوربا باعوا أملاكهم وكان بعض المزارعين في ايران قد امتنعوا عن اداء الضريبة وقالوا إنهم يؤدونها الى شبتاي صبي. وفي تركيا كان اليهود يخرجون في الليل حاملين الشموع ويتغنون باسم شبتاي.
وكتبت الجالية اليهودية في هامبورغ رسالة الى شبتاي قالت فيها “نأمل من سيدنا وملكنا ان يخبرنا أي طريق يجب أن نسلكه وهل يجب أن نتهيأ الآن الى مقصدنا من أجل أن نسجد عند قدميك وننفض التراب عنهما أو اننا يجب أن ننتظر رحمة الاله الى يوم يجتمع فيه بنو إسرائيل كلهم”، والغريب أن أحد الموقعين كان عالماً معروفاً وفيلسوفاً هو بنيامين موسيفا.
وكان المتنبئ ناثان يبعث بالرسائل الى اليهود ويطلب منهم التوبة ويؤكد لهم قرب خلاصهم. وكان أيضاً على اتصال مع رفائيل يوسف شلبي الذي كان يهتم كثيراً لسماع أخبار شبتاي، وكان من الرسائل التي ارسلها المتنبئ ناثان الى رفائيل رسالة مؤرخة في سبتمبر من عام 1665 جاء فيها “انه (ناثان) سمع صوتاً من الأعلى يعلن أن المسيح بن داود سيستلم الملك من حاكم الأتراك خلال سنة وبضعة اشهر وبدون حرب، وان ذلك سيكون بطريقة تتسم بالأغاني ومدائح الرب المبارك، وأن حاكم الأتراك سيضع نفسه بين يدي شبثاي وسيكون خادماً له في مملكته وسيعهد بكل شيء الى شبتاي… وبعد أن يخضع شبثاي كل ملوك الأرض سينزل الهيكل من السماء على أورشيلم بعد أن يكون قد بني هناك وسيأتي شبثاي مع موسى معلمنا واليهود…”. وفي رسالته حثه على التوبة وقال له إن الأحداث تسير بسرعة.
وكان الكثير من اليهود قد توافدوا على غزة لرؤية ناثان والسماع منه أخبار شبتاي والتوبة عنده وكان هؤلاء ينامون في الشوارع لكثرتهم.
واستجابة لدعوة ناثان وشبتاي بالتوبة، أخذ المؤمنون بدعوته يؤدون طقوساً اعتقدوا أنها تؤدي الى غفران ذنوبهم، فقد كان بعضهم يتجردون من ملابسهم ويحفرون حفراً في الحدائق ويدفنون أنفسهم الى رقابهم الى أن تقرحت أجسادهم من ذلك، وفي الشتاء كان البعص منهم يرمي نفسه في المياه المتجمدة أو يستلقي عرياناً على الصقيع، وآخرون كانوا يصبون على أجسادهم شمعاً حاراً وكان البعض الآخر يوخز جسمه بآلة حادة ثم يضرب نفسه بالسياط، أما البعض الآخر فكان يحرم نفسه من النوم وآخرون كانوا يصومون لفترات طويلة متواصلة حتى ان البعض منهم لقي حتفه بسبب ذلك.
وفي هذه الأثناء ذهب المتنبئ ناثان الى الخليل مع مئات المؤمنين بشبثاي في فترة الشتاء الى القدس ليعذب نفسه بالثلج، وكان يقوم بذلك هو والمجموعة التي صحبته وكان المسلمون ينظرون اليهم ويعجبون مما كانوا يقومون به.
وظهرت في هذه الفترة اشاعات بين المسيحيين أن مئات الآلاف مما يسمى بقبائل بني إسرائيل الضائعة قد ظهرت فجأة لتلتحق بالمسيح المخلص وبعضها قد سيطر على مدينة مكة ويطالب السلطان العثماني بترك فلسطين وبعضها وصل الى المغرب العربي وهم يلبسون لباساً خاصاً ولا يتكلمون إلا اللغة العبرية، وأنهم سيلتحقون بالمسيح المخلص.
كما شاع بين هؤلاء بأن سفينة أشرعتها من حرير يقودها ملاحون لا يعرفون إلا اللغة العبرية لغة وتحمل علماً كتب عليه أسباط بني اسرائيل الاثنا عشر جاءت لتلتحق بالمسيح المخلص. وكان بعض اليهود يتطلعون الى السحاب ليأخذهم الى القدس. وقد ذكر قسيس من اليونان بأن اتباع شباي في إحدى الجزر كانوا يتطلعون الى ركوب السحاب وقد وقف  احدهم على السطح انتظاراً لذلك ولكنه سقط ومات. وفي فينسيا استعد بعض اليهود لأخذ رفات موتاهم الى القدس، بل إن بعضهم حفروا القبور وأخرجوا عظام هؤلاء منتظرين ذهاب المخلص الى أورشليم.
واثناء هذا كله كان شبتاي في أزمير يلقى الترحيب والتقديس وكان عندما يذهب الى الكنيس يحيط به العشرات من اليهود من أتباعه وكان هو يعطي أوامره لهم بما يجب أن يعملوه ويقوموا به. وفي إحدى المرات عندما كان في الكنيس يلقي عظة أعلن فجأة أن زوجته سارة حامل وأنها ستلد ولداً وولدت زوجته ولداً فيما بعد وهو الولد الحيد الذي ذكر له.
كما كان الكثير من الناس يتنبأون بأن شبتاي هو المسيح المخلص وكان الكثير من هؤلاء نساء بل حتى الأطفال. وكانت هذه الأخبار تصل الجاليات اليهودية فكانت تثيرهم وتجعلهم تصدقهم أكثر وأعمق.
وأعلن شبثاي لأتباعه بأنه سيذهب إلى القسطنطينية وأخبرهم بأن الرب قد دعاه الى الذهاب لاتمام الجزء الأخير والأهم من مهمته. ولا نعرف ما الذي كان يدور في خلد شبثاي وما الذي كان يتوقع أن يحدث وما كانت حقيقة أهدافه. فهل كان يعتقد في نفسه أنه المسيح المخلص حقا؟ أوهل كان يتوقع بأن معجزة ستحدث وهل كان يعتقد حقيقة أن السلطان محمد الرابع (ت 1692 ) كان سيسلمه مقاليد حكم الامبراطورية العثمانية، أم أن شبتاي كان رجلاً حالماً وكان يفكر في عالم آخر متشجعا بمئات الآلاف الذين صدقوه. لا اعتقد أن بإمكان أحد أن يجيب على هذا السؤال بشكل أكيد. ولكن الذي حدث هو ان شبتاي ركب البحر في شهر كانون الأول  من العام 1665 أو في كانون الثاني من العام 1966 مع عدد من أتباعه قاصداً القسطنطينية وكان الكثير منهم قد ذهبوا الى هناك بعد أن عرفوا عزمه على السفر ليكونوا في استقباله والترحيب به، وكان الصدر الأعظم أحمد كوبورلو يعلم بمجيء شبتاي الى العاصمة وكان قد قرر أن يلقي القبض عليه بسبب خشيته من إثارة الاضطرابات، فأرسل مجموعة من الجنود الى حيث يتوقف مركب شبثاي وعندما سأله الضابط المكلف بالقبض عليه عن شخصه أجابه شبتاي بأنه رجل دين جاء الى العاصمة لجمع الصدقات لفقراء اليهود في فلسطين. فأقتيد الى سجن صغير مظلم. وشاع الخبر بين اتباعه ولكن ذلك لم يؤثر عليهم وعلى ايمانهم به، خاصة وأن المتنبئ ناثان أخذ يكتب لأتباع شبتاي بأن سجنه شيء طبيعي وأنه جزء من تحقيق مهمته حيث أن المسيح المخلص يجب أن يعاني ويتألم “قبل أن يتحقق مجده وتظهر عظمته”.
وأخذ اليهود من أتباعه يذهبون الى زيارته في السجن، صغيرهم وكبيرهم، يظهرون له الطاعة والتصديق به وظل شبتاي شهرين في هذا السجن.
ولما كان الصدر الأعظم على وشك الذهاب في حملة عسكرية وكان السلطان وقتها في أدرنة، ارتؤي أنه من الحكمة ابقاء شبتاي في القسطنطينية خشية حدوث اضطرابات، فنقل شبتاي الى قلعة في غاليبولي على بحر الدردنيل وهي قلعة غالباً ما كانت تأوى السجناء السياسيين. وعندما نقل الى هذه القلعة أخذ أتباعه يؤكدون للناس بأنه المسيح حقاً لأن الحكومة لم تتعرض له حتى عندما ادعى أنه سيأخذ السلطان أسيراً وأنه قد أخذ الى مكان يوضع فيه المشهورون. وبعد فترة اطلق اتباعه على القلعة مجدل عُز (برج القوة) وهذه مأخوذة من عبارة وردت في سفر الأمثال.
وأخذ أتباعه يتوافدون عليه بأعداد كبيرة وكانت السفن تأتي وتروح محملة بهؤلاء حتى قيل إنها ضاقت بهم لكثرتهم حتى أن السكان المحليين قد زادوا في أسعار النقل وزادوا في أسعار الأكل والسكن وكان الوافدون ينتظرون أياماً لزيارته وكان شبتاي يعد الوافدين عليه بالنصر ويحثهم على الصبر ويمنيهم بدنو الخلاص وأخذ يبعث برسائله الى الجاليات اليهودية مع الوافدين عليه، وأخذ يغير ببعض الشعائر اليهودية فقد غيّر صيام يوم 9 آب (الذي يعتقد فيه اليهود انه اليوم الذي هدم فيه الهيكل، وهو يعتبر يوم حزن) الى يوم فرح.
وكان عدد من الحاخامين يرفضون ادعاء شبتاي ولكن هؤلاء كانوا يخشون من إعلان معارضتهم ورفضهم بسبب الجو العام المؤيد لشبثاي على الرغم من سجنه. وكان من الحاخامين الذين اعترضوا على شبثاي حاخام بولندي اسمه نحميا كوهن وقد جاء هذا الحاخام خصيصاً لمناقشة شبثاي صبي حول المسيح المخلص وبقي مع شبتاي لثلاثة أيام بلياليها يناقشه حول شروط المخلص وأوصافه في ضوء المعتقد اليهودي. وقال هذا الحاخام ان من الشروط أن يظهر قبل المسيح بن داود مسيح آخر من نسل افرايم بن يوسف (بن يعقوب) يخوض حروباً ويسقط قتيلاً في إحدى هذه الحروب ثم يظهر النبي الياهو (الذي ما زال حياً طبقاً للمعتقدات اليهودية) ويعلن ظهور المسيح المخلص وعلى هذا طبقا للحاخام نحميا كوهن فإن ادعاء شبتاي بأنه المسيح بن داود غير صحيح، إذ لم يظهر المسيح بن يوسف ولا النبي الياهو قبل شبتاي. ويقال بأن هذا الحاخام ادعى بأنه هو المسيح بن يوسف ولكن شبتاي قال له بأن المسيح بن يوسف قد ظهر وقتل في المذبحة التي ارتكبها الأوكراني بوغدان جملنسكي عام 1648 ضد اليهود ولكن نحميا كوهن رفض ادعاء شبثاي.
وعزم هذا الحاخام على افساد الأمر على شبتاي واتفق مع حاخامين آخرين ممن رفضوا ادعاء شبتاي على الذهاب الى السلطان وابلاغه عن كذب شبثاي وعن خطره على الدولة. والتقى هؤلاء مصطفى باشا نائب الصدرالأعظم حيث كان هذا الأخير في حملة عسكرية وأخبروه عن شبثاي وعن تاريخ حياته وأنه رجل فاجر منغمس باللذات ورجل دجال يريد أن يغير حياة اليهود وطاعتهم للسلطان ويشجعهم على الثورة ضد الدولة وعلى الدولة أن تتخلص منه ومن شروره. ويقال بأن هؤلاء قد قابلوا السلطان وعندما أخبر السلطان بذلك طلب أن يؤتى بشبتاي بأسرع وقت إلى ادرنة حيث كان مقر السلطان.
وأرسل جنود لجلب شبتاي الى قصر السلطان فأخذ شبتاي بعض الحاخامين المؤيدين له وصحبهم معه وذُكر أن شبتاي كان خائفاً مرتعباً وهو في طريقه الى السلطان وعجب الحاخامون اللذين في صحبته من ذلك، حيث كان شبثاي يدعي أنه سيقود السلطان أسيرا
وادخل شبـتاي الى غرفة كان فيها مفتي الدولة وشيخ الإسلام وطبيب السلطان جدعون الذي كان يهودياً وأظهر إسلامه. وكان السلطان يجلس في مكان آخر بحيث يرى شبتاي وهو لا يراه وسُئل شبتاي عن مدعاه واتهم بإنه يريد إثارة القلاقل والاضطرابات في الدولة العثمانية وانه يريد ان ينتزع جزءاً منها وهو أرض فلسطين ولذلك فإنه يجب أن يعاقب. وأجاب شبثاي بأجوبة غير مقنعة وأخذ يقول إنه ليس المسيح المخلص وانه مجرد حاخام فقير. وقد ذكر بأنه عرض عليه اختبار لمدعاه وهو أنه يجرد من ملابسه وتصوب نحوه السهام فإن أثرت فيه فهو كاذب، فخاف شبتاي من ذلك وارتعب وفي هذه الأثناء عرض عليه الإسلام، ويقال بأن طبيب السلطان هو الذي قال له إنه من الأفضل له أن يعتنق الإسلام إذا كان يريد أن يسلم من الاذى، فوافق شبتاي وقال للحاضرين إنه منذ فترة وهو يفكر باعتناق الإسلام، وانه يتشرف أن يشهر إسلامه أمام السلطان. وأظهر شبتاي إسلامه أمام الحاضرين وقبل منه ذلك، فأدخل الحمام وأبدلت ثيابه وألبس عمامة وأعطى اسماً إسلامياً وهو محمد عزيز افندي واعطي لقباً تشريفياً وهو قابجي باشي (حارس أبواب القصر) وخصص له راتب شهري وعين له استاذ يدرسه اللغة العربية وأصول الإسلام. وقد أظهر الحاخامون الذين صحبوه إسلامهم وكذلك زوجته سارة فيما بعد. وكانت الحكومة هي التي أعلنت أولاً إسلام شبثاي وشاع الخبر بين الناس وكانت صدمة كبيرة لأتباعه وارتد الكثير عنه، بل ان بعضهم ارتد عن اليهودية ولكن بعضهم ظل على التصديق به حيث اعطى المتنبئ ناثان وغيره تفسيرات لما حدث. فمن جملة ما قاله إن ما حدث هو سرّ من الأسرار لا يعرفه أحد وسيكشف عنه في الوقت المناسب. وقال بعض هؤلاء إن شبتاي قد اخفى نفسه حتى تأتي اللحظة المناسبة لظهوره وبعضهم قال إن شبثاي الحقيقي قد غاب وسيظهر في الموعد المخصص لظهوره.
وبعض هؤلاء قال أن تظاهر شبثاي بالإسلام يثبت أنه المسيح المخلص مثلما عاش موسى في قصر فرعون متبعاً دين الفراعنة. وأخذ شبثاي يدعو أتباعه الى اعتناق الإسلام وكان بعض هؤلاء يذهبون الى القصر ويعلنون إسلامهم.
وكان الحاخامون المعارضون الذين كانوا يخشون العامة من رفع أصواتهم يشددون على دجل شبتاي ويكتبون الى الجاليات اليهودية والحاخامين يطلبون منهم إلغاء الأعياد والمناسبات التي وضعها شبتاي وطلبوا من حاخامي الجاليات طرد كل من بقي يؤمن بشبتاي صبي، ولكن الكثير من أتباع شبتاي استمروا على الايمان به واصطحب شبتاي معه مرة اثني عشر من أتباعه رجالاً ونساء الى القصر وأعلن هؤلاء ايضاً إسلامهم .وظل هؤلاء المتحولون ظاهراً الى الإسلام لا يظهرون إسلامهم خوفاً من المسلمين الأتراك حتى لا يثيروا غضبهم ولا أمام اليهود حتى لا يطردونهم من اليهودية.
وكان نشاط شبتاي يثير غضب الحاخامين المعارضين له وكان هؤلاء يرون خطراً في تحركه حيث أن حركته بقيت حية نشيطة. فعزموا على الاتصال بالدولة وتقديم شكوى ضده كونه خطرا على الدولة وعلى اليهود ويقال إنهم أرشوا مسؤولاً كبيراَ لهذا الغرض.
وعندما جاء شبتاي من أدرنة الى القسطنطينية من عام 1672 مع مجموعة من أتباعه، القي القبض عليه بتهمة انه كان ومجموعة من النساء في وضع مخالف للاخلاق، كما وجهت له تهمة أنه يدعو المسلمين لترك دينهم وارسل الى ادرنة.
وبع رجوع السلطان محمد الرابع مع الصدر الأعظم من الحملة العسكرية اخبر عن شبثاي وعن التهمة الموجهة اليه حيث شهد شهود على ذلك.
وكان من رأي الصدر الأعظم إعدام شبتاي ولكن حكم الإعدام لم ينفذ وإلى اليوم لا يعرف سبب ذلك، والذي حصل هو أن الحكومة قررت نفيه الى البانيا إلى مدينة دولسجنو والتي تسمى ألسنج على البحر الأدرياتيكي وكان نفيه في صيف عام 1673.
وظل أتباعه على اتصال به يتسقطون أخباره ويذهبون إلى لقائه وكان ناثان المتبنئ يتصل به ويؤكد لاتباع شبتاي بقرب انتصار المسيح المخلص وكان هؤلاء يصدقون ما يقوله لهم. وفي عام 1674 توفيت زوجته سارة وفي السنة نفسها تزوج ابنة حاخام معروف من سالونيك.
ويذكر أنه صنع حية من فضة ووضعها على عمود عند احتفاله بعيد الفصح، وهو بهذا يحاكي ما ورد عن النبي موسى في سفر العدى 12/5 “فصنع موسى حية من نحاس ووضعها على العمود فكان إذا لدغت الحية انساناً ونظر الى حية النحاس شفي”.
وكذلك كتب رسالة تبنى فيها دور موسى وختمها بالقول: “هكذا قال الأسد والأيل السماوي مسيح رب إسرائيل ويهودا شبثاي  محمد صبي”. وفي اغسطس من سنة 1676 كتب رسالة الى الجالية اليهودية في البانيا يطلب منها كتاب صلوات للسنة اليهودية الجديدة ويوم الغفران، وقد وقع الرسالة هكذا: “مسيح رب إسرائيل ويهودا شبتاي صبي”. وفي 17 سبتمبر من هذا العام (1676) توفي شبتاي ودفن في مكان قرب البحر عينه بنفسه وظل أتباعه يزورون قبره ويتبركون به لسنين طويلة.ظهور فرقة الدونمةبعد تظاهر شبتاي بالإسلام انقسم المؤمنون به الى مجموعتين احداهما ظلت تؤمن به ولكنها لم تتحول إلى الإسلام والأخرى تحولت الى الإسلام كما تحول هو في الظاهر.
والدونمة هي كلمة تركية أطلقها الأتراك على أتباع شبتاي الذين أظهروا الإسلام، وهي تعني المتحولين من دين إلى آخر أو المرتدين عنه، لأنه في نظر هؤلاء انهم تحولوا  من اليهودية الى الإسلام.
وكان عدد الدونمة قليلاً وأكثرهم كان من دول البلقان ولكن في الثمانينات من القرن السابع عشر أظهرت ما يقرب من ثلثمئة عائلة اسلامها ممن لم تتظاهر بالإسلام من قبل  في سالونيك (وهي كانت تابعة للدولة العثمانية)، ثم انضم الى هؤلاء مجموعة من البولنديين وأصبحت سالونيك مركزهم الرئيس ووصل عددهم في بداية القرن العشرين الى عشرين ألفاً طبقاً لوثيقة بريطانية سرية بعث بها السفير البريطاني في اسطنبول في 29 مايو/ مايس عام 1910 جاء فيها:
“إن عدد سكان سالونيك هو مائة وأربعون ألفاً منهم ثمانون ألفاً من اليهود من اصل اسباني وعشرون ألفاً من فرقة شبتاي صبي أو اليهود الباطنيين الذين تظاهروا بالإسلام”..
وبعد الحرب التركية – اليونانية وتبادل السكان في العشرينات من القرن الماضي نزح الغالبية العظمى منهم الى تركيا وأصبحت منذئذ مركزهم الرئيس الى الوقت الحاضر.عقيدة الدونمةترتكز عقيدة الدونمة على مبادئ وضعها شبثاي نفسه وتسمى بـ “وصايا سيدنا شبتاي صبي”، وكل مبدأ يبدأ بصيغة المتكلم المفرد مثل أؤمن، اطبق، اقسم، وهي على الشكل التالي:
أؤمن باله واحد وأؤمن بمسيحه المخلص شبتاي صبي حفيد الملك داوود وأقسم ان لا اذكر اسمهما بالباطل.
وأقسم بأنني سأنقل اصول عقيدة مسيحنا من جالية إلى جالية وأجتمع بأخواني في السادس عشر من شهر كسلو (في هذا اليوم طبقاً لتقاليد الدونمة أعلن شبثاي إسلامه).
وأقسم بأنني سوف لا أعرض عقيدة العمامة التي تسمى الإسلام على أحد من الناس.
وأطبق دين الأتراك بحذافيره حتى لا أثير شكوكهم ليس بصيام شهر رمضان فقط، بل بكل العبادات الأخرى الظاهرة للعيان ولا أتزوج من عائلة مسلمة ولا أصادق أحداً من المسلمين، لأننا نمقتهم خصوصاً نساؤهم.
وأتعهد بختان أولادي.
وأؤمن بأن التوراة قد أنزلت على معلمنا موسى، وهي توراة الحق.
وأؤمن بأن هذه التوراة لا تبدل سوى أن الوصايا قد ألغيت ولكن يجب التمسك بالتوراة الأبدية.
وأؤمن بأن شبتاي جل جلاله هو الذي سيجمع شتات إسرائيل من أطراف الأرض.
وأؤمن بأن الأموات سيبعثون من تراب الأرض وأنهم سيعيشون.
وأؤمن بأن إله إسرائيل سيرسل من السماء إلى الأرض معبداً بُني من جديد والله وحده هو الذي يبني الهيكل.
وأؤمن ايماناً مطلقاً بأن إله الحق إله إسرائيل سوف يكشف عن نفسه في هذا الكون الذي يسمى “تبل” (كلمة عبرية تعني الكون/ العالم).
ويختم الدونمي هذه الوصايا بالقول: “اللهم إله الحق إله إسرائيل الذي يسكن مجد إسرائيل ارسل لنا المخلص العادل منقذنا شبتاي صبي وعجل لنا ظهوره في أيامنا هذه، آمين”. وكثيراً منهم يقفون في الصباح الباكر عند أبواب منازلهم يحدقون في الأفق انتظاراً لشبتاي صبي.
ومن واجبات الدونمي أن يظهر الإسلام ويخفي عقيدته اليهودية ولذلك فهم يذهبون إلى المساجد للصلاة- وكان الدونمه قد بنوا مسجدا كبيرا في هذه المدينة عام 1903 باسم ياني جامع.- ولكن في الوقت نفسه لهم معابدهم اليهودية التي هي عادة  ماتكون في أمكنة خفية ولكل فرد منهم اسمان اسم إسلامي وآخر يهودي يعرف به بين أبناء جلدته وهم لا يتزوجون من غيرهم.
وتدور أعيادهم حول حياة شبتاي صبي فاليوم الذي ولد فيه شبثاي واليوم الذي أعلن فيه انه المسيح ويوم تقديس ناثان له ويوم كشف له أنه المسيح المخلص كما يعتقدون واليوم الذي أعلن نفسه فيه ملكاً… وهكذا كل هذه تعتبر أعيادا عندهم.
وهناك احتفال مهم يمارسه هؤلاء وهو ما يسمى احتفال ليلة الجدي(الحمَل) ويقع في شهر آذار كل سنة، ويتميز هذا الاحتفال بأن يكون في الليل ويكون للمتزوجين فقط، او الكهنة المتزوجون وذكر مؤرخو هذه الفرقة بأن أهم ما يميز هذا الاحتفال أن المحتفلين يتبادلون الزوجات في الليل من هذا اليوم بعد الصلاة واطفاء الشموع، وقال البعض منهم إن المولود الذي يولد من تلك الليلة يكون قديساً.ويعتقد اسحق بن صبي—الرئيس الأسبق لإسرائيل- في كتابه عن الجاليات اليهودية وكذلك غرشوم شولم في كتابه عن العقيدة المسيحانية ان هذا الطقس كان معمولا به حتى منتصف القرن العشرين على الأقل بين بعض فروع الفرقة
(وقد ذكر ليون ألأفريقي في كتابه “وصف أفريقيا” طقسا لايختلف عن هذا كثيرا كان يمارسه الوثنيون القدماء فيما يسمى المغرب الآن كل سنة عند شجرة)
وبعد سنين من وفاة شبتاي انقسمت فرقة الدونمة الى ثلاث فروع رئيسة: اليعقوبيون أوالقره قش (الكونيوزوس) والأزميريون (القبندجي) وكثيراً ما يتميز هؤلاء عن بعضهم البعض بمظهرهم الخارجي كاللحى وشعر الرأس وكذلك بلباسهم.وخلال تاريخهم استعمل الدونمه اللادينو وهي لغة خليط من الأسبانية والعبرية
الدونمة في تركيا الحديثة
كان لأعضاء فرقة الدونمة دورً مهم في جمعية الاتحاد والترقي التي ألغت حكم السلاطين في الدولة العثمانية حيث بدأ عصر تركيا الحديثة بزعامة مصطفى كمال أتاتورك. والغالبية العظمى ممن أرخ لتركيا الحديثة ذكر هذا الدور وتأثيره ومن هؤلاء وي لوكاخ الذي قال: “بعد أن بقيت فرقة الدونمة لأكثر من قرنين من الزمن مجهولة عند الناس اصبح لها بروز سياسي مهم في تركيا الحديثة وذلك للدور البارز الذي لعبه بعض أعضائها في جمعية الاتحاد والترقي”.
كما ذكر ذلك أيضاً سينوفنسن حيث قال: “العقول الحقيقة للحركة (جمعية الاتحاد والترقي) كانت يهودية أو يهودية – إسلامية (دونمة) وقد جاءت لهم المساعدات من أغنياء الدونمة وكذلك من اليهود الذين كانوا في سالونيك الى جانب المساعدات من الرأسماليين العالميين وشبه العالميين في فينا وبودابست وبرلين، ومن المحتمل أيضاً من باريس ولندن”. وذكر يوقايم برنز في كتابه “اليهود السريون” : “إن مجموعة من قادة حزب تركيا الفتاة عبدوا الله في الظاهر ولكنهم في الحقيقة كانوا يؤمنون في دخيلة أنفسهم بأن شبتاي هو نبيهم”.
بل إن السلطان عبدالحميد نفسه كان عالماً بدور الدونمة في الجمعية، وكان قد طلب من حاخام اسطنبول (موشي ليفي) أن يؤلف له كتاباً عن تاريخهم، فطلب هذا بدوره من حاخام سالونيك حيث كان أكثر الدونمة يعيشون هناك أن يقوم بالمهمة، فأنجز هذا الأخير العمل وأعطاه 400 ليرة مكافأة على ذلك.
وذكر رامسور، أحد مؤرخي الجمعية، بأن السلطان كان حذراً ومتردداً في القيام بعمل ضد الدونمة بل وغير قادر، حيث ذكر في كتابه “حركة تركيا الفتاة” أن “عبدالحميد كان يعلم بحقيقة الدونمة وكونهم أعضاء نشيطين في الحركة ضده ولكنه كان متردداً في أخذ قرار ضدهم بسبب تاريخهم الغريب الذي سبب له خوفاً وهمياً منهم”.
وبعد إلغاء الخلافة وتشكيل الحكومة الجديدة اصبح بعض أعضاء الدونمة مسؤولين مهمين فيها.
وكان من هؤلاء محمد جاويد بك الذي كان من قادة الجمعية وأصبح أحد أهم الوزراء الثلاثة من الدونمة في أول حكومة تشكلت بعد الانقلاب على السلطان، حيث شغل وزارة المالية لثلاث مرات، وهو أحد أحفاد مؤسس فرع القره قش وكان رئيسا في وقته لهذا الفرع.
وقد ذكرت الوثيقة البريطانية السرية التي أشرت اليها أعلاه دوره في النص التالي: “ان طلعت بك وزير الداخلية الذي هو من اصل غجري من كرجالي في مقاطعة أدرنة وجاويد بك وزير المالية الذي هو يهودي باطني (دونمة) هما التجسيد الرسمي للقوة الخفية للجمعية وهما فقط كانا الوزيرين اللذين يحسب لهما حساب حقيقي وهما أيضاً يمثلان قمة الماسونية في تركيا”. وجاء في نص آخر منها “وكان من نتيجة ذلك أن المحفل الانكليزي قد أغلق أبوابه بوجه جميع الماسونيين الجدد وبضمنهم أعظم الوزراء نفوذاً وتأثيراً وهما طلعت بك وجاويد بك وهذان الوزيران هما اللذان يسيطران على جيوش تركيا وماليتها والأحكام العرفية والبرلمان وبكلمة واحدة يسيطران على أقدار الامبراطورية بصورة عامة…”.
كما كان هناك بعض الوزراء الآخرين من الدونمة مثل نزهت فائق ومصطفى عارف وكان منهم نواب وزراء وغيرهم. وفي أيامنا هذه كان هناك مسؤولون في الحكومة التركية مثل اسماعيل جم وزير الخارجية الأسبق وهومن عائلة إبكجي الدونمية المعروفة التي برز منها شخصيات في أكثر من مجال.ومن هؤلاء رحشان ارال زوجة رئيس الوزراء الأسبق بولند أجويد وهي أيضا من عائلة دونمية معروفة.أيضا وأطلان أويمن الذي أصبح في التسعينات رئيس هذا الحزب وهو صحفي معروف ومؤسس وكالة ألأخبار “أنكا” وكان وزيرا في حكومة أجويد الثانية وتانسوجلر وزيرة خارجية ورئيسة وزراء تركيا في التسعينات هي من عائلة دونمية من طرف الأم وما زال الجيش فيه الكثير من الضباط الكبار من الدونمة. ولكن من الصعب معرفة هؤلاء بسبب الأسماء التي يستعملونها.وقدرت صحيفة الجويش كرونكل اليهودية عدد أعضاء الدونمة في تسعينات القرن الماضي بأربعة وأربعين الفا.ولكن الغاز زورلو ذكرفي كتابه ” نعم انا سالونيكي”(دونمي) أن عدد أعضاء الدونمه يبلغ مائة ألف.وكان هذا الكتاب قد أثار نقاشا واسعا في تركيا في نهاية التسعينات من القرن الماضي بسبب كثير من الإعترافات حول الفرقة.
أما بالنسبة الى كمال أتاتورك الذي ذكربعض المؤرخين أنه كان منهم، فقد وجدت نصين في مصادر يهودية يؤكدان ذلك، وأحد هذين النصين وجدته في دائرة المعارف اليهودية التي جاء فيها: “لقد أكد الكثير من يهود سالونيك أن كمال أتاتورك كان أصله من الدونمة وهذا هو أيضاً رأي الإسلاميين المعارضين لكمال أتاتورك ولكن الحكومة تنكر ذلك”.
والنص الآخر جاء في كتاب يوقايم برنز “اليهود السريون” الذي ذكرته سابقا “كان محمد جاود بك وكمال أتاتورك من أعضاء الدونمة المتحمسين والنشيطين وان بعض الأتراك كانوا يعرفون أن كمال أتاتورك كان منهم فحاولوا استعمال هذا الانتماء من أجل القضاء عليه سياسياً، ولكنهم لم يفلحوا في ذلك”.وقدرت صحيفة الجويش كرونكل اللندنية عدد أعضاء الدونمة في التسعينات بأربعة وأربعين الفا.وأرى  من المناسب هنا أن أذكر ماجاء في إحدى رسائل الشاعرة الكبيرة المرحومة فدوى طوقان لي بتاريخ18-9-1993 عن الدونمه لفائدتها وأهميتها”يرجع سماعي لأول مرة بكلمة الدونمه إلى عام 1969.وظللت أجهل مدلولها ومصدرها إلى أن قرأت كتابك فشكرا لك.أما عن سماعي بها لأول مرة فهو كالتالي:كان هناك مستشار لموشي ديان في شؤون الضفة الغربية المحتلة اسمه داود فرحي(توفي غرقا قبل سنوات)التقيت به في إحدى المناسبات تحدث فيها عن حكاية طريفة حدثت حين كان طالبا في احدى جامعات اسطنبول.قال إنه كلف ذات يوم بالقيام بمهمة الترجمة لإسرائيلي ذي شأن زار تركيا بصفة رسمية وقد أبدى الزائر رغبته في زيارة ضريح شخصية كبيرة من جماعة الدونمه فرافقه فرحي بصحبة ضابط تركي مسلم إلى حيث الضريح وأثناء وقوفهم المتخشع في المكان ظهرت على وجه الضابط علامات تأثرعميق وانهمرت دموعه ولما سأله الزائر الإسرائيلي عن سبب بكائه أعلن عن حقيقة كونه من فرقة الدونمه”
وللمزيد من التفصيل والإطلاع على مصادر البحث  يراجع كتابنا “فرقة الدونمة بين اليهودية والإسلام” الذي توجد نسخة منه على موقعنا هذا.

من مفكري الحركة الصهيونية يعقوب كلتزكن د.جعفر هادي حسن

لا يعرف القارئ العربي في الغالب من قادة الصهاينة ومنظريها إلا أولئك الذين كانت لهم أدوار قيادية أو سياسية معروفة في الحركة الصهيونية، خصوصاً بعد إقامة الكيان الصهيوني. ولكن هناك مفكرون صهاينة آخرون يجهلهم أغلب القراء العرب مع أنهم أسهموا في تطور هذه الحركة وفي تطرفها ولعبوا دوراً مهماً فيها وكان لهم تأثير عميق على المؤمنين بها. ومن هؤلاء يعقوب كلتزكن.
ويعقوب كلتزكن لم يكتب فقط عن هذه الحركة وإنما كان مفكرا ومنظرا فيها.وكذلك عرف بدراساته الفلسفية ولذلك عرَفته دائرة المعارف اليهودية  بأنه “كاتب وفيلسوف وصهيوني”.وكلتزكن هو روسي الأصل، ولد في مدينة بريزا كوتوسكيا عام 1882م.وهذه السنة كانت من السنين التي عانى فيها اليهود اضطهادا في روسيا بعد اغتيال القيصر الأسكندر الثاني في السنة التي قبلها حيث بدأت فيها أول الهجرات الصهيونية إلى فلسطين والتي نظمتها جمعية “حبة صهيون” وجماعة” البيلو” وأقامتا أولى المستوطنات فيها.
وكان يعقوب كلتزكن قد تلقى دراسته الأولية في مسقط رأسه كما درس على يدي أبيه الذي كان حاخاما معروفا والذي اشتهر بتبحره في القضايا اليهودية الدينية, خاصة الدراسات التلمودية منها. كما أنه كان يجيد عددا من اللغات. وكانت دراسة كلتزكن هذه معمقة وموسعة وكانت في مجملها دراسة دينية وبسبب دراسته هذه اهتم بالحاخامين وتاريخهم حتى أنه كتب كتابا عن تقاليد  الحاخامين وتاريخهم وهولما يزل في العشرين من عمره. وقد أثرت دراسته هذه فيما بعد على نظرته الضيقة للناس وللعالم كما يتبين ذلك من كتاباته. كما أصبح وضع اليهود ومصيرهم ومستقبلهم بالنسبة له شغله الشاغل وهوسه الدائم  طيلة حياته حيث انعكس ذلك بوضوح على أعماله. ولما بلغ الثامنة عشرة من عمره هاجر الى المانيا ودرس في إحدى جامعاتها الفلسفة ثم غادر ألمانيا وذهب إلى سويسرا وأكمل دراسته في مدينة بيرن وحصل على الدكتوراه منها في الفلسفة ثم رجع إلى المانيا..
كتب يعقوب كلتزكن كثيراً وخاصة في الصحف والمجلات  اليهودية التي كانت تصدر في المانيا وسويسرا.وأصبح رئيس تحرير صحيفة”دي ولت” بين 1909_1911
وكانت هذه الصحيفة ألأسبوعية قد أنشأها مؤسس الحركة الصهيونية هرتزل في فيينا ثم أصبحت رسميا لسان حال الحركة الصهيونية الدولية منذ المؤتمر الصهيوني الخامس عام 1903 ثم كان بعد ذلك رئيس تحرير مجلة صهيونية أخرى كانت تصدر في هيدلبرج في ألمانيا من عام 1912م الى عام 1915م وفي نفس الوقت كان مدير الصندوق الخيري اليهودي. ثم أنشأ مجلة تُعنى بشؤون اليهود في العالم بالإضافة الى دار نشر اسماها عالهمشمار تنشر الكتب التي تعالج مشاكل اليهود في العالم وتهتم بقضاياهم.كما أنشأ أيضاً دارا للنشر مع ناحوم غولدمان الصهيوني المعروف اسماها اشكول. وفي عام 1914 نشر كتابا  يحتوي على مجموعة مقالات كان قد نشرها سابقا بعنوان عبري وهو”تخوم” (حدود وهو نفس المعنى العربي) وومضمونه بالألمانية. وفي عام 1924 بدأ مع ناحوم غولدمان بنشر دائرة المعارف اليهودية وكان هو المسؤول عن تحريرها. وقد ظهر منها عشرة أجزاء بالألمانية ثم توقفت عام 1934  بعد صعود النازية في المانيا.وقد ترجمت خمسة اجزاء منها إلى العبرية.
وإلى جانب ذلك الَف قاموسا في المصطلحات الفلسفية العبرية في أربعة مجلدات وكتابا بالإنجليزية بعنوان
وقد نشره عام 1943 In Praise of wisdom
ومن أهم كتبه كتاب بعنوان “ألأزمة والحكم في اليهودية”وعندما جاء النازيون إلى الحكم في المانيا غادرها الى سويسرا ثم استقر في الولايات المتحدة عام1941 حيث أصبح استاذاً  في كلية الدراسات اليهودية في شيكاغو ثم ترك أمريكا واستوطن فلسطين ومات فيها(أو في سويسرا) عام 1948م. واهتم كلتزكن باللغة العبرية والحفاظ عليها لأنها في رأيه جزء من هوية اليهودي لأنه يعتقد أن الذي يجعل ألأمة أمة هما اللغة وألأرض وأن على اليهود أن يتكلموا اللغة العبرية عندما يحصلوا على ألأرض(1).ولما علم في عام 1930م أن الإتحاد السوفياتي أخذ يشدد على اليهود في استعمال اللغة العبرية حيث اعتبر اليدش لغتهم واللغة العبرية لغة أجنبية كتب رسالة احتجاج الى المسؤولين ووقعها معه شخصيات يهودية مهمة منهم البرت اينشتاين العالم الفيزيائي المعروف وصاحب نظرية النسبية. ويعتبر مؤرخو الحركة الصهيونية يعقوب كلتزكن من الذين كان لهم تأثير واضح على الحركة الصهيونية(2)
وقد انتقد يعقوب كلتزكن وهاجم بعض الفلاسفة اليهود من السابقين عليه والمعاصرين له لأنهم لم يؤمنوا بما آمن به ولم ينهجوا تماماً نفس النمط من التفكير الذي نهجه.وأهم هؤلاء هم ثلاثة بندكت( باروخ) سبينوزا(ت 1677) الذي ولد وعاش في هولندا وكوهن هرمان(ت1918) وهو الماني وآشر هرش غنزبرغ المعروف  باسمه المستعار”أحد هاعام” (أحد الناس) (ت1927) وهو روسي.فالفيلسوف سبينوزاعرف كفيلسوف أوربي شارك مشاركة مهمة في تطور الفلسفة الغربية و أصبحت آراؤه جزءا منها ولايذكر تاريخ هذه الفلسفة إلا ويذكرسبينوزا كأحد المساهمين الرئيسن فيها.ولكن سبينوزا كونه يهوديا تطرق أيضا إلى قضايا تخص اليهود واليهودية مثل قضية الشعب المختار وكذلك طبيعة التوراة باعتبارها الكتاب الرئيس للشريعة اليهودية .فسبينوزا يرفض فكرة الشعب المختار التي يتمسك بها اليهود.اعتمادا على ماورد عنها في التوراة وغيرها من الكتب اليهودية.فهو قد رفضها جملة وتفصيلا إذ لايرى  الشعب اليهودي متميزعن غيره. وقال في هذا الخصوص ” إن الرب لايفرق بين الشعوب وهو يحبهم جميعا ويرغب في أن تكون حالهم طيبة. كما أن الرب لم يختر اليهود من أجل التوراة( وهذا ما يقول به اليهود وخاصة المتدينين منهم فهم يعتقدون بأن يهوه اختارهم لأنه عندما عرض التوراة على الشعوب ومنهم العرب فإنهم رفضوها بينما قبلها اليهود ولذلك أصبحوا مختارين عنده).  وقال أن اليهود ليس لهم وضع خاص عند الإله وهم ليسوا أكثر فهما من ألاخرين ولا أكثر فضائل منهم. وقال ايضا وإذا كان اليهود يعتقدون حقيقة أنهم شعب مختار فليعتقدوا ذلك ولكن ليس هناك فرق على الإطلاق بين اليهود وشعوب العالم الأخرىمن حيث ماحققوه روحيا وفكريا. واليهود إنما بقوا هذه الفترة الطويلة على قيد الوجود ليس بسبب عناية خاصة من الرب وإنما بسبب كره الشعوب لهم. بل ذهب سبينوزا الى أبعد من ذلك، واعتقد بأن العبريين القدماء كانوا جهلة غير مستنيرين وما وضع في التوراة من نبوءات وأحكام وتهديد ووعد ووعيد وشريعة إنما كان ذلك من أجل كبح جماح حياة الفوضى التي كانوا يعيشونها ومن أجل تنظيمها. كما انتقد سبينوزا التوراة وقال إنها كتبت على أيدي كتبة بعد قرون من وفاة النبي موسى.ومعروف أن الحاخامين في هولندا أصدروا  “حِرم”(طرد) بحقه ( وهو يعني العزل عن اليهود والطرد من اليهودية) بسبب آرائه هذه.(3) وانتقد يعقوب كلتزكن كذلك أستاذه هرمان كوهن وكان هذا الفيلسوف قد كتب كثيرا خاصة عن الفيلسوف الألماني “كنت” حيث أعطى تفسيرا نقديا جديدا لفلسفته وأصبحت تسمى فيما بعد مدرسة ملبورغ للكانتية الجديدة  (ملبورغ هي الجامعة الألمانية الـي درَس فيها هرمان لفترة طويلة) .وهرمان من أتباع المذهب اليهودي الإصلاحي وكتب عن اليهودية والدفاع عنها. ومن أهم كتبه “فلسفة اليهودية”.ولكن هرمان لم يكن متحمساً للصهيونية السياسية ولامؤمنا بها. وكان من رأيه امكانية أن يصبح يهود الشتات جزءاً من المجتمعات التي يعيشون فيها. ونفى أن يكون لهم ولاء مزدوجا ولكنه كان يرى أن على اليهود أن يحافظوا بصدق على  دينهم  وتراثهم.وهو ينتقد الصهيونية السياسية لأن أدبياتها ترفض فكرة المسيح المخلص بانشائها الدولة “إذ بدون المعتقد المسيحاني اليهودي لايوجد دين” كما أن هذه الأدبيات مليئة بالهزء الرخيص للدين كما يقول كما أنه يرى أيضا بأن الصهيونية تضعف الدين.وانتقد خلط الصهيونيين في موضوع القومية فاليهود في رأيه لهم قومية خاصة بهم حتى لو كانوا يعيشون مع شعب آخر (4) كما فسرفكرة” الشعب المختار” التي يؤمن بها اليهود تفسيرا مختلفا عما هو معروف بين اليهود. وكلتزكن يرفض أن يبقى اليهود جزءا من المجتمعات التي يعيشون بينها. ويقول انه عندما يكون الشعب مشتتا بين البلدان ومقسما بين الشعوب فإنه في النهاية سيُبتلع من قبل هؤلاء عندما يكون الدين غير قادر على منع ذلك. أما بالنسبة إلى يهود الشتات فإنه يرى بأنهم يجب أن يضعوا الحدود بينهم وبين الشعب الذي يعيشون بينه وإذا لم يفعلوا ذلك فإنهم
سيندمجون ويختفون كما اختفت في القديم شعوب كثيرة. ويرى بأن مكان اليهودي هو فلسطين وإن اليهودي لا حياة حقيقية له إلا في الهجرة إليها وربما يتمكن اليهود من البقاء على وجودهم في الشتات ولكن هذا الوجود سيكون وجودا غير حقيقي لأن اليهود لا يمكن أن يحققوا صفاتهم القومية في الشتات ،إذ يبقى اليهودي فيه ناقصا غير كامل فيه.(وهذا الكلام يقول به أيضا الحاخام أبراهام اسحق كوك ت1938 رائد الصهيونية الدينية) ويرى بان اليهودي ليس له أية قيمة في بقائه خارج فلسطين وأية قيمة تذكر للشتات فهي بالتحضير للهجرة إلى فلسطين.وجعله وطنا قوميا لهم. وهو من الذين يرون بأن الشتات في آخر المطاف سينتهي وهو لا يرى حلا وسطا فإما فلسطين أو الإندماج. وهو قد قال كلاما شديدا عن الذين لايمانعون في الإندماج ويرى بأن الذي يدعو إلى الإندماج يخرج عن كونه يهوديا كالذي يتحول إلى ألممسيحية(5) ويرى كذلك بأن وضع الشتات اليهودي بعد عصر الأنوار أصبح أضعف مما كان عليه قبله إذ أصبح اليهود أقل تمسكا بالدين والتقاليد ولذلك أصبح الإندماج سهلا. وهو يعطي سببين لاختفاء اليهود في الشتات أحدهما  سبب خارجي وهو اللاسامية والسبب الآخر هو سبب داخلي وهو ألإندماج التدريجي.
وانتقد كذلك إحد هاعام الذي كان يعتقد بأن حل المشكلة اليهودية يكمن بما يسميه “إحياء الروح اليهودي” وتقوية العلاقة بين اليهود وتراثهم وضرورة تعميق التربية والثقافة اليهوديتين وكانت هذه من الأسباب التي جعلته يرفض الصهيونية السياسية التي جاء بها هرتزل حيث اعتقد أن هرتزل ونوردو(زميل هرتزل) قد أهملا القََيم اليهودية والثقافة وهو ما يجب التأكيد عليه في رأيه . واعتقد بأن فلسطين يجب أن تكون مركزاً روحياً لليهود وموطن اشعاع والهام لهم .ومع أنه كان زعيما لمنظمة “حبة صهيون” وكان يدعو إلى هجرة اليهود التدريجية فهو كان يعتقد أيضاً بأن يهود الشتات سوف تحل مشاكلهم في نهاية الأمر ويحصلون على حقوقهم المدنية من قبل الدول التي يعيشون فيها.ولكن كلتزكن اعتبر الصهيونية الروحية خطراً عظيماً على النهضة القومية لليهود جمعيا ولهم كاشخاص لأنها في رأيه”تربط أرواح اليهود بسلاسل التقاليد والقيم القديمة”.والغريب أنه اعتبر الدعوة إلى الصهيونية  الروحية نوعا من الشوفينية كما رفض أن تكون هوية اليهودي قائمة على أساس روحي.
وكان إحد هاعام قد استقر في فلسطين وتوفي فيها.وعندما زار فلسطين أول مرة اعترف بوجود سكان فلسطينيين كثيرين فيها وقال إنهم سيرفضون المستوطنين اليهود واعتبر ذلك مشكلة تواجه الحركة الصهيونية.و قال عن أرض فلسطين وناسها ” نحن في خارج فلسطين نميل للإعتقاد بأنها بلد خالية(من الناس) تماما وأنها صحراء لانبت فيها وأن بإمكان أي شخص أن يذهب إلى هناك ويشتري أرضا كما يحب ولكن واقع الحال ليس كذلك إذ من الصعب أن يجد ألإنسان في البلد أي أرض غير مزروعة” وقال “إن على اليهود أن لايعتبروا أنفسهم متفوقين على العرب بل إنهم يجب أن ينظروا إليهم على أنهم  أناس يعتزون بأنفسهم كثيرا.كما أننا نحن نميل إلى ألإعتقاد بأن كل العرب هم صحراويون برابرة وأنهم أناس مثل الحمير لايعرفون ما يدور حولهم ولا يفهمونه وهذا خطأ كبير…إن العرب خاصة سكان المدن منهم يفهمون جيدا ماذا نريد وماذا نحن نعمل في البلد ولكنهم يتظاهرون بأنهم لايعرفون ولاينتبهون لأنهم لايرون في الوقت الحاضر أي خطرعلى أنفسهم أو مستقبلهم فيما نقوم به  ويحاولون أن يحولوا عمل هؤلاء الضيوف الجدد لصالحهم ولكن عندما يأتي اليوم الذي تكون فيه حياة شعبنا في أرض إسرائيل قد وصلت إلى درجة بحيث تدفع الناس المحليين جانبا كثيرا أو قليلا فانه سوف لايكون من السهولة أن يتخلوا عن أرضهم.”وقال “إن المستوطنين يجب أن يتعاملوا مع السكان المحليين بحب واحترام”(6) وهو في آرائه هذه يختلف عن الكثير من الصهيونيين الذين كانوا يرددون زيفا بأن فلسطين أرض بلا شعب لشعب بلا أرض.
وهذه بعض الآراء التي تعطي فكرة أوضح عن أفكاركلتزكن الصهيونية ونظرته اليها وهي أفكار عبرعنها قبل حدوث المحرقة النازية.
فهو يرى في اليهود شعبا مختارا ومنتقى وأنه نسيج وحده في دينه وثقافته وعقليته لا يدانيه في هذا شعب ولا تطاوله أمة ولذلك فإن هذا الشعب يجب أن يعيش في بلد لا يشاركه فيه أحد من بقية الشعوب تمييزاله واعترافاً بأهميته.  وهو يرىبأن اليهودي الحقيقي هو الذي لا يخلص للبلد الذي يعيش فيه، بل يكون اخلاصه ليهوديته وقوميته، وفي نص كتبه عام 1921م مأخوذ من كتابه “الأزمة والحكم في اليهودية” يقول كلتزكن فيه: “نحن يهود بلا قيد أو شرط، ونحن يهود بلا تحفظ. نحن ببساطة غرباء في وسطكم ونؤكد بأننا نرغب أن نظل كذلك. إن بيننا وبينكم فرقاً شاسعاً لا يمكن أن يمد عليه جسر. إن روحيتكم وأساطيركم وقصصكم وعاداتكم وتقاليدكم كلها غريبة عنا وتراثكم القومي ومقدساتكم الدينية والقومية والوطنية وكذلك آحادكم وأعيادكم أيضاً غريبة عنا. تاريخ انتصاراتكم وهزائمكم وأغانيكم الحربية وأشعار معارككم وأبطالكم وأعمالهم العظيمة وطموحاتكم القومية وأمانيكم وآمالكم كلها غريبة عنا. وحدود بلدانكم لا يمكن أن تحدّ من تحركنا ونزاعاتكم الحدودية ليست من اهتماماتنا وإن وحدتنا اليهودية تقف شامخة عالية فوق حدودكم وتقسيمات بلدانكم. وكل يهودي يسمي الأرض التي يعيش فيها أرض الآباء فهو خائن لليهود وكل الأبطال اليهود الذين خاضوا حروباً مع غير اليهود لا يعنون شيئاً لنا وعلى اليهود أن لا يعلقوا على صدورهم النياشين والميداليات فهؤلاء ليسوا أبطالا يهوداً. فاليهودي المخلص لا يمكن أن يكون غير يهودي.
نحن نؤمن بالوحدة القومية لليهود في أرض يعيشون فيها ولذلك فإنه ليس هناك حدود تمنعنا من أتباع سياستنا اليهودية الخاصة بنا. إن ديننا اليهودي غني بالوقاية التي تجعل شعبنا ذا مناعة ضد التأثيرات الأجنبية فهو على العكس من الأديان الأخرى التي هي عبارة عن مجموعة من التعاليم والمعتقدانت. بل إنه مجموعة قوانين منظمة وبحفاظنا على هذه القوانين، فإننا برهنا على حقنا في تقرير المصير، أي أن الذي يحكمنا هو قوانينا فقط. لقد اضعنا دولتنا ولكننا لم نضع دستورنا. إن الحقيقة اليهودية هي سرّ الدين اليهودي. إنها جعلتنا ننشدُّ الى بعضنا البعض في وحدة لأنفسنا فقط حتى في الشتات، فإنها أبقتنا شعباً داخل شعب ودولة داخل دولة. نحن لم نكن أبداً مجموعة دينية فقط…
إن هناك سوراً قوياً محكم البناء بنيناه بأنفسنا وهذا السور هو الذي يفصلنا عن الشعب الذي نعيش فيما بينه. وخلف هذا السور تعيش دولة يهودية مصغرة.
إن الفرق لعظيم بين اليهود والشعوب الأخرى، وانه لا توجد ذرة من الشعور في ضمير اليهودي للتعلق بالقومية الألمانية… نحن من الممكن فقط أن نعيش أحراراً في الشتات بين تلك الشعوب التي لم تنضج عندها بعد روح الوطنية، ولذلك فإذا بلغت الولايات المتحدة مرحلة النضج، فإننا عندئذ سنفقد مستعمراتنا فيما وراء البحار”وهذه العبارة الأخيرة لها من الدلالات الشيئ الكثير.
وعندما جاء النازيون الى الحكم في المانيا وأرادوا أن يثبتوا للعالم بأن اليهود
لايشعرون برابط نحو البلد الذي يعيشون فيه، ولا ينتمون إليه ولا يعتبرون    أنفسهم ذوي صلة به، وإنما هم يضعون مصالحهم القومية والدينية فوق مصلحة ذلك البلد قاموا بتكليف مجموعة  من المنظرين النازيين منهم ثيودور
فرتش وك. ت. وولف، وف. روز، وف. ملر لكي يبحثوا في كتابات اليهود     ويستخرجوا نماذج منها تكون دليلاً يدعم ما كان يراه النازيون في اليهود فوقع اختيار جميع هؤلاء المنظرين على نماذج من كتابات
كلتزكن لتأكيد وجهة نظرهم وإثباتها(7)
1-A.Hersburg,The Zionist Idea,p315
2  -Encyclopedia Judaica:kletzkin,Jacob
3- ibid, Spinoza
4- Walter Laqueur,The History of Zionism p395
5- Gideon Shimoni,The Zionist Idea,p326
6   – Dan Cohen- Sherbok, Judaism,p.292                                    .
7     -Moshe Menuhim,The Decadence of Judaism in Our
Time,pp482-3.

اسرائيل تسرع تنفيذ المرحلة الثانية من تهجير الفالاشا د. جعفر هادي حسن   Dr Jafaar Hadi Hassan

جرت اسرائيل في نهاية القرن الماضي مجموعة كبيرة من فالاشا اثيوبيا الذين ادعوا انهم يهود. ويبلغ عدد هؤلاء اليوم في اسرائيل نحو مئة ألف. واتخذت الحكومة الاسرائيلية هذه السنة قراراً بتعجيل نقل مجموعة أخرى تسمى «فلاش مورا» بعدما كانت تنقل منهم بضع مئات كل شهر خلال التسعينات ليصل عدد من نقل منهم الى اسرائيل الى 25 ألفاً. ويأتي قرار تهجير هؤلاء بعد أحد مؤتمرات هرتسيليا الذي تحدث فيه رئيس الوكالة اليهودية عن تناقص عدد اليهود في العالم وتناقص عدد المهاجرين الى اسرائيل، خصوصاً من دول الاتحاد السوفياتي السابق. ويطلق على هؤلاء «فلاش مورا» تمييزاً لهم عن بقية الفلاشا الآخرين. ولا يعرف على وجه الدقة معنى كلمة «مورا» وان كان من المحتمل أنها تعني المتحول عن دينه في لغة شعب «الاغوا» الاثيوبي. و”الفلاش مورا» ليسوا يهوداً ولا يمارسون اليهودية، بل ـ كما يقولون ـ هم مسيحيون. فهم يمارسون العقيدة المسيحية ويتعبدون بها، وغالبيتهم متزوجون من مسيحيات من الفئات المسيحية الأخرى، ويضعون صورة السيدة مريم في بيوتهم ويعلقون الصلبان في قلائدهم، والكثير منهم يشم جبهته بعلامة الصليب، بل ان بعضهم قساوسة على المذهب المسيحي الارثوذكسي. لكن هؤلاء يدعون انهم من أحفاد الفلاشا الاثيوبيين الذين حولهم المبشرون الأوروبيون الى المسيحية منذ منتصف القرن التاسع عشر. وكان عدد من المبشرين الأوروبيين وفدوا في تلك الفترة الى اثيوبيا لتنصير الفلاشا، خصوصاً بعدما علموا بوجودهم، وجاء هؤلاء من اكثر من بلد أوروبي، وقاموا بنشاط مكثف. ولولا مجيء الموفدين اليهود لايقاف هذا النشاط وابطائه بتشجيع الفلاشا على البقاء على معتقدهم وتقديم المغريات لهم لتنصر الغالبية العظمى منهم. وكانت اسرائيل وعدت الفلاش مورا في التسعينات بتهجيرهم، فنقل الآلاف منهم الى غوندار وأديس ابابا واسكنوا في مخيمات ترعاهم بعض المنظمات اليهودية والمؤسسات المسيحية الصهيونية بالتعاون مع الوكالة اليهودية. وانشئت لهم بعض المدارس تدرسهم الديانة اليهودية واللغة العبرية ويتعلمون طريقة العيش الحديثة فيها وتعرض لهم أفلام عن اسرائيل وعن الحياة فيها. ويقدر عدد الذين تريد اسرائيل تهجيرهم بعشرين ألفاً أو يزيدون وسيضاعف عدد من ينقلون شهرياً ليكتمل نقلهم في صيف العام 2007. وينتقد بعض المسؤولين الأثيوبيين من نقل مواطنيهم الى اسرائيل ويعتبرونه عملاً مدمراً لتاريخ أثيوبيا وتراثها ويقولون: «لو كانت اسرائيل تريد مساعدة هؤلاء حقاً لساعدتهم وهم في بلادهم». وتبرر وزارة الخارجية تهجير هؤلاء على دفعات بقولها ان اسرائيل لا تريد ان تهجر «الفلاش مورا» دفعة واحدة حتى لا تحرج الحكومة الاثيوبية بتهجير مواطنيها! وقد ارتفعت أصوات داخل اسرائيل تعترض على جلب هؤلاء. وكان من المعترضين حاخامون يرفضون علاقة هؤلاء باليهودية ولا يعترفون بها. كما اعترض بعض أعضاء الكنيست ايضاً، بل ان بعض المسؤولين في اسرائيل اعترض على جلب عدد كبير من المسيحيين لأن هذا في نظرهم يضر بتركيبة المجتمع الاسرائيلي وغالبيته اليهودية. بل ان بعضاً من الفلاشا انفسهم رفضوا ان يهجر هؤلاء الى اسرائيل وأنكروا عليهم ادعاءهم وقالوا عنهم انهم أناس مرتدون يريدون ان يهربوا من حياة الفقر والعوز التي يعيشونها. ولكن رئيس الوكالة اليهودية دافع عن قرار الحكومة وقال عنه انه قرار صحيح من وجهة نظر انسانية ويهودية وصهيونية، مشيراً الى انهم يهجرون وفق مواصفات خاصة، وهو هنا يشير الى ان هؤلاء لا يهاجرون طبقاً لقانون العودة المعروف وانما طبقاً لقانون شرعته اسرائيل يسمى «قانون جمع الشمل». وقال أحد المسؤولين «سواء كان هؤلاء يهوداً أو غير يهود فإنهم سيتحولون الى اليهودية عند وصولهم». واليهودية التي سيتحول اليها هؤلاء هي اليهودية الارثوذكسية التي تفرض عليهم ولا يعطون خياراً لاختيار مذهب يهودي آخر. وكان بعض الفلاشا و«العبرانيون الاسرائيليون» (وهم من الأفارقة الاميركيين) قد رفضوا اعتناق المذهب الارثوذكسي. وطبقاً لقانون «جمع الشمل» هذا هاجر عشرات الآلاف من الروس الذين هم ليسوا يهوداً ولم يدعوا أي صلة باليهودية، وقد أصر هؤلاء على بقائهم على عقيدتهم المسيحية، وهم اليوم مجموعة كبيرة لها ثقافتها وطريقة حياتها التي تتميز بهما عن بقية الروس الآخرين، وان الكثير منهم يسكنون في أماكن خاصة بهم، ولهم كنائسهم ومراكزهم الثقافية ولهم محلاتهم التي تبيع ما هو محرم على اليهود مثل لحم الخنزير. وإن أولادهم الذين يلتحقون بالجيش يقسمون قسم الولاء بالأنجيل. ويأتي “تهجيرالفلاش مورا” على رغم المشاكل الاجتماعية والاقتصادية التي يواجهها الفلاشا في اسرائيل. ففي آخر احصاء عن نسبة الفقراء بينهم تبين أن هناك 60 في المئة منهم من يعدون من الفقراء، كما ان نسبة البطالة بينهم تعتبر أعلى نسبة في اسرائيل، كما ان الأجور المنخفضة هي ظاهرة عامة بينهم، أما عدد حالات الانتحار فنسبتها هي الأعلى بين شرائح المجتمع الاسرائيلي. وأخذ بعضهم، ومنذ سنين، يرفض الثقافة الاسرائيلية ويتجه نحو الثقافة الافريقية والكاريبية احتجاجاً على التفرقة ضدهم. ومنهم من أخذ يعود الى تعلم لغته الأصلية واستعمال العلم الاثيوبي كرمز للاحتجاج، وأخذت تحدث بعض حالات التهرب من الخدمة في الجيش الذي كان في السابق مثلهم الأعلى وأقصى ما يطمحون اليه هو الخدمة فيه. وفي استطلاع حديث عن ظاهرة العنصرية بين فئات المجتمع الاسرائيلي قال 43 في المئة من الاسرائيليين انهم يرفضون الزواج من الفلاشا ولا يريدون لابنائهم ان يتزوجوا منهم. وتهجر اسرائيل الى جانب «الفلاش مورا» مجموعة أثيوبية أخرى تسمى «قوارا» من شمال شرقي أثيوبيا، وهؤلاء يدعون أنهم يهود، وقد وصل منهم الى اسرائيل حتى اليوم بضعة آلاف، ومن ضمن هؤلاء مجموعة أخرى انضمت الى «القوارا» تسمى «غوفر”، كان القوارا يشترونهم عبيداً من الأمهرة ويتخذون من نسائهم سرّيات ويحولونهم الى عقيدتهم ويعتبرونهم جزءاً منهم، وهؤلاء يتميزون عن بقية الاثيوبيين بلونهم الداكن وسواد سحنتهم. ويبدو ان تهجير هؤلاء لن يكون الأخير من اثيوبيا، فقد وجدت صحيفة «جيروزاليم بوست» في تحقيق لها في أثيوبيا ان هناك الآلاف من هؤلاء ممن لم يحصهم ممثلو الحكومة الاسرائيلية، ممن يعيشون في قرى نائية ويريدون الهجرة الى اسرائيل. وتقول الصحيفة انه في بلد يصل عدد سكانه الى 65 مليوناً، فإنه من المحتمل ان يكون هناك مئات الآلاف من هؤلاء. وعلق أحد المسؤولين في اسرائيل على احتمال هجرة أعداد كبيرة من هؤلاء بقوله: «ان امبراطور اثيوبيا السابق (هيلاسيلاسي) كان ادعى انه من سلالة سليمان، فما بالك في بقية الاثيوبيين وما الذي يمنعهم من ادعاء الأصل اليهودي إذا كانوا يريدون الهرب من الفقر». والى جانب تهجير الاثيوبيين هناك خطط اسرائيلية لتهجير الآلاف ممن يسمون «بني منسه» وهؤلاء هم قبائل تعيش على طرفي الحدود بين الهند ومينمار (بورما)، وقد ادعى بعض الحاخامين في اسرائيل أن هؤلاء هم من القبائل اليهودية الضائعة، وهجرت اسرائيل بضع مئات منهم حيث سكنوا المستوطنات. وقد أرسل بعض المندوبين من اسرائيل لتهيئة هؤلاء للهجرة اليها. والبحث عما يسمى القبائل الضائعة يمتد- كما ذكرت في أكثر من مقالة- من القارة الاميركية الى افريقيا وآسيا، وأخذ هذا النشاط اليوم يركز على بعض القبائل والجماعات المسلمة، خصوصاً تلك التي تسكن الحدود الافغانية ـ الباكستانية بحجة ان هؤلاء من أصول يهودية. وقد ازدادت هذه النشاطات بعد 11 ايلول (سبتمبر) وهي نشاطات مريبة وخطرة. ولكن القرار الذي سيفتح الباب على مصراعيه لهجرة القاصي والداني الى اسرائيل هو ذلك الذي أعلنت عنه الوكالة اليهودية بقبولها هجرة من يسمون اليهود بالاختيار، وهؤلاء هم أناس لا يمتون الى اليهودية بنسب ولكنهم تحولوا أو يتحولون اليها. ويبدو ان اسرائيل تريد بهذا ان تعوض عن مصادر الهجرة التقليدية التي بدأت تجف منابعها ويتوقف تدفقها، وهي اليوم تبدو وكأنها تسابق الزمن بسبب الهاجس الديموغرافي الذي يؤرقها ويخيفها. واسرائيل كما هو معروف تنظر الى زيادة السكان على انها مصدر قوة وهدف استراتيجي بعيد المدى والغايات، فبزيادة سكانها تؤكد وجودها كدولة يهودية، ويزداد نفوذها وتأثيرها في المنطقة، كما انها ستكون أكثر تشدداً في موقفها مع العرب عموماً والفلسطينيين خصوصاً. واما المشاكل التي تواجهها كمشاكل الفلاشا ونسبة الفقرالعالية بين هؤلاء، فإن المسؤولين في اسرائيل يرون فيها مشاكل عابرة وموقتة ستزول بتغير وضع المنطقة في المستقبل. ولكن يبقى السؤال المهم وهو إذا استمرت اسرائيل على هذه الوتيرة في جلب هذه الأعداد الكبيرة التي تملأ بها الأرض، فكم إذن ستكون مساحة دولة فلسطين وما حجمها ان أريد لها ان تقوم؟ ربما لا يعرف الجواب على هذا السؤال إلا المسؤولون الاسرائيليون.

نشرت في صحيفة الحياة

 فرقة يهودية تبني قصراً لزعيمها الميت    الذي تنتظر عودته كمسيح مخلص د. جعفر هادي حسن   Dr. Jaafar Hadi Hassan, 2004

اليهود الحسيديم من الفرق اليهودية التي ظهرت في القرن الثامن عشر الميلادي في أوربا. وقد ساعد على ظهورها سوء الحالة التي كان يعيشها اليهود آنذاك وخيبة أملهم بالمسيح الدجال شبتاي صبي في القرن السابع عشر. وبمرور الزمن كبرت هذه الفرقة وكثر عدد المنتمين إليها حتى أصبح اليوم عدد أفرادها يعدون بمئات الآلاف منتشرين في كثير من بلدان العالم ولهم تأثير كبير في عالم اليهودفي داخل إسرائيل وخارجها.. واليهود الحسيديم لا يختلفون كثيراً في معتقداتهم وممارساتهم الدينية عن اليهود الأرثودكس المتشددين الذين يسمون بالعبرية “حريديم”، لكنهم يتميزون عنهم بتركيزهم على الغناء والرقص كجزء من عباداتهم وعلى التزامهم مبدأ اللذة والسعادة كجزء من معتقدهم. كما أنهم يعتمدون التفسير الباطني (القبلاه) للكتب الدينية اليهودية المقدسة عندهم.ويتميز هؤلاء أيضاً بتقديسهم لزعيمهم الروحي الذي يطلقون عليه تصديق(قديس) الذي هو عادة يرث الزعامة عمن قبله. وللزعيم الروحي مكانة لا تضاهيها مكانة عند أتباعه. إذ هو محور حياتهم وموضع أسرارهم ومحل ثقتهم والقاضي بينهم في حل خلافاتهم. يعترفون عنده بذنوبهم ويلجأون إليه في حل مشاكلهم والحسيديم اليوم مجموعات كثيرة ومتعددة لكل واحدة منها زعيمها ومرشدها الخاص بها . ومن أكبر هذه المجموعات مجموعة اللوبافتش التي يقدر عدد أعضائها بمئتي ألف شخص والتي أصبح مقرها الرئيس في نيويورك بعد الحرب العالمية الثانية. وهذه المجموعة تقدس زعيمها الروحي أكثر من بقية المجموعات الأخرى. وكان آخر زعيم لها (مناحم مندل شنيرسون) قد توفي عام 1994م. ولشدة تقديس أتباعه له فإنهم يحفظون أقواله وخطبه عن ظهر قلب ويقلدون أفعاله، ويطلبون بركته (وكان يعطيهم دولاراً رمزاً لهذه البركة). وكانوا يحضرون أنفسهم ليوم أو يومين قبل لقائه والمثول أمامه ويوصون أولادهم بطاعته والاخلاص له. ومن جملة ما تميز به زعيمهم في حياته تأكيده على قرب ظهور المسيح المخلص وحديثه عنه وذكره له. وقد طلب من أتباعه أن يجعلوا التفكير بالمسيح المخلص وانتظاره والتطلع إليه نصب أعينهم ومن أهم أولوياتهم. وكان يقول لاتباعه “إن كل يهودي له القدرة وعليه الواجب، أن يساعد في مجيء المسيح المخلص ليس غداً أو في وقت ما في المستقبل، ولكن الآن، وفي هذه اللحظة، حتى وكأن الإنسان يفتح عينيه فيرى المخلص أمامه هنا ومعنا في هذا الكنيس لحماً ودماً وروحاً وجسماً”. كذلك أمرهم أن ينادوا بعبارة “نريد المسيح الآن” وهم يضيفون الكلمة العبرية”ممش” التي تعنى حقيقة”ولكنهاأيضا تحتوي على الحروف الأولى من إسم مرشدهم وكان هؤلاء يصرخون بها كلما اجتمعوا تعبيراً عن توقعهم لظهور المسيح وتطلعهم إليه ورغبتهم في رؤيته. كما أخذوا يضعون في الأماكن العامة في كثير من مدن العالم التي يعيشون فيها لافتات مكتوب عليها “المسيح قادم “. وأثناء حياة مرشدهم الروحي كان هؤلاء يفسرون بعض الاشارات والرموز في كلامه علىأنه هو المسيح الذي وعد به اليهود. وبدأوا يتناقلون هذا المعتقد سراً فيما بينهم كما أخذوا ينشرون صور زعيمهم ويكتبون تحتها ما يشير إلى أنه هوالمسيح ” وعلى الرغم من أن زعيمهم كان يعرف ذلك، إلا أنه لم يمنعهم وكان يغض الطرف عن فعلهم. وبعد وفاته حلّت اللغة الصريحة محل لغة الاشارة وأخذوا يعلنون أن زعيمهم الروحي هو المسيح المخلص الذي وعدت به اليهودية والذي سيظهر من قبره في يوم من الأيام ليحقق العدل والسلام في العالم. وتأكيداً لذلك، فإنهم لم ينتخبوا شخصاً يخلفه كما هي عادة الحسيديم عند موت المرشد الروحي، وهم في الوقت الحاضر لا زعيم روحياً لهم أملاً في ظهور زعيمهم الميت وينتقد بعض اليهود(وبعضهم من أعضاء الفرقة) الحسيديم اللوبافتش ويعتبرون ما يؤمنون به منافياً لما هو منصوص عليه في معتقدات اليهودية التي تقول بأن المخلص هو الذي يولد في آخر الأيام ويعلن عن مسيحانيته عندما يكون حياً. ولكن اللوبافتش يردون على هذا النقد بأدبيات وكتب نشروها، يؤكدون فيها على صحة معتقدهم ومسيحانية زعيمهم وظهوره من قبره في يوم ما ويقولون إن بعث الموتى هو أحد المبادئ الرئيسة في اليهودية ومن أصول الدين فيها فلماذا لا يجوز بعث المسيح. ويقول بعضهم إن الزعيم الروحي شنيرسون قد توفرت فيه كل صفات المسيح المخلص “وعندما كان مريضاً كنا نتوقع معجزة ولكن ذلك لم يحدث والآن نحن ننتظر المعجزة”. وهم منذ فترة يقومون بحملات بين اليهود يؤكدون فيها على أن زعيمهم هو المسيح المخلص الموعود الذي” سيظهر ويخلص العالم من شروره. وهم يلصقون صوره في الأماكن العامة في إسرائيل وغيرها، ويضعون تحتها كلمة “المسيح”. وفي مستوطنتهم “كفارخبد” التي أقاموها في إسرائيل في السبعينات بأمر زعيمهم الروحي، يلصقون على الشبابيك صورته مكتوب تحتها “عاش الملك”، وهم بهذا يشيرون إلى زعيمهم. كماأنهم يوزعون بعض أقواله ويكتبون تحتها “المسيح الملك”. وفي مدارسهم – وهي كثيرة – يبدأ التلاميذ يومهم بجملة “عاش زعيمنا الملك المسيح”. كما أن الأولاد في المستوطنة عندما يردون على “التلفون” يبدأون ردهم بعبارة “عاش الملك المسيح”.وفي أحد مواقعهم على الإنترنت وهو خاص بمسيحهم يقولون إن الموقع صمم بأمر المسيح الملك وهم يذكرون عبارة “طال عمره إلى الأبد” بعد إسمه . ويطلبون من أتباع الفرقة أن يكتبوا رسالة لطلب البركة من مسيحهم وأن يدعوا الله أن يعجل ظهوره.ويقول هؤلاء “إن الحاخام الذي أحب أتباعه كما لو كانوا أولاده لا يمكن أن يتركهم بلا قيادة. ولأنه فعل ذلك فلابد أنه كان يعلم بانه سيظهر مرة أخرى ويلأ الفراغ” ولكي يؤكدوا اعتقادهم هذا، فقد عقدوا مؤتمراً في لندن في نهاية عام 2000 حول موضوع مسيحانية زعيمهم وأسموه المؤتمر الأول. وقد حضر المؤتمر عدد كبير من أتباع هذه الفرقة وحضره أيضاً بعض الحاخامين من الفرقة ومن غيرها. وقد قال أحد المنظمين لهذا المؤتمر “إن الهدف منه (المؤتمر) هو التأكيد على ايماننا ومعتقدنا بزعيمنا الروحي نبي هذا الجيل. ونحن نعتقد اعتقاداً عميقاً بأنه ما زال حياً ويعيش بيننا وسوف لا يخيب أملنا ف”. فيه “ولم يكتف هؤلاء بنشر الأدبيات وعقد المؤتمرات عن ظهور مسيحهم، وإنما أخذوا يقومون بخطوات عملية لتأكيد واقعية الفكرة ومصداقيتها. وأهم هذه الخطوات هي بناء قصر لسكنى مسيحهم. وقد طلبوا من معماري شهير تصميم قصر ضخم يسكنه زعيمهم عندما يبعث من قبره معلناً مسيحانيته كما يعتقدون. واختاروا ان يكون موقع قصره في مستوطنتهم المذكورة.وقد وافق مجلس بلديتها على المشروع. وقد عمل المعماري نموذجاً للقصر،الذي سيقام على مساحة عشرة الاف متر مربع وهو كما يبدو من صورته انه سيكون قصراً ضخماً بكل المقاييس (الصورة) وكتبوا في وصف القصر أنه سيحتوي على قاعات عديدة وغرف كثيرة وحمامات وحدائق ونوافير ماء، وستغطى أرضه بأفضل أنواع المرمر، كما ستكون أبوابه من الذهب. وسيقسم داخله إلى قسمين، أحدهما للمسيح الموعود نفسه، والآخر لزوجته!! كما سيعلو القصر تاج ضخم مصنوع من الذهب الخالص. وهم عندما يتحدثون عن القصر يطلقون عليه قصر المسيح الملك. وأخذوا ينشرون صورته ويقومون بالدعاية له والكتابة عن ضخامته وجماله.ومنذ فترة يقومون بجمع الأموال لبنائه. وعندما ينتقدون على ما يقومون به يقولون بأن زعيمهم الروحي هو الذي طلب منهم أن يعملوا كل شيء من أجل المسيح المخلص وقدومه وأنه هو كذلك قد أشار ببناء القصر. وهم يردون على منتقديهم أيضاً بالقول:”إن كل ملك له قصر وخاصة ملك الملوك ثم كيف لا نبني له سكناً فأين يذهب عندما يظهر؟ هل يذهب إلى الفندق؟”! واللوبافتش في عملهم هذا لا يختلفون كثيراً عما قام به اتباع فرقة “شهود يهوه” المسيحية الذين بنوا بيتاً ضخماً في إحدى الولايات الأمريكية وسجلوه باسم الأنبياء إيراهيم واسحق وداوود ليكون سكناً لهم عندما يظهرون صحبة المسيح عيسى عندما يظهر مرة أخرى
*نشرت هذه المقالة في مجلة”النور”-لندن

فرقة اليهودية البشرية   د.جعفر هادي حسن

ربما لم يسمع القارئ من قبل بهذه الفرقة اليهودية ولم اطلع انا على شيئ منشور عنها  باللغة العربية. والإسم العربي للفرقة هو ترجمتي من الإسم الإنجليزي                                                                            Humanistic Judaism
ولم أترجمها بكلمة الإنسانية لأن ذلك سيعطيها معنى آخرلايعطي المعنى المقصود. وكانت هذه الفرقة قد ظهرت في الولايات المتحدة ألأمريكية عام 1963 عندما بدأ الحاخام شيروين واين (توفي عام 2007) بانشاء أحد المعابد في مدينة ديترويت لنشر الدعوة إلى اليهودية البشرية وهو اليوم يعتبر مؤسس هذه الفرقة. وفي عام 1966 تكونت لجنة خاصة في نفس المعبد لمشاركة الناس العاديين مع الحاخامين في العبادة وفي مجال التربية أيضا. ثم في عام 1967 اجتمع عدة زعماء لهذه الحركة في ديترويت أيضاً واصدروا بياناً أكدوا فيه على أن اليهودية يجب أن تكون محكومة بالتجربة العقلية والحاجة الإنسانية. وبعد سنتين انشئ كنيس، وفي عام 1969 انشئت جمعية باسم “اليهودية البشرية” من أجل إقامة التعاون والالتقاء بين اليهود البشريين. وفي عام 1970 عقدت هذه الجمعية مؤتمرها السنوي الأول في ديترويت وبعد عشر سنوات من هذا التاريخ انشئت كنس عدة في الولايات المتحدة وكندا ثم بعد ذلك أصبحت اليهودية العلمانية البشرية حركة عالمية ولها مؤيدون في أكثر من قارة، وأصبحت لها تسع جمعيات عامة في كندا وامريكا وبريطانيا وفرنسا وبلجيكا واستراليا والأرجنتين والأورغواي وإسرائيل ص 138 ويضم هذه الجمعيات اتحاد اسمه الرسمي هو الاتحاد العالمي لليهودية البشرية العلمانية”.
وفي عام 1986 أصدر الاتحاد بياناً حول معتقدات هذه الفرقة وأهدافها جاء فيه: إننا نؤمن بقيمة العقل الإنساني وفي واقعية العالم التي يكشفها العقل. وان الكون الطبيعي يقف وحده دون تدخل من عالم الميتافيزيقيا ونحن نؤمن بقيمة الوجود الإنساني ونؤمن بقدرة الإنسان على حل المشاكل بشكل فردي وجماعي وان الحياة يجب أن توجه من أجل ارضاء الحاجات الإنسانية. وكل انسان له الحق في الحياة والكرامة والحرية، ونحن نؤمن بقيمة الهوية اليهودية ونؤمن كذلك ببقاء الشعب اليهودي، وان التاريخ اليهودي هو قضية إنسانية. واليهودية كحضارة لليهود هي من خلق البشر، والهوية اليهودية هي حقيقية عرقية. ان الحياة اليهودية تشمل كل مظاهر الحياة اليهودية ومن ضمنها اللغات اليهودية والاخلاق والذكريات التاريخية والتراث الثقافي خاصة ظهور دولة اسرائيل في العصر الحديث. واليهودية كذلك تشمل عدة معتقدات وسلوك حياتي. ولما كانت اليهودية هي من خلق اليهود أنفسهم :ما يقول هؤلاء فإنها دائماً تتغير. ويقولون نحن نؤمن بقيمة البشرية العلمانية والديمقراطية لاسرائيل ولكل شعوب العالم.كما أن الدين والدولة يجب أن ينفصلا. ويجب أن يضمن لكل شخص الخصوصية والاستقلالية وكل انسان مع غض النظر عن جنسه وعرقه ودينه له حقوق متساوية والبشريون لهم معهد كبير في اسرائيل يتخرج منه حاخاميهم ويمنحونهم شهادات منه.نظرة هذه الفرقة الى التوراة والتلمود والانبياء والمناسبات الدينية

التوراة

ترى اليهودية البشرية بأن التوراة تثير الارتباك والتشوش عند الإنسان كما أن النقد العلمي قد كشف أنها لم تكن قد كتبت من قبل موسى (كما يقول الحاخامون) ولكنها في الواقع مكونة من أربع وثائق رئيسة على الأقل وهي وثائق كتبت منفصلة. كما أن الكثير من قصصها متناقضة كما في الالاصحاح الأول والثاني من سفر التكوين.(وربما هم يشيرون هنا إلى قضية خلق الإنسان). والكثير من الحوداث إما أنها لم تحدث أو أنها لم تحدث بالطريقة التي تحدثت عنها التوراة كما أن عدداً كبيراً من هذه القصص كتبت بعد قرون من افتراض حصولها. كما ن التوراة تكشف أشياء أخرى من خلال التناقضات والادانات وأنها إذا قرئت بتعمق فإنها ستكشف عن وجود آراء يهودية أخرى غير الآراء المعروفة ونحن ليس علينا أن نقبل ما يكتبه محررو التوراة.
ويرى هؤلاء أيضاً بأن التوراة وثيقة شوفينية، إذ أنها تعتبر اليهود شعباً مختاراً متميزاً حيث لهم حقوق خاصة بهم دون غيرهم، إضافة الى أنهم مفضلون، لا لأن لهم فضائل فطرية خاصة بهم، بل لإنهم أبناء يهوه المفضلون. كما أنه ليس هناك دور للناس الآخرين عدا اليهود وكلام كثير عما يعمل يهوه من أجلهم وماذا يتوقع منهم هو، فرب العالم والهه يسلك سلوك رب عشائري. كما ان التوراة تعتبر وثيقة رجعية تشجع على اهانة اليهود المعاصرين اخلاقياً. كما أن الحياة التي تعرضها التوراة هي حياة العائلة الدكتاتورية وعدم المساواة بين الرجل والمرأة وحكومتها حكومة ثيوقراطية وتركز على الخصوصية العشائرية كما أنها تركز على الأضاحي. واساطير التوراة تحمل في طياتها اهانة للانثى وعداء عشائرياً، كما أن ثلثي التوراة هي وثيقة محرجة ولذلك فإنها لا يمكن أن تجعل أساساً لشريعة علمانية من دون أن يكون الإنسان غير صادق مع نفسه. إن التوراة لا تناسب وجهة نظرنا انها شعار يناسب اليهود الذين يؤمنون بالحاخامين وهي تناسب طموحهم وحياتهم التي يرغبونها ولكنها بالنسبة الى اليهودية البشرية هي كذب لأنها تتحدث عن تقاليد غير صحيحة. واليهودية البشرية لم تخرج من الوثيقة الرسمية لليهودية الكهنوتية والحاخامية، بل إنها وليدة التجربة اليهودية وأن التاريخ اليهودي من وجهة نظر اليهودية البشرية يختلف عما ينظر إليه الحاخامون والكهنة. إن الشخصية اليهودية هي نتاج التاريخ اليهودي وليس نتاج التوراة. إن التوراة لا تناسب اليهودية البشرية ونحن لا نريد أن ننقدها فهي الوثيقة الرئيسة لليهودية الحاخامية، وانها تعبير عن وجهة النظر الثيوقراطية للعالم والمجتمع.
إن محررين من القرن السادس قبل الميلاد قد وضعوا مبادئهم وقناعاتهم على لسان الآباء (ابراهام واسحق ويعقوب) وعلى لسان موسى. وان التوراة إذا درست بشكل علمي فإنها ستظهر لنا حقيقة الأحداث خلف الأساطير. وان هؤلاء المحررين نظروا الى الماضي من خلال أفكارهم السياسية ومعتقداتهم الدينية، كما أن التاريخ اليهودي هو بالضرورة ذلك الذي رآه الحاخامون والكهنة. إن التوراة هي مجموعة من الاشارات التي تقودنا الى الأحداث الحقيقية التي هي خلف الاسطورة حتى وإن كانت نصوصها التاريخية كذباً وشرائعها غير صالحة اخلاقياً. ويقولون إن أجدادنا قد آمنوا بذلك ايماناً عميقاً وكان ذلك ضاراً لهم.
إن يهوه لم يكتب التوراة ولكن الاعتقاد بأنه هو الذي كتبها يؤثر على الشخص في تعامله مع الأفكار.
وهم يعتقدون بأن السلوك العملي لليهود قد جاء من أفكار التوراة وشروحها وان دراسة هذه الأفكار هي دراسة للتاريخ اليهودي، كما ان دراسة الحالات التي تناقض تلك هي أيضاً جزء من التاريخ اليهودي.
وإذا كانت هناك أفكار تتفق بها اليهودية البشرية مع اليهودية الحاخامية، فإن ذلك قد جاء من خلال وعي التجربة الإنسانية التي تجعل مثل هذا شيئاً مهماً حتى لو لم يكن ذلك في التوراة.
كما أن التأكيد على أن اليهود يجب أن يتذكروا اعتمادهم على التدخل الالهي هو مخالف للإعتماد على النفس. كما أن السلوك الأخلاقي لليهود لم يأت من الوصايا العشر، ولكنه جاء من التجربة اليهودية.
وخلاصة القول إن التوراة هي كتاب أدبي وحقها ان توضع في مكان مشرف في متحف الكتب اليهودية يتحدث عنها المعلمون وعن أهميتها التاريخية وقوتها ولكن لا يجوز لمن يؤمن باليهودية البشرية أن يعبدها ويعتقد بأن الهوية اليهودية والسلوك الأخلاقي يتوقف عليها.

التلمود

اليهود البشريون لايعترفون بالتلمود لأنهم يرون فيه نتاجا من نتاجات اختلاف الحاخامين، فالحاخامون قالوا بأن تعاليم التوراة هي تعاليم غير كاملة، وان هناك تعاليم ربانية أخرى بها تكتمل التوراة وهذه التعاليم هي شفوية (ويطلق عليها بين اليهود التوراة الشفوية) وهي مهمة كأهمية التوراة المكتوبة. وقد سميت هذه التعاليم المكتوبة بالتلمود وقد أصبح التلمود هو الاساس لليهود الحاخامية، وقد جعل الحاخامون يهوه مركز أفكارهم فهم يقولون بأن يهوه قد اختار ابراهام (ابراهيم) الذي اعتبروه جداً لشعب خاص ومختار وهو قد اقام عهداً معه وإذا ما حاول احفاد ابراهام وجاهدوا من أجل أن يتبعوا تعاليم يهوه ويصبحوا قريبين اليه فهو سيجازيهم بجزاء خاص وستصبح القدس التي يعتبرها اليهود عاصمة لهم، سكناً خاصاً به، وسيكون لليهود الشرف في السكن قرب قصره وحضوره الأرضي.
وبعد ظهور المسيح اليهودي المخلص ممثل يهوه سيهزم الأشرار وسيجعل القدس عاصمة العالم. وفي يوم القيامة سيكون اليهود أفضل الشعوب وسيجد اليهود الدخول الى الجنة أسهل من بقية الشعوب الأخرى وهم سيكونون سعداء برؤية أعدائهم يذلون ويحكمون لكن على اليهود أن يلتزموا بالهلخا الشريعة التي عرضت في التلمود والتوراة.
كما أن اليهود عندما يعاقبهم يهوه فهو عقاب خاص إذ هو ليس بغرض الاهانة والاذلال وإنما هو عبارة عن معاملة خاصة، كما أن الحاخمين جعلوا من هزيمة اليهود واذلالهم رمزاً لرضا يهوه عنهم وجعلوه رمزاً للشرف وتخفيف من الذنوب وجزاء في المستقبل ويؤكد الحاخامون على أن يهوه لا يقبل التعددية وإنما اليهودية هي وحدها المقبولة.
وترى اليهودية البشرية بأن الحاخامين قد جعلوا من قصة يهوه دافعاً قوياً ومحركاً. وقد كانت هذه القصة – قصة يهوه – مقنعة لليهود الى العصر الحديث، ولكن في الوقت الحاضر فإن أكثر اليهود قد تركوا ما قرره لهم الحاخامون بالنسبة الى يهوه.

الأنبياء

يقول اليهود البشريون إن أنبياء اليهود مثل عاموص واشعيا وميخا يعتبرون شخصيات مهمة في العهد القديم لدفاعهم الحار عن الفقراء والمحتاجين حتى اصبح هؤلاء نماذج عليا لبعض اليهود في العصر الحاضر. ولكن كان لهؤلاء الأنبياء مشكلات جدية، إذ انهم كانوا يعرضوا أنفسهم كملتزمين وقديسين ولكنهم أيضاً في نفس الوقت كانوا ديكتاتوريين ولم يكونوا يسمحون بالرأي الآخر وكانوا دائماً يأمرون بدون مناقشة ولما كان هؤلاء صوت يهوه فهم كانوا يعتبرون معصومين. لا شك ان هناك بعض الفقرات في العهد القديم التي تصل الى ثلاثين أو اربعين والتي تدين استغلال الفقير ولكن الناس لا يعرفون بأن هناك مئات الأنبياء الذين تنبؤا لتدمير العدو بشكل لاإنساني وعند قراءتنا لكتب الأنبياء فإننا نقرأ كتباً مليئة بصفحات من الدم والقتل قبل أن نعثر على القليل من الاحساس الإنساني. والواقع ان أنبياء يهوه الذين اختيروا من أجل اشاعة النص المقدس يظهرون سلوكاً أخلاقياً غير متجانس وان كلامهم لم يحفظ من أجل سبب انساني وإنما حفظ من أجل أن يعطي ثقة لليهود بمستقبلهم ولتوضيح لماذا أن الحاضر هو سيئ ولذلك فإن ما كتبه الأنبياء كان يقرأ في الاجتماعات العامة لاعطاء أمل وتعبير عن التأثر لحالة الضعفاء وعدا عن ذلك فإن كتب الأنبياء مثل التوراة لا يمكن أن تؤخذ على انها قواعد
اخلاقية.لا يعتقد هؤلاء بأن النبي موسى كان قد قاد الإسرائيليين الأوائل.

المناسبات الدينية

يقول البشريون إنهم يصرون على أن الأعياد والمناسبات اليهودية تعطيهم كرامة وإن الصلوات والقصص التي تحول التجربة اليهودية إلى شهادة للاعتماد على الغيب ليس لها مكان في احتفال المناسبة، وان مدح يهوه في الفصح يقلل من جهد الإنسان وابداعه ولذلك لا بد ان يكون هناك طريق لتقديم القصص التي تؤكد على العقل الإنساني والكرامة الإنسانية، وانه ليس هناك خطة غيبية تجعل العبودية ممكنة. إن مقاربة اليهودية البشرية للتقويم اليهودي لا بد وأن تكون عملية ولذلك فإن التواريخ التي وضعها الحاخامون للمناسبات لا بد من قبولها لأن اليهود متعودون عليها وهم يصبحون أكثر وعياً لهويتهم اثناءها وإذا كان من الصعب تغيير أوقاتها فلا بد إذن أن تقام بشكل مختلف حتى تتحقق الكرامة مع الهوية.
ويقولولون كذلك بأن لهم الحق في وضع مناسبات جديدة كما كان لأجدادهم فالمناسبات القديمة تربطهم بكل اولئك الذين يشاركونهم بالهوية وان المناسبة الجديدة التي تنشؤها اليهودية البشرية تدعم تفرد فكرتهم الإنسانية فمثلاً الاحتفال في شهر مارس بميلاد انشتاين يكون مناسبة إضافية ذات معنى حتى لو لم يرد الحاخامون الاحتفال بها.
وقد تسقط بعض المناسبات القديمة التي لا تستحق بذل الجهود لإعادة تفسيرها واعطاءها معنى مثل صوم استير في 17 تموز وكذلك صيام 9 آب(وهو اليوم الذي يفترض فيه أن الهيكل اليهودي قد هدم فيه مرتين). إذ ليس هناك سبب جيد لاستمرارها فإن مثل هذه المناسبات تحول طاقتنا من مناسبة أكثر أهمية فمثلاً تهديم المعبد في أورشليم الذي بسببه يصوم اليهود في التاسع من آب كان كارثة قومية لليهود، ولكن الهولوكست يعطي هذه الفكرة بشكل أوضح ولذلك فإن قرار اليهودية البشرية لبعث المناسبات القديمة وإعادة تفسير الحالي منها واختراع أخرى هو جزء من خطة لبرنامج واضح جداً لأن المناسبات هي أفضل طريق لتعليم التاريخ اليهودي وأهمية الهوية لبشر مشغولين “في الحياة”.
إن يهودية الحاخامين تطغي عليها النشاطات الدينية والصلوات وقراءة التوراة، كما أنهم اضافوا قصصاً جديدة لتضفى على المناسبات علاقة وارتباط بيهوه وقد حاول الحاخامون أن يكون الحديث عن موسى والخروج من مصر جزءاً في أكثر المناسبات.
وهم يرون بان هذه المناسبات يجب أن تتخلص من دكتاتورية الحاخامين ويجب أن تعطى لغة علمانية وقصصاً غير دينية وليس من الصحيح اجراء تعديلات شكلية عليها، وان البشريين يجب أن يكونوا جريئين كجرأة الكهنة والحاخامين الذين نسبوا الكثير من هذه المناسبات الى موسى ويهوه ولا بد أن ننظر الى الجانب الآخر من التاريخ اليهودي في هذه المناسبة.

السبت

إن السبت هو من أكثر المناسبات الدينية تكراراً ولكن أصل السبت مجهول ويعود الاحتفال به إلى ما ذكر في سفر التكوين أن الاله يهوه استراح في اليوم السابع ويقول اليهود إننا أيضاً يجب أن نستريح كذلك في اليوم السابع، ولكنهم يفسرون كلمة “شبث” العبرية ليس بمعنى راحة ولكن بمعنى توقف عن النشاطات، وان يوماً ليس فيه نشاط هو يوم مختلف عن يوم الراحة.
ويقول هؤلاء إن يوم السبت يتسم بالخوف عندما تكون كل أنواع الحركة محظورة وخطرة، وان الكهنة نقلوا هذا اليوم الى اليوم السابع من الاسبوع وأعطوه أهمية قصوى، وأنه يوم خاص ليهوه وأكده أولئك الذين يؤمنون بالرقم 7.
وأصبح يوم السبت مع الختان علامتين رئيسيتين للهوية اليهودية وبما أنه مناسبة وضع اساسها الكهنة، فإنه جعل يوماً مخيفاً. فالتوراة قد حددت حركة الناس وجعلتهم يجلسون في بيوتهم كل اليوم وبدون ضياء كل الليل والخوف من السبت وتخويف الحاخامين منه هو انعكاس لخوف الوجود اليهودي. وان اختيار يوم معين للابتعاد عن كل أنواع اللذات والنشاطات هو أقرب الى الارهاب منه الى الراحة والاستجمام.
ولكن الحاخامين فيما بعد خففوا من قساوة هذا اليوم بأن سمحوا باشعال الشموع وبشرب النبيذ وباجتماع عام وقراءة التوراة وقد أجازوا للناس الذهاب الى الكنيس والصلاة فيه ولكنهم في الوقت نفسه يمنعون أكثر النشاطات ومع ذلك ليس من السهولة بأن يوصف بأنه يوم راحة.
وعندما جاء عصر تحرير اليهود في أوربا وجد العلمانيون الالتزام بالسبت أمراً صعباً وتهاونوا بالالتزام فيه ولذلك حاولت بعض المذاهب اليهودية فيما بعد التخفيف من شروطه ومن هذه المذاهب كان المذهب الاصلاحي. فالسبت عند هؤلاء هو يوم راحة وكل الأشياء الممنوعة قد أجيزت.
وعندما جاءت الصهيونية انقذت يوم السبت وجعلته عطلة رسمية في إسرائيل وأصبح اليهود العلمانيون في إسرائيل يعاملون يوم السبت كما يعامل الامريكان يوم الأحد على الرغم من نقد المؤسسة الدينية وهجومها عليهم ولكن هذا الحل الإسرائيلي لا يوفر حلاً للبشريين في الشتات.
ويقول اتباع اليهودية البشرية انهم يعتبرون يوم السبت رمزللإنسانية، وهو شاهد على الأواصر والعلاقات الانسانية والتي هي وحدها تجعل البقاء ممكناً. واجتماع العائلة يوم السبت عند العشاء يمثل القوة الرئيسة للبقاء الإنساني وإذا كان العالم يجعل الإنسان قلقاً، فإن عائلته تعطيه الاسناد والرعاية. ويقولون إن عشاءنا يوم السبت هو اعتراف للعائلة التي تجلس حول المائدة، وان ما نقدمه في السبت من شعائر هو اعتراف للعائلة اليهودية الكبيرة التي تشترك معنا في التاريخ وفي قدرنا الاجتماعي.

الختان

يرى هؤلاء بأن الختان كان يمارس في السابق بين الساميين وغيرهم ولم يكن خاصاً باليهود ولكن اليهودية الكهنوتية قد عظمت كثيراً من قضية الختان وفسرته على أنه علاقة على كثرة النسل الذي وعد به يهوه ابراهام ونسله وقد نص في التوراة على الختان في سفر التكوين 17-9-14.
وقال الكهنة للناس إذا لم يقم الأب بعملية الختان في اليوم الثامن، فإن مصائب خطيرة ستصيب الطفل واليهود وما زال الخوف موجوداً الى هذا اليوم.
وأصبح الاحتفال بأداء الختان احتفالاً محكماً للذكر أما الانثى فلم يكن نصيبها سوى وضع التمائم وقراءة البركات.
إن اليهودية البشرية لا يمكن أن توافق على مثل هذا النوع من التفرقة حيث يقام الاحتفال للذكور فقط، كما أن الختان بطبيعته لا يتفق مع قيم اليهودية البشرية وهي وإن كانت لا تمانع في اجراء ذلك بسبب صحي ولكنها لا توافق على أن يكون موضوعاً لاحتفال بين الناس.
وتقترح اليهودية البشرية أن يكون هناك احتفال على مستوى العائلة أو الجماعة اليهودية لكل من الذكر والانثى وبمستوى واحد ويُبرز الاحتفال ارتباط الطفل ذكراً وانثى بمستقبل العائلة وباليهود وبالإنسانية عامة واعطاء الطفل الاسم العبري بهذه المناسبة يكون رمزاً للارتباط باليهود.
وعلى الرغم من ان الغالبية العظمى من اليهود يمارسون عملية الختان لأبنائهم، إلا أن بعض المذاهب اليهودية غير الرثوذكسية أخذت تتهاون في قضية الختان للأطفال خاصة إذا كان أحد الأبوين غير يهودي.
ولكن برزت اليوم بين اليهود ظاهرة عدم ختان الأطفال – وإن كانت اليوم على نطاق محدود-  وأخذت هذه الظاهرة تتشكل منذ بضع سنوات على اعتبار أن عملية الختان هي عملية وحشية أو بدائية أو مؤذية نفسياً للطفل الى غير ذلك من أسباب.
ولهؤلاء موقع على الانترنت باسم يهود ضد الختان. كما اخذت هذه الظاهرة تبرز أيضاً بين يهود إسرائيل ولهؤلاء أيضاً موقع على الانترنت كما ذكرت صحيفة الجويش كرونكل في 6/7/2007). والكثير من هؤلاء الذين يعارضون الختان هم من المثقفين.
وبعض هؤلاء يقترح، كما تقترح اليهودية البشرية، احتفالاً بديلاً، وان البعض منهم اعطاه اسم “عهد السلام”.

تعريف اليهودي والزواج المختلط وعلاقة اسرائيل بالشتات

من هو اليهودي

وقد جاء في بيان لها حول من هو اليهودي ما نصه “اننا نحن أعضاء الاتحاد العالمي لليهودية البشرية العلمانية نعتقد بأن حياة اليهود تتوقف على نظرة أوسع للهوية اليهودية، ونحن نرحب بكل الرجال والنساء من الذين يريدون  أن يشاركوا باخلاص التجربة اليهودية مع غض النظر عن اصلهم أن يدخلوا في الشعب اليهودي. ونحن نرفض الاعتقاد بأن اليهود هم أصلاً بشكل خاص مجتمع ديني، وان الاعتقاد أو السلوك الديني هو شيء أساسي من أجل أن يكون الانسان عضواً كاملاً في المجتمع اليهودي. إن الشعب اليهودي هم أناس عالميون لهم ثقافات متعددة وحضارات متعددة وان اليهودية كثقافة لليهود هي أكثر من كونها التزام ديني وهي تضم لغات كثيرة وآداب متعددة وتقاليد تاريخية مختلفة وفي وقتنا الحاضر، فإن الهولوكست وظهور إسرائيل مرة أخرى جزء رئيس من الوعي اليهودي.
ونحن كيهود علينا مسؤولية أخلاقية كي نرحب بكل الذين يريدون أن ينتموا إلى ثقافتنا وقدرنا وان الأطفال والزوجات والأزواج من غير اليهود الذين يرغبون أن يكونوا جزءاً من الشعب اليهودي يجب أن لا يرفضوا بسبب أن أمهاتهم لسن يهوديات ولا يريدون أن يخضعوا لطريقة التهود الدينية. وان مهمة تعريف “من هو اليهودي” تتعلق بكل اليهود ولا يمكن أن تختطف من قبل أي مجموعة من اليهود. إن الجواب على سؤال من هو اليهودي الذي تدعيه بعض الاتجاهات الارثوذكسية والتي تدعي على أساس من التجربة التاريخية لليهود هو تعريف مؤذ. وإننا نؤكد بأن اليهودي هو ذلك الشخص الذي ينحدر من أصل يهودي أو يعلن عن نفسه أو تعلن عن نفسها بأنه أو أنها يهودية ويشخص نفسه أو تشخص نفسها مع القيم الاخلاقية والثقافة والحضارة والجماعة اليهودية والقدر اليهودي.
ويقول “وين” إن الهوية اليهودية هي التزام مهم ولكنها ليست الالتزام الوحيد والمثل الرئيسي وان اعطاء الهوية اليهودية الوضع الأكبر والأفضل هو خرق للاخلاق الإنسانية، وانه انتزاع للهوية الشخصية للأفراد وتضييق مجال الاكتشاف الأوسع لكرامة الإنسان.

الزواج المختلط

لايجيز اليهود الأرثودكس الزواج من غير اليهودي أو اليهودية لأنهم يعتبرون ذلك مخالفا للشريعة اليهودية. بل إنهم يقيمون عزاء لفترة من الزمن إذا تزوج ابن لهؤلاء من امراة غير يهودية.وبقية المذاهب غير الأرثودوكسية تجيز ذلك بصورة عامة.ويرى أتباع  الفرقة البشرية إن اليهود الذين يتزوجون من غير اليهود لا يعني أنهم يتخلون عن يهوديتهم ويرفضونها وانما ذلك هو تعبير عن قوة الحب عند الإنسان لشخص آخر يشاركه في الأفكار والمثل حتى لو كان هؤلاء غير يهود. ويقولون إنه إذا كان الحفاظ على الهوية اليهودية هو أهم شيء فإن منع الزواج المختلط يكون شيئاً عقلانياً تماماً كي يوضع حد له ويكون القول بأن الزواج المختلط منافياً للاخلاق شيئاً منطقياً ولكن من جانب آخر إذا كان الهدف الرئيس للحياة السماح لليهود بتحقيق سعادتهم وكرامتهم فإن منع الزواج المختلط يكون تدخلاً لا اخلاقياً ويكون رفض الحاخامين للزواج المختلط منافياً للاخلاق لأنهم يضعون الهوية اليهودية فوق الحب الشخصي.
إن اليهودية البشرية تحترم حق الافراد في اختيار طريق كرامتهم واحترام رغباتهم الشخصية شرط أن لا تؤذي كرامة الآخرين ولذلك فإن اليهودية البشرية تعطي الحق لكل اليهود في الزواج من أي شخص يختارون وهي مستعدة لمساعدتهم. والزواج المختلط لا يصح أن يكون مانعاً ليهودية الشخص الذي تكون أمه أو يكون ابوه من اليهود. وتعترف البشرية بالأطفال سواء أقام الأبوان بعمل شيء نحو الهوية اليهودية أم لم يعملا لأن يهودية الشخص يحكم عليها بعلاقة النسب اليهودية خاصة في عيون غير اليهود.
وهم ينتقدون اليهود الارثوذكس وغيرهم من اليهود الآخرين الذين يقولون إن يهودية الأم ضرورية لتحقيق يهودية الشخص ويعتبرون ذلك ضد ممارسة الواقع الاجتماعي، فكما أن الشخص الأسود لا يحدده الأشخاص السود فقط، بل البيض أيضاً (يعروفنه أسود) كذلك اليهودي فإنه لا يحدد من قبل اليهود وحدهم ولكنه أيضاً يحدد من قبل الأغراب، ففي نظر أكثر اليهود وفي نظر الأغراب فإن انحدار الشخص من اصل يهودي يكفي في اعطائه الهوية اليهودية.
وفي الواقع فإن اسم الأب الذي يعطى للشخص هو أكثر قوة في تحديد الارتباط اليهودي من الأم.
وهذه الفرقة اليهودية تختلف عن غيرها من الفرق في أنها لا تطلب من غير اليهودي المتزوج من يهودية أن يتحول إلى اليهودية ويقوم بعملية الشهود التي تطلبها بعض الفرق كي يكون رفضاً لمعتقد السابق لأنه في نظر البشرية ان الهوية اليهودية هي إضافة وليست سبباً في رفض معتقد آخر، فاليهود البشريون هم أصلاً بشريون وتبني الهوية اليهودية الى معتقدهم لا ينفي معتقدهم بل إنما تأكيد له.
ويقولون كذلك إن الزواج المختلط يجعل الهوية اليهودية أقل حدة وقوة وفي الوقت نفسه يجعلها أكثر انتشاراً وهي في هذه الحالة تكون أكثر أهمية للعلمانيين في عالم علماني. وهذا التغيير لا بد أن يكون مرحباً به لأن الانفصال الذي يعمل عليه الحاخامون يقود إلى تعصب أعمى وإلى رفض العالم غير اليهودي ولا بد للهوية اليهودية أن تكون خياراً لمن ولد من اليهود الذين يختارون الزواج من غير اليهود ولذلك سوف لا تصبح الهوية اليهودية مقتصرة في المستقبل على أولئك الذين يولدون لأمهات يهوديات وأيضاً فإن يهود المستقبل سيكونون مختلفين عن يهود السابق.

علاقة يهود الشتات بإسرائيل

يقول أتباع هذا المذهب بأن إسرائيل مهمة جداً لليهود خارجها وليس هناك ما يثير الحماس والعاطفة لديهم أكثر مما تثيره إسرائيل، فهم يفكرون بها ويقلقون حولها ويعملون من أجلها. إضافة إلى أنهم يعتقدون بأن ذلك يحقق يهوديتهم. ففي الوقت الحاضر ليس هناك صلاة في الكنيس تقام إلا وتذكر فيها إسرائيل وليس هناك مشروع ثقافي يثير ما تثيره إسرائيل بل حتى برامج الكنس قد جعلت إسرائيل مركزية لبرامجها.
ويقول هؤلاء لقد جعلت الصهيونية انشاء الدولة حلاً لمشكلة الشتات واعتقدت بأن الشتات سينتهي بانشائها وأن الهوية الإسرائيلية والهوية اليهودية سيصبحان شيئاً واحداً. ولكن الذي حصل هو أن الشتات لم ينته، وأن الهويتين لم يتحدا وان قسماً فقط من مجموع يهود العالم يعيشون في إسرائيل وسيبقى أكثر من نصف اليهود يعيش خارج إسرائيل خاصة في أمريكا الشمالية وان العلاقة اليوم بين إسرائيل والجماعات اليهودية خارجها هي علاقة مضطربة، لأن إسرائيل هي من صنع الشتات. إذ الحركة القومية اليهودية هي حركة أوربية وهي رد فعل على المشاكل التي مرّ بها اليهود في أوربا فانشأ الشتات اسرائيل. كما أن هذا الإضطراب يتمثل في أن إسرائيل تمنع هؤلاء اليهود من أن يقدموا أنفسهم على أنهم جماعة دينية مقابل المسيحية في العالم الغربي وهم يرفضون أن يتخلوا عن حالتهم الدينية. ومن جانب آخر، فإن اليهود خارج إسرائيل ينظرون إلى الإسرائيليين على أنهم أكثر يهودية منهم في أن لهم ثقافة لغتها العبرية فهم أكثر يهودية ممن يعيش في مجتمع انكليزي مثلاً. ولكن البشريين يناقشون هذا الراي ويقولون إن الواقع ليس كذلك، لأن الكثير من سكان إسرائيل الذين هم من غير اليهود يتكلمون العبرية أفضل من اليهودي الذي يزور إسرائيل.(ويشير هؤلاء هنا إلى فلسطيني 48الذين يعيشون داخل إسرائيل بل وألأراضي المحتلة)
ويقولون مع أن أكثر الشعوب تجعل الإنسان الذي يتكلم لغتها جزءاً منها، لكن إسرائيل ليست كذلك، إذ أن العرب الذين يتكلمون العبرية لم يصبحوا جزءاً منها، والإسرائيلي اليهودي يشعر بعلاقة ارتباط مع يهود الشتات أكثر مما يشعربعلاقة مع العرب الذين هم مواطنون معه.
والحقيقة فإن العلاقة مع العرب تؤكد أن إسرائيل هي دولة ذات قوميتين وهي دولة ذات شعبين ولولا الهجرة المتزايدة إلى إسرائيل لأصبح العرب هم الأغلبية. إن هناك أمراً ملحاً على إسرائيل وهو أن تمنح العرب حقوقاً متساوية، وهذه تحتاج الى معالجة سريعة.
إن الصهيونية كحركة لتحرير اليهود لم يبدأها مجموعة مضطهدة تعيش في وطنها ورواد الصهيونية قبل أن يحرروا شعبهم كان لا بد عليهم ان يقوموا بصنع البلد وان القرار لصنع شعب في فلسطين سبق وصول هذا الشعب وأصبح الشتات هو الحافظ لهذا البلد والمخزون له.
كما أن إسرائيل تختلف عن بقية الدول بالنسبة الى اليهود خارجها عما يتعلق بالجذور. فالجماعات الاثنية التي هي خارج موطنها الأصلي مثل الايطاليين والايرلنديين والبولنديين لهم جذورهم وذكرياتهم في أوطانهم الأصلية، كما انهم يتكلمون لغة البلد الأصلي وهذه تجعلهم يتطلعون الى هذا البلد الذي هاجروا منه أو هاجر منه اباؤهم أو أجدادهم ويرتبطون به، واليهود خارج إسرائيل ليس لهم جذورهم في إسرائيل فهم لم يهاجروا منها وليس لهم ذكريات فيه ولا يتكلمون لغته. فاليهود في أمريكا الشمالية تثير ذكرياتهم روسيا واللغة اليديشية وان إسرائيل واللغة العبرية كانتا نوعاً من الفنتازيا لهؤلاء اليهود. ويضاف الى ذلك ان الإسرائيليين والصهاينة بصورة عامة ينظرون الى يهود الشتات نظرة سلبية. إذ الصهاينة الأوائل (مثل بن غوريون) اعتقدوا بأن اليهود خارج إسرائيل لا مستقبل لهويتهم، وقالوا انهم سيختفون إما بسبب الاندماج أو بسبب العداء لليهود، ولذلك فإنه فقط بالهجرة الى إسرائيل يمكن لليهود أن يحفظوا الهوية اليهودية وان واجب كل شخص يهودي خارجها أن يقوم بالعالياه (الهجرة) إلى اسرائيل، ولذلك فإن اليهودي – خاصة الصهيوني – الذي يعيش خارج إسرائيل عليه دائماً أن يبرر وجوده وان الشعور بالدونية والذنب يطغى على الحوار بين الاثنين.
ولأن النظرة الى هؤلاء سلبية، فإن إسرائيل لا تتمكن أن تتعامل مع هؤلاء بشكل صادق وواقعي، وان الصهيونيين لم يتمكنوا أبداً أن ينظروا الى الشتات على أنه وطن تاريخي تكونت فيه ثقافتهم وشخصيتهم بصورة عامة. إن الحقيقية هو أن الشخصية التي وضعت المشروع الصهيوني قد تكونت في الشتات، كما أن وجود اليهود تكون في الشتات .وقد بدأ الإسرائيليون يشعرون بأهمية العلاقة مع الشتات وأنها أبعد من جلب المهاجرين. كما أن إسرائيل كثيراً ما يطلق عليها مركز العالم اليهودي، ولذلك فإنها مصب المساعدات اليهودية وتحظى بالتأييد السياسي، وعلى الرغم من ذلك، فإنها لا تعتقد بأن عليها أن تستورد شيئاً من ثقافة الشتات أو أن هناك شيئاً يمكن أن تتعلمه من الخارج، لأنها تعتقد أن الثقافة اليهودية تصدر ولا تستورد. وهم يغضون النظر على أن الخارج هو الوطن الأصلي وان الشخصية اليهودية قد صنعت خارج إسرائيل وليس في مكان آخر، إذ اليهود هم الذين اخترعوا إسرائيل.
كذلك إن العلاقة مع الشتات تمثل للإسرائيليين مشكلة ايديولوجية وعاطفية وهناك أيضاً مشكلة الجذور، فالصهاينة الأوائل ادعوا بأن جذور الدولة اليهودية الحديثة هي في دولة اليهود القديمة دولة داود ودولة المكابيين وإن للعهد القديم موقعاً سياسياً مهماً. كما أن  هذا الكتاب يؤكد على علاقة تاريخية لليهود بفلسطين بينما تجاهل الشتات.
إن الجذور الحقيقية للشتات هي في الشتات، كما ان جذور اليهود الإسرائيليين هي أيضاً تضرب في الشتات وهم واعون دائماً الى أن آباءهم وأجدادهم قد هاجروا من أماكن أخرى وهم ليسوا سكاناً محليين كالفلاحين الايطاليين في ايطاليا أو الدنماركيين.
إن التوتر بين الاشكنازيم والسفارديم والصراع بينهم هو دليل واضح على أنه نموذج للتوتر الذي يحصل في الشتات.
وعلى الرغم من آمال الصهيونيين الرواد في أن تصبح إسرائيل دولة عادية تماماً، فإن ذلك لن يكون لأن الشتات لم يكن عادياً ومهما أراد الإسرائيليون ان يصبحوا إسرائيليين دون أن يكونوا يهود، فإنهم يفشلون لأن العالم ينظر الى إسرائيل على أنها دولة يهودية لها علاقات أساسية ومهمة مع يهود العالم وكذلك الرأي العالمي يربط اليهود في العالم بإسرائيل.
والمهاجرون اليهود الذين هم أغلب السكان سيفرضون على العلمانيين التعامل مع حقيقة أن الهوية الإسرائيلية هي ليست نفسها الهوية اليهودية. وقد أخذ العلمانيون الإسرائيليون يشعرون بأن أهمية العلاقة مع الشتات هي أبعد من الحاجة لجلب المهاجرين وكما أن اليهود تعلموا كي يجعلوا إسرائيل مركزا، فكذلك يجب الاعتراف بالشتات على أنه الأصل والجذر.

مكويا: فرقة يابانية صهيونية By DrJaafar Hadi Hassan   

د.جعفر هادي حسن*           Ikuro Teshima
لايعرف الكثير من الناس أن الفكر الصهيوني قد دخل اليابان كما دخل دولا أخرى. وكان دخوله إليها على ما يبدوعن طريق بعض الذين ذهبوا إلى الولايات المتحدة الأمريكية للدراسة فيها في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. ولكن تأثر هؤلاء لم يكن بالفكر الصهيوني  اليهودي مباشرة وإنما كان تأثرهم  بالصهيونية المسيحية التي كانت قد بدأت بالإنتشار في الولايات المتحدة في هذه الفترة.ويعتمد فكرهذه الصهيونية كما هو معروف على تأويلات حرفية لنصوص الكتاب المقدس.وكان هؤلاء اليابانيون الذين درسوا هناك قد اعتنقوا هذا الفكر وجلبوه معهم عند رجوعهم إلى بلدهم. وأخذوا يعملون على نشره بين المسيحيين في اليابان حيث وجد قبولا عند بعض الفرق المسيحية التي أخذت تظهرفي هذا البلد منذ  بداية القرن العشرين.وكان من هذه الفرق فرقة معروفة بين اليابانيين هي فرقة “مكويا” التي تأثرت بهذا الفكر كثيرا حتى  أصبحت إسرائيل قبلة لأتباعها يتبركون بها ويحتفلون بذكرى إنشائها ولا يتخلفون عن زيارتها. وهم يعتبرونها أعظم معجزة ظهرت في القرن العشرين. وهذه الفرقة اليوم هي من أكثر الفرق المسيحية نشاطا وأوسعها شهرة في اليابان.
وكانت قد ظهرت  في منتصف القرن الماضي(1948) حيث أنشاها رجل ياباني
اسمه (أبراهام) إيكورو تشيما (ت1973).ولا يعرف الشيء الكثير عن حياة الرجل سوى أنه كان تاجرا مسيحيا متدينا انضم إلى حركة مسيحية جديدة تسمى “بدون كنيسة”كان قد أنشأها  كانزوأوشيمورا(ت1930) في بداية القرن العشرين والتي كانت تدعو إلى مسيحية ليس  للكنائس أو القسس فيها دور. وأصبح من الداعين لها و النشيطين فيها كما أصبح من المتأثرين بأفكار كانزو عن طريق أحد تلامذته المعروفين. وكان كانزو قد درس في الولايات المتحدة الأمريكية وتأثر هناك بالفكر المسيحي الصهيوني وكتب عنه في بعض كتبه التي يصل عددها إلى الثلاثين وأحد هذه الكتب كتاب عن نبوءات الكتاب المقدس وإنشاء دولة لليهود في فلسطين. كما أشاد بهرتزل وبالحركة الصهيونية التي أنشأها  وامتدح وعد بلفور واعتبره تمهيدا لظهور دولة المسيح كما كان يؤكد دائما على أن الرب إلى جانب اليهود.
واثناء الحرب العالمية الثانية سافر مؤسس فرقة مكويا إلى الصين وكوريا ولكن لاتعرف أسباب هذه الرحلة ولاالغرض منها .وعند رجوعه طاردته سلطات الإحتلال الأمريكي واتهمته بمحاولة القيام بعمل تخريبي. فصدر أمر بإلقاء القبض عليه فهرب إلى أحد الجبال واختبأ هناك في كهف لعدة أسابيع.وعند رجوعه إلى بلدته وجد أن أمر إلقاء القبض عليه قد ألغي. وأخذ يقول للناس بأنه كان قد سمع صوت الرب يأمره بالرجوع إلى تعاليم الكتاب المقدس الصحيحة وإلى الأصل العبري للمسيحية.وانشأ حلقة لدراسة الكتاب المقدس تطورت فيما بعد  إلى “حركة الإنجيل الأصلية” ثم أطلق عليها الإسم الحالي “مكويا”.والإسم هو ترجمة للكلمة العبرية “مشكن” التي يقصد بها هنا المعنى الديني-التاريخي وهو “الخيمة المقدسة” والتي تسمى أيضا “أهل موعد” بالعبرية والتي كان يوضع فيها تابوت الرب طبقا لما جاء في التوراة.وعلى الرغم من أن الفرقة هي فرقة مسيحية إلا أنها تختلف عن الفرق المسيحية الأخرى في أنها لاتضفي قدسية على بعض الأمور المهمة في المسيحية مثل الصليب والسيدة مريم والأولياء. وأخذت الفرقة تؤكد على الرجوع إلى الأصل العبري للعقيدة المسيحية. وأخذ إيكورو تشيما يعطي للتوراة أهمية كبيرة ويؤكد على تقديس رب إسرائيل والتقرب إلى اليهود والعمل معهم. وهو قد قال في مقدمة أحد كتبه الذي يضم مواعظه” إنه من الضروري لنا أن نعطي احتراما مناسبا لليهود إذا أردنا أن نرجع إلى المسيحية الحقيقية” وقال “إنه من أجل فهم حقيقي للكتاب المقدس لابد من فهم أعمق للعقيدة اليهودية والتاريخ اليهودي.”
وكان قد تأثر ببعض الفلاسفة اليهود مثل مارتن بوبر(ت1965 )وأبراهام هاشل(ت1972 )اللذين التقاهما وتأثر بهما كما أن الفرقة ترجمت أحد كتب هاشل المهمة  إلى اليابانية ونشرته.
ويستعمل أعضاء الفرقة “المنوراه” اليهودية-وهي شعار دولة إسرائيل كما هو معروف- كرمز لها  ويضعونها في مكان بارز أثناء أداء طقوسهم. وهم يستعملونها بدلا من الصليب الذي لايستعملونه. كذلك هم يحتفلون بما يسمى عند اليهود “سمحت توراه”(سعادة التوراة) ولكنهم يسمونه”سمحت مكويا”.و هم يعتبرون السبت يوم راحة ويشعلون الشموع في ليلته كما يفعل اليهود. كما أنهم يستعملون كتاب الصلاة اليهودي في صلواتهم و يطبقون نوعا من الكشروت (الطاهر والحلال طبقا للشريعة اليهودية) و يتعلمون العبرية أيضا. وقد قاموا بتأليف أول قاموس عبري –ياباني. كما أنهم يتخذون لأنفسهم  أسماء عبرية إضافة إلى أسمائهم الأصلية واتخذ مؤسس الفرقة الإسم أبراهام. وهم يهتمون بالأغاني الشعبية الإسرائيلية ويغنونها خاصة أغنية”أورشليم الذهبية” التي ترتبط مناسبتها باحتلال القدس.
وكان إيكورو تشيما قد زار إسرائيل عام 1961 لأول مرة وفي السنة التي تلتها أخذ مجموعة من أتباعه وسكن إحدى المستعمرات لفترة.ومنذئذ تكررت زيارات الفرقة إلى إسرائيل في كل سنة حيث يذهب المئات منهم. كما ترسل الفرقة وفدا كبيرا كل سنة بمناسبة الإحتفال بإنشائها. وعندما يكون هؤلاء في إسرائيل فإنهم يلبسون ملابس باللون الأبيض والأزرق(لوني علم إسرائيل) يرسمون عليها نجمة داود أو المنوراه أو كليهما معا و يطوفون شوارع القدس حاملين العلم الياباني ويغنون أغاني عبرية بصوت عال ملفت لنظرالمارة ومثير لانتباههم وفضولهم.وهم اليوم معروفون جيدا للكثير من الإسرائيليين. وبعض هؤلاء عاش لفترة طويلة في المستعمرات الإسرائيلية لتعلم التقاليد اليهودية واللغة العبرية وفنون الزراعة.وألف بعضهم كتبا عن هذه المستوطنات أشهرها كتاب”شالوم إسرائيل” ألفته واحدة من هؤلاء عام 1965 وأصبح في حينه من أكثر الكتب مبيعا في إسرائيل.كذلك شجعوا اليابانيين على تبني فكرة المستوطنات حيث أنشئت مستوطنة في” أكان” على النموذج الإسرائيلي . كما أسست جمعية بإسم “جمعية القبوصيم”(المستوطنات) ينتمي اليها الألاف من أعضاء هذه الفرقة. وتتبرع هذه الفرقة بالكثير من المساعدات حيث تبنت بعض المستعمرات الإسرائيلية كما هو شأن المنظمات المسيحية الصهيونية.
وقد قابل مؤسس الفرقة في إحدى زياراته إلى إسرائيل رئيس دولتها الأسبق زلمان شازار وعرض عليه أفكاره حول العلاقة المفترضة بين بني إسرائيل القدماء واليابانيين ونسبتهم إليهم. وهو قد وضع أفكاره هذه في كتاب بعنوان”شتات اليهود القديم  قبيلة الهاتاديانتها وتأثيرها الثقافي”. وهو يعتقد بأن قبيلة” الهاتا” أو “الهادا” اليابانية هي نفسها قبيلة يهودا هاجرت في القرن الثالث الميلادي إلى اليابان واستقرت فيها وبقيت متميزة حتى القرن الثاني عشر حيث اندمجت ببقية الشعب الياباني.وهو يقول بأن هذه القبيلة قد أثرت في تراث اليابان وثقافته حتى اللغة لم تسلم من ذلك.
وقبيل حرب عام 1967 أنشأ ما أسماه “لجنة الطوارىء اليابانية لمساعدة إسرائيل” وأثناء الحرب أخذ مساعدات لإسرائيل و ذهب مع مجموعة من أتباعه للدفاع عنها حيث أصيب أحدهم. وبعد الحرب مباشرة دخل إيكورو تشيما القدس بعد احتلال نصفها الثاني وذهب إلى “حائط المبكى” وقدم صلاة شكرهناك وقال “إن هذا اليوم هو أعظم يوم في حياتي”. كما طاف  مجموعة من أتباعه  شوارع القدس وهم يحملون لافتة كتب عليها”نهنئكم على أورشليم الكبرى”.وقد دعت الفرقة الجنرال عوزي نركس مرتين إلى اليابان.وهذا الجنرال هو الذي قاد أول وحدة عسكرية دخلت القدس وأكملت احتلالها وهم يسمونه “محررأورشليم”. وكانوا قد قالوا بعد احتلال القدس عام 67 إن قلوبهم قد خفقت فرحا لاحتلالها وأنه لاحدود لهذا الفرح.كما نظمت الفرقة مظاهرات أمام مقر الأمم المتحدة في نيويورك في عام 1968 وكذلك في عام 1971 تأييدا لإسرائيل. وبعد هجوم بعض أعضاء منظمة الجيش الأحمر الياباني على مطار بن غوريون عام 1972 هرع رئيس الفرقة على رأس وفد إلى إسرائيل ليقدم اعتذاره وتعازيه ويعبر لحكومتها عن غضبه ورفضه لما حدث. كما تبرع بمبلغ من المال لضحايا الهجوم وأنشأ منحة للطلاب الإسرائيليين للدراسة في اليابان.. ومع أنه كان مريضا ونصحه الأطباء بعدم المشاركة إلا أنه أصر على أن يقود مظاهرة من عدة آلاف طافت شوارع طوكيو تأييدا لسياسة إسرائيل في حربها عام 73 مع العرب ومطالبة اليابان بعدم الضغط على اسرائيل أو قطع العلاقات معها.وقد توفي بعد ذلك ببضعة أسابيع. وكانت هذه أول مظاهرة تخرج في اليابان تاييدا لإسرائيل.:ما قدم 37ألفاً من أتباعه عريضة في عام 1975 تطالب بالغاء قرار الأمم المتحدة الذي اعتبر الصهيونية حركة عنصرية.كما أن إيكورو تشيما أرسل ابنه للدراسة في أحد المعاهد اليهودية في الولايات المتحدة الأمريكية. وقد كتبت إسرائيل اسم مؤسس الفرقة في الكتاب الذهبي للصندوق القومي اليهودي مرتين تخليدا لاسمه و تقديرا لخدماته نحوها ومساعدته لها.
وقد أنشأت الفرقة بيوت ضيافة قرب كنائسها يسكن فيها الزائرون خاصة من إسرائيل لفترة معينة دون مقابل..وعندما كانت إسرائيل والمنظمات اليهودية تطالب الإتحاد السوفياتي السابق بالسماح لليهود بالهجرة منه كان المصلون في كنائس هذه الفرقة المطلة على البحر والمواجهة لروسيا يقيمون صلاة خاصة ويتوجهون صوب روسيا يدعون لليهود بأن يسمح لهم بالمغادرة.
ومع أن هذه الفرقة هي فرقة مسيحية أساسا  وتتبنى طقوسا ومعتقدات يهودية إلا أنها أيضا تمارس طقوسا لا علاقة لها بهاتين الديانتين.فالمنتمون لها مازالوا يمارسون طقس المشي حفاة على الجمروهم مايطلقون عليه “الهيواتاري” . وعلى الرغم من وجود هذا الطقس عند جماعات وفئات أخرى لأسباب مختلفة إلا ان هذه الفرقة تعطيه معنى خاصا. فهم يرون فيه “تعبيرا عن الإخلاص لرب التوراة ولأنه كذلك فإنهم يقولون إن الذين يؤدونه لا تحرقهم النارولا تؤذيهم لأن عقيدتهم قوية وإيمانهم عميق. وهم أثناء قيامهم بهذا الطقس يحدقون ب”منوراه” كبيرة وضعت في مكان بارز حيث الموضع الذي يمارسون فيه هذا الطقس.ومن الغريب أنهم أثناء ممارستهم له يغنون أغنية كانت تغنيها عصابة البلماخ الصهيونية التي كانت تحارب العرب في فلسطين قبل ظهور إسرائيل.وهو يدل على عمق تأثرهم بالفكر الصهيوني.
ومن طقوسهم الخاصة التي يؤدونها طقس يسمونه”ميسوجي” وهو الوقوف تحت ماء بارد جدا يصب عليهم لفترة. وهذا التقليد في أصله ياباني ولكنهم يعطون لممارسته سببا روحيا. فهم يقولون عنه بأنه يصقل ذهن الإنسان ويضفي الصفاء على روحه.ولأن له معنى دينيا عندهم فإنهم يقرأون صلاة أثناء أدائه- صلاة عبرية.كما أنهم عرفوا بتصفيف خاص لشعرهم وهوأكثر ما تتميز به نساؤهم.وهم يقدسون مؤسس الفرقة كثيرا وينسبون له أعمالا خارقة تتعلق بشفاء الناس من أمراض مزمنة.
ومن تقاليد أتباع الفرقة التي يلتزمون بها هو أنهم لايتزوجون من خارج فرقتهم وإنما يكون زواجهم فيما بينهم. وهم ربما يريدون بهذا أن يتشبهوا باليهود لاعتقادهم بأنهم من أصول يهودية وأنهم يرجعون في هذا الأصل إلى قبيلة يهودا كما هو رأي مؤسس الفرقة الذي ذكرته سابقا.والإعتقاد بأن أصل اليابانيين يرجع إلى أصول يهودية هو رأي لا ينفرد به إيكورو تشيما وإنما هناك باحثون يابانيون معروفون كلهم أو أغلبهم مسيحيون يرون هذا الرأي وكتبوا حوله دراسات وكتبا. ومن هؤلاء كانزو أوشيمورا الذي ذكرناه سابقا. ومن هؤلاء أيضا نيكادا جوجي(ت1939) وكان قسيسا من المسيحيين الصهيونيين معتقدا بالأصل اليهودي لليابانيين وكان من الذين أيدوا المشروع الصهيوني كما أن أتباعه ساعدوا اللاجئين اليهود الذين لجاوا إلى اليابان أثناء الحرب العالمية الثانية.ومن هؤلاء أويبي زنكيرو(ت1941م) وهومن خريجي جامعات الولايات المتحدة الأمريكية أيضا وكان قد نشر كتابا عام 1929 حول علاقة اليابانيين ب”قبائل إسرائيل الضائعة” وهو يعتقد أنهم من قبيلة غاد ومنسًه. ومن هؤلاء يانيبارا تادوا(ت1961)الذي كان من تلاميذ كانزو ورئيس جامعة طوكيو الأسبق. وهو من المسيحيين الصهيونيين أيضا الذين أشادوا بالحركة الصهيونية وكتبوا عنها واعتبروا مشروعها مشروعا دينيا. ومنهم سيكي يشيرو(ت1965) وهو خريج جامعة أكسفورد ويعتقد أنه أول من قال من اليابانيين بهذه الفكرة.وهو قد نشر بحثا عن هذا الموضوع عام1908م  ذكر فيه أن بعض قبائل بني إسرائيل قد دخلت اليابان في القرن الخامس الميلادي. ويعتقد أن الذين جاءوا من بعده من اليابانيين إنما كانوا قد تأثروا به. وكانت مجلة يابانية شهرية قد نشرت تقريرا من تسعين صفحة عام1987م مدعوما بصورلما يفترض أنه مستوطنات لبعض قبائل بني إسرائيل في اليابان. وأشهر من يبحث ويؤلف في هذا الموضوع من اليابانيين اليوم هو أريماسا كوبو.وربما يكون هؤلاء الباحثين قد تأثروا بآراء المبشر الأسكتلندي نورمان ماكلويد الذي زار اليابان وكتب كتابا عن تاريخ البلد نشره عام 1875م واستدل فيه على العلاقة بين بني اسرائيل القدماء واليابانيين.وقد أنشأ القسيس أقويشي ياتاكاو جمعية عام1990تهتم بهذا الموضوع وتنشر دراسات عنه. وهذه الأفكار يشجعها اليهود خاصة في إسرائيل حيث كتبت كُُتب وأنشئت مؤسسات للبحث عما يسمى بالقبائل العشر الضائعة وكان أحدث هذه الكتب كتاب الفه جوزف أيدلبرغ بعنوانوكان قد صدر في العام  The Biblical Hebrew Origin of the Japanese People. الماضي  وترجمه إلى اليابانية أريماسا كوبو. والبحث عن هذه القبائل المفترضة  يشمل كل القارات دون استثناء.وعلى الرغم من عدم وجود أدلة على اثبات أن هؤلاء هم من نسل أولئك إلا أن المؤسسات الإسرائيلية تنقل هؤلاء طبقا ل” قانون العودة” الإسرائيلي مع أن هذه المؤسسات تفرض عليهم التحول إلى اليهودية قبل وصولهم إلى إسرائيل أو بعد وصولهم إليها.  ويقدر عدد أتباع  فرقة مكويا اليوم بحوالي سبعين الفا أو  أكثر. ولا يقتصر وجودهم على اليابان بل هم يوجدون أيضا في كوريا الجنوبية وتايوان وهاواى وكليفورنيا. ويقدر عدد فروعها بأكثرمن مئة فرع.كما أن الفرقة تصدر مجلتين هما “الانجيل ألأصيل” و”نور الحياة”.

مراجع
1-Parfitt,Tudor, The Lost Tribe of Israel:The History of a Myth,London 2002
2-Eidelberg,Joseph,The Biblical Hebrew Origin of the Japaness People
Jerusalem,2005
3-Encyclopedia Judaica,Year Book 1977-8,Makuya
4-htt:/www.makuya.or.jp/index.htm
*نشرت هذه المقالة في مجلة”الثقافية”-لندن

من مشاكل المهاجرين الروس في إسرائيل د.جعفر هادي حسن

جرت إسرائيل في نهاية الثمانينات وبداية التسعينات من القرن الماضي مايقرب من مليون مهاجر من دول الإتحاد السوفياتي السابق.وقد تبين حسب احصائية المؤسسة الدينية أن مايقرب من ثلث هؤلاء هم ليسوا يهودا طبقا للشريعة اليهودية.وظهرأيضا أن الكثير منهم قد زوروا وثائقهم
حيث جمعت رئاسة الحاخامية الكثير من هذه الوثائق المزورة وأعلنت عنها كما انها أرسلت محققين لدول الإتحاد السوفياتي السابق للتحقق من صحة ادعاء المشكوك فيهم واكتشف أن بعض هذه الوثائق المزورة قد زورت في اسرائيل.وقد مثل هذا العدد من غير اليهود مشكلة لإسرائيل إذ أن الدولة لاتريد مثل هذا العدد الكبير من هؤلاء في مجتمعها اليهودي إذ هي تريد لهذا المجتمع أن يكون يهوديا ويمارس اليهودية ظاهرا على الأقل.خاصة وأنه بمجيئ هؤلاء كثرت الكنائس المسيحية لأن الكثير من هؤلاء مسيحيون أو يهود يسوعيون يؤمنون بعيسى حيث أنشأ هؤلاء كنائس لهم أيضا .وبمجيئ هؤلاء أيضا كثرت محلات بيع لحم الخنزبر وهي اليوم تعد بالعشرات بينما كانت قبل مجيئ هؤلاء تعد على أصابع اليد.والكثير من هؤلاء يفتحون محلاتهم التجارية يوم السبت لأنهم لا يهتمون بذلك .وأهم من ذلك أن الحكومة ترى بأن غير اليهودي في الدولة لايشعر بأنه جزء من المجتمع وأن ولاءه  أقل من ولاء اليهودي لها.وقد حاولت الدولة أن تشجع رئاسة الحاخامية -التي يكون التحول لليهودية عن طريقها-على التسريع بتحويل هؤلاء إلى اليهودية.وقامت من أجل ذلك بانشاء مراكز لتدريس هؤلاء أصول اليهودية وتعليمهم طقوسها وتقاليدها تمهيدا لعملية التهويد وتسهيلا لها.وعلى الرغم من ذلك فإن التسريع المأمول لم يزد عدد المتحولين على بضعة آلاف في السنة.ولذلك يرى بعض الباحثين “بأن التحول عن طريق رئاسة الحاخامية التي تتبنى المذهب الأرثودكس المتشدد سوف لايقود إلى حل المشكلة بل إن حجمها سيتفاقم حيث أن عدد هؤلاء سيزداد بالولادة الطبيعية كلما تقدم الزمن.
وقال آشر كوهن أحد الباحثين المهتمين بهذه القضية إن التحول عن طريق رئاسة الحاخامية سوف لايحل المشكلة لأن الذي يمنع من تحول العدد الكبير من الروس ليس المسائل التنظيمية والفنية بل إن الذي يمنع من ذلك هو الشروط التي تفرضها رئاسة الحاخامية والإلتزامات التي يطلب من يريد التهود أن ينفذها”.
والذين يطلب منهم أن يتحولوا يؤكدون على هذه المشكلة وعلى صعوبة الشروط وشدتها وكثيراً مااشتكوا منها. كالإلتزام الدقيق باستعمال الكوشر (الحلال والطاهر طبقا لليهودية)بكل التفاصيل ودقتها والإلتزام بالحياة الأرثودكسية بحذافيرها.
ولكن بعض هؤلاء لايريدون التحول أولايرون ضرورة لذلك وأعداد هؤلاء كثيرة ايضاً فقد أجري استطلاع بين هؤلاء في العام 2003 وتبين أن57% منهم قالوا أن السبب في عدم تحولهم هو أنهم لايرون حاجة لذلك .وكانت الوكالة اليهودية قد أجرت استطلاعا في السابق بين هؤلاء فوجدت أن اربعين بالمئة قالواقبل الهجرة إلى إسرائيل انهم يريدون التحول ولكن بعد وصولهم كانت النسبة بين ستة إلى سبعة بالمئة.
ويقول الباحث إيش شالوم عن الفرق بين النسبتين ان المهاجرين عندما يصلون يرون مجتمعا غير متدين ولذلك لايرون ضرورة للتهود.وأصبحت قضية تهود هؤلاء قضية عامة يناقشها المهتمون والباحثون كما أصبحت من القضايا التي تثير الجدل بين العلمانيين والمتدينين.فالمتدينون يرون ضرورة تحويل هؤلاء إلى المذهب الأرثودكسي ولايقبلون غير ذلك.ويرى العلمانيون أن لا ضرورة لتهويد هؤلاء من أجل الدخول إلى المجتمع الإسرائيلي واندماجهم فيه وهم يتساءلون فيما إذا كان التهويد ضرورة لكي يدخل الإسرائيلي إلى المجتمع ويندمج فيه. بل إن البعض منهم يتساءلون فيما إذا كان التهود هو الطريق الصحيح للإنضمام إلى المجتمع اليهودي ويرى هؤلاء بأنه يجب أن يكون هناك تفكير حقيقي حول إيجاد طريق بديلة لمن يريد أن يصبح جزءا من الشعب اليهودي وأن هذه الطريق يجب أن لايدخل فيها التحول إلى اليهودية.
ومن الذين يرون هذا الرأي وزير العدل الإسرائيلي الأسبق في حكومة العمال يوسي بلين الذي ينتقد كل المذاهب الدينية اليهودية وليس فقط المذهب الأرثودكسي.وينصب نقده على محاولات هذه المذاهب في أن تهود المهاجرين طبقاً لمذاهبهم التي يؤمنون بها وينتقد كذلك أتباعها على على إصرارهم على أن من يريد أن يصبح جزءا من الشعب اليهودي عليه أن يتحول إلى اليهودية.وهو يرفض ذلك ويرى بأن الإنضمام إلى الشعب اليهودي يجب أن يكون كالإنضمام إلى حركة سياسية أو ناد.ويحاول بيلين ومن يرى رأيه أن يصوغوا هوية جديدة للإسرائيلي لعصر مابعد الصهيونية .ولكن هذه الفكرة مازالت مرفوضة ليس من قبل الدولة حسب ولكن من قبل المجتمع بصورة عامة.
وهناك من الباحثين من يدعو إلى تسهيل عملية التهود واقترح على الرئاسة أن تقتدي بالرئيس الأسبق لمؤسسة الحاخامية الحاخام شلوموغورن الذي سهل عملية تهويد الكثير من غير اليهود الذين كانوا يعملون في المستوطنات الاسرائيلية وكان الشرط الرئيس على هؤلاء أن لايغادروها دون رجعة وإلا تزول عنهم صفة اليهودية.وكان هذا الحاخام صهيونيا وهو قد فضل الصهيونية على اليهودية من أجل جلب مهاجرين أكثر.وبسبب الصعوبة التي يواجهها هؤلاء مع رئاسة الحاخامية فقد اتجهوا إلى اعتناق اليهودية عن المذاهب الأخرى التي هي ليست تحت إشراف رئاسة الحاخامية الأرثودكسية مثل المذهب الإصلاحي والمذهب المحافظ وغيرهما من المذاهب الأخرى التي أصبح وجودها واسعا في إسرائيل رغم محاربة اليهود الأرثودكس لها وعدم اعترافهم بها.والتهود عن طريق هذه المذاهب هو أسهل بكثيرعما هو عند المذهب الأرثودكسي. وعلى الرغم من أن هؤلاء يعتبرون مواطنين طبقا لقانون العودة إذ أن الدولة هي التي جاءت بهم. فهم يدرسون في الجامعات ويخدمون في الجيش ويدفعون الضرائب فإنهم يعانون من مشاكل حياتية كثيرة .ومنها قضية الزواج والطلاق وغير ذلك من قضايا الأحوال الشخصية وغير الأحوال الشخصية فهم لايمكنهم أن يعقدوا زواجا عن طريق رئاسة الحاخامية التي هي وحدها المخولة بذلك فيضطر هؤلاء الى الزواج المدني وهذا غير موجود في إسرائيل فيضطرون إلى الذهاب إلى خارج إسرائيل.
.ليس هذا فقط بل إنهم يلاقون متاعب في الحصول على أزواج لبناتهم أو زوجات لأولادهم.وقال أحد هؤلاء إن ابنته قد انهت الخدمة العسكرية ولايمكنها أن تتزوج في إسرائيل لأنها لاتعتبر يهودية.وقال آخر أنه هاجر إلى إسرائيل بعد الحرب الثانية وحارب مع الهغانا ضد العرب ولكن أحفاده لايعتبرون يهودا بل غوييم(اجانب).
ومن هذه الصعوبات قضية الدفن فهؤلاء لايسمح لهم ان يدفنوا في مقابر اليهود لأن هذه المقابر هي تحت إشراف رئاسة المؤسسة الدينية ولايدفن إلا من يعترف به من قبل هذه الرئاسة .وبسبب هذا المنع فإنهم يحرمون من الدفن قرب أصدقائهم أو أقربائهم بل حتى قرب زوجاتهم – في حالة كون الزوج غير يهودي- أو قرب أزواجهن في حالة النساء – إذا كان الزوج غير يهودي-.  ويقول أحد الجنود إنه من المؤلم كثيرا أن الجندي الروسي الذي يقتل في ساحة المعركة يدفن في كثير من الأحيان خارج المقبرة اليهودية.ومن الحادث التي ذكرت في هذا الخصوص أن روسيا جنديا لم يعترف بيهوديته دفن في مقابر الجيش وعندما نشر الخبر في الصحف ووصل إلى علم رئاسة الحاخامية طالبت هذه بإخراجه للشك في يهوديته وطلبت أن تخرج جثته ويدفن في مكان آخر وهذا ما كان.وفي حينها أثارت هذه القضية ضجة كبيرة واحتجاجاً حتى أن البعض اقترح استثناء الروس غير المعترف بهم من الخدمة في الجيش.واليوم يدفن الكثير من هؤلاء في مقابر المسيحيين وبعض هؤلاء يدفنون في مقابر خاصة أنشأتها البلديات لغير اليهود في مدينة بئر السبع وعسقلان وكذلك يدفنون في مقابر بعض المستوطنات التي ليست تحت سيطرة رئاسة الحاخامية.وبسبب قلة الأماكن المتوفرة لهؤلاء وعدم كفايتها لهم أخذت الكثير من الجثث تبقى محفوظة لفترات طويلة في ثلاجات.وتطلق رئاسة الحاخامية على هؤلاء “أجانب أو جثث مجهولة الهوية”.وقال أحد هؤلاء جئت إلى هذا البلد لأن أبي يهودي وعندما كنت في روسيا كنت أعتبر مواطنا روسيا ولكن الأمر ليس كذلك في إسرائيل فإنني في الواقع يجب أن أتأكد قبل ان أموت أن أدفن في مقبرة وأن لا أرمى مثل الكلاب.إنني في الحقيقة لاأهتم بنفسي ولكني أهتم بوالدي وكان المفروض بالوكالة اليهودية أن تحذرني قبل المجيئ إلى هنا بأني لاأعتبر يهوديا في إسرائيل وأن حياتي في إسرائيل لاقيمة لها.
ويؤكد هؤلاء المهاجرون أن هناك تفرقة ضدهم ويقولون أنهم يعيشون على هامش المجتمع الإسرائيلي وأنهم يعاملون بشكل مختلف عن بقية السكان.ويرى باحثون بأن شعور الشخص بأنه غير يهودي وفي مجتمع يهودي قد أصبح مشكلة تضرب عميقا في نفسية الذين لايعترف بهم.ويرى كدمي وهو رئيس إحدى المنظمات التي تهتم بأوضاع المهاجرين الروس أن مشكلة الروس غير المعترف بهم هي مشكلة أبعد من قضية الزواج والطلاق والفن إذ هي تبدأ من المدرسة.فالتلميذ الذي ليست أمه يهودية لايعتبر يهوديا في نظر التلاميذ الآخرين وما يحدث لتلميذ غير يهودي (من مشاكل)
بين تلاميذ يهود هوشيئ معروف فهو في أعينهم يعتبر أجنبيا وغريبا.وفي مجتمع يهودي فإن هذا التوصيف يضع وصمة على المهاجرين الروس.كما أن الطفل يضل يتساءل كيف يمكن أن يكون غير يهودي مع أن عائلته هاجرت طبقا لقانون العودة.وكيف يمكن أن يهاجر شخص طبقا لقانون العودة ولايعترف به يهوديا.ويقول بعض الطلاب من أبناء هؤلاء أنه في اللحظة التي يعرفك زملاء المدرسة أو الجيش بأنك روسي أو أوكراني وأنك لست يهوديا فإنهم ينظرون اليك نظرة مختلفة تتسم بالسلبية والرفض ويبدأون بالإبتعاد عنك حتى البنات تبدأ بالإبتعاد عنك أيضا ولايردن التعامل معك.ويقول كدمي إن هذه الوصمة تتكرر عندما يدخل هؤلاء الجيش.ففي احتفال قسم الجنود للولاء للدولة فإن الجنود اليهود يحملون التوراة في يد والبندقية في اليد الأخرى ولكن المهاجر غير المعترف بيهوديته إما أن يحمل إنجيلا أولايحمل شيئا وفي كلتا الحالتين فإنه سيشعر بأنه مختلف عن الآخرين وأنه من القلية وهذا الشعور ليس من السهل تحمله.ولما كان المهاجر يرى بأن ابنه يعتبر من الدرجة الثانية في الوطنية فكيف يشعر أنه في بلده وكيف لايشعر بالإهانة.والبضعة آلاف الذين يتحولون كل سنة إنما يقومون بذلك من أجل أولادهم حتى يقبلوا في المجتمع.ومن القضايا التي أخذوا يقومون بها هو أنهم أخذوا يجرون عملية الختان لهم حتى لايشعر أولادهم بالتفرقة التي ذكرت أعلاه إذ أن من يكون مختونا يفترض فيه أن يكون يهوديا وأخذ بعض الآباء أيضا يختنون أنفسهم في الوقت نفسه مع أولادهم. فهم كثيراً مايواجههم اليهود بالسؤال فيما إذا كانو مختونين إذ أن الختان في الشريعة اليهودية يسمى “بريت ملاَه” وهو يعني عهداً أو عقداً بين اليهودي وربه. ومن المشاكل التي يواجهها هؤلاء هو العدد المتزايد من المسيحيات اللائي طلقهن أزواجهن اليهود حيث يعتبرن مقيمات غير شرعيات بعد الطلاق.وبسبب هذه المشاكل ترك الكثير من هؤلاء اسرائيل ورجعوا إلى بلدانهم من دول الإتحاد السوفياتي السابق خاصة إلى روسيا.وبعضهم هاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية.ولكن البعض منهم طلب اللجوء إلى هولندا وبعضهم إلى جمهورية جنوب أفريقيا وآخرون إلى بلجيكا وبعضهم غادر إلى كندا وقدم طلب اللجوء هناك كما قدم بعضهم مثل هذا الطلب في اسكتلندا.وتذكر بعض المنظمات التي تهتم بمشاكل هؤلاء أن أعدادا غير هؤلاء غادرت إسرائيل لسبب أولآخر ولم يسلط عليها الإعلام الضوء..
وقد مثل وجود هذا العدد الكبير من الروس غير اليهود ظاهرتين فهم يعتبرون مواطنين ويخدمون في الجيش ويدفعون الضرائب وفوق هذا كله يتكلمون العبرية
وهي ظاهرة لم تحدث في تاريخ اليهود .فالفلسطينيون يتعلمون العبرية مضطرين وليسوا مختارين كما انهم لايخدمون في الجيش ولكن هؤلاء ليسوا مضطرين للاحتفال بالاعياد والمناسبات الدينية.كما برزت ظاهرة أخرى هي ظاهرة الزواج المختلط أي زواج اليهود من غير اليهود وهذه الظاهرة عادة ملتكون خارج اسرائيل بين الجاليات اليهودية جيث يتزوج أفراد هذه الجماعت من أبناء وبنات المجتمع غير اليهودي- ألأوربي أو الأمريكي مثلا- الذين يعيشون فيه وما يحدث في إسرائيل سببه وجود عدد كبير من المهاجرين غير اليهود.وأصبحت هذه الظاهرة تقلق المسؤولين الإسرائيليين لأنها تقود إلى الإندماج في غير اليهود ولذلك أخذ المهتمون بهذه القضية والباحثين يعقدون الندوات والمؤتمرات لدراستها ووضع الحلول لها.فقد عقد مؤتمر في جامعة بار إيلان تحت عنوان الإندماج الإسرائيلي0وهو هنا يقصد به مايقع داخل اسرائيل).وقد فيه أنه إضافة إلى الروس غير اليهود الذين يتكلمون اللغة العبرية هنلك مايقرب من من 280 ألفا من العمال الجانب الذين هم غير يهود ولهؤلاء خمسة آلاف طفل مولودين في إسرائيل وبسبب هذه المشكلة أنشئ مركز باسم “مركز رابورتوت لدراسة الإندماج.وينتقد بعض أعضاء الكنيست قانون العودة لأنه في رأيهم يوفر فرصة لغير اليهود للهجرة إلى إسرائيل وطالب هؤلاء أن تكون الهجرة من روسيا لليهود الذين تثبت يهوديتهم فقط بل اقترح هؤلاء أن ترجع اسرائيل الذين يشك بيهوديتهم.وقال الناطق باسم الحكومة أنها لاتفكر بارجاع أي واحد من هؤلاء حتى لاتمر فرصة الذين يستحقون الهجرة كما أن إرجاعهم سيجعل روسيا تشدد على المهاجرين أو تمنعهم من الهجرة.ومن هؤلاء من قال إن قانون العودة أصبح غير ملائم للظروف الحالية ويجب أن يغير حيث يحدد عدد المهاجرين بنسبة معينة لكل سنة ويجب أن تعطى الأولويو لأصحاب الإختصاص أما غير هؤلاء ممن يريد الهجرة عليه أن ينتظر إذ على غسرائيل أن تكون دولة مثل بقية الدول وعليها أن تكون دولة متحضرة لامكان فيها للاجئين يبحثون عن تحسين أوضاعهم الإجتماعية والإقتصادية .بينما قال الوزير السابق يولي أيدلشتاين عن الوكالة اليهودية بأنها تهجر غير اليهود عن عمد من أجل أن تحقق النسبة المطلوبة منها وتبرر وجودها.فهي تقوم بالبحث عن المهاجرين في أرياف الإتحاد السوفياتي السابق وتشجع الناس على أن يبحثوا في تاريخ عوائلهم وشجرة أنسابهم علهم يجدون جدا يهودية أو جدة يهودية.
وبسبب المعاملة التي يلقاها هؤلاء رئاسة الحاخامية ومن الدولة-التي لاتتدخل لحل مشاكلهم -قرر الكثير منهم الرجوع إلى روسيازوبلدان الإتحاد السوفياتي السابق.كما هاجر الكثير منهم إلى الولايات المتحدة الأمريكية على تالرغم من الصعوبات التي يواجهونها.وقد أجرى استطلاع بينهم في التسعينات تبين أن ثلثهم يريد مغادرة إسرائيل.
ومما يلفت النظر أن بعض هؤلاء غادروا البلد وطلبوا اللجوء السياسي إلى بلدان أخرى.ففي عام 1991 غادر إسرائيل مجموعة من هؤلاء إلى هولندا وطلبوا اللجوء السياسي واتهموا اسرائيل بالتفرقة العنصرية وعدم حصولهم على عمل منذ وصولهم اليها.
وفي العام نفسه غادر اسرائيل حوالي 250 منهم إلى أفريقيا الجنوبية وقدموا طلبا للجوء فيها وعلى الرغم من الصعوبات التي لاقوها فإن البعض منهم بقي هناك.كما غادر في عام 1992حوالي 270 شخصا اسرائيل إلى ألماني وطلبوا حق اللجوء السياسي وعلى الرغم من أن الحكومة لم توافق على طلبهم إلا أنها لم تطلب المغادرة منهم.كما غادر مايقرب من ستمئة من هؤلاء إلى بلجيكا وقد وصل هؤلء دون أن تكون معهم مال وقالوا عن سبب ذلك إنهم دفعوا كل ماعندهم إلى الوكالة اليهودية حيث طلب منهم دفع ما أنفقت عليهم الدولة وقد اتهمت بعض المنظمات اليهودية هؤلاء أنهم جاءوا على حساب منظمات مسيحية ولكنهم أنكروا ذلك وقالوا إنها دعاية الوكالة اليهودية وقالوا إنهم اضطروا لطلب المساعدة من المنظمات المسيحية لأنهم لم يحصلوا على أية مساعدة من المنظمات اليهودية على الرغم من طلبهم منها ذلك.كما اللجوء السياسي إلى كندا حوالي ألف منهم وقالوا في سبب ذلك أنهم واجهوا تفرقة إذ ان اليهود لايعترفون بهم وقد قبلت مقاطعة كيوبك 95% من طلبات هؤلاء.وقد تبنت الدفاع عنهم محامية إسرائيلية وقالت في دفاعها عنهم إنهم يواجهون تفرقة عنصرية شديدة في السكن والعمل والتعليم والصحة ونفت وزارة الداخلية في حينها هذه الإتهامات واعتبرت قبول كندا لهؤلاء شيئا غير مفهوم.كما احتجت وزارة الخارجية أيضا على ذلك أيضا واعتبرت قبول هؤلاء كلاجئين فضيحة ومن اليهود من قال إن قبول هؤلاء في مقاطعة كيوبك سببه عدم مودة الفرنسيين لليهود لأن سكان كيوبك هم من الفرنسيين ولذلك قبلت هذه المقاطعة هؤلاء دون غيرها من المقاطعات الكندية الأخرى.
كما قدم بعض المهاجرين في عام 2005 طلبا للجوء في اسكتلندا ولكن طلب اللجوء رفض وطبقا لما تذكره بعض منظمات المهاجرين الروس في إسرائيل فإن أعدادا أخرى غير هؤلاء غادرت وتغادر إسرائيل لسبب أو لآخر ولم يسلط الإعلام عليها الضوء
وهناك أيضا كثير من النساء الروسيات المسيحيات اللائي جئن مع أزواجهن اليهود ولكنهن طلقن بعد فترة وهن اليوم معرضات للطرد من إسرائيل.وتقول الدولة إن هؤلاء منحن الجنسية لأنهن متزوجات من يهود فإذا طلقن فإنهن يصبحن عرضة للطرد والتسفير وعدد هؤلاء النساء في ازدياد.

لوبي اسرائيل في الولايات المتحدة  د.جعفر هادي حسن  

**  هذا عنوان مقال مهم حول لوبي اسرائيل (جماعة الضغط) في الولايات المتحدة الامريكية كتبه أستاذان
امريكيان معروفان هما جون مارشايمر من جامعة شيكاغو وستيفن وولت من جامعة هارفارد. وقد ورد في المقال آراء جريئة حول دور هذا اللوبي في سياسة الولايات المتحدة الخارجية وتأثيره عليها. كماانتقد الكاتبان هذا التأثير بصراحة قل ان توجد بين اساتذة الجامعات وغيرهم في هذا البلد. وقد نشر المقال في آذار- مارس ـ الماضي في أكثر من مجلة غربية وترجم إلى أكثر من لغة. وبعد نشره مباشرة كتب كتاب يهود وغير يهود من المتعاطفين مع إسرائيل في اكثر من بلد مقالات ناقدة له ولكاتبيه بل واتهم الكاتبان بالعداء للسامية.وهنا ابرز النقاط الرئيسة والمهمة التي جاءت فيه . منذ عقود، بخاصة منذ حرب العام1967 تمثل العلاقة مع اسرائيل، القضية الرئيسة لسياسة الولايات المتحدة الاميركية في الشرق الاوسط، ما أثارغضب العالم العربي والاسلامي وأثر ليس على أمن الولايات المتحدة الاميركية بل وعلى أمن العالم أيضا. وهذه الحالة ليس لها مثيل في تاريخ الولايات المتحدة. ولكن لماذا تريد الولايات المتحدة ان تضر بمصالحها وبمصالح كثير من حلفائها في سبيل تحسين مصالح دولة اخرى؟ ربما يعتقد البعض ان السبب هو المصلحة الاستراتيجية المشتركة او الضرورة الاخلاقية ولكن السببين لا يفسران المستوى العالي من المساعدة المادية والدبلوماسية التي تقدمها الولايات المتحدة لإسرائيل.  ان اللوبي الاسرائيلي يؤثر على سياسة الولايات المتحدة تأثيراً لا يؤثره أي لوبي آخر إذ هو أقنعها بأن مصالح البلدين هي واحدة.ولذلك فإن مساعدات الولايات المتحدة لاسرائيل منذ العام 1973 قزمت كل المساعدات لأي بلد وقد وصلت هذه المساعدات الى مائة وأربعين مليار دولارا حتى العام 2004 وهي تستلم كل سنة 500 دولار لكل فرد من سكانها، وتستلمها دفعة واحدة على خلاف المساعدات للدول الاخرى. ولها حق استعمالها في أي شيء تريد دون شرط وهي أحيانا تستعملها في أغراض مخالفة لرغبة الولايات المتحدة، التي غضّت وتغض النظر عن سلاح اسرائيل الذري وتسمح لها ان تطلع على قضايا أمنية سرية لا يطلع عليها حتى حلفاؤها من الناتو. كما انها دائما تؤيد اسرائيل دبلوماسيا.فهي صوتت ضد قرارات مجلس الامن التي تدين اسرائيل اثنتين وثلاثين مرة مند العام 1980 وهذا الرقم هو اكثر من كل المرات التي صوتت فيها دول مجلس الامن مجتمعة، وتقف الولايات المتحدة ضد كل محاولات الدول العربية لتقديم قضية السلاح الذري الاسرائيلي لمجلس هيئة الطاقة الذرية.وهي تمد يد المساعدة لإسرائيل عند قيام حرب كما حصل العام 1973، كما ان امريكا كانت هي المحاور الرئيس لايقاف الحرب وكذلك في اتفاقيات اوسلو حيث تتخذ دائما الجانب الاسرائيلي، حتى ان بعض الامريكيين اعترفوا بأنهم كانوا يقومون بمهمة محامي الدفاع عن اسرائيل في محادثات كامب ديفيد، العام 2000. اسرائيل عبء ثقيل ان مساندة اسرائيل تعقّد علاقة الولايات المتحدة مع الدول العربية وتوترها حيث كان ايقاف تدفق النفط العام 1973الذي احدث ضررا كبيرا في اقتصاد الغرب، أحد نتائج هذه العلاقة. كما ان اسرائيل لا يمكنها ان تحفظ مصالح الولايات المتحدة في المنطقة، فلم تتمكن واشنطن من الاعتماد على اسرائيل عندما قامت الثورة الاسلامية في ايران وهددت أمن المنطقة وتدفق النفط واضطرت الولايات المتحدة ان تنشئ “قوة الانتشار السريع«. كما اظهرت حرب الخليج الاولى ان اسرائيل هي عبء استراتيجي، فالولايات المتحدة لم تتمكن من استعمال قواعدها العسكرية من دون ان تثير مشاعر الدول التي اشتركت معها في الحرب ضد العراق واضطرت الى نصب صواريخ باتريوت فيها حتى لا تشارك في الحرب حيث كانت راغبة في ذلك كما كانت راغبة في الدخول في الحرب لاحتلال العراق العام 2003. وتبرر الولايات المتحدة مساندتها لإسرائيل في أنها تساعدها في محاربة الارهاب الذي يأتي من الدول العربية والاسلامية وكذلك ضد ما يسمى بالدول المارقة التي تساند هذه الجماعات والتي تسعى بدورها للحصول على اسلحة دمار شامل. وهذا في الواقع يعطي اسرائيل حرية واسعة في طريقة التعامل مع الفلسطينيين حيث لا ضغط عليها في توقيع اتفاقية سلام وتستمر بقتل الفلسطينيين وسجنهم حيث يصور العدو على انه عدو للاثنين. ولكن الواقع هو ان اسرائيل عبء ثقيل في هذا. ان “الارهاب” ليس جماعة واحدة بل هو مكون من جماعات ذات اتجاهات سياسية مختلفة. فـ “الارهاب” الذي يهدد اسرائيل لا يهدد الولايات المتحدة الا اذا تدخلت ضد من يقوم به ( مثل حزب الله في لبنان العام 1982( ثم ان ما يقوم به الفلسطينيون ليس عنفا بدون هدف ضد اسرائيل او الغرب بل هو رد على ما تقوم به اسرائيل من احتلال للضفة الغربية وغزة، وأحد الاسباب المهمة لما تواجهه الولايات المتحدة الاميركية من اعمال عنف هو علاقتها مع اسرائيل وهذا في الواقع يجعل الانتصار على الارهاب صعبا. اما بالنسبة الى الدول “المارقة” في الشرق الاوسط فإنها لا تؤثر على مصالح الولايات المتحدة بل هي تؤثر على مصالح اسرائيل كما ان هذه الدول لو حصلت على سلاح ذري وقامت حرب فإنها ستتلقى رداً مكلفا وتسريب السلاح الذري للارهاب احتمال بعيد جدا. ومساندة الولايات المتحدة لاسرائيل يجعل موقفها معقدا مع هذه الدول كما ان وجود سلاح ذري عند اسرائيل هو احد الاسباب لمحاولة بعض هذه الدول الحصول على السلاح نفسه كما ان التهديد بتغيير النظام يجعل هذه الرغبة أقوى. و اسرائيل لا تسلك سلوك الحليف فهي دائما تتجاهل طلبات وتنقض اتفاقات (مثل رفضها ايقاف بناء المستوطنات واغتيال الشخصيات الفلسطينية) وهي قد زودت منافسين للولايات المتحدة مثل الصين بتقنية عسكرية حساسة. وقامت بعمليات تجسسية ضدها دون تحفظ حيث لم يقم بها أي حليف آخر على الاطلاق. مثل ما قام به جونثان بولارد الذي سرّب لاسرائيل اسراراً كثيرة من الملفات السرية في الثمانينيات من القرن الماضي (ويقال إن بعضها سرّب للاتحاد السوفياتي السابق من أجل منح اليهود تأشيرات دخول الى اسرائيل) وكذلك ما قام به لاري فرانكلن الموظف في البنتاغون العام 2004 الذي مرّر اسرارا عسكرية لدبلوماسي اسرائيلي بواسطة منظمة “أيباك” وهذا يلقي ظلالاً من الشك على القيمة الاستراتيجية لإسرائيل. ولكن المؤيدين لها يعطون اسبابا أخرى لمساندتها غير ما ذكر. منها انها تستحق التأييد لأنها دولة ضعيفة محاطة بأعداء ومنها انها دولة ديمقراطية ومنها ان اليهود قد عانوا من اجرام تاريخي بحقهم. ولذلك فهم يستحقون معاملة خاصة. ويضيفون الى ذلك بأن سلوك اسرائيل هو اكثر أخلاقية من أعدائها ولكن هذه الاسباب غير مقنعة اذا نظر اليها نظرة متفحصة. اسرائيل ليست في خطر واسرائيل دائما تمثل على انها داود مقابل جالوت ولكن العكس هو الصحيح والصهاينة كانت عندهم اسلحة أفضل مما كان عند العرب أثناء الحرب العربية اليهودية 1947-1948 كما ان الاسرائيليين انتصروا على مصر بسرعة العام 1956 وضد مصر وسوريا والاردن العام 1967. كما ان اسرائيل اليوم هي أقوى دولة في الشرق الاوسط ولها معاهدات مع مصر والاردن،كما أن السعودية عرضت عليها اتفاقية سلام كذلك لم تعد روسيا مساندة للعراق ولا لسوريا، والعراق كان في حروب وما زال وايران بعيدة عنها آلاف الاميال والفلسطينيون ضعفاء. فهي استراتيجياً افضل تماماً من الآخرين .وهناك هوة بينها وبين جيرانها. واذ كان من الضروري مساعدة الضعيف فمن الاولى مساعدة اعدائها. واذا كانت اسرائيل دولة ديمقراطية محاطة بدكتاتوريات فهناك ايضا دول اخرى غيرها ديمقراطية ولكنها لا تحصل على مساعدة الولايات المتحدة بالمستوى نفسه الذي تحصل عليه اسرائيل. كما ان الولايات المتحدة قد أطاحت بحكومات ديمقراطية وساندت ديكتاتوريات في السابق عندما اعتقدت بأن ذلك يحقق مصالحها. و انها اليوم لها علاقة جيدة مع حكومات ديكتاتورية. وهناك بعض الجوانب في ديمقراطية اسرائيل لا تتفق مع القيم الاميركية التي يتمتع وفقها المواطن بالمساواة مع غض النظر عن دينه وجنسه ولونه، فاسرائيل أنشئت على انها دولة يهودية والمواطنة مقننة على اساس من علاقة النسب والدم فقط ولذلك فإن مليون وثلاثمئة الف من العرب يعاملون كمواطنين من الدرجة الثانية. حجة معاناة اليهود اما التبرير الثالث الذي يقول ان اسرائيل انشئت بسبب معاناة اليهود بخاصة أثناء المحرقة (الهولوكوست) وان انشاء دولة لهم يجعلهم اكثر أمنا فهذا هو ما يراه الكثير من الناس وهو عمل مناسب كرد على الاجرام الذي ارتكب بحق اليهود. ولكن هذا في الوقت نفسه قد خلق اجراما جديدا بحق شعب آخر بريء بصورة عامة وهو الشعب الفلسطيني. وهو شيء اعترف به الزعماء الاسرائيليون الاوائل. فقد قال بن غوروين لناحوم غولدمان رئيس المؤتمر اليهودي العالمي السابق: »اذا كنت انا زعيما عربيا فإنني سوف لا أقيم صلحا مع اسرائيل وهذا شيء طبيعي لأننا أخذنا بلدهم، فنحن نرجع الى اسرائيل (القديمة) ولكن هذا كان قبل الفي سنة وعانينا من العداء للسامية وكان هناك هتلر والنازيون ومعسكر (اشويتز) ولكن هل كان هذا ذنبهم؟ انهم يرون شيئا واحدا وهو اننا جئنا وسرقنا وطنهم فلماذا يقبلون ذلك” كما ان انكار وجود الفلسطينيين قد تكرر على لسان زعماء اسرائيل وان اسحق رابين لم يعرض عليهم دولة ذات سيادة وحتى عرض ايهود باراك الذي قيل عنه انه عرض كريم لو تحقق لخلق بانوستانات (كانتونات) تحت السيطرة الاسرائيلية. إن تاريخ اليهود المأساوي لا يحتم على الولايات المتحدة ان تساعد اسرائيل في كل عمل تقوم به مهما كان. تكسير العظام ان اسرائيل تصور نفسها على انها تبحث عن السلام في كل زاوية والعرب يقومون بعمل شرير، ولكن اسرئيل عند انشائها قامت بارتكاب تطهير عرقي واعدامات، كما اغتصب الجيش نساء فلسطينيات. وأعمال اسرائيل بعد ذلك نحو الفلسطينيين كانت شرسة وبعيدة عن أية ادعاء بالتفوق الاخلاقي. وبنظرة موضوعية فإن معاملتها للفلسطينيين في الماضي والحاضر لا توفر أساسا اخلاقيا لهذه المعاملة الخاصة، فمثلاً ان اسرائيل قد قتلت بين الاعوام 1949 و1965 بين 2700 الى 5000 آلاف متسلل عربي اكثرهم غير مسلحين، وان الجيش الاسرائيلي قتل مئات الاسرى المصريين في حربي العام 1956 و1967. وفي حرب العام 67 طردت اسرائيل بين مئة ألف ومئتي ألفا من الفلسطينيين وطردت 80 ألفاً من السوريين من الجولان. وخلال الانتفاضة الاولى وزعت اسرائيل عصا خاصة لكسر عظام الفلسطنيين المحتجين. ويقدر بعض المنظمات ان ما بين ستة ألاف وتسعة ألاف من الاطفال احتاجوا الى علاج طبي لجروحهم اثناء الانتفاضة وكان ثلثهم تقريبا تحت عمر العشر سنوات. واما عن الانتفاضة الثانية فقد قالت هاآرتس ان اسرائيل جعلتها ماكنة قتل مخيفة وصادمة. واستعمال الفلسطينيين لـ »الارهاب« هو خطأ ولكن غيرمستغرب لأنه لم تترك لهم وسيلة اخرى على اجبار اسرائيل على الاستجابة لمطالبهم، كما اعترف يوما ايهود باراك حيث قال »لو كنت قد ولدت فلسطينيا سأنضم الى منظمة ارهابية«.  واذا لم يكن السبب استراتيجيا او اخلاقيا فكيف نوضح تأييد الولايات المتحدة لاسرائيل؟ ان توضيح ذلك هو قوة اللوبي الذي ليس له مثيل. واللوبي يستعمل هنا بشكل مختصر وعام للإشارة إلى تحالف مجموعة من الافراد والمنظمات يعمل بنشاط لجعل سياسية الولايات المتحدة الخارجية لصالح اسرائيل. ولا يعني ان هذا اللوبي له مركز وزعيم معين كما لا يعني ان يهود اميركا (كلهم) هم جزء من هذا اللوبي، لقد اسس اليهود الامريكيون مجموعة من المنظمات المهمة التي هي جزء من اللوبي مثل اللجنة الاميركية الاسرائيلية للشؤون العامة AIPAC وكذلك مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الكبرى وهاتان المنظمتان تؤيدان حزب الليكود وسياسته التوسعية.  المسيحيون الصهيونيون والمحافظون الجدد. ان منظمة  AIPAC هي اكثرهذه المنظمات قوة وأشهرها، حتى انه في العام 1997 أجرت مجلة FORTUNE استطلاعا بين أعضاء الكونغرس وموظفيهم عن أكثر المنظمات تأثيرا فجاءت أيباك في الدرجة الثانية على مستوى الولايات المتحدة الاميركية كلها. وجاءت النتيجة نفسها في العام 2005.ولوبي اسرائيل لا يقتصر على اليهود فقط بل ان من اعضائه مسيحيون صهيونيون وكذلك محافظون جدد. وهذا اللوبي يعمل كما يعمل اي لوبي آخر ولكنه يتميز باستراتيجيتين اثنتين فهو يقوم بضغط مؤثر وممتاز على المسؤولين التنفيذيين في الحكومة وفي الكونغرس ومن جانب آخر يقوم بمحاولات جاهدة للتأكد من ان الخطاب العام يعرض صورة اسرائيل بشكل ايجابي كالتأكيد على القصص الاسطورية حول انشائها واشاعة وجهة نظرها فيما يدور من نقاش حول سياستها و في منع نقد تلك السياسة. ووصل تأثير اللوبي في الكونغرس الى حد انه لا يسمع على الاطلاق أي نقد لسياسة اسرائيل. وأحد أسباب ذلك هو وجود أعضاء في الكونغرس هم من المسيحيين الصهيونيين بين هؤلاء مثل دك آرمي الذي قال في العام ٢٠٠٢ »ان أولويتي هي الحفاظ على اسرائيل« وهناك اعضاء كثر غيره يعملون على جعل سياسة الولايات المتحدة لصالح اسرائيل. كما ان موظفي اعضاء الكونغرس ايضا يلعبون دورا مهما في ذلك. وقد اعترف بذلك رئيس”أيباك” السابق. ان منظمة” ايباك” تشكل العصب الرئيس لتأثير لوبي اسرائيل على الكونغرس ونجاحها يعود الى قدرتها على مكافأة المرشحين لعضوية الكونغرس الذين يؤيدون سياسة اسرائيل وعقاب من يرفض ذلك، وأيباك تعمل على التأكد من ان اصدقاءها يحصلون على مساعدة مالية مجزية من الجمعيات الكثيرة التي تؤيد اسرائيل، وهي تحرص كذلك على كتابة الرسائل لهؤلاء وتشجع محرري الصحف على كتابة تعليقات في صالح المرشحين المؤيدين لاسرائيل. وان التأثير على الكونغرس يكون في جوانب اخرى حيث قال أحد مسؤولي ايباك السابقين انه لشيء عادي ان يتصل اعضاء الكونغرس بأعضاء من ايباك للحصول على معلومات قبل الاتصال بأية جهة اخرى. كما ان اعضاءها كثيرا ما يكتبون خطابات اعضاء الكونغرس ويساعدون في صياغة القوانين ويقدمون استشارات في طريقة العمل ويقومون بالبحث الى غير ذلك.  وخلاصة القول ان ايباك هي في الواقع عميلة لدولة اجنبية لها »قلعة« في الكونغرس والنتيجة ان السياسة الاميركية نحو اسرائيل لا تناقش حتى لو كانت هذه السياسة ذات تأثير على العالم. وقد قال احد اعضاء الكونغرس السابقين: لا توجد سياسة نحو اسرائيل الا تلك التي تطلبها منك ايباك. والجانب الآخر للوبي هو الاصوات اليهودية للمرشحين ومع ان نسبة اليهود الى السكان هي اقل من ٣في المئة فإنهم يتبرعون بمبالغ طائلة للمرشحين من الحزبيين. وقد قدرت الواشنطن بوست ان المرشحين الديمقراطيين يعتمدون على60 في المئة على الاموال اليهودية. كما ان اليهود يصوتون بنسبة عالية ويتركزون في مناطق رئيسة مثل كاليفورنيا وبسبب ذلك يتودد لهم المرشحون. نفوذ اللوبي ومن الامور المهمة، التي تقوم بها منظمات اللوبي، التأكد من ان الذين ينتقدون اسرائيل لا يحصلون على وظائف مهمة في مؤسسات صنع القرارات التي تتعلق بالعلاقات الخارجية، ولذلك فإن مثل هؤلاء يضطرون الى التحول لتأييد اسرائيل ويصبح الناقدون نادرين. وخلال رئاسة كلينتون فإن الذين شكلوا سياسة الولايات المتحدة في الشرق الاوسط كانوا مؤيديين لاسرائيل مثل مارتن انديك الذي كان في السابق نائبا لرئيس ايباك وأحد مؤسسي معهد  WINEP المؤيد لاسرائيل وكذلك دنيس روس (المبعوث الاميركي السابق للشرق الاوسط) وأحد المسؤولين في المعهد المذكور وكذلك هارون ميلر الذي عاش في اسرائيل لفترة ويزورها دائماً وكان هؤلاء أقرب المستشارين لكلينتون في كامب ديفيد2000. ولذلك كان الفلسطينيون يشكون اثناء المحادثات بأنهم يجرونها مع فريقين اسرائيليين أحدهما تحت علم اسرائيلي والآخر تحت علم اميركي. والحال اكثر وضوحا في ادارة بوش حيث أن ضمن ادارته مجموعة من المتحمسين لاسرائيل مثل اليوت ابرامز وجون بولتون ودوغلاس فيث ولويس لبي وريتشارد بيرل وبول وولفوفتز وديفيد ورمسر. واللوبي ايضا يعمل على السيطرة على الاعلام. ويقول الصحافي إرك الترمان ان هناك ستين صحافيا من كتاب الاعمدة والمحللين الذين يؤيدون اسرائيل دون لحظة تردد. وهو قد وجد خمسة من الصحافيين فقط من الذين يمكنهم ان ينتقدوا اسرائيل ويعرضوا وجهة نظر العرب. ولذلك فإن وول ستريت جنرال وشيكاغو صن تايمز وواشنطن تايمز تنشر بانتظام مقالا رئيسا بقلم التحريرمؤيدا بقوة لاسرائيل. ومن أشهر المجلات التي تدافع عن اسرائيل دائما مجلة كومنتري ونيوزبويك وويكلي ستندارد. وكثيرا ما يكون مقال رئيس التحرير في النيويورك تايمز منحازا لاسرائيل. وقد اعترف رئيس التحرير السابق ماكس فرانك بتأثير يهوديته على مقالته حين قال “انا مؤيد لاسرائيل تأييدا عميقا اكثر مما أعلن عنه… وقد كتبت بنفسي اكثرالتعليقات عن الشرق الاوسط.. وكتبتها من وجهة نظر اسرائيلية”  طموحات اللوبي ان استمرار تأييد الولايات المتحدة لاسرائيل ضد الفلسطينيين هو قضية مهمة بالنسبة الى اللوبي. ولكن طموحهم لا يقف عند هذا الحد اذا انهم يريدون ان تساعد الولايات المتحدة اسرائيل كي تكون القوة الاعظم في الشرق الاوسط. وقد عمل هذا اللوبي مع حكومة اسرائيل والمنظمات الاسرائيلية سوية لتشكيل سياسة الولايات المتحدة نحو العراق وسوريا وايران اضافة الى خططه الكبرى في تغيير خارطة الشرق الاوسط. ومن اجل عدم نشر الاخبار التي ليست لصالح اسرائيل، فإن اللوبي ينظم كتابة الرسائل وكذلك التظاهرات ومقاطعة المؤسسات التي يعتقد ان في اخبارها شيئا ضد اسرائيل. وقد قال احد مدراء الـCNN »لقد وصلنا في يوم واحد ستة آلاف رسالة الكترونية تشكو من خبر أذعناه” كما ان اللوبي نظم تظاهرات في ثلاث وثلاثين مدينة ضد الراديو الوطني لخبرٍ اذاعه عن اسرائيل. فالاخبار تراقب من قبل احدى منظمات هذا اللوبي وهي منظمةCAMIRA .  وللوبي تأثير على مراكز ومؤسسات بحثية مهمة مثل معهد بوركنز ومركز السياسة الامنية ومعهد البحوث للسياسة الخارجية ومؤسسة التراث ومعهد تحليل السياسة الخارجية والمعهد اليهودي لشؤون الامن القومي. ولأن اللوبي يجد صعوبة في التأثير على الجامعات حيث ازداد نقد اسرائيل بخاصة بعد انهيار معاهدة اوسلو وبعد ان اعاد الجيش احتلال الضفة الغربية العام ٢٠٠٢ واستعمل قوات ضخمة للسيطرة على الانتفاضة الثانية فقد انشأ مراكز عدة لتغيير الوضع حيث تتعاون هذه المراكز في ما بينها لنشر وجهة نظر اسرائيل. وقد ضاعفت منظمة ايباك موازنتها المالية ثلاث مرات لرصد نشاطات الجامعات وتدريب الشباب على الدعاية لصالح اسرائيل. ومما يقوم به اللوبي ايضا هو مراقبة ما يدرسه الاساتذة وما يكتبونه. وفي العام ٢٠٠٢ أنشأ اثنان من المحافظين الجدد هما مارتن كرامر ودانيال بايبس موقعا على شبكة الانترنت ووضعا فيه ملفات عن الاساتذة الذين يشك في تأييدهم لاسرائيل كما يشجع الموقع الطلاب على كتابة التقارير عن تعليقات الاساتذة وسلوكهم بما يرتبط باسرائيل. وقد أثارموضوع الملفات في هذا الموقع ردود افعال بين اساتذة الجامعات وغيرهم فألغي قسم الملفات ولكن الموقع أبقي. وأخطر ما قام به اللوبي بالنسبة الى الجامعات هو الجهود التي بذلها من أجل ان يضع الكونغرس آلية لمراقبة الاساتذة واذا وافق الكونغرس على ذلك فإن الجامعة التي تتهم بالمخالفة تقطع عنها المساعدة الفيدرالية ولكن جهود هذا اللوبي لم تنجح الى الآن في تحقيق ذلك، وبين فترة واخرى يستحدث برنامج للدراسات اليهودية ويوجد اليوم اكثر من 310 برامج للدراسات اليهودية. وتأثير اللوبي لا يكتمل دون الحديث عن العداء للسامية الذي هو اقوى سلاح لدى اللوبي فكل شخص ينتقد ما تقوم به اسرائيل او يقول ان المدافعين عن اسرائيل لهم تأثير على سياسة اميركا في الشرق الاوسط يكون احتمال اتهامه بالعداء للسامية كبيرا. بل في الواقع ان اي شخص يقول فقط ان هناك لوبي لإسرائيل فإنه يخاطر بنفسه ويتهم بالعداء للسامية على الرغم من ان الاعلام الاسرائيلي يشيرالى الولايات المتحدة على انها اللوبي الاسرائيلي. كما ان هذا اللوبي يقول ان هناك عداء للسامية جديداً وهو في الواقع يعني بهذا نقد اسرائيل، فمن ينتقدها يصبح معاديا للسامية. كما ان الناقدين يتهمون اضافة الى ذلك بأنهم يشككون بوجود اسرائيل ولكن الناقدين الاوروبيين لا يشككون بذلك ابدا وانما هم ينتقدون سلوكها نحو الفلسطينيين كما ينتقدها بعض الاسرائيليين. وتعامل اسرائيل مع الفلسطينيين لا بد وان يثير النقد لأنه مخالف لحقوق الانسان والقانون الدولي ولحق تقرير المصير كما انها ليست الدولة الوحيدة التي تنتقد بسبب هذه القضايا. اسرائيل تحث واشنطن على الهجوم على العراق على الرغم من ان اسرائيل واللوبي لم يكونا السبب الوحيد في حرب الولايات المتحدة على العراق ولكنهما كانا السبب الرئيس. والكثير من الناس يعتقد بأن هذه الحرب كانت من اجل النفط ولكن لا يوجد في الواقع دليل على ذلك، فأحد دوافع الحرب المهمة هو الرغبة في أن تكون اسرائيل اكثر أمنا. وطبقا لما ذكره فيليب زليكو- العضو السابق في المجلس الاستشاري للاستخبارات الخارجية والمدير التنفيذي للجنة الحادي عشر من ايلول- سبتمبر- ومستشار كونداليزا رايس حاليا- ان التهديد الحقيقي من العراق لم يكن تهديدا للولايات المتحدة الاميركية بل كان لإسرائيل. وقبل الحملة الدعائية ضد العراق نشرت الواشنطن بوست ان اسرائيل تحث الولايات المتحدة على عدم التأخرفي الهجوم العسكري ضد صدام حسين. كما أخذ المسؤولون الاسرائيليون يعطون تقارير مختلفة عن برامج العراق لاسلحة الدمار الشامل. وعندما أراد بوش ان يحصل على موافقة مجلس الامن انزعجت اسرائيل من ذلك وقال شمعون بيرس في حينها وبعد ان وافق العراق على دخول المفتشين” ان الحرب ضد صدام حسين ضرورية وانه ليس هناك فائدة عملية من ارسال مفتشين الى العراق”. كما كتب ايهود باراك في النيويورك تايمز مقالة قال فيها “بأن الخطر يتمثل في عدم القيام بعمل”. كما نشر نتنياهو مقالة في صحيفة وول ستريت تحت عنوان “من اجل إزالة صدام” قال فيها “انني اعتقد بأنني اتكلم باسم الاغلبية في اسرائيل الذين يؤيدون ضربة استباقية ضد صدام وتدمير نظامه ولا يقبل شيء اقل من ذلك”كما قالت صحيفة هاآرتس حينها ان القيادة السياسية والعسكرية في اسرائيل تتوق الى حرب ضد العراق، بل ان تصريحات الرسميين كثرت الى الحد الذي طلب منهم حلفاؤهم في الولايات المتحدة ان يقللوا منها حتى لا تبدو الحرب وكأنها تشن بالنيابة عن اسرائيل. أما داخل الولايات المتحدة فكانت هناك مجموعة صغيرة من المحافظين الجدد بعضها على علاقة وطيدة مع حزب الليكود وكان هؤلاء وزعماء اللوبي معهم تواقين الى الحرب ضد العراق على الرغم من ان الشعب الاميركي بعامة كان لا يريد الحرب حتى اليهود بصورة عامة.والحقيقة ان المحافظين الجدد كانوا راغبين بازاحة صدام حسين حتى قبل ان يأتي بوش الى الرئاسة، فهم كانوا قد كتبوا رسالتين الى كلينتون في العام 1998 يقترحون فيهما ازاحة صدام حسين وكان من الموقعين اليوت ابرامز وجون بولتون ودوغلاس فيث ووليم كرستول وبرنارد لويس ودونالد رامسفيلد وبول وولفوفتز، ولكن هؤلاء لم يتمكنوا ان يدفعوا كلينتون الى الحرب كما انهم لم يتمكنوا من اقناع بوش في الاشهر الاولى من رئاسته. وكان الحادي عشر من ايلول- سبتمبر- قد سرّع بشن الحرب. وفي هذا الشهرنفسه اجتمع وولوفتز مع بوش في كامب ديفيد واقترح عليه شن حرب على العراق قبل افغانستان على الرغم من عدم وجود دليل على علاقة العراق بهجوم الحادي عشر من سبتمبر-أيلول أو ابن لادن. ولكن بوش لم يمل لهذا الرأي. ومع ذلك طلب من المخططين العسكريين في نوفمبر- تشرين الثاني وضع الخطط لاحتلال العراق.وعلى الرغم من أن المعلومات الكاملة غير متوفرة في الوقت الحاضر إلا أننا نعرف بأن برنارد لويس من جامعة برنستون وفؤاد عجمي من جامعة هوبكنز-وهما من المحافظين الجدد-قد لعبا أيضا دورا مهما في اقناع دك تشيني-نائب الرئيس- بأن الحرب هي أفضل الخيارات كما أن بعض موظفي مكتب تشيني مثل إيرك الدمان وجون حنا وسكوبر لبي لعبوا أيضا دورا كبيرافي ذلك. ولم يضع المحافظون الجدد وقتا في التحريض على احتلال العراق وتصويره على أنه أمر رئيس بالنسبة إلى الحرب على الإرهاب.وهدفهم من ذلك هو استمرار الضغط على بوش وهزيمة المعارضين للحرب في الداخل والخارج. وفي العشرين من ايلول- سبتمبر نشر المحافظون الجدد والمتحالفون معهم رسالة جاء فيها “حتى إذا لم يكن هناك دليل على علاقة العراق المباشرة(في الهجوم على البرجين والبنتاغون)فإن أية استراتيجية تريد أن تزيل الإرهاب والممولين له لابد وأن تشمل إزالة صدام” ولم يفت الرسالة أن تذكِر بوش بأن إسرائيل كانت وما زالت الحليف المخلص ضد الإرهاب.واستمرت الحملة بدون توقف من أجل شن حرب على العراق واحتلاله ومن أجل التأثير على الإستخبارات بتصوير صدام حسين على أنه خطر داهم.وقام هؤلاء بالتأثير على السي آي أيه لإيجاد أدلة تساند خطط الحرب.وكان من هذه الأدلة ما تضمنه خطاب كولن باول في مجلس الأمن الذي ثبت كذبه.كما كان هناك من يعمل في البنتاغون على إيجاد ريط بين القاعدة وصدام حسين.وكان المسؤولون عن ذلك ديفد وورمسر وهو أحد المحافظين الجدد المعروفين ومايكل معلوف اللبناني الأمريكي الذي هو على علاقة وطيدة ببيرل. وكانت مجموعة اخرى في البنتاغون الاميركي مسؤولة عن تسويق الحرب برئاسة ابرام شولسكي وهو ايضا من المحافظين الجدد وعلى علاقة وثيقة بولفوفتز. وكانت هاتان المجموعتان قد انشئتا بعد الحادي عشر من ايلول سبتمبر- تحت رئاسة دوغلاس فيث. وكما هو معروف فإن فيث هو من المخلصين المعروفين لإسرائيل وعلى علاقة وطيدة مع الليكود وهو يكتب دائما عن ضرورة احتفاظ اسرائيل بالاراضي المحتلة. وأهم من هذا انه كتب مع بيرل وورمسر تقريرا مشهورا سميClean Break في يونيو- كانون الثاني- في العام 1996 الى نتنياهو الذي كان قد اصبح توّاً رئيس وزراء اسرائيل اقترحا فيه عليه التركيز على ازالة صدام حسين وان يكون هذا هدفا استراتيجيا لاسرائيل وكذلك اقترحا ان تقوم اسرائيل بخطوات في تغيير خارطة الشرق الاوسط بشكل كامل. وهو الاقتراح نفسه الذي اقترح في ما بعد على بوش. وولفوفتز من الملتزمين بتأييد اسرائيل وقد وُصف في مجلة فورورد بأنه من الصقور المهمة المؤيدة لاسرائيل في الادارة الاميركية ووصفته الجروسليم بوست بأنه المخلص لإسرائيل وأسمته “رجل العام” واذ تبين التزام المحافظين الجدد بتأييد اسرائيل وهوسهم في احتلال العراق وتأثيرهم على ادارة بوش فإننا لا نستغرب ان يعتقد الكثير من الاميركيين بأن الحرب كانت لمصلحة اسرائيل. ومع ذلك فهناك قلة قليلة تتحدث عن هذا الموضوع علنا، واذا ما رفع احد صوته- كما فعل السيناتور ارنست هولنغز والنائب جيمي موران- فإنه يدان على الحديث عن الموضوع. اللوبي و سوريا وبعد سقوط بغداد أخذ اعضاء اللوبي يركزون على سوريا- الى جانب تركيز اسرائيل عليها- ويحرضون الولايات المتحدة عليها. وصرح وولفوفتز بأنه لا بد من تغيير النظام في سوريا. وقال بيرل لصحافيين ان هناك رسالة من كلمتين الى الانظمة المعادية وهي “انتم اللاحقون” كما كتب بعض المحافظين الجدد في صحيفة لوس انجلوس مقالة تحت عنوان “في المرة المقبلة يشدد الخناق على سوريا«. وفي نيويورك ديلي كان عنوان مقالة اخرى “سوريا المؤيدة للارهاب تحتاج الى تغيير ايضا”، كما كتب بعض هؤلاء “ان الاسد هو تهديد حقيقي للولايات المتحدة.” كذلك لم يترك المحافظون الجدد فرصة من اجل تغيير النظام في ايران وقد كتب هؤلاء كعادتهم مقالات عدة في هذا الموضوع. وقد عملت الادارة الاميركية بكل جهدها من أجل إيقاف البرنامج النووي الايراني ولكن دون نجاح يذكر. ويبدو ان ايران مصممة على الحصول على السلاح الذري ولذلك فإن اللوبي زاد من ضغطه بكتابة المقالات والتعليقات حول خطورة البرنامج الايراني الذري. وأشاروا الى ضرورة عمل عسكري اذا فشلت المحاولات الدبلوماسية. كما قالت اسرائيل انها ستقوم بعمل عسكري بمفردها وهذا التهديد يقصد منه ايضا ان تعطي الولايات المتحدة اهتماما لهذا الموضوع. ولكن السلاح الذري الايراني لا يهدد الولايات المتحدة مباشرة فهي قد احتملت السلاح الذري للاتحاد السوفياتي السابق وهي تعايش السلاح الذري الصيني والكوري فهي بإمكانها ان تتحمل الايراني ايضا ولان هذا ممكن فإن اللوبي لا يريد ذلك ويريد للولايات المتحدة ان تواجه ايران. صحيح ان من المستبعد ان تكون الولايات المتحدة وايران حلفاء حتى لو لم يكن اللوبي ولكن في الوقت نفسه سيكون قيام حرب استباقية اقل احتمالا وأقل امكاناً. مستقبل اللوبي والسؤال الآن هو: هل يمكن احتواء قوة اللوبي؟ والجواب هو: ان من الافضل ان يتحقق ذلك بخاصة بعد ورطة الولايات المتحدة في العراق. والحاجة الى اعادة بناء صورة الولايات المتحدة في العالم العربي والاسلامي وبخاصة ايضا بعد ان اكتشف ان موظفي ايباك كانوا يسربون اسرار الولايات المتحدة الى اسرائيل. كما ان الولايات المتحدة بعد وفاة عرفات قد تلعب دورا مهما في قضية السلام بين اسرائيل وفلسطين. وباختصارفإن هناك مجالا واسعا للزعماء الاميركيين ليبعدوا انفسهم عن اللوبي ويتبنوا سياسة في الشرق الاوسط تتفق ومصالح الولايات المتحدة، واذا تحقق السلام بين اسرائيل والفلسطنيين فإن هذا سيساعد على نشر الديمقراطية في منطقة الشرق الاوسط. ولكن يبدو ان هذا سوف لا يحدث، على الاقل في المدى القريب لأن “ايباك” وحلفاءها ليس لهم معارضون جديون في عالم مجموعات الضغط، والسياسيون الاميركيون يبقون مهتمين بالحصول على الاموال لحملاتهم وغير ذلك من الضغوط، كما ان الاعلام سيبقى متعاطفا مع اسرائيل مهما فعلت. أما بالنسبة الى الاضرار التي يسببها اللوبي فهي عدة منها انه يزيد من خطر الارهاب الذي تواجهه الدول وبضمنها الدول الاوروبية حليفة الولايات المتحدة كما ان اللوبي يكون سببا في استحالة تحقيق سلام بين اسرائيل والفلسطينيين وانهاء النزاع بينهما وهذا يعطي تبريرا لزيادة تجنيد الارهابيين والمتعاطفين معهم ويساهم كذلك في انتشار الاسلام المتطرف في اوروبا وآسيا. كذلك فإن حملة للوبي لتغيير النظام في سوريا وايران قد تؤدي الى ان تهاجم الولايات المتحدة هذين البلدين وما ينتجه ذلك من كارثة اذ اننا لا نحتاج الى عراق آخر وان عداء اللوبي لسوريا وايران يجعل من غير الممكن للولايات المتحدة ان يحارب هذان البلدان القاعدة والمقاتلين في العراق. كما ان هناك قضية اخلاقية وهي ان مساعدة الولايات المتحدة لاسرائيل على اضطهادها للفلسطينيين يجعلها شريكة في الاجرام وهذا يؤثر على مصداقيتها في دعوتها لنشر الديمقراطية وتكون منافقة في دعوتها لحقوق الانسان. كما ان دعوتها لعدم انتشار الاسلحة النووية وهي تغض الطرف عن الاسلحة النووية الاسرائيلية يشجع ايران (اضافة الى ما ذكر) على امتلاك هذه الاسلحة كذلك فإن رفض اللوبي للنقاش حول سياسة اسرائيل هو شيء غير صحي للديمقراطية ومنع الكونغرس من الدخول في مثل هذا النقاش يعوق الخطاب الديمقراطي. كما ان تأثير اللوبي سيىء لإسرائيل لان موافقة واشنطن على احتلالها لأراضي الفلسطينيين قد فوّت على اسرائيل فرص السلام وانقاذ حياة الكثير من الاسرائيليين ومنع المتطرفين. وانكار حق الفلسطينيين الشرعي لم يجعل اسرائيل اكثر أمنا وربما كانت اسرائيل افضل حالا لو كان اللوبي أقل قوة والولايات المتحدة أكثر حزما. ان من حق مؤيدي اسرائيل ان يعرضوا وجهة نظرهم بحرية وان لا يوافقوا الآخرين على ارائهم ولكن لا يجوز لهم تخويف الآخرين فهذا عمل يجب ان يدان. ولكن ربما كان هناك شيء من الأمل، فعلى الرغم من ان اللوبي سيبقى قويا فإن تأثيره السلبي لا يمكن اخفاؤه كما ان الدول القوية يمكن ان تبقى على سياسات خاطئة لفترة ولكن لا يمكن ان تتجاهل الواقع. ولذلك فإن هناك حاجة الى نقاش مفتوح حول تأثير اللوبي وكذلك عن مصالح الولايات المتحدة الحيوية.. وقد يظهر هذا النقاش ان تأييد جانب واحد خطأ اخلاقيا وضيق الافق استراتيجيا.
*نشر أصل هذا المقال في مجلة “النور” اللندنية في العدد174

باكستان على طريق التطبيع مع إسرائيل  د.جعفر هادي حسن By Dr. Jafaar Hadi Hassan     

مبادرة باكستان الحالية في عقد محادثات مع إسرائيل للاعتراف بها وإقامة علاقات ديبلوماسية معها ليست الأولى، فقد سبقتها محاولة أخرى قبل أكثر من خمسين سنة كادت أن تؤدي الى اقامة علاقات ديبلوماسية بين البلدين. فبعد ظهور إسرائيل وقبولها عضواً في الأمم المتحدة، عُقدت لقاءات بين مندوب إسرائيل في الأمم المتحدة آبا ايبان (وزير الخارجية في ما بعد) ونظيره الباكستاني أحمد شاه بخاري. وكانت اللقاءات التي أصبحت محادثات حول اعتراف باكستان بإسرائيل بتشجيع من وزير خارجية باكستان ظفرالله خان – الذي كانت التقارير الإسرائيلية السريّة تسميه الأحمدي – توقفت بعد اغتيال رئيس الوزراء ليافت علي خان عام 1951، الذي ظلت أسباب اغتياله غامضة. وكان آبا ايبان ذكر في أحد تقاريره أن باكستان كانت على وشك الاعتراف بإسرائيل. ولا يعرف السبب الذي حدا بباكستان للقيام بهذه المبادرة، خصوصاً ان الشعب الباكستاني كان يتظاهر ضد التقسيم ويرفضه، كما أن دماء الفلسطينيين والعرب لم تكن قد جفت ولا عجاج المعارك قد انجلى بعد. وما ذكره آبا ايبان من أن باكستان كانت تريد أن تحرج الهند – التي لم تكن قد اعترفت بإسرائيل بعد – باعترافها بإسرائيل قبلها، لا يبدو سبباً مبرراً اطلاقاً. ثم كان هناك بعض اللقاءات القليلة، مثل لقاء السفير الإسرائيلي المتجول روزن شبتاي بوزير الخارجية الباكستاني فيروز خان نون في الخمسينات، ومنها اللقاءات بين الطرفين في الحفلات الديبلوماسية واللقاءات غير العلنية. وكان الشخصية اليهودية المعروفة روتشيلد يلعب دوراً في دفع باكستان للاعتراف بإسرائيل. ومبادرة الجنرال برويز مشرّف الحالية تأتي بعدما هيأ لها ببعض التصريحات، فهو قال في مقابلة مع فضائية خاصة: «يجب تقويم سياستنا نحو إسرائيل والنظر اليها نظرة جديد من دون عاطفة… لأننا لا نريد أن نكون فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين أنفسهم ولا كاثوليك أكثر من البابا». وعندما التقاه شمعون بيريز في المنتدى الاقتصادي في دافوس، قال له إن هناك اشاعات كثيرة بأن علاقة قد اقيمت بين بلدينا. فقال مشرف: إننا نبذل جهداً كبيراً لتحقيق هذا الغرض… ولكنكم يجب أن تتقدموا في حل القضية الفلسطينية. وهو كان يقول للإسرائيليين والأميركيين إنه ينتظر الوقت المناسب للاعتراف بإسرائيل. وكان وفد من شخصيات يهودية أميركية قد زاره في ايار (مايو) وتحدث معه حول موضوع الاعتراف ضمن مواضيع أخرى. وكان هذا الوفد نفسه قد اقترح عليه أن يلقي خطاباً في مؤتمر يهودي للأديان في أيلول (سبتمبر)، وهو قد وافق على ذلك. وطبقاً لما ذكرته صحيفة «جيروزاليم بوست»، فإن الجنرال برويز مشرّف هو الذي بادر الحكومة الإسرائيلية بأن يكون هناك اجتماع علني بين البلدين، وطلب من تركيا أن يكون الاجتماع في اسطنبول بين وزيري خارجية البلدين. وطبقاً لما ذكره سيلفان شالوم، وزير خارجية إسرائيل، فإن اجتماعات أخرى ستعقب هذا الاجتماع. وذكرت الصحيفة المذكورة أن مشرّف سيجتمع بأرييل شارون في نيويورك على هامش اجتماعات منظمة الأمم المتحدة في هذا الشهر (ايلول/ سبتمبر). وعلى رغم أن وزارة الخارجية الباكستانية نفت ذلك، فإن مندوب باكستان فيها جهانكير كرامت قال إذا حصل أي لقاء بين الزعيمين، فإن ذلك سيكون من باب المصادفة ولا ضرر في ذلك. وقد جرى ترتيب «المصادفة» وحصلت فعلاً في سياق احدى المناسبات التي رافقت القمة العالمية. وحاولت باكستان أن تقلل من أهمية هذه الخطوة وتؤكد أنها لا تعني إقامة علاقات ديبلوماسية على رغم تصريح وزير الخارجية الإسرائيلي بقوله إن «الاجتماع كان مهماً جداً… واننا نأمل بإقامة علاقات ديبلوماسية»، فهي أعلنت بلسان ناطق باسم مشرّف أن الاجتماع لا يعني إقامة علاقات ديبلوماسية الآن، وأنه من المبكر الحديث عن هذه العلاقة، ولكن هذا سيحدث بعد انشاء دولة فلسطينية مستقلة وبعد مشاورات مع الدول الإسلامية، وهذا الاتصال هو اتصال غير مباشر! وقال وزير خارجية باكستان إن هذه المحادثات لا تعني الاعتراف، إذ أن هذا يأتي بعد حدوث تقدم نحو القضية الفلسطينية. ولكن هذا الكلام، على ما يبدو، يراد منه تهدئة غضب المعارضين لهذه الخطوة في باكستان وغيرها. وقال أحد زعماء هؤلاء المعارضين: «إنه يوم اسود للشعب الباكستاني، وإننا نرفض العلاقات (مع إسرائيل)». ومهما حاولت باكستان أن تقلل من الخطوة التي قامت بها، فإنها البداية لمسيرة التطبيع، كما ذكرت المصادر الإسرائيلية، حيث ستكون الخطوة التالية إلغاء المنع على الباكستانيين من السفر الى إسرائيل، حيث تأمل إسرائيل بزيادة أعداد هائلة منهم لها. ثم يتبع ذلك تبادل الوفود على المستوى الوزاري وغير ذلك، تم تتوج هذه الخطوات بإقامة علاقة ديبلوماسية كاملة. ويتساءل البعض عن السبب الذي دفع باكستان لاتخاذ هذه الخطوة ذات الأبعاد المهمة والتي ستؤثر على طبيعة الوضع الحالي في المنطقة، وهل أن باكستان مضطرة لاتخاذ مثل هذا القرار. يرى الكثير من المحللين أن هناك قضيتين رئيسيتين لعبتا دوراً في هذا التحرك، وهما علاقة باكستان بالولايات المتحدة، وعلاقتها بالهند عدوها التاريخي. فبالنسبة الى علاقتها مع الولايات المتحدة، فقد وصلت باكستان – كما يقول المحللون – الى قناعة بأن رضا الولايات المتحدة والحصول على مساعدتها وكسب تأييدها لا بد وأن يمر عبر إسرائيل، خصوصاً بعد احتلال العراق الذي أصبح يخيف الآخرين ويرعبهم، وكانت الأولى قد طلبت من الثانية أن تقوم باتخاذ خطوة الاعتراف وتطبيع العلاقات. وهناك مجموعة من أعضاء الكونغرس المهمين كانوا يضغطون على باكستان في هذا الاتجاه، وكان الجنرال مشرّف يعدهم بذلك منتظراً الوقت المناسب كما ذكرت، وجاء إعلان إسرائيل عن نيتها بالخروج من غزة هو الظرف المناسب لذلك. أما بالنسبة الى علاقتها مع الهند، فهذه الدولة لها علاقات مع إسرائيل منذ سنين، وقد تطورت هذه العلاقات كثيراً، وأصبح للجانب العسكري دور مهم في ذلك، كتصدير إسرائيل معدات متقدمة وتبادل معلومات وتدريب على أسلحة متطورة… الخ. وتريد باكستان من علاقتها مع إسرائيل أن تحدث توازناً في هذه العلاقة حتى لا تكون علاقة إسرائيل بالهند على حسابها وتكون هي الطرف الخاسر. وبعضهم يضيف سبباً آخر وهو حاجة باكستان الى التقنية الحديثة التي كانت تحصل عليها في السابق من الولايات المتحدة عن طريق البعثات الطلابية والمنح التي وضعت عليها الولايات المتحدة بعد الحادي عشر من أيلول الكثير من القيود والشروط وستكون إسرائيل هي الخيار في هذا المجال. ومهما كانت الأسباب، فإن تطبيع باكستان – الدولة الإسلامية الثانية في عدد النفوس – علاقتها مع إسرائيل ستكون له نتائج خطيرة. فهي ستفتح الباب على مصراعيه لدول عربية – إسلامية تجري محادثات في السر حالياً – أو لا تجري في الوقت الحاضر – أن تتسابق مع بعضها في تطبيع علاقتها مع إسرائيل حتى قبل أن يحصل الفلسطينيون على قطعة أرض محررة، ناهيك عن دولة مستقلة. كما أن هذه العلاقة ستقوي من إسرائيل اقتصادياً، حيث ستكون باكستان سوقاً واسعة للبضائع الإسرائيلية والمعدات العسكرية، حيث تريد إسرائيل أن تصبح الدولة الأولى في تصدير هذه المعدات، إضافة الى قدوم السياح من باكستان إليها. وإسرائيل بهذه العلاقة ستكسب بلداً يصوّت الى جانبها في المحافل الاقليمية والدولية، حيث تشكو إسرائيل من أنها لا تلعب دوراً في هذه المحافل. ومن الطبيعي أن يجلب التطبيع معه التجسس تحت الغطاء الديبلوماسي وغيره، فوجود الإسرائيليين على مقربة من إيران – التي تعتبرها إسرائيل العدو الأول لها والتهديد الأخطر على وجودها – هي فرصة نادرة لا يمكن أن تفرط بها أو لا تستغلها. وهناك قضية أخرى لا يعرف عنها غير المهتمين بها، وهي أن المنظمات اليهودية مثل منظمة كلانو (كلّنا) ومنظمة عامي شاب (شعبي رجع) تقوم منذ سنين بمحاولات لتهويد قبائل توجد بين باكستان وأفغانستان (والهند)، ويصل عدد أفراد هذه القبائل الى الملايين، ومنها قبيلة البتان المعروفة. وهذه المنظمات اليهودية تقوم بعملياتها سراً وتصرّ على أن هذه القبائل اصولها يهودية ويجب أن ترجع إليها، ومن نشاطاتها طبع كتب دينية بلغات هذه القبائل. ووجود الإسرائيليين في باكستان سيسهل هذه العمليات (التبشيرية) بالديانة اليهودية، ويزيد من نشاطاتها. ومعروف عن بعض هذه القبائل أنها تطمح للاستقلال في منطقتها منذ عقود. ومن كل هذا وغيره ستكون إسرائيل هي المستفيد من هذه العلاقة والجانب الرابح فيها.

نشرهذا المقال في صحيفة الحياة 2005

يوستن غاردر وحرب إسرائيل على لبنان د.جعفر هادي حسن   

يوستن غاردر كاتب ومفكر نرويجي معروف على المستوى العالمي  وقد طبع من مؤلفاته ملايين النسخ وترجمت بعض رواياته إلى أكثر من أربعين لغة ومن أشهر رواياته روايةSophy’s World
وهو أيضا قد حصل على جوائز نروجية وغير نرويجية .وعندما كانت الحرب الإسرائيلية على لبنان على أشدها نشر مقالة مهمة بعنوان” شعب الله المختار” في بداية أب-أغسطس الماضي في صحيفة نرويجية واسعة الإنتشار. والمقالة في أغلبها نقد شديد ومباشرلإسرائيل وما قامت به في الحرب على لبنان وكذلك ما قامت به قبلها.وتبدى غاردر غاضبا وساخطا في مقالته وموجها لإسرائيل تهما من النادر أن يكون قد وجهها شخص أوربي غير يهودي  لسياسة إسرائيل في العصر الحديث خاصة إذا كان معروفا عالميا. بل إن نقده تعدى إسرائيل ومس المعتقدات اليهودية مباشرة لأنها في رأيه اعتمدت عليها دولة إسرائيل فيما تقوم به من أعمال وصفها بأنها لاإنسانية وعنصرية .وبسبب هذا المستوى من النقد الذي وصل حد التشكيك بوجودها كدولة وطالب بسحب الإعتراف بها, قيل إن المقالة بنت ساعتها وظرفها وإنها سورة غضب خرجت ثم قرت وأنها لم تكن نتيجة تأمل وإعمال فكر. ولكن الأمرلايبدو كذلك لأن مستوى النقد وطبيعته وما تضمنه من قضايا مهمه-  تتجاوز النقد المعروف لسياسة إسرائيل- يجعل الإنسان يعتقد بأن المقالة كتبت بعد تفكير وتأمل.لأن غاردر يعرف أهمية نفسه وعالمية إنتاجه. ولذلك فهو يحسب حسابا لما يقوله في مسألة ذات حساسية لإسرائيل خاصة واليهود عموما. فالمقالة لم تكن بنت لحظتها ولكن الظروف الماساوية من تدمير للبنية التحتية والقتل المتعمد للناس في لبنان الذي ارتكبته إسرائيل أثارت مشاعره وراى بأن الظرف مناسب لطرح أفكاره كي يعرفها الناس فأظهر ما كان يعتقده ويضمره.وهو قد أكد ذلك في مقابلة مع كيج نيوزعندما قال” إنني منذ فترة وأنا أفكر بمجابهة إسرائيل التي تستغل الدين من أجل مصالح سياسية.” .ولذللك فهو لما طولب أن يعتذر رفض الإعتذار ورفضه هذا يؤكد قناعته بما جاء في نقده مع أنه  كان يعرف مسبقا ما الذي  سيجلبه عليه هذا النقد.
وفي هذا المقال سأذكر بعض المقاطع التي وردت في مقالة غاردروالتي كنت  قد ترجمتها من الإنجليزية مع بعض التعليق عليها. وغاردر يبدأ نقده لإسرائيل بالدعوة إلى سحب الإعتراف بها فيقول ” لقد حان الوقت أن نتعلم لازمة جديدة(وهي) إننا لم  نعد نعترف بدولة إسرائيل وأنه لارجوع عن ذلك …. كما يجب أن نتعود على فكرة أن إسرائيل في وضعها الحالي أصبحت تأريخا… وإن دولة إسرائيل بحروبها اللاعقلانية وأسلحتها البغيضة قد ذبحت شرعيتها.فهي قد خرقت بانتظام القانون الدولي وكذلك الأعراف الدولية ورفضت عددا كبيرا من قرارات الأمم المتحدة. ولذلك لم يعد لها حق الحماية من هذه…. ونحن الآن في مرحلة فاصلة وليس هناك من تراجع.إذ أن إسرائيل قد قضت على اعتراف العالم بها وسوف لا ترى سلاما حتى تلقي سلاحها”  ….. ونحن لا نعترف بدولة إسرائيل اليوم وفي هذه اللحظة التي نكتب فيها الآن وهي لحظة أسف وغضب.” وهو يقول إنه يعترف بإسرائيل عام1948 ولكن ليس بإسرائيل عام 1967″فنحن نعترف بدولة إسرائيل لعام1948 ولا نعترف بها لعام 1967. إن هذه لاتعترف بقانونية دولة 1948 ولا تحترمها فهي تريد قرى أكثر وتريد ماء أكثر ومن أجل تحقيق ذلك فإن بعض هؤلاء(الإسرائيليين) يطلبون مساعدة الرب لإيجاد الحل النهائي للقضية الفلسطينية”
واستعمال غاردر لعبارة” الحل النهائي” إشارة مهمة وموحية لما كان يستعمله النازيون نحو اليهود حيث كانوا يستعملون العبارة نفسها بحق اليهود وهوهنا يماثل بين النازيين والإسرائيليين. والتشبيه هذا يثير حنق اليهود إلى حد كبير لأنه يشبههم بجلاديهم النازيين الذين يعتبرونهم مثالا حقيقيا للشر بسبب ما ارتكبوه بحقهم. ثم يقول “ونحن نتساءل فيما إذا كان إسرائيلي واحد يعادل أكثر من أربعين لبنانيا أو فلسطينيا.لقد رأينا في الصور كيف أن البنات في إسرائيل يكتبن رسائل حقد على القنابل التي تضرب السكان المدنيين من لبنانيين وفلسطينيين.إن البنات الإسرائيليات لسن ذكيات عندما يسعدن بموت الآخرين وعذاباتهم في الجانب الآخرمن جبهات القتال.  إننا لانقبل أبدا أن هؤلاء الناس لهم تفويض إلهي او تاريخي يبرر لهم القيام بمثل هذه الأعمال المخجلة.إننا لانقبل خطف الجنود ولكننا في الوقت نفسه لانعترف بطرد شعب كامل ولا بخطف برلمانيين منتخبين طبقا للقانون ولا نقبل خطف أعضاء مجلس وزراء أيضا”.
وغاردر يرفض مايسميه اليهود وعدا إلهيا لهم بالأرض ويعتبره معتقدا لايصلح للعصر الحاضر فهو يقول” إن صبرنا قد نفذ وتسامحنا قد وصل نهايته ونحن نرفض أي وعود الهية تكون تبريرا للإحتلال والأبرتايد فنحن تركنا القرون الوسطى خلفنا”.وهو يشير هنا إلى مايفترض أنه “وعد” أعطاه الرب للنبي إبراهيم في أكثر من مكان في التوراة ففي سفر التكوين 13-14 جاء النص التالي”وقال الرب لأبرام …ارفع عينيك وانظر من المكان الذي أنت فيه شمالا وجنوبا وشرقا وغربا:إن كل الأرض التي تراها لك أعطيها ولنسلك إلى الأبد” وكذلك في15-18 من السفر نفسه “لنسلك أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات”.واليهود يعتبرون هذا الوعد إن صح تأريخيا مختصا بهم وحدهم على الرغم من أن الكثير منهم-خاصة الصهيونيين العلمانيين- لايؤمنون بالتوراة ولا يعترفون بها. وغاردر وكثير غيره يرفضون مثل هذه النصوص التي يحيط بها وبأصولها الكثير من الشك.وهذا المعتقد لا يقتصر اليوم على اليهود وإنما هناك مجموعة كبيرة من المسيحيين الذين يطلق عليهم المسيحيون الصهيونيون يعتقدون بفكرة الوعد الإلهي بالأرض لليهود وما يسمى بإسرائيل الكبرى من منطلق ديني مبني على تأويلات محرفة ومنحرفة عن الأصول المعروفة لتفسيرنصوص التوراة والإنجيل. وهي تفسيرات ما أنزل الله بها من سلطان. ويقول جون هاغي وهو واحد من هؤلاء ومؤلف لعدد كبير من الكتب في الفكر المسيحي الصهيوني عن هذا الموضوع “إن حق إسرائيل في الأرض هو حق مفروض في الكتاب المقدس وهو وعد إلهي لإعطائهم(اليهود) هذه الأرض إلى ألأبد”. بل إنه يقول إن هذا الحق يشمل العراق .وقد قام هؤلاء بعقد الإجتماعات وجمع التبرعات في الولايات التحدة الأمريكية أثناء الحرب على لبنان.بل إن البعض منهم مثل بات روبرتسون ذهب إلى إسرائيل أثناءها لتشجيع الجيش والسكان فيها على الإستمرار في الحرب والقضاء على حزب الله كما قال. وهو قد قلد في تصريحاته رئيسه جورج بوش حيث وصف المقاومين بأنهم مسلمون فاشيون وهو وصف لابد للمسلمين أن يحاربوه ويحتجوا ضده ويرفضوه وإلا فإنه سيصبح وصفا عاديا يكرره أعداء المسلمين بمناسبة وغير مناسبة.
ثم ينتقد غاردر عقيدة “الشعب المختار ويعتبرها ليست فقط غباء وغطرسة بل خدعة  وعنصرية فيقول”إننا لانؤمن بخدعة شعب الله المختارو نضحك من فكرة هؤلاء الناس ونصرخ من سوء أعمالهم. وسلوكهم  على أنهم شعب الله المختارهو ليس غباء وغطرسة  حسب وإنما هو إجرام ضد الإنسانية.بل إننا نسمي هذا عنصرية”.ويقول أيضا” إننا لمحرجون بما يعتقده أولئك الذين يقولون بأن إله النبات والحيوان والمجرات قد اختار شعبا خاصا وفضله على الأخرين وأعطاه الواحا حجرية مضحكة عند عليقة تشتعل فيها النار ثم أعطاه إجازة بالقتل. إن من يقتل ألأطفال نسميه قاتل أطفال وإننا لانقبل ابدا أن مثل هؤلاء الناس عندهم تفويض تاريخي أو إلهي يبرر لهم هذه الأعمال المخجلة. وإننا نقول العار لكل أبارتايد وللتطهير العرقي ولكل أعمال الإرهاب ضد المدنيين سواء أكانت من حماس أم حزب الله أم من دولة إسرائيل”
واليهود بصورة عامة يؤمنون بفكرة الشعب المختار ولها موقع مهم في وعيهم وكثيرا ما تحدد سلوكهم وعلاقتهم مع الآخرين. كما أن اليهود يذكرونها في صلاتهم بالقول “وأنت الذي اخترتنا”. وتذكر دائرة المعارف اليهودية” أن هذه الفكرة تعني أن اليهود لهم موقع خاص وفريد في العلاقة مع رب الكون. وهي ظلت فكرة مركزية خلال تاريخ الفكر اليهودي ومتجذرة بعمق في التوراة وطورت في التلمود والفلسفة والفكر الصوفي اليهودين وفي اليهودية المعاصرة كذلك”.كما أن التلمود أكد “على أن دور اليهود هو كونهم معلمين للشعوب”. واعتقاد اليهود بأنهم شعب الله المختار معتمد أساسا على ما جاء في التوراة من نصوص كثيرة. ”  ونقد غاردر لفكرة الشعب المختار تثير حفيظة اليهود وغضبهم  لأنه اعتبرها فكرة عنصرية كما في نصه المذكور أعلاه.  وهذه الفكرة أيضا ترفض من قبل غير اليهود من الفلاسفة والمفكرين والمؤرخين مثل برنادشو وفولتير وأرنولد توينبي وغيرهم. كما أن هناك بعض اليهود في العصر الحاضر ممن لايعترف بها ويعطيها تفسيرات أخرى.ولكن المسيحيين الصهيونيين الذين ذكرناهم  هم أيضا  يعتبرون اليهود شعب الله المختار ويجب أن يجمعوا في فلسطين كعلامة مهمة لظهور المسيح عيسى مرة أخرى. وأن من يعاديهم فهو معاد للرب. وهؤلاء يختلفون عن بقية المسيحيين الآخرين الذين يعتقدون أن مجيئ المسيح عيسى قد ألغى كون اليهود مختارين وأنه لا دور لهم في الظهور الثاني للسيد المسيح . وقد أدان الكثيرمن المسيحيين غير الصهيونيين الحرب على لبنان وأصدروا بيانات بذلك.
ونقد غاردر للألواح (اللوحين) هو نقد لصميم الدين اليهودي والشريعة اليهودية وهو يشيربذلك  إلى ماورد في التوراة في سفر الخروج 24—12 بالنص التالي”وقال الرب لموسى”اصعد إلى الجبل وأقم هنا حتى أعطيك لوحي الحجارة والشريعة والوصية التي كتبتها لتعليمهم”. وسمي اللوحان في مكان آخر من التوراة “لوحي الشهادة”كما أن ذكر العليقة المشتعلة ورد في سفر الخروج أيضا3-2 “فتراءى ملاك الرب في لهيب نار وسط عليقة. فنظر فإذا العليقة تشتعل بالنار وهي لا تحترق.”
وغاردر ينتقد الدين اليهودي ويعتبره دينا عفا عليه الزمن لايصلح لعصرنا هذا خاصة وأنه كما يقول هو دين متعصب لقومية كما أنه دين حرب.فهو يقول” وإننا لانعترف بدولة أسست على مبادئ غير إنسانية وبقايا دين عتيق دين قومية وحرب” وقد أزعج اليهود كثيرا نقده لرب إسرائيل الذي وصفه بأنه سادي لايشبع من تعذيب الناس
كما جاء في قوله ” ونحن لا نصدق أن إسرائيل قد حزنت على أكثر من أربعين طفلا لبنانيا(قتلوا) أكثر مما حزنوا(اليهود) على الأربعين سنة في الصحراء قبل ثلاثةآلاف سنة لأن الكثير من الإسرائيليين قد فرحوا بهذا النصر كما فرحوا يوما ما بعذابات المصريين(القدماء) “كعقاب مناسب” (حيث يظهر رب إسرائيل وكأنه سادي لايشبع)”
.والكلام ضد الرب  في الشريعة اليهودية يعتبر جرما كبيرا لمن يعتقد بهذه الشريعة بل حتى القسم به باطلا يعتبرمن الذنوب الكبيرة لأنه من الوصايا العشر. وقد جاء ذلك في نص التوراة في سفر الخروج 20-7″لاتلفظ اسم الرب الهك باطلا لأن الرب لايبرئ الذي يلفظ اسمه باطلا”.ولذلك فهم حتى عندما يذكرون اسمه فإنهم يشبرون له بالكلمة العبرية “هاشم” وهي تعني “الاسم” بأداة التعريف(ها).وعندما يأتون على اسم يهوه في التوراة فإنهم يقولون”أدوناي” أي “سيدي” احتراما وتبجيلا.
وهو في النص أعلاه يتهم إسرائيل بالكذب أيضا لأن حزنها كما ادعت إنما كان حزنا مزيفا وغير صادق.كما يتهم الإسرائيليين بأنهم يفرحون بالقتل.
ومما أثارانزعاج اليهود وسخطهم أيضا هو اقتباسه لبعض أقوال السيد المسيح معارضا بها ماجاء في الدين اليهودي ومفضلا لها عليه.كقوله” نحن لا نعترف بدولة داود القديمة كنموذج لخريطة الشرق الأوسط في القرن الواحد والعشرين إن الحبر اليهودي(المسيح عيسى) قد قال قبل الفي سنة إن مملكة الله ليست إحياء دولة داود  إن المملكة الحقيقية هي تلك التي فينا وبيننا إن مملكة الله هي مملكة الرحمة والعفو”. وهو هنا يلمح بهذا إلى أن دولة إسرائيل التي يشير لها بدولة داود القديمة هي دولة خالية من الرحمة والعفو.
كذلك هو ينتقد اليهود كيهود عندما يذكر الحادثة المشهورة التي ورد ذكرها في الإنجيل حيث قال”لألفي سنة ظللنا نؤكد على المنهج الإنساني ولكن إسرائيل لم تسمع إذ لم يكن الفريسي(اليهودي) هو الذي ساعد الرجل الذي كان ممدداعلى جانب الطريق والذي كان قطاع الطرق قد انهالوا عليه بالضرب بل الذي ساعده هو السامري واليوم نسميه الفلسطيني”. وقد وردت هذه الحادثة في إنجيل لوقا في:30:10-35بالنص التالي”فأجاب يسوع(بالقول) كان رجل نازل من أورشليم إلى أريحا فوقع بأيدي اللصوص فعروه وانهالوا عليه بالضرب.ثم مضوا وقد تركوه بين حي وميت.فاتفق أن كاهنا كان نازلا في ذلك الطريق فرآه فمال عنه ومضى.وكذلك وصل لاوي إلى المكان فرآه فمال عنه ومضى ووصل اليه سامري مسافر ورآه فأشفق عليه فدنا منه وضمد جراحه وصب عليه زيتا وخمرا ثم حمله على دابته وذهب به إلى خان واعتنى بأمره.وفي الغد أخرج دينارين ودفعهما إلى صاحب الخان وقال له”اعتن بأمره وما أنفقت زيادة على ذلك أؤديه أنا اليك عند عودتي”
وذكر هذه الحادثة هو نقد موجع لليهود حيث يظهر اليهودي هنا مجردا من أبسط المشاعر الإنسانية من عطف ومواساة للضعفاء ومساعدة للمساكين حتى لو كان هذا اليهودي كاهنا أو لاويًا يخدم الرب.إضافة إلى أن هذه الحادثة ذكرت على لسان المسيح عيسى.ومعروف أن اليهود لايعترفون بالسيد المسيح بل ويرفضونه بل هم يرفضون حتى اليهود الذين يؤمنون به مسيحا وهم اليهود اليسوعيون. وكذلك بسبب العلاقة المتوترة لقرون طويلة بين اليهود والمسيحيين لأسباب دينية معروفة خاصة في أوربا. وهو أيضا قد قال في النص نفسه إن أوائل الإرهابيين هم من الصهيونيين الذين كانوا في زمن المسيح عندما قال”قبل ألفي سنة نزع الحبر اليهودي(المسيح عيسى) سلاح خطاب الحرب البالي بشكل كامل وأضفى عليه مسحة إنسانية عندما كان في وقته إرهابيون صهيونيون”.وهو هنا يوجه تهمة الإرهاب للصهيونيين كما يريد أن يقول بأن هذا الإرهاب ليس جديدا بين الصهيونيين بل إنه يعود إلى الفي سنة مضت.

ثم هويتمنى بل ويدعو أن تتهدم جدران الأبارتايد في إسرائيل ويسقط بعضها على بعض وهو  يسترجع دعوات بعض أنبياء التوراة الذين كانوا يستنزلون العقاب على بني إسرائيل ويدعون عليهم لمخالفتهم أوامر الرب وانحرافهم عن الطريق المستقيمة.ولكنه في الوقت نفسه لايتمنى لسكان إسرائيل الضرر والأذى بل إنه يطلب من الناس أن يعطفوا عليهم ويرأفوا بهم ويرحموهم ويقدموا لهم العسل والحليب عندما يهربون من الأراضي المحتلة إلى شتات آخر فيقول” فلتدمر الروح والكلمات جدران الأبارتايد بعضها على بعض فإسرائيل لا دفاعات لها وقد سلخ منها جلدها ولكن لتكن للعالم رحمة على السكان المدنيين فنبوءاتنا بالقدر المشؤوم ليست موجهة نحو الأشخاص لأننا نريد لشعب إسرائيل كل خيرولكننا نحتفظ بحقنا أن لانأكل من برتقال يافا مادام ساما وسيئ الطعم وهوشيئ من السهولة تحمله كما احتملنا العيش بدون عنب الأبرتايد الأزرق لعدة سنين” ويقول في مكان آخر”وإذا ما تهاوى شعب إسرائيل بسبب أعماله واضطرت مجموعات منه للهرب من الأراضي المحتلة إلى شتات آخرفليرحمهم الذين حولهم وليطمئنوهم وليقدموا لهم عسلا وحليبا فإنه لإجرام في ظروف تخفيف الألم أن يؤذى اللاجئون والذين لاوطن لهم.
إنه من الضروري أن يفسح المجال بسلام للمدنيين الهاربين الذين لابلد لهم يحميهم وأن لا يكونواهدفا للسلاح إذهم عرضة للأذى مثل حلزون فقد صدفته.وهم مثل قافلة فيها فلسطينيون ولبنانيون لاجئون من نساء وأطفال وشيوخ تتحرك ببطئ من قانا ومن غزة وصبرا وشاتيلا لادفاع لهم”.
وغاردر في دعوته إلى عدم إيذاء المدنيين اليهود من سكان إسرائيل بل ويدعو للعطف عليهم والرأفة بهم  يريد أن يؤكد أنه لايعادي اليهود كيهود. وهذا ينفي عنه صفة اللاسامية التي الصقها به الكثير من اليهود في النرويج وغير النرويج حيث قالوا عنه إنه لاسامي متطرف بل إن البعض منهم قالوا إنهم لم يقرأوا شيئا  يتسم بروح اللاسامية والعداء لليهود مثل مقالته منذ كتاب “كفاحي” لهتلر.وقال بعضهم تعليقا على مقالة غاردر إنه لم يبق شيئ ضد اليهود لم يقل فيهم.وقد  نشر معهد روزنثال رسالة مفتوحة إلى الشعب النرويجي ينتقد فيها غاردرويدافع فيها عن اليهود ويطلب من الشعب أن يقول قولته فيه..كما قالوا عنه إنه يحابي الفلسطينيين ويقف إلى جانبهم ويتعاطف معهم حتى أن أحد اليهود الناقدين له سماهم أحباءه على الرغم من نقده لحماس في مقالته.ولكن الناقدين له أعتبروا الإشارة السلبية إلى حماس من باب ذرَ الرماد في العيون. وقال غاردر بعد ما سمع من نقد من اليهود إن كل من ينتقد إسرائيل يتهم باللاسامية.
وعلى الرغم من أن مقالة غاردر بصورة عامة هي في نقد إسرائيل إلا أنه لم يفته أن ينتقد الولايات المتحدة الأمريكية التي قال عن رئيسها بأنه الحامي الأعلى لإسرائيل.وهو يسخر منه بالقول”إن طفلا صغيرا سأل أمه عن قوله(الرئيس)ليستمر الرب في مباركة أمريكا لماذا ينهي الرئيس دائما خطاباته بالقول ليبارك الله أمريكا؟ لماذا لا يقول ليبارك الله العالم.
ويبدو لي أن مقالة غاردر سيكون لها تأثير واسع وعميق على الأقل على مستوى أوربا وسيشمل هذا التأثير المثقفين والمفكرين أيضا لما لغاردر من منزلة بينهم وكذلك عامة الناس خاصة قراء أعماله وهم يعدون بعشرات الملايين حيث ستثير مقالته هذه فضولهم وتساؤلهم ورغبة التحري  عندهم  لقضايا وردت في مقالته ربما لم تثر اهتمامهم كثيرا من قبل.