القدس مدينة ذات وجه إنساني

القدس مدينة ذات وجه إنساني

د.جعفر هادي حسن

لمدينة القدس اهميةُ دينيةُ لدى المسلمين منذ ان أصبحت جزءا من الدولة الإسلامية، وتاتي هذه الأهمية من أنها كانت القبلة الأولى لهم،وأن لمسجدها ذكرا في القران الكريم في قوله تعالى “سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله” ، وكذلك لقصة معراج الرسول الأكرم إضافة إلى الأحاديث النبوية التي تؤكد على مكانة هذه المدينة وقدسيتها في الإسلام.ومنذ فترة مبكرة اعتنى المسلمون بها وكان لها مكان خاص في وجدانهم فكانوا يسافرون إليها ويقبلون على زيارتها ويتبركون بمسجدها حتى كان الالاف منهم يجتمعون فيها في وقت واحد في بعض المناسبات الدينية. وقد ذكر الرحالة ناصر خسرو أنهم كانوا يتجمعون في القدس في شهر ذي الحجة بالالاف وهو يذكر أنه في عام 1040 للميلاد كان هناك عشرون ألفا منهم. ومن مظاهر اهتمامهم بها أنهم أخذوا يبنون فيها المدارس والرباطات والمساجد والسبل ويذهبون للدراسة فيها والتعلم على يد أساتذتها وفي فترة من فترات تاريخ  هذه المدينة المقدسة كان هناك مايقرب من خمسين مدرسة للدراسات الإسلامية والعلوم الأخرى لمختلف المذاهب. كما أن علماء كبارا كانوا يذهبون لزيارتها او للدراسة فيها أو الإستمتاع بروحانيتها. وربما كان أشهر هؤلاء العلماء أبا حامد الغزالي الذي توفي في بداية القرن الثاني عشر الميلادي،وهو قد سافر إليها وبقي فيها لإثراء تجربته  والتمتع بأجوائها الروحانية. وهو نفسه يذكر أنه كان يذهب كل يوم إلى مسجد قبة الصخرة للتعبد والتهجد، وهو ربما اعتقد أن قدسية المدينة وروحانية أجوائها التي تحيط بها وعبقها المتميز وما اضفي عليها من تكريم في الإسلام وما قيل في حقها من أقوال واحاديث  قد يساهم في إيصاله إلى راحة الإيمان الراسخ واطمئنان اليقين وانفراج أزمته الفكرية التي كان يمر بها كما هو معروف. وهو كان قد كتب رسالة خاصة في علم الكلام عندما كان مقيما فيها عنونَها باسم المدينة واسماها الرسالة القدسية. كما أن هناك أكثر من عالم من العلماء المعروفين ينتسبون إليها ويسمون بالمقدسي. وقد تميزت هذه المدينة بانسانيتها وبانفتاحها على الشعوب والأديان الأخرى ولم تغلق الباب أمام أي منها ولم تمنع من يريدون السكن فيها بل كانت مفتوحة للآخرين من خارجها يأتونها من أماكن بعيدة.فالمقدسي (ت حوالي 990م) يذكر بعض المهاجرين إليها من المسلمين من أماكن بعيدة.ولكن العيش في هذه المدينة لم يقتصر على المسلمين بل كانت شعوب أخرى تاتي إليها من أماكن مختلفة كما  يذكر ذلك لنا الحاخام اليهودي القومسي الذي عاش في القرن التاسع.فهو قال  عندما خاطب اليهود وحثهم على المجيئ إلى القدس ،  “اليست الشعوب الأخرى تاتي من جهات الأرض الأربع إلى أورشليم ، في كل شهر وفي كل سنة ، خشية من الله ورهبة منه ، إذن ماذا دهاكم يا اخواني اليهود ؟  وهو يمدح حكم المسلمين ويثني عليه ،ويقول ولكن بعد ما جاءت مملكة اسماعيل(المسلمين) أصبحت الأمور أفضل ، لأن بني اسماعيل يساعدون اليهود القرائين دائما ، لتطبيق شريعة توراة موسى  ، ولذلك علينا أن نباركهم من أجل ذلك. والآن أنتم في وسط مملكة إسماعيل….إذن فلماذا تخافون الحاخامين؟ وأكثر من هذا فالمسلمون لم يكونوا ليقبلوا ضغوط الدول الأخرى لمنع أتباع دين من الأديان، للسكن في القدس والعيش فيها ،نعرف ذلك مما يذكره عالم وحاخام آخر هو يافث بن إيلي من القرن العاشر الميلادي عند شرحه لعبارة في المزمور11-2 التي جاء فيه “فإن الأشرار يشدون قوسهم وعلى الوتر يسددون سهمهم” يقول “إن هذا يعني أن البيزنطيين يكتبون إلى العرب دائما يطالبونهم بطرد اليهود من أورشليم، ولكنهم لم ينجحوا ، وقد تبين بكل وضوح أن هؤلاء كانوا يقومون بذلك ، منذ فترة طويلة”وهذه فيما أرى شهادة مهمة في حق المسلمين،وفي طريقة معاملتهم لأتباع الأديان الأخرى.ويذكرنا هذا بما قام به الخليفة عمر بن الخطاب،الذي سمح لليهود بالسكن في القدس بعد أن كان الرومان قد منعوهم،  وكان رئيس الكنيسة غير راض بالسماح لهم ويضغط من أجل عدم إرجاع اليهود.ومعروف أن المسيحيين أيضا كانوا يعيشون بسلام إلى جنب المسلمين منذ دخول المسلمين إلى فلسطين ،ولهم كنائسهم وأديرتهم كما هو معروف وكانوا يأتون من بيزنطة أيضا لزيارتها كما يذكر ناصر خسرو، وربما كان هناك أتباع أديان أخرى.

ولأن هذه المدينة لها موقع مركزي في وجدان المسلمين ودينهم فقد بذلوا كل ما لديهم لإعادتها إلى ماكانت عليه بعدما احتلها الصليبيون في نهاية القرن الحادي عشر  واخرجوا منها ممن بقي فيها من اليهود والمسلمين وجعلوها مدينة مقتصرة على المسيحيين وحدهم ، ولم يهدأ للمسلمين بال إلى أن استرجعوها وأعادوا إصلاح ما خربه الصليبيون من مساجدها ومدارسها فعاد إليها طابعها الإنساني المميز.

ولكن هذه المدينة المقدسة ذات الوجه الإنساني التي انفتحت على الآخرين ورحبت بهم وتقبلتهم واستقبلتهم كما راينا ترزح اليوم ومنذ عقود تحت حكم استعماري قاس بغيض لايرحم سكانها من غير اليهود ولايهتم بالقوانين الدولية ولا بحقوق الإنسان وإنما له هدف واحد خطط له منذ العام 1948 ويعمل على تحقيقه وهو إحكام السيطرة على هذه المدينة وجعلها مدينة يهودية خالصة بعد القيام بتزوير تاريخها.

وأنا الآن لا أريد أن أخوض بما تقوم به إسرائيل من عمليات تهويد لهذه المدينة من بناء للمستوطنات فيها وحولها،وتهديم بيوت الفلسطينيين وتركهم بلا مأوى ومن سحب لهويات المقدسيين منهم والغاء جنسياتهم واسكان اليهود في أحيائهم وممارسة الترهيب والترغيب لبيع ممتلكاتهم.فهذه الأعمال لكثرتها وتكررها أصبحت للناس معروفة، وإسرائيل لاتخفيها ولا تخشى الحديث عنها ولذلك بدأ احرار العالم منذ سنوات بسبب هذه الأعمال اللاإنسانية حملة لمقاطعة لإسرائيل يشترك في تنظيمها اليوم شخصيات عالمية معروفة كان آخرهم الفيزيائي العالمي المعروف ستيفن هوكنغ.ومما يدعو إلى التفاؤل أن هذه الحملة أخذت تاتي اكلها ولو ببطئ.

وبودي أن أختم هذا الحديث عن شيئ من تزوير إسرائيل لتاريخ هذه المدينة. وهذا التزوير يتمثل في عدة أمور منها تغيير أسماء الشوارع والأحياء العربية إلى أسماء عبرية وربطها زورا بتاريخ اليهود ،ومنها استعمال مصطلحات كاذبة تزور التاريخ مثل مصطلح إعادة توحيد القدس وهذا يوحي بأن المدينة كانت تحت سيطرة اليهود مع ان العالم يعرف بأن اليهود لألفي سنة لم يكن لهم دور في إدارة المدينة لا من قريب ولا من بعيد بل إنهم كانوا خارجها لقرون طويلة إلى أن أرجعهم المسلمون إليها

وإلى جانب التزوير في العصر الحديث هناك تزوير للتاريخ القديم لهذه المدينة

خاصة فيمايتعلق بالهيكل اليهودي واصرار إسرائيل أن مكانه كان في موقع الحرم القدسي الشريف .ومعروف أن إسرائيل منذ احتلالها للقدس الشرقية لم تبق حجرا على حجر في البحث عن دليل لوجود هذا الهيكل  والعثور على أثر تاريخي له والذي حدث بهذا الخصوص أنها ادعت اكتشاف آثار تقول انها تثبت ما تريد ولكن الذي تبين فيما بعد أنها اكتشافات مزورة.وبودي أن اذكر هنا بعض الأمثلة باختصار.  فمن هذه لوح حجري أعلن عنه عام 2003 بعد أن أطلع عليه بعض الخبراء قبل هذا التاريخ ووثقوه بأنه أثر اصيل . ويحوي اللوح كتابة من عشرة أسطر/ خمسة عشر سطرا تتضمن تعليمات يفترض أن الملك يهواش بن الملك حزقياه ملك يهودا (836 ـ ق.م798) قد أمر بها لإصلاح هيكل سليمان. وهذه التعليمات قد وردت في العهد القديم في سفر الملوك الثاني وما وجد على اللوح يشبهها كثيرا لغة وأسلوبا ومضمونا..وقد قيل عن الاكتشاف في حينها إنه أهم دليل حتى اليوم  على وجود ما يسمى بالهيكل الأول. وقد أشيع أن اللوح عثر عليه قرب المسجد الأقصى ولذلك أعلنت بعض المنظمات اليهودية المتطرفة أن النقش يثبت وجود الهيكل ويجب إعادة بنائه مكان الحرم القدسي الشريف من دون تأخير.وبعد أن فحصت اللوح لجنة من المختصين في أكثر من اختصاص توصلت إلى أن اللوح قديم(المادة التي نقشت عليها الكتابة) ولكن الكتابة مزورة وقدعرض تلفزيون “بي بي سي” برنامجا وثائقيا عن هذا اللوح وشكك في مصداقيته. وكان ممن اشترك في تزويره استاذ في جامعة حيفا.

ومن هذه الآثار المزورة قطعة صغيرة على شكل رمانة صغيرة من عاج اعتقد أنها رأس صولجان كبير كهنة المعبد، وقد نقش عليها عبارة “مقدس للكهنة، هيكل الإله يهوه”. وكان المتحف الإسرائيلي قد اشتراها في الثمانينات بـ500 ألف دولار واعتقد وقتها أنها الشيء الوحيد الذي يعثر عليه إلى اليوم يتعلق بموجودات هيكل سليمان. والغريب أن بعض المختصين هم الذين قالوا إن اللقية حقيقية قبل أن يشتريها المتحف. وطبقا للتوراة، فإن الرمان استعمل في تزويق هيكل سليمان. وقد ظلت هذه اللقية معروضة في المتحف الإسرائيلي لفترة سنوات وقد رفعت كثيرا من معنويات اليهود حيث اعتقدوا أنها تؤكد وجود هيكلهم في القدم ، وأخذ كثير منهم بعد سنين من عرضها يؤكد أن شيئا من فترة الملك سليمان قد عثر عليه. ولكن المتحف سحبها من العرض وأعلن أن النقش عليها حديث بعد أن قررت لجنة من المختصين ذلك. وقد كان لي نقاش حاد في أحد المؤتمرات الدولية في لندن مع الخبير المختص الذي برر أصالتها .

ومن الأشياء التي تبين أنها مزورة ختم حجري قيل في حينها إنه للملك منسه ملك يهودا (القرن السابع ق.م.) حيث نقش عليه “منسه ابن الملك”. وافترض أنه نقش يعود له قبل أن يصبح ملكا. وكان في حينها قد عرض على جامع آثار بمبلغ مليون دولار.

كما عرض أحد تجار الآثار “شمعدان” (منوراه)مصنوع من الصخر على أنه خاص برئيس كهنة ما يسمى بالهيكل الثاني وكان قد طلب مبلغا ضخما ثمنا له وقد تبين فيما بعد أن الشمعدان مزور.

ومن هذه اللقى قطعة من إناء فخاري عليها كتابة قيل إنها تعود لفترة مملكة يهودا، وقد تبين أنها مزورة كذلك. وقد اتهم في ذلك شخصان أحدهما خبير سابق في متحف إسرائيل. وبسبب كثرة التزوير في الآثارقال أحد الخبراء في هذا الحقل إن أي لقية من فترة العشرين سنة الماضية لا يعرف مكان العثورعليها في إسرائيل يجب أن تعتبر مزيفة”..ومن الكتب المهمة عن تجارة التزييف هذه كتاب المؤلفة نينا بيرليه بعنوان “التجارة غير المقدسة: قصة حقيقية للعقيدة، والطمع والتزوير في الأرض المقدسة”. وتستعرض المؤلفة ـ وهي أميركية لها عدد من المؤلفات ـ قصصا تتعلق بتزوير الآثار في إسرائيل والطرق المتبعة فيها والتقنيات المستعملة في ذلك والمجموعات المشتركة فيها.وبودي أن أشير هنا في ختام حديثي هذا، إلى كتابين مهممين من تاليف الأستاذ شلومو زند وهو استاذ جامعي إسرائيلي احدهما عن تزوير تاريخ اليهود كشعب كما يقول وعنوانه اختلاق الشعب اليهودي والآخر عن تزوير أرض فلسطين كما يذكر وعنوانه اختلاق الأرض المقدسة ،من المفيد الإطلاع عليهما وما ورد فيهما من معلومات.

 

تأثير الثقافة الإسلامية على اليهود القرائين

تأثير الثقافة الإسلامية على اليهود القرائين*(1-3)

د. جعفر هادي حسن

القسم الأول

من المعروف أن الغالبية العظمى من اليهود  كانوا قد عاشوا لقرون طويلة في الدولة الإسلامية ، وكان حالهم مختلفا عن حال يهود أوربا،الذين كانوا معزولين عن مجتمعهم وغير مسموح لهم بالمشاركة فيه،فقد كان يهود الدولة الإسلامية مشاركين في كثير من جوانب الحياة في المجتمع وناشطين فيها، ،وكان أحد أوجه تفاعلهم مع الحياة الإجتماعية، أنهم تعلموا اللغة العربية وكتبوا مئات الكتب فيها.ويتبين لنا من خلال النتاج العلمي والأدبي الذي وصلنا منهم ، مدى تاثرهم بالثقافة الإسلامية بصورة عامة. ولم يكن هذا التأثير على جانب معين من جوانب المعرفة، وإنما شمل الكثير منها ، كالأدب والفلسفة والنحو وعلم العروض واللغة وعلم الكلام وغيرها ، وكان الباحثون اليهود قد شخصوا هذا التاثير وميزوه  وتحدثوا عنه، ، وسأقتصر هنا على بعض الإقتباسات من أقوالهم دون غيرهم.

يقول ليو بك، وهو أحد زعماء الحركة اليهودية الإصلاحية المعاصرة

“إن اليهود مدانون وممتنون بعمق للحضارة العربية ، ويجب أن يعتبروا هذا الإمتنان فريضة من فرائض الله لايجوز أن ينسوها” أما س. وسرستروم فهو يرى ” أن المسلمين قدموا للجماعة اليهودية الوسائل الثقافية والإجتماعية ، التي حافظوا (بها) على استمرارهم. “[1] وهذا الكلام على إيجازه له دلالة مهمة. وأرى من المناسب أن أضيف إلى هذين الباحثين، رأي أحد المستشرقين المعاصرين –– وهو المستشرق المعروف برنارد لويس ، لأنه ذكر رأيه بشيئ من التفصيل عن هذا الموضوع ، ولأن شهادته من جانب آخر تكتسب أهمية في هذا المجال ، ليس فقط  لكونه مستشرقا يهودياً معروفا على نطاق واسع ، بل أيضا لأن موقفه من الإسلام والمسلمين، منذ فترة طويلة وما زال موقفا ناقدا وغير ودي ، بل شديد النقد، لذلك يصبح رأيه في تأثير الثقافة الإسلامية على اليهود واليهودية ذا مغزى وأهمية خاصة .

فهو يقول :

“ففي موضوع الفلسفة وحتى علم الكلام ، يمكننا أن نقول بدون تردّد ، بأن التأثير كان من الإسلام على اليهودية ، وليس العكس وكذلك صياغة المعتقد الديني على شكل مبادئ ، والذي هو شيء غريب على اليهود في عصر التوراة ، وكذلك في عصر التلمود. إن ظهور علم الكلام اليهودي ، كان قد بدأ متكاملاً في البلاد الإسلامية ، وكان ظهوره على أيدي الذين استعملوا مفاهيم علم الكلام الإسلامي ومفرداته ، وهذا أيضاً يقود إلى تأثير مهم آخر ، وهو تأثير المفردات العربية على اللغة العبرية . ومعروف أن اللغة العربية والعبرية ،هما لغتان من أصل مشترك واحد ، ولما كانتا كذلك فإن تقليد إحداهما للأخرى، واستعارة مفردات الواحدة من الأخرى ، هو شيء سهل. وكان اليهود المتعلمون في البلاد الإسلامية ، يجيدون اللغتين العربية والعبرية بشكل جيد، وإن قسماً من المفردات الفلسفية والعلمية في عبرية القرون الوسطى، والذي دخل الكثير منها في العبرية الحديثة، كان قد جاء من خلال الترجمات العربية.

وهذا يقود إلى شيء أكبر ، وهو موضوع تأثير العربية على “فيلولوجي” العبرية،( كعلم الصرف وغيره). فاليهود الذين كانوا يهتمون بدراسة اللغة العبرية من أجل فهم أفضل للتوراة ، اتبعوا طرقاً كثيرة استخدمها وابتدعها العلماء المسلمون من أجل دراسة النص المقدّس. فأصل القواعد وتطورها ونموّها وعمل المعجم ، والرغبة والجهود من أجل إثبات أصالة النص (المقدس) ، هي متشابهة بشكل واضح في الديانتين. وهنا لابد أن يبرز سؤال ، فيما إذا كان هناك علاقة بين الماسورانيين[2] الذين قاموا على تحقيق وتثبيت النص التوراتي، وما قام به المسلمون نحو القرآن من عمل شبيه ، والذي هو من المحتمل أن يكون أسبق زمناً. كما أن تأثير المسلمين على اليهودية ، كان أبعد من عالم الفكر، ومجال العلوم، لأنه قد أثر حتى على الطقوس.

وفي الأدب والفن فإن تأثير المسلمين على اليهود كبير جداً، وهو من هذه الناحية تأثير من جانب واحد تقريباً ، وليس تأثيرا متبادلاً. وإن الشعر العبري في العصور الوسطى، قد قلّد الطريقة والتقنية العربيتين بشكل واضح جداً ، بل الواقع (نجد هذا) في كل نظام الشعر من مصطلحات ورموز. وعلى الرغم من أن كل هذا مكتوب بلغة هي ليست من اللغات الإسلامية المستعملة ، ولكن الشعر العبري في العصور الوسطى ، وكذلك النثر يعتبران جزءاً من الثقافة نفسها ، مثلهما مثل الأدب العربي وغيره من الآداب الإسلامية. وفي الحقيقة فإن التأثير الإسلامي على الشعر العبري ، لم يقتصر على يهود العالم الإسلامي ، بل شمل هذا التأثير يهود فرنسا من خلال إسبانيا.

كما أن هناك شبها بين الفن الإسلامي والأعمال الفنية اليهودية ، ليس فقط في العالم الإسلامي ، ولكنه كان أيضاً في أوروبا المسيحية ، مثل رسومات الكتب ، وكذلك ( ماهو موجود) في الكنس اليهودية ، التي يظهر فيها التأثير الإسلامي بشكل واضح. وبالمقارنة مع يهود العالم الإسلامي ويهود أوروبا المسيحية ، يتّضح تأثير الإسلام.”[3].

وما ذكر أعلاه عن التأثير، يشمل اليهود القرائين وغيرهم ،ولكننا سنقتصر في هذه الدراسة على اليهود القرائين كما جاء في عنوان الدراسة ، لأننا إذا ماأردنا أن نتحدث عن تأثر العلماء اليهود من غير القرائين بالثقافة الإسلامية ، فإن الحديث سيطول وسيخرجنا عن موضوعنا ، الذي نريد الإقتصار عليه  هنا ، ولكن  يكفي لمن يهتم بالموضوع أن يطلع على مؤلفات العالم الحاخام المعروف ،سعديا بن يوسف الفيومي (من القرن العاشر الميلادي)، والفيلسوف الحاخام موسى بن ميمون(من القرن الثاني عشرالميلادي)، ليرى التاثير الواضح في كتاباتهم، ومدى تأثرهم بالفكر الإسلامي، بخاصة تلك الكتابات التي تتعلق بعلم الكلام، مثل كتاب “الأمانات والإعتقادات” للأول وكتاب “دلالة الحائرين” للثاني.

أما بالنسبة إلى تأثر اليهود القرائين بالثقافة الإسلامية ، فهي مسألة لا يجادل فيها أحد  ، ولا تحتاج إلى كثير من الأدلة والبراهين لإثباتها .فقد كان التأثير عليهم أكثر من غيرهم ، من أتباع الفرق اليهودية الأخرى . وقد أصبح هذا التأثر تهمة يوجهها لهم أعداؤهم من اليهود الآخرين ، ويكررون ذكرها كمنقصة عليهم ومثلبة لهم. ويقول التلمودي طوبيا بن أليعازر (من القرن الثاني عشر) “إن هؤلاء الناس قد أفسدوا كثيراً طريقة الحياة اليهودية الحقيقية ، لأنهم تلامذة المسلمين ، وهم متأثرون بروح مجنونة ضربت عقولهم.”[4] وقد وصل هذا التأثر في مرحلة من المراحل حدّاً أثّر على عقيدة بعض هؤلاء ، فتحولوا إلى الإسلام ، كما يذكر صموئيل (السموأل) بن يحيى المغربي (من القرن الثاني عشر)[5] وهو قد قال “إن أكثر القرائين خرج إلى دين الإسلام أولاً فأول ، إلى أن لم يبق منهم إلا نفر يسير ، لأنهم أقرب إلى الاستعداد لقبول الإسلام ، لسلامتهم من محاولات فقهاء الربانيين (التلموديين)، أصحاب الافتراء الزائد ، الذين شددوا على جماعتهم الإصر”[6].

وقد يكون أحد أسباب تأثر القرائين بالفكر الإسلامي ، أنهم عند ظهورهم وانفصالهم عن اليهود الآخرين (في القرن الثامن الميلادي)، كانوا بحاجة إلى قاعدة كلامية وفلسفية، يعتمدون عليها ويركنون إليها في رد هجوم التلموديين ونقدهم لهم، فكان أن وجدوا مبتغاهم في الفكر الإسلامي ومدارسه. وقد استوعب القراؤون هذه البحوث وفهموها ، خاصة وأنهم كانوا يجيدون اللغة العربية، وقد مكّنهم هذا ليس في الدفاع عن فرقتهم ، بل أصبح ذلك سلاحاً قوياً لهم في نقض آراء التلموديين ، وتفنيد حججهم ورد اتهاماتهم. ومن أجل التوسع في الأحكام الشرعية، فقد وجدوا ضالتهم في أصول فقه المذاهب الإسلامية بصورة عامة ، بعد أن كانوا يعتمدون كلياً على العهد القديم(التوراة) في استنباط الأحكام الشرعية، إذ لم يكن الإعتماد على التوراة كافيا ،لاستيعاب المسائل المتشعبة في الفقه، لذلك لجأوا إلى أصول الفقه الإسلامي ، فاستعانوا بها واستفادوا منها كما سنذكر ذلك فيما بعد.

القسم الثاني( 2-3)

في تشكيل التوراة وقراءتها وتفسيرها

وأود أن أبدأ هذا التأثير، بموضوع يتعلق بكتابهم الأول( التوراة) وتشكيل نصه وقراءته وتفسيره .فاليهود اهتموا بنص التوراة واعتنوا به وحافظوا عليه، كما اهتم المسلمون – منذ البداية – بالنص القرآني وقاموا على العناية به ، لأهميته لديهم ومكانته عندهم. وكان العلماء المسلمون قد قاموا بعملهم هذا في القرن الأول الهجري – السابع الميلادي – ،حيث تظافرت جهودهم في ضبط الحروف ووضع العلامات والتشكيل، للنص القرآني ، وما أن مرَّ قرن أو بعض قرن ، حتى رأينا عملية تشكيل النص التوراتي، تبدأ في بابل (في العراق)، وفي طبريه (في فلسطين) في منتصف القرن الثامن أو في نهايته على أيدي مجموعة من العلماء اليهود، الذين أطلق عليهم فيما بعد الماسورانيون.

وهناك اعتقاد بين علماء تاريخ النص التوراتي ، أن العمل الذي قام به الماسورانيون، كان تأثراً بما قام المسلمون ، وأشهر من يرى هذا الرأي العالم اليهودي الألماني بول كاله ، وكما أشار إلى ذلك أيضا برنارد لويس في النص السابق، الذي نقلناه عنه.وبودي أن أذكر هنا بعض الأدلة التي استقصيتها أنا، على تأثر تشكيل التوراة بما قام به المسلمون نحو القرآن.وأهم هذه الأدلة فيما أرى، هو استعمالهم للحركات وأسمائها العربية.فهم استعملوا للفتحة كلمة “فتح” ، واسم هذه الحركة يقابل الفتحة في اللغة العربية ( وقد انتبه بعض الباحثين إلى هذا وأشار إليه)واستعملوا للضمة كلمة ” قبوص”، وهي من الجذر العبري “قبص” ،التي تعني الضم والجمع. وهم استعملوا هذا الجذر، لأن الجذر “ضم”(الذي يفترض فيه أن يكون صم المضعف) غير موجود في العبرية.وهم استعملوا للكسرة كلمة ” حيرق” وهي من الجذر العبري ” حرق” بمعنى “كسر وثلم”.وفي العبرية يوجد الجذر “كشر”، المقابل الإفتراضي للعربي “كسر” ولكنه بمعنى مختلف، ولايدل على الكسر كما في العربية.وهم استعملوا الإسم ” شوا” للسكون، وهذا الإسم في العبرية يعني “فراغ”، ومن المحتمل أن يكون الماسورانيون قد استوحوا المصطلح العربي الذي يعني ” الفراغ” من الحركة.ويوجد في العبرية الجذر “شكن” ولكنه بمعنى السكنى، والذي هو صنو العربي” سكن”.وعلى الرغم من أن أسماء الحركات يستعملها اليهود بكل فئاتهم،إلا أن المعروف تاريخيا هو أن القرائين كانوا الرواد في ذلك.

ومما يتعلق بالتوراة أيضا، هو تأثرهم بعلم القراءات القرآنية ،وهو موضوع لم يعرفوه قبل اطلاعهم على ماقام به المسلمون . فهم أخذوا يؤلفون كتبا في قراءات التوراة ، كما ألف العلماء المسلمون .ومن هذه المؤلفات كتاب لأبي سعيد ليفي هاليفي من القرن العاشر – الحادي عشر في الموضوع المذكور ، وهو عن اختلاف قراءة الماسورانيين المشهورين بن آشر وبن نفتالي. وقد طبعت أجزاء من هذا الكتاب .وجاء في بدايته ما نصه “هذا ثبت ماوجد من الخلف في القراءة بين المعلمين الفاضلين ، أبو سعيد هارون بن موشي بن آشر ، وبن عمران موشي بن داود بن نفتالي.[7].ومن هذه الكتب كتاب ميكائيل بن عزيل، الذي يعتقد أنه عاش في القرن الثاني عشر، والكتاب أيضا عن اختلاف قرائتي بن آشر وابن نفتالي أيضا.[8] وكلا الكتابين من تاليف القرائين، ولا أشك بأن ماقام به اليهود القراؤون ، هو تأثر بما قام به المسلمون في هذا الموضوع. وربما تُكتشف كتب أخرى في هذا الحقل في المستقبل، لأن القرائين اهتموا بهذا الموضوع بشكل خاص دون غيرهم من اليهود الآخرين. وكان من مظاهر تأثرهم بالثقافة الإسلامية، بما يتعلق بالتوراة أيضا، هو تأليفهم تفاسير لها .[9]  ويعتقد أن القرائين هم أول من ألف من اليهود تفسيرا للتوراة، وكان هذا تقليدا لما قام به المسلمون، فاليهود عموما لم يكونوا يعرفون التفسير قبل ظهوره عند المسلمين.وظهر علم التفسير عند اليهود لايقتصر على القرائين بل إنه يشمل التلموديين أيضا،حيث بدأوا بالتاليف فيه في القرن العاشر الميلادي. .

في الصلاة

. كما أن صلاة القرائين اليومية الواجبة، اعتمدت أساسا على التوراة ، كما اعتمد المسلمون في صلاتهم على القرآن ،وهي فيها ركوع وسجود أيضا، كما عند المسلمين، وقد فصل ذلك عالمهم المعروف ، ليفي بن يافث بن إيلي حركات الصلاة، وعدَدها في كتاب له  باللغة العربية، فقال منها (الحركات) “الوقوف” و”الركوع” و”السجود” و”البروك” ،كما أنه يذكر “القنوت” أيضا وقد عرفه بقوله “بسط الكفين ورفعهما”. وكذلك قضية المحارم في الزواج كتحريم بنت الأخ وبنت الأخت ،اللتين يجوز الزواج منهما عند اليهود الاخرين إلى اليوم، بينما هما من المحارم المشددة عند القرائين، كما في الإسلام .

في التقويم السنوي

. ومن تأثر القرائين المهم بالإسلام اتباعهم طريقة المسلمين في حساب الأول من الشهر ( التقويم القمري)، حيث يعتمدون على رؤية الهلال والشهود عليها، كما عند المسلمين ، دون طريقة الحسابات الفلكية ، التي يعتمدها اليهود الآخرون.والتزامهم هذا أصبح نقطة خلاف كبيرة بين التلموديين والقرائين . ورؤية الهلال بالنسبة للقرائين مهمة ، فهم يؤكدون عليها في الصلاة ، وكذلك في صلوات المناسبات الدينية، حيث يردد الجماعة فيها عبارة “والقمر في تجدده وظهوره ورؤيته بالعين بعد اختفائه..” ويؤكدون عليها أيضا في الزواج ، فإن الزوج والزوجة يقسمون بأنهم يلتزمون بالمناسبات الدينية ، التي تحدد برؤية الهلال ويوقعون على ذلك.[10]

 

في التصوف الإسلامي

 

وتأثروا أيضا ( الى جانب اليهود الآخرين) ، بالتصوف الإسلامي. فقد وُجدت بعض المخطوطات الصوفية ، في مجموعة أبراهام فرقوفتش ،والتي كانت من مقتنيات اليهود القرائين ، التي كانوا يدرسونها. منها مقدمة كتاب الصيهور للحسين بن منصور الحلاج (ت922م) ، وكذلك أوراق من كتاب السماع ،وهو عن الموسيقى الصوفية. وكذلك عثر على أوراق من الرسالة القشيرية ،لأبي القاسم عبد الكريم القشيري(ت1072م) كتبت في عام 1045م. وكذلك عثر على بعض أبيات من قصيدة صوفية.

وكان قد عثر في إحدى مكتبات بريطانيا على مخطوطة للفتوحات المكية للشيخ ابن عربي(1240م) ، كانت من مقتنيات اليهود القرائين،وكذلك نسخة من كتابه “التجليات” أيضا، باللغة العبرية . والكتاب هو أحد أهم كتب ابن عربي (ويحتوي على مائة تجل تتمحور حول أسرار التوحيد وتجلي الله). وطبقا لبعض الباحثين المعاصرين، فإن ابن عربي كان له تأثير على اليهود ، إلى فترة متاخرة[11] . وكان القراؤون يقرأون كتاب “الروض الفائق وحقيقة الحقائق” لعبد الكريم الجيلي.[12]وكل هذا يدل على اهتمام اليهود بصورة عامة بالتصوف الإسلامي، وقراءة مصادره المختلفة ودراستها،وربما سنكتشف في المستقبل بعض التأثيرات الصوفية  في دراساتهم.

ومن المفيد أن أشير هنا إلى أن  من العلماء اليهود غير القرائين، الذين تاثروا بالتصوف الإسلامي، كان الحاخام أبراهام(ت1237م) بن الحاخام موسى بن ميمون، فقد كتب هذا الحاخام  كتابا صوفيا مهما باللغة العربية بعنوان “كفاية العابدين” . وهو ليس كتابا في الفكر الباطني اليهودي (القبلاه) ، الذي يشبَه بالصوفية ، وإنما هو كتاب في التصوف ،حيث اعتمد على مصادر صوفية إسلامية. وقد نصح مؤلفه بتبني الطريقة الصوفية في التدريب والتمرين ، للوصول إلى الكمال الإنساني.[13] وكان هذا الحاخام قد تجمع حوله مجموعة من المريدين، واعتبروه شيخا لهم، وهم وإن لم يطلقوا على أنفسهم صوفيين ،  واستعملوا الكلمة العبرية “حسيديم” ،إلا أن سلوكهم كان يشبه سلوك الصوفيين، وكان ابن هذا الحاخام، واسمه عوبادياه أحد تلامذته وممن اتبع طريقته أيضا.

في علم الكلام

وأعود الآن إلى موضوع تاثر القرائين بعلم الكلام الذي أشير إليه سابقا . وسأذكر شيئا عن تأثرهم به وأمثلة عليه ، والذي قال عنه بعض الباحثين اليهود” إن القرائين من أوائل اليهود الذين قلّدوا المعتزلة في محاولتهم لعقلنة المعتقدات اليهودية، وقد تبنّى القراؤون آراء المعتزلة بكل التفاصيل ، وكان أحياناً من الصعب التفرقة، فيما إذا كان المكتوب لواحد من القرائين اليهود أو لمسلم[14].وكان العلماء المسلمون ، قد أطلقوا على القرائين أهل العدل والتوحيد ، كما أطلقوا على المعتزلة للتشابه بين المجموعتين.

وقد اخترت اثنين من أبرز علمائهم ، اللذين تطرقا إلى كثير من القضايا الكلامية، وسننقل أمثلة من كتبهما كنماذج على هذا التأثر. الأول هو أبو يوسف يعقوب القرقساني(من القرن العاشر الميلادي)،وهو من العراق ، وكان قد ألف أكثر من كتاب، ولكن كتابه  “الأنوار والمراقب” . هو أشهر كتبه وأهمها ، حيث يتطرق فيه إلى الكثير من القضايا الفلسفية والكلامية والفقهية . ويشمل نقاشه وحديثه ليس فقط مايتعلق باليهود، بل أيضا بعض عقائد المسلمين والمسيحيين أيضاً ، إلى جانب قضايا أخرى ليس لها وشيجة بالأديان أو علاقة بها .

أما المسائل التي نعتقد أنه قلد  في مناقشتها  العلماء المسلمين ، فهي كثيرة. فمنها مسألة كون الله جسماً أو ليس بجسم ، وكذلك مسألة نفي التشبيه عنه، ومسألة رؤية الله بالأبصار وعدمها، وكذلك مسالة صفاته ، من حياة وقدرة ، وعلم، وفيما إذا كان كلام الله مخلوقا أو غير مخلوق،وغيرها من المسائل التي يبدو فيها متاثرا بالفكر المعتزلي بشكل خاص.

وسنذكر هنا ما يذكره القرقساني عن موضوع الأفعال والصفات، التي توهم التشبيه والتجسيم، والتي وردت في التوراة ، وكذلك قضية كلام الله فيما إذا كان مخلوقا أو قديما.

فبالنسبة إلى الموضوع الأول فهو يرى، بأن كل ما ورد في التوراة ، مما يوحي بالتشبيه والتجسيم بالنسبة إلى الله يجب أن يؤول ، ولا يصح أن يؤخذ حرفياً،وهذا هو رأي المعتزلة كما هو معروف.

فهو يقول “فأما جميع ما وصف به (الله) من الورود  (الدخول) والخروج، والخطو والركوب ، فإن ذلك كله راجع إلى القدرة والسكينة والأنوار والمواكب السمائية، التي هي جيوش الملائكة، وذلك أنه لو كان ذلك خروجاً على الحقيقة ، وجوازاً وخطواً ووروداً حقيقياً، لوجب أن تكون الذات حالّة في مكان دون مكان، إذ كان الخروج ، إنما هو مفارقة مكان، وحلول في مكان غيره ،والكتاب أخبر أنه حالٌّ في كل مكان”[15].

وهو كذلك يؤول معنى الجوارح الإنسانية، التي وردت في التوراة مشيرة إلى الخالق. ولا يقبل القرقساني بها، إذا أعطيت معناها الحرفي. فهو يقول في هذا الخصوص “إن الله خاطب الناس من حيث تبلغه عقولهم على ما طبعوا وركّبوا “[16].

وهذا هو أيضاً ما يقوله المعتزلة، ومن يرى رأيهم فهم “قد اتفقوا على نفي رؤية الله تعالى بالأبصار في دار القرار ، ونفي التشبيه من كل وجه، جهة ومكاناً وصورة وتحيّزاً وانتقالاً، وزوالاً وتغيّراً وتأثراً، وأوجبوا تأويل الآيات المتشابهة فيها”[17].

وكان موضوع كلام الله من الموضوعات التي احتدم حولها جدل كثير، ودار فيها نقاش طويل ، قبل عصر القرقساني مباشرة. وقد انصب النقاش والجدل بين المسلمين حول ما إذا كان كلام الله مخلوقاً أو قديماً. وقد تفرّع عن هذا مسألة خلق القرآن أو قدمه ، لأنه كلام الله كذلك ، وفيما إذا كان قد أحدث وقت الإيحاء به أم لا، وسميت هذه القضية قضية خلق القرآن.[18] وكانت قد أخذت كثيراً من جهد العلماء ووقتهم ، وأعطيت أهمية ما كان يجوز أن تعطى لها ، لأنها لا تمت بسبب كبير إلى صفاء العقيدة وخلوصها. وكانت إثارتها بين الناس مضيعة للوقت ، وهدرا للطاقات ، وادخلت الناس في مداخل كانوا في غنى عنها، إذ هي وسعت شقة الخلاف بين المذاهب وزادتها عمقا وتوترا.

ولقد حاق ببعض القضاة والعلماء وغيرهم ظلم ما كان يجب أن يحيق بهم ، وأصابهم حيف ما كان يجب أن يصيبهم، فكان الفقيه يحبس، والقاضي يطرد من وظيفته والمحدث يعزل من موقعه ، والشاهد لا تقبل شهادته إذا لم يقر بخلق القرآن، حتى اضطر الفقيه أحياناً أن يهرب بجلده ، كما يذكر المؤرخ الكندي ، في كتابه “كتاب الولاة وكتاب القضاة”.

 

وكانت فرقة المعتزلة وبعض الفرق الأخرى تأخذ بالقول بخلق القرآن، وقد أدلى القرقساني بدلوه فيما يتعلق بكلام الله ، وما يتعلق بالتوراة تأثرا بما قام به المسلمون.

فهو عندما يذكر نص التوراة في سفر العدد 2/7 – 8 “إذا كان منكم نبي للرب فبالرؤيا استعلن له، وفي الحلم أكلمه، وأما عبدي موسى، فليس هكذا، بل هو أمين في كل بيتي ، فماً لفم وعياناً أتكلم معه لا بالألغاز”[19]، يعلق على ذلك بالقول ففضل الله عزّ وجلّ موسى(عليه السلام)، وخصّه من الخطاب بما لم يخص به غيره من سائر الأنبياء، وهو أنه اخترع له كلاماً، أقامه في شيء من الأشياء. إما هواء وإما نارا، أو غير ذلك، فأسمى نفسه بذلك متكلماً لموسى ، كما يكلم الإنسان صاحبه من فمه ، حتى يجعله في فمه وكما يواجه الكلام شفاهاً بغير الواسطة… وإني أخاطبه فماً لفم، وذلك باختراع الكلام بلا واسطة”.

ثم يذكر اعتراضاً مفترضاً لمن يقول بقدم الكلام فيقول “فلعل من يقول بقدم الكلام يتعرّض (يعترض) في هذا القول فيقول: إذا زعمتم أن الله عزّ وجلّ يحدث كلاماً في غيره فيكون متكلماً، لم لا يجوز أن يحدث حركة ولوناً وموتاً في غيره، فيكون متحركاً ملوّناً، ميتاً”[20].

وفي الرد على هذا الكلام (الاعتراض) يدخل القرقساني في مسائل فلسفية وكلامية عويصة، يتطرق فيها إلى الفرق بين الفعل والحلول، وأن اللون والحركة حلول، وأن مخاطبته والكلام والأمر والنهي فعل ، مع وجود فرق كبير بين الاثنين كما يقول. وليس القرقساني وحده من القرائين الذي يقول بخلق كلام الله  ،وإنما هناك آخرون منهم، ايضا كانوا يقولون بخلق كلام الله مثل يافث بن إيلي ، فهو يقول “إن كلام الله يخلق خاصة للوحي ، وهو لايختلف عن كلام الإنسان الذي يبتدع في وقته”.[21] وأرى أن مناقشة هذا الموضوع من قبل اليهود القرائين، إنما كان تأثرا واضحا بما قام العلماء المسلمون.

والمؤلف الآخر الذي اخترته لموضوع هذا التأثر، هو أبو يعقوب يوسف البصير،(عاش في القرن الحادي عشر الميلادي)،وأطلقوا عليه البصير لأنه كان أعمى. ويعتقد أنه كان عراقيا أيضا، وقد ألف عددا من الكتب المهمة ويعد البصير من أبرز متكلمي القرائين ومتفلسفيهم، ولقد تأثر هذا الرجل كثيراً بكتابات المتكلمين المسلمين وفلاسفتهم. ولم أكن أعرف مقدار هذا التأثير عليه ، إلا بعد أن عثرت على كتابه “المحتوي”وهو كتاب ضخم ، كتب بلغة عربية وحروف عبرية،وبهذا حرم من قراءته من لايعرف العبرية . ولولا معرفتي بهذه اللغة لما تمكنت من قراءة الكتاب،والنقل عنه. ولا أدري لماذا لم يحاول محقّق الكتاب ، الذي نشره عام 1985م أن يحول حروفه العبرية إلى عربية ، ليستفيد منه أكبر عدد ممكن من الدارسين والباحثين ، إذ أن إبقاءه على ما هو عليه ، يقلل كثيراً من عدد المستفيدين منه ، ويحرم الكثير من المهتمين بهذه الدراسات من الإطلاع عليه ، إذ لا يمكن أن يقارن عدد القراء بالعبرية بعدد من يقرأ بالعربية.

 

ويعد الكتاب ذا قيمة وأهمية كبيرة في القضايا الكلامية والفلسفية ، التي كان يدور الجدل حولها في عصر المؤلف ، كذلك يعطينا الكتاب فكرة عن مدى تفاعل أتباع الأديان الأخرى مع الثقافة الإسلامية ، وتأثرهم بها وهضمهم لها.ويتبع البصير في كتابه هذا مدرسة الكلام البصرية من المعتزلة بخاصة “البهشمية”، وينتقد كثيرا آراء معاصره المتكلم المعروف أبي الحسين البصري (ت 1045م) .

ومنذ الفصول الأولى ، يحصل لدى القارئ انطباع عن مدى فهم المؤلف لمسائل علم

الكلام وتعمقه فيها واستيعابه لها . ولكي أعطي القارئ فكرة موجزة عن هذا التأثر، أود أن أذكر بعضا من موضوعات الكتاب المذكور التي درسها المؤلف وناقشها وهي:

– باب في الصفات.

– باب في كونه تعالى عالماً.

– باب في كونه تعالى قديما

– باب في نفي الرؤية عنه تعالى

– باب في كونه تعالى واحداً لا ثاني له

– باب في الإرادة

– باب في انه سبحانه لا يفعل القبيح

– باب في أحكام القدر

– باب في إثبات القدرة

– باب في خلق أفعال العباد

– باب في معنى اللطف

– معنى الأصلح

وقد بحث العلماء المسلمون هذه الموضوعات أو أكثرها في دراساتهم الكلامية،وسأذكر تاليا بعض المسائل التي ناقشها البصير والمتكلمون المسلمون. فأحد هذه الموضوعات التي عالجها المتكلمون ، موضوع ما أطلق عليه الموازنة في حساب العقوبات، أي إجراء حساب العقاب والثواب بحيث تسقط من العقاب بمقدار ما يستحقه العبد من الثواب. وقد ناقش هذه المسألة أبو علي الجبائي وابنه أبو هاشم . وقد عالج البصير هذه المسألة في كتابه تحت فصل عنونه (باب الموازنة وما يحصل بذلك من دوام العقاب ، وما جرى مجراه من الذم والمدح المستحقين بشرط وبغير شرط وما يتصل بذلك) وهو يقول في ثنايا هذا الفصل من جملة ما يقوله:

ألا ترى أنه إذا استحق بطاعته عشرة أجزاء من الثواب ، وبمعصيته خمسين جزءاً من العقاب فالحكم للمعصية ، وقد حصلت طاعة صغيرة ثوابها يغرق فيجنب عقاب معصيته ، إذ رتب من عقابه عشرة أجزاء بإزاء العشرة التي استحقها من الثواب بطاعته، وقد حصل عليها فاضلاً أربعين جزءاً فهو إذن من أهل العقاب وكذلك الكلام بالعكس”[22].

ومن المسائل التي تطرّق لها في كتابه هي مسألة اللطف الإلهي ، وهذه المسألة هي من المسائل التي ابتكرها المتكلمون المسلمون ومتفلسفوهم. واللطف عند المتكلمين هو أن يختار المرء الواجب ويتجنّب القبيح ، أو أن يكون ما عنده أقرب ، إما إلى اختيار الواجب أو ترك القبيح ويسمى أيضاً توفيقاً ، وربما يسمى عصمة وقد يسمى هداية ويكون ، إما من فعل الله، أو من فعل العبد ، والأخير يشمل فعلنا وفعل غيرنا[23]. وقد تفرّعت مسائل أخرى عن هذه ، ومنها هل أن اللطف واجب على الله أو غير واجب؟ وهل أن اللطف من سائر أجناس المقدورات ، أو أنه ليس كذلك إلى غير ذلك من مسائل شغلت حيزاً من مؤلفات الكلاميين.

وقد عالج البصير هذه المسألة بإسهاب تحت فصل عنونه بـ”في معنى اللطف وفي الدلالة على وجوبه ، والفرق بينه وبين الأصلح وما معنى الأصلح”.

وهو في هذا الفصل يذكر أكثر المسائل المتعلقة باللطف ، ويذكر آراء أبي علي الجبائي، وابنه أبي هاشم ويختار بعضها ، ويذكر كما ذكر الآخرون، بأن اللطف يسمى أحياناً توفيقاً وكذلك عصمة[24]. وما ذكرناه قد يعطي صورة ، لما أردنا التدليل عليه والإشارة إليه والحديث عنه في هذا الموضوع. وسأذكر الآن موضوع أصول الفقه الذي أشرنا إليه سابقا.

القسم الثالث (3-3)

ذكرت فيما سبق أن القرائين اعتمدوا في فقههم أصولاً ، هي شبيهة كثيراً بما اعتمده علماء أصول الفقه المسلمون إذ هي عندهم: الكتاب (التوراة)، والنقل (الرواية)، والاجتهاد، والقياس ، والإجماع.

والتالي هو عرض لهذه الأصول باختصار

الكتاب (التوراة)

يقصد بالكتاب عند القرائين ليس التوراة بالمعنى الخاص (الكتب الخمسة الأولى) كما عند التلموديين ، بل التوراة بمعناها العام أي العهد القديم كله. وهم يسمونه أحيانا النص . والكتاب بالنسبة إليهم هو المصدر الأول والأهم، الذي يرجعون إليه لمعرفة الأحكام الشرعية ، ولأهمية الكتاب وقدسيته عندهم أوجب علماؤهم على أتباعهم ، أن يعرفوا لغة الكتاب ويفهموها ، وكذلك عليهم أن يفهموا تفسيره ويجتهدوا في معرفته. وبسبب أهميته عندهم ، فقد أولوا نصه عناية خاصة ، تمثّلت أكثر ما تمثلت في ضبط رسمه وتنبيره، وتقسيمه إلى فصول وعبارات ومقاطع، ولذلك كان للقرائين يد طولى في ضبط نص العهد القديم ، كما ذكرت سابقا.

ونص الكتاب عندهم يشمل الحروف والحركات ، فكلاهما مقدس عندهم، وقد قال يهودا هداسي،أحد علمائهم الكبار عن ذلك “إن الكتاب المقدس يجب أن يشكل وينبّر ، لأن الإله لم ينزله بدون هذين”. وهذا الرأي يختلف عما يراه التلموديون ، فهم لا يعتبرون التشكيل مقدساً ،وقد قال الحاخام التلمودي نطروناي “إن الحركات لم تنزل في سيناء، وإنما العلماء هم الذين وضعوها”.وهناك مسألة مهمة تتعلق بمعنى النص التوراتي،وهي أن القرائين يأخذون بالمعنى الحرفي للنص، وهو المعنى الظاهر ،وهو أحد الأسس العامة التي وضعها علماؤهم لتفسير الكتاب، ولكنهم في حالات معينة لا يلتزمون بذلك ، كما إذا كان التفسير الحرفي مثلاً يقود إلى شيء غير مقبول، في ضوء معتقدهم ، أو أنه يقود إلى تناقض في معاني الكتاب، أو أن التفسير يقتضي القول بتجسيم الإله، وهو شيئ يرفضونه كما رأينا، وحينئذٍ لا يؤخذ بالتفسير الحرفي. يقول يافث بن إيلي ،وهو من علمائهم المميزين عن هذا “ليس هناك مبرر لرفض معنى ظاهر النص لكلام الله وكلام الأنبياء، إلا إذا كان ظاهر النص غامضا، أو مستحيلا في ظاهره ،لأنه يناقض العقل أو النص المحكم”.[25] والنص المحكم- وهو مصطلح إسلامي- هو الواضح البين والغامض هو المتشابه..وقال القرقساني”إن الفرائض في نصوص التوراة يجب أن تفسر على معناها الظاهري ،إلا إذا كان ذلك يقود إلى معنى غير صحيح أو إلى تناقض،وهذا لاينطبق على التشريعات فقط ، بل حتى على الأخبار أيضا، لأننا إذا أوَلنا النص لمعنى باطني، دون أن تكون هناك ضرورة فسيُتوسع بهذا إلى الشرائع ، وحينئذ ستفقد معناها الحقيقي المقصود ، لأن التأويل يمكن أن يطبق على أي نص أو عبارة وطبقا لرغبة أي شخص”.[26]

بينما يرى سعديا الفيومي-التلمودي المعروف- أن المعنى الظاهري البسيط (لنص التوراة) إذا كان يخالف الروايات التلمودية فإنه لايؤخذ به[27].ومعروف أن هناك الكثير من روايات الحاخامين ، وأحكامهم تخالف ظاهر نص التوراة.وكان الفيلسوف اليهودي باروخ(بندكت) سبينوزا ( ت1677م) قد انتقد رأي التلموديين هذا ورفضه وقال” أما مايقوله الفريسيون( التلموديون لاحقا) من أن اليهودي ، يجب أن يعتمد على تفسيراتهم للتوراة ، فإنه مرفوض، إذ كما كان بين البابوات فاسقين ومنحرفين، فقد كان بين الكهنة (اليهود ) الكبار في السابق، من هو فاسق ومنحرف عن العقيدة ، وهم تبوؤا مناصبهم بطريقة غير أخلاقية”.[28]

الرواية (شلشلة هاعتقاه)

اعتبر النقل أو الرواية ، أصل من أصول الفقه عند القرائين ، (وهي تقابل السنة عند المسلمين) وأطلق بعضهم عليها “شلشلة هاعتقاه” (سند النقل/الرواية). وقد أعتمدوا عليها في استنباط أحكامهم ، مثل الأصول الأخرى. ويسمونها أحيانا ” سفل هايروشا” [29]( نقل التقليد/الموروث). والرواية عند القرائين لا تعني الرواية الشفوية ، كما هي عند التلموديين ، بل أخذت تعني النقل المكتوب ، وهذا يجب أن يكون منقولا ًعن الأنبياء بعد موسى عن طريق الكهنة ، الذين ضمهم العهد القديم. أما الرواية عند التلموديين ، فهي تعني ما تناقله رواتهم المعتمدين عندهم شفوياً من حاخاميهم وعلمائهم، الذين عاشوا أيام وجود المعبد اليهودي في أورشليم وبعد تهديمه ، وهم يوصلونها صعودا إلى موسى النبي.

ويعرف القراؤون الرواية الصحيحة ، بأنها تلك التي كانت بيد الأمة بأسرها أو بيد أكثرها ، وليس بيد قوم يسير ، لأنها إذا كانت كذلك فهي – كما يقولون – رأي وليس برواية.

ويقول القرقساني “إن النقل يحتاج أن يكون في يد جميع الأمة ، أو في يد أكثرها ، مثل يوم السبت أو ما يشبه ذلك ، الذي هو في يد الخلق أجمع، وهذا النقل ، الذي يدعيه من قال بقول الربانيين (التلموديين) ، إنما هو في يد قوم يسير منسوباً إليهم ، دون غيرهم ،إذ كنا نراهم يقولون فيمن يخالفهم في العيد وفي غيره ، هذا مخالف للربانيين (التلموديين) ،ولا يقولون هذا مخالف لله أو لتوارته”[30].

ثم إن القرائين اشترطوا أيضاً في الرواية المقبولة، ألا تخالف حكماً من أحكام التوراة، أو نصا من نصوصها. وقد قال سهل بن مصلياح في ذلك “إن من واجبنا أن نفحص ما فعل الآباء ، ونختبر أعمالهم ونعرض أعمالهم على التوراة.” ومن الملاحظ أن هذا الرأي يتصادى ورأي العلماء المسلمين بالنسبة إلى السنة النبوية. إذ الأحاديث المخالفة للكتاب لا يؤخذ بها ، ولا يعتمد عليها. وقد ذهب بعض القرائين إلى ابعد من ذلك ، فاشترطوا أن يكون للرواية دعم من الكتاب (التوراة) وتأكيد لها. يقول الياهو بشياجي(من القرن السادس عشر) “إن الرواية التي ليس لها نص يدعمها من الكتاب ، هي رواية باطلة ، وقد قال الشيخ الرئيس طوبيا عن الذين يقولون ، بأن بعض النقل ليس له سند من الكتاب، أنهم ذوو عقول قاصرة عن العثور على الأصل في التوراة”[31].

وقال أيضا: “لقد قال علماؤنا إن كل رواية لا تخالف الكتاب ، ولا تضيف شيئاً زائداً على حكمه ، وتكون مقبولة لدى اليهود ، ولها دعم غير مباشر من التوراة ، فهي رواية أصيلة(صحيحة) ويجب قبولها”[32].

وقد أخضع موسى بشياجي الروايات إلى الدراسة والفحص،  وذكر السلسلة الصحيحة للرواة الثقاة من اليهود ، الذين يجب أن يؤخذ برواياتهم ويعتمد عليها. وقد وضع هذه السلسلة بدءاً من النبي موسى(عليه السلام) وانتهاء بالأمير بوعز حفيد عنان بن داوود[33]. أي أن الروايات أخضعت لما يسمى في علم الحديث بالجُرح والتعديل ، الذي وضع اسسه العلماء المسلمون ، لتمييز الضعاف والمتروكين والمجهولين والمدخولين، والكذابين عن غيرهم. وهذه السلسلة للرواة عند القرائين تختلف عن تلك التي يأخذ بها التلموديون ، كما ذكرت سابقاً، وهذا الإختلاف يشبه تماما الإختلاف الموجود بين بعض الفرق الإسلامية ، الذي مازال يشغل المسلمين عن قضايا أخرى تمس وجودهم ومستقبلهم.

وقد أعطى القرقساني مثالا على النقل وقال ” ومن سأل عن كتابة كتاب التزويج ، الذي هو الكتوباه[34] ، من أين وجب وليس نرى لذلك في الكتاب أثر ، كان الجواب في ذلك النقل والوراثة ، الذي هو موجود في يد جميع الأمة  لم يخالف في ذلك أحد منهم ولاأفسده نص آخر ولاقياس ولاخبر …”[35] وأعطى الياهو بشياجي أمثلة من الأحكام ، التي أخذت عن طريق الرواية ، مثل الأحكام التي تتعلق بالذبح الشرعي للحيوان كطريقة الذبح، وأداة الذبح إلى غير ذلك. وكذلك موضوع بداية الشهر وثبوته عن طريق رؤية الهلال ، وغيرها من المسائل[36].

ويعتبر القراؤون روايات التلموديين متعارضة في كثير من الأحيان مع أحكام التوراة ومخالفة لها . وقالوا كذلك إن التلموديين قد أزادوا وأنقصوا وأنهم يقولون – أي التلموديون – إن الرواية يؤخذ بها حتى لو خالفت التوراة[37]، واتهموهم كذلك بأنهم وضعوا أشياء من أجل التكسب بها عند الناس[38].

الاجتهاد(الحفوس)

رفض القراؤون منذ بداية ظهورهم فكرة التقليد، التي أقرّها التلموديون فيما يتعلق بالأحكام الشرعية ، واعتمدوا الإجتهاد منذ البداية (واسموه حفوس من الجذر العبري “حفس” بمعنى بحث واستنبط). وكان أول من دعا إلى ذلك ونادى به عنان بن داوود الذي ينسب له القول المشهور “ابحثوا في التوراة باجتهاد، ولا تعتمدوا على رأيي”[39]. وربما كان دانيال القومسي أحد رواد حركتهم، أول الداعين إلى رفض التقليد ، فهو قال يجب رفضه في كل وقت، ويجب الإلتزام بالفحص والبحث ،لأن التقليد إنما هو اتباع رأي شخص واحد.[40] ولكن التلموديين، يرون أن اليهود يجب أن يتبعوا ما سار عليه آباؤهم، ويأخذوا بما أقرّه أحبارهم الأوائل. وقد رد القراؤون على التلموديون آراءهم هذه. وكان ممن ردّ ذلك أبو الحسن يافث بن إيلي، إذ قال “فهذه الأقاويل ونظائرها تدل على بطلان قول اصحاب التقليد،الذين أهلكوا إسرائيل بما دوّنوه ، وقالوا لايجوز أن تعرف فرائض الله تعالى من البحث، (وأنه) يجب التقليد لخلفاء الأنبياء، وهم أصحاب المشناة والتلمود”[41].

ومن جملة ما يستدل به القراؤون على رفض التقليد ما جاء في سفر زكريا 1/4 “لا تكونوا مثل آبائكم” وكذلك بما جاء في المزمور 78/7 “إن الجيل القادم، سوف لا يكون مثل آبائه جيلاً معانداً وغير مطيع” [42] وهم اعتبروا مثل هذه النصوص دالة على رفض التقليد ،وأصبح الاجتهاد أصلاً من أصول فقههم فأخذوا به وحثّوا عليه ومارسوه. وقال دانيال النهاوندي أحد فقهائهم الكبار “إن من يجتهد يثيبه الله، حتى لو أخطأ في اجتهاده عن نية حسنة”،وهذا يذكرنا بما هو معروف عند المسلمين في هذا الشأن. وكان يقول عن نفسه بأنه ليس نبياً أو ابن نبي، ومن حق من يقرأ كتبه أن يختلف معه في الرأي بقصد حسن.[43] وقد قال الكلام نفسه القومسي ، وسلومون بن يروحام وسهل بن مصلياح، الذي  قال “إن القرائين يقولون لإخوتهم ادرسوا وابحثوا وجدوا في الطلب، وتحققوا وخذوا بما يؤكده الدليل القوي، الذي يقبله العقل.”[44]

.ومن أقوال علمائهم أيضا “إن من مسؤولية القرائين أن يدرسوا التوراة ويبحثوا فيها ويفهموها، وأن من لا يدرسها يكون ذنبه أعظم من ذلك الذي يدرسها ويخطئ”[45]. وهم يعتبرون البحث عن معاني التوراة والاجتهاد فيها والغوص في أعماقها، كالبحث عن كنز دفين في باطن الأرض، ويدعمون رأيهم هذا بما جاء في سفر الأمثال 2/4 – 5، إن طلبتها كالفضة وبحثت عنها كالكنوز، حينئذٍ تفهم مخالفة الرب وتجد معرفة الإله[46]. وبسبب فتح باب الاجتهاد هذا فقد تعددت الآراء الفقهية بين القرائين، وكثرت حتى قيل إنه لم يوجد (في القرن العاشر الميلادي) عالمان اثنان منهم اتفقا على مسألة واحدة من المسائل. وقد اعتبر أبو أسحق يعقوب القرقساني ذلك نتيجة طبيعية للاجتهاد، وقال عن ذلك “ونحن إنما نستخرج العلم استخراجاً بعقولنا، وما كان هذا سبيله لم ينكر وقوع الخلف فيه”.[47] ولقد قلّت هذه الاختلافات كثيراً ،  بعد أن اشترط العلماء القراؤون على من يريد أن يستنبط حكماً، أن تكون له القدرة العلمية على ذلك ، وإلا فيجب عليه أن يستشير من هو أهل لذلك”[48].

ولم أعثر على شروط خاصة بالمجتهد اشترطها القراؤون، كما اشترط المسلمون شروطاً للشخص كي يكون مجتهداً. ولكنني وجدت شرطاً واحداً اعتبروه مهماً في عملية استنباط الأحكام ، وذلك الشرط هو شرط التقوى والصلاح. وهم يقولون أنه من لم يكن كذلك ، لم تفتح له أبواب الحكمة والصواب. وقال القومسي “إن الذين يجدون الحكمة هم الأتقياء فقط ، وأما الفاسقون فلا يصلون إلى شيء”. وقال يهودا هداسي “إن معاني التوراة الخفية لا تكشف إلا لمن كان صالحاً وتقياً” وقال موسى بن آشر “إن غير الصالحين والأتقياء لا تكشف لهم معاني التوراة”[49].فأقوالهم هذه تؤكد على شرط الصلاح والتقوى في الشخص المجتهد.

القياس(هاقش)

أصبح القياس لدى القرائين الذي يسمى بالعبرية “هاقش” أصلاً من أصول الفقه عندهم ، منذ السنين الأولى لنشأة الفرقة وظهورها  ، فقد استعمله عنان بن داوود وطبقه، كذلك استعمله النهاوندي ، ولكن طبيعة القياس عند القرائين قد تطورت بمرور الزمن ، فهم لم يقتصروا على نوع واحد من أنواع القياس ، بل أصبح عندهم ما يسمى بقياس القياس ولم تقتصر أنواع القياس عندهم على مثل ما في مدارس الفقه الإسلامي ومذاهبه ، بل تعدّدت أنواعه ووصلت إلى ما يقرب من ثمانين نوعاً.

وكان القياس باستعماله على هذا النطاق الواسع عند القرائين ، قد أصبح موضوعاً للجدل والنقاش بين القرائين والتلموديين، وكان الحاخام سعديا بن يوسف الفيومي أبرز من حاججهم في ذلك ، وكان من جملة ما ذكر في هذا الخصوص، أن القرائين لم يكونوا يضطرون لاستعمال القياس بهذه الكثرة لولا رفضهم للتلمود[50].

وقد دافع القراؤون عن أخذهم بالقياس واعتمادهم عليه كأحد أصول الفقه لديهم

يقول الياهو بشياجي إن هناك أحكاماً لم تذكر بشكل صريح ، ولكنها تتضح من خلال أحكام شرعية أخرى أو من أقوال الأنبياء… وهذه الأحكام إنما تستنبط بطريقة القياس، ثم يقول والقياس أنواع مختلفة كما هو واضح من أقوال علمائنا[51]. ولا بأس أن نعطي بعض الأمثلة مما قاسه القراؤون من أحكام على غيرها.

فمن أمثلة القياس عند عنان تحريمه إبقاء النار أو الضياء عند دخول السبت، قياساً على توقف العمل فيه. وقد ورد تحريم العمل في يوم السبت في سفر الخروج 20/10 “وأما السابع ففيه سبت للرب إلهك لا تصنع عملاً ما أنت وابنك وابنتك” وجاء النهي عن إشعار الضياء والنار في يوم السبت في سفر الخروج أيضاً 35/3 ونصه “لا تشعلوا ناراً في جميع مساكنكم يوم السبت” ففي العبارتين يبدأ النهي بالتاء (لا تصنع / لا تشعلوا) وحينئذٍ فكما يجب التوقف عن العمل عند دخول السبت ، فكذلك يجب الإطفاء عند دخول السبت للنار أو الضياء ، الذي أشعل قبل دخول السبت[52] والتلموديون لا يوجبون إطفاء ما كان مشعولاً قبل دخول السبت، ويرون حرمة الإشعال بعد دخول السبت فقط لأنه يعتبر عملاً.

ومن مسائل القياس مسألة الثور النطّاح، الذي يقتل إنساناً. فقد ذكروا “أن الكتاب قد أوجب في الثور النطاح إذا أشهد على صاحبه (أن ثوره نطّاح) ولم يحفظه وقتل إنساناً بعد الشهادة، أنَّ صاحبه يقتل فالقياس يوجب مثل ذلك في جميع الحيوان المؤذي مثل الكلب وغيره”[53].

وقد جاء في التوراة عن الثور النطاح ما هذا نصه (في سفر الخروج 21/29 ) “ولكن إن كان ثوراً نطّاحاً من قبل وقد أشهد على صاحبه ، ولم يضبطه فقتل رجلاً أو امرأة، فالثور يرجم وصاحبه أيضاً يُقتل”. وهذا القياس كما هو واضح من المثال إنما هو قياس العام على الخاص، إذ لم يقصر القراؤون هذا الحكم على الثور النطّاح ، وإنما قاسوا عليه عموم الحيوان المؤذي كما هو واضح من النص أعلاه.ومن قياس العام على الخاص  ماورد في 22-10 من سفر التثنية “لا تحرث على ثور وحمار معا” فهنا حرمت التوراة الحراثة بالجمع بين حيوان طاهر ،وآخر غير طاهر ، وقاس القراؤون على هذا وعمموه على كل عمل آخر ،وحرموا فيه الجمع بين حيوان طاهر وآخر غير طاهر في اي عمل آخر.[54]

ومن الأقيسة عندهم ما يسمى بقياس الأهم على المهم ، أو قياس الأعلى على الأدنى. ومن الأمثلة التي يضربونها على ذلك ما جاء في سفر اللاويين 18/10 “لا تكشف عورة ابنة ابنك أو ابنة ابنتك” ، وهذا ينص على حرمة الزواج بالحفيدة ، ولم تنص التوراة صراحة على حرمة الزواج بالبنت ، وهذا التحريم (أي تحريم الزواج من البنت) قد قيس بطريق الأولوية على حرمة الزواج بالحفيدة ، أي إذا كان الزواج بالحفيدة حرام فالزواج بالبنت تكون حرمته بطريق أولى[55].

ومثل هذا القياس هو ما يسميه علماء أصول الفقه الإسلامي بقياس الأولوية، وقد مثلوا له بما ورد في القرآن الكريم من النهي عن التأفّف من الوالدين “ولا تقل لهما أف ولاتنهرهما”، الذي يقضي بطريق أولى تحريم ضربهما وإهانتهما[56].

الإجماع (قبوص)

من الأصول التي اعتمد عليها القراؤون في استنباط أحكامهم الفقهية أصل “الإجماع” الذي أطلقوا عليه باللغة العبرية “قبوص” (من الجذر العبري قبص بمعنى جمع).[57]واطلقوا عليه كذلك “عده” التي تعني جماعة.

وقد اختلف القراؤون – كما اختلف أصحاب المذاهب الفقهية الإسلامية – في تعريف الإجماع وطبيعته.

فبعض القرائين يرى في الروايات المتفق عليها إجماعاً، وقال بعضهم إن الإجماع الصحيح هو ما اجتمعت عليه أفاريق اليهود بأسرها، وأما ما لم تجتمع عليه بأسرها فإنه ليس بإجماع صحيح[58].

ويأخذ القرقساني بالرأي الذي يقول “إن الإجماع هو الذي يوجد في يد الأمة تلقياً من جهة الإجماع، ولا يكون منسوباً إلى قوم بأعيانهم، وليس عليه دليل من النص ولا القياس. وهو يعطي أمثلة على ذلك فيقول هو مثل إجماعهم على أن هذا اليوم، هو يوم سبت من بين سائر الأيام، وليس ذلك منسوباً إلى قوم بأعيانهم، وإنما أخذ نقلاً ووراثة، وهو عند جميع الأمة من الشرق والغرب، لم يخالف في ذلك أحد على غالب الدهور[59].

ويضرب أمثلة على ما لم يقع الإجماع عليه ، فيقول إن ذلك مثل أسماء كثير من الطير والجواهر وما شاكل ذلك في التوراة، فلأنه لم يقع عليه الإجماع ، وقع فيه الخلاف[60]. ولكن القرائين قالوا كذلك إن الإجماع ينعقد ويؤخذ به ، إذا ضمَّ بين المجمعين إماماً معترفاً به، أو معتمداً عليه من علماء الكتاب (التوراة) [61].وهذا التشابه الكبير ، في أصول الفقه،(عند المسلمين والقرائين) يعني أن القرائين قد تأثروا بما عند المسلمين بل أنهم اقتبسوها منهم. حتى أن بعض الباحثين اليهود قال “إن هذا التشابه في أصول الفقه، يعني أن القرائين اقتبسوا هذه الأصول ، بل قال إن التأثر بالإسلام يجب أن يقر به الربانيون (التلموديون) والقراؤون”.[62]

وهناك بعض القضايا الأخرى التي تأثروا بها،مثل تحريم الزواج من بنت الأخ وبنت الأخت التي هي شديدة التحريم عندهم ، بينما هي عند اليهود التلموديين يجوز الزواج منهما بل وهم يشجعون على هذا الزواج ويمدحونه ويعتبرونه عملا من عمل الأولياء وشيئا يفرح الإله ويسره.

وهم يستعملون في مهر الزواج المقدم والمؤخر ويسمونهما “موهر مقدم وموهر مؤخر”، وهذا الإستعمال مازال معمولا به حتى الوقت الحاضر.وهم استعملوا عبارات إسلامية يفتتحون بها كتب عقد الزواج مثل باسم الله وباسم الله الباقي أو باسم الله الرحمن.وكانت الطائفة التلمودية قد تأثرت بذلك ، إذ كان الحاخام التلمودي الحاخام شمعون بن سمحا قد انتقد اليهود، لإستعمالهم هذه العبارات ومايشبهها فقال ” في بعض الأماكن يبدأون ( اليهود) ( الكتوباه=عقد الزواج) بعبارة باسم الله الباقي ، وهذه هي عادة بني اسماعيل(المسلمين) وهي ليست عادة العلماء ( اليهود) رحمهم ال

 

 

 

*انشق القراؤون عن اليهودية الرسمية في القرن الثاني الهجري (الثامن الميلادي)،ويعتبرعنان بن داوود رائدهم الأول وكان خلافه الرئيس عند انشقاقه، أنه نادى بالإعتماد على التوراة (المقرا) وحدها ، دون التلمود في أخذ الأحكام الشرعية ،ولذلك أطلقتُ وصف التلموديين على أتباع “اليهودية الرسمية”، لأنهم يتشددون في الإعتماد عليه ، والأخذ به في أحكامهم إلى اليوم،وهو كما ذكرت يشكل الخلاف الرئيس مع القرائين.والإسم القراؤون مأخوذ من كلمة “مقرا”.

S.wasserstrom, Between Muslim and the Jews,p227  -1

[2] عرّبتُ هذه الكلمة من الجمع العبري مسورانيم (جمع مذكر سالم) الذي مفرده” مسوران” والمقصود بهم هنا، الذين قاموا على تحقيق نص التوراة وتشكيله . والكلمة من الجذر “مسر” الذي يعني ” نقل، أوصل”.

 

[3] B. Lewis, The Jews of Islam, pp. 80 – 82

وكان بعض الباحثين اليهود، قد وجد العبادة اليهودية متأثرة بالإسلام، وكتب كتابا عن ذلك بعنوان

Islamic Influences on Jewish Worship,by N.Wielder

[4] Z. Ankory, Karaites in Byzantum, p. 364; and S. Baron, A Social and Religions History of The Jews vol. 5, p. 285

[5] هو أبو نصر السموأل بن يحيى بن عباس المغربي الأندلسي توفي عام 570 للهجرة(1174م) تخصص بالطب والرياضات والف فيهما .وهو قد أسلم على أثر رؤيا رآها. وبعد إسلامه ألف كتابه “بذل المجهود في إفحام اليهود”ويعتقد أن أستاذه كان أبا البركات(أوحد الزمان) هبة الله البغدادي (ناثانئل) الطبيب والفيلسوف المعروف ، والذي كان له تأثير على الفلاسفة من بعده . وهو كان قد تحول من اليهودية إلى الإسلام . وربما كان أشهر كتب أبي البركات كتاب ” المعتبر”. ومما يذكر عن تحوله أن ابنتيه ظلتا على يهوديتهما ولم تتحولا إلى الإسلام.(وذكر عن أبي البركات أنه توسط في نزاع بين القرائين والتلموديين ، ولا أدري فيما إذا كان هذا قبل إسلامه أو بعده) . ومن اليهود المعروفين الذين تحولوا اسحق بن الشاعر، والعالم المعروف ابراهام بن عزرا(من القرن الثاني عشر)،وكان أيضا قد تتلمذ على يد أبي البركات، أوحد الزمان،وكذلك درس على يديه، اسحق زوج بنت الشاعر المعروف يهودا هاليفي،ولكنه رجع إلى اليهودية فيما بعد.

ومن اليهود المعروفين الذين اسلموا سعيد بن حسن(من القرن الثالث عشر- الرابع عشر) وهو كان من مدينة الإسكندرية في مصر وقد تحول إلى الإسلام عام 1298م. وكان تحوله كما يقول على أثر رؤيا رآها عندما كان مريضا جدا ، حيث سمع صوتا يأمره أن يتحول إلى الإسلام .وبعد أن تحول طلب من السلطان أن تكون له مناظرة مع اليهود والمسيحيين، ولكن المناظرة لم تتم .وقد ألف كتابا عام 1320م وهو في  دمشق بعنوان “مسالك النظر في نبوة سيد البشر” ناقش فيه اليهود والمسيحيين والفلاسفة أيضا .أنظرEncyclopeadia Judaica, Said Ibn Hassan

وقبل هؤلاء تحول علي بن سهل بن ربان الطبري(من القرن التاسع الميلادي) من اليهودية إلى الإسلام، وهو كان من طبرستان ، طبيبا ومؤلفا ، وأهم كتبه في الطب كتاب “فردوس الحكمة” وفي غير الطب له كتاب “الدين والدولة” أنظر

Encyclopedia Judaica,Ali Ibn Sahal Ibn Rabban al Tabari

ويذكر يافث بن إيلي، تحول عدد كبير من اليهود(التلموديين؟) في تفسيره لسفر دانيال، حيث يقول تعليقا على عبارة من السفر” إنهم(اليهود) يصبحون أقوياء في الشريعة ويسلكون طبقا لها ،ولايتركون دين بني إسرائيل كما فعل الاخرون.كل هذا(أي ترك دين بني إسرائيل) حدث في منطقة الغرب، منذ سنين طويلة، إذ أن عددا كبيرا من اليهود تحولوا عن دينهم وقبلوا دينه (الحاكم المسلم)،وهذه حقيقة معروفة جيداD.Frank, Search the Secripture Well,p.211

وكانت أسباب تحول اليهود إلى الإسلام مختلفة، فبعضها كان عن قناعة، وبعضها لأسباب اجتماعية أو اقتصادية، وبعضها كان من أجل الإرث ( عندما يكون مسلما يحصل من أبيه الذي تحول إلى الإسلام على إرث) إلى غير ذلك..ولكن لايبدو أن الحب كان أحد هذه الأسباب.ويبدو أن التحول كان ظاهرة في بعض الفترات التاريخية ،(كالقرن الثاني عشر الميلادي الذي تحول فيه السموأل) . فموسى بن ميمون شكا لإبنه إن التحول إلى الإسلام أصبح كثيرا . وذكر في إحدى الوثائق أن شخصا سافر في رحلة وأعطى زوجته كتاب طلاق، مشروط بتحوله إلى الإسلام.وعند تحول اليهودي كثيرا ماتبقى العلاقة مع اليهود ،ولكن بعضهم كان يفضل الهجرة إلى مكان آخر،كذلك كان من يريد الرجوع إلى اليهودية.

S.D. Goitein, A Mediterranean Society, vol.2 pp.301-303

[6] بذل المجهود في إفحام اليهود، ص198

[7] J. Mann, Texts and Studies, vol 2,p.32

[8] J. Mann, Texts and Studies, vol.2 p. 29

[9] M. Polliack, Major Trends in Karaite Biblical Exegesis, in Karaite Judaism, p.368

[10] Ibid., p.601

[11] P.B. Fenton, Karaism and Sufism , in Karait Judaism ,p211

[12] P. Fenton, Karaism and Sufism, in Karaite Judaism,pp.204-210

[13] Encyclopeadia Judaica,Abraham ben Moses ben Maimon

[14] N. Rajwan, The Jews of Iraq, p. 145

[15] المصدر نفسه، ج1، ص174.

[16] المصدر نفسه، ج1، ص173 – 172.

[17] بدوى، عبد الرحمن؛ مذاهب الإسلام، ج1، ص415 – 416.

[18] يرى بعض الباحثين بأن هذا الجدل نشأ من جدل آخر بين المسلمين والمسيحيين حول”كلمة الله” التي تشير إلى عيسى بن مريم ، فيما إذا كانت مخلوقة أو غير مخلوقة، إذ في ضوء ذلك تحدد طبيعة عيسى.

أنظر لويس غرديه وج.قنواتي فلسفة الفكر الديني ج 1 ص62

[19] الأنوار والمراقب، ج1، ص177.

[20] المصدر نفسه ج1، ص177.

[21] H. Ben- Shammai , Major Trend in Karaite Philosophy and Polemics, in Karaite Judaism,p.351

[22] المحتوي، ص761.

[23] عبد الرحمن بدوي، مذاهب الإسلاميين، ص293 – 294.

[24] المحتوي، ص748 – 750.

[25] S.Wasserstrom, Search Scripture Well, p.225

[26] Ibid., pp.9-10

[27] Ibid., p. 255

[28] انظر كتابنا، قضايا وشخصيات يهودية، ص277

[29] من الجذر العبري “يرش” الذي يعني بالعربية “ورث”

[30] الأنوار والمراقب، ج1ص134.

[31] Z.Ankory, Karaites in Byzantium, p. 233 and S.D. Baron,op. cit., vol.,5 pp.252-253

[32] L. Nemoy, Karaite Anthology,p.250,

[33] Waxmann, A History of Jewish Literature, vol. 2, p.445

[34] كتاب عقد الزواج

[35] الأنوار والمراقب ، ج3 ص730

[36] . Z. Ankory,Karaites in Byzantium pp. 249 – 250

[37] Ibid.,. P. 249

[38] القرقساني، الأنوار والمراقب،ج1 ص149.

[39] Z. Ankory, Karaites in Byzantium, p. 210

[40] D. Frank, Search Scripture Well,p.30

[41] مصدر سابق. S. Poznanski, op. cit., p.22

[42] S. Baron, Social and Religions History of the Jews, vol. 5, p. 225

[43] مصدر سابق. S. Baron, op. cit, vol. 5, p. 225

[44] L. Nemoy, Karaite Anthology, 0.119

[45] مصدر سابق. Z. Ankory, op.cit, p. 249

  1. Wieder,op. cit.p 62 [46]

[47] الأنوار والمراقب، 1/14.

[48] S. Baron, op. cit, vol. 5, p. 233

[49] N. Wieder, op. cit., p. 61

[50] الأنوار والمراقب، ج1، ص79.

[51] L. Nemoy, Karaite Anthology, p. 246

[52] L. Nemoy, op. cti, p. 9

[53] القرقساني، الأنوار والمراقب، ج1، ص103.

[54] L. Nemoy, Karaite Anthology, p.247

[55] Ibid., p.241

[56] محمد تقي الحكيم، الأصول العامة للفقه المقارن، ص317.

[57] ومن هذا الجذر أخذت الكلمة العبرية “قبوص والتي تجمع على قبوصيم (المجمعات الزراعية) والجذر العبري هو صنو العربي ” قبض”

[58] القرقساني، الأنوار والمراقب، ج1، ص141.

[59] المصدر نفسه، 1/143.

[60] المصدر نفسه، 1/145.

[61] Z. Ankory, Karaite in Byzantium, p. 223

[62] D.J. Lasker ,Islamic Influences on Karaite Origin, in Studies in Islamic and Judaic Traditions II, p.25 and 35

[63] خطط المقريزي ج1 ص92

 

The Zionist Movement and Its Relation with the Parties to the Conflict (in the 1st World War)

The Zionist Movement and its Relation with the Parties to the Conflict (in the 1st World War)

Dr Jaafar Hadi Hassan

During the years leading to the first world-war, the Zionist Movement was not a monolithic organization, in fact it was of different strands that were distinctive in their views, such as cultural, religious, practical, political and other. Each one of them had its own leader or leaders, and the loyalties of the Jewish communities around the world at that time, were also divided between the warring parties. These loyalties were influenced by a number of factors, including regional location, or treatment of the Jews by the state, where they took residency. Many Jews including those in the United States and Palestine supported Turkey, and were anti- Russia, whereas the supporters of the Allies (mainly England, France and Russia) were said to be in the minority. This situation created acute and complicated problems for the Movement.

One of the early problems the movement faced, was that the seat of the Zionist executive at the break of the hostilities was in the capital of one of the major warring powers, Berlin, and, because of that, it was considered pro-German, while the branches in other countries supported at least partially, the Allies. The critics of the pro-German Zionists argued that such close cooperation with German political warfare would jeopardise millions of eastern European Jews particularly since the activities of the committee, remained no secret; these activities later served as justification for the anti-Jewish measures taken by the Russian government 1914- 1915.[1]

It is true that the Zionist German federation supported Germany in the war, and announced that it expected all its young members to volunteer for military service stating that Germany was fighting for “truth, law freedom and world civilisation against darkest tyranny and bloodiest cruelty as represented by tsarist disposition”. Some of them called the war alongside Germany, “holy” stating that “we know that our interest is exclusively on the side of Germany”; they also said that Germany was “strong” and would “liberate the oppressed” [2]

 

In addition there was the community of the Jewish settlers in Palestine, which was part of the Ottoman Empire. Most of these Jews were European citizens and the Turkish government demanded that they become Ottoman citizens or leave the country. Above all, there was the issue of the postwar settlements. Because of problems such as these, it was decided soon after the start of the war, to establish a Zionist liaison office in a neutral country. When this proposal was put for discussion, an argument erupted among the members; some preferred the United States which was neutral at that time, but others suggested otherwise. In the end they settled for Copenhagen, the capital of Denmark. Some of the leaders of the movement were displeased about this decision and decided to disconnect their relations with the Bureau. One such prominent and highly influential figure was Chaim Wiezmann who, soon after the Bureau was opened, cut himself off the European Zionists.. Weizmann – who was very active in preparing the ground for the Balfour declaration and developing the chemical acetone, leading to the production of 30,000 tonnes used by the British in  the war – states in his book ‘Trial and Error’ that he wrote to the Bureau asking that no mail be sent to him. When he was invited to attend the first important war time meeting of the Actions Committee, he refused to attend and wrote to his friend Dr Shamarya Lvin – who was described as the most effective propagandist of the movement  – ‘I shall not go to the conference and I cannot do this either as a Jew or as British subject’; furthermore, to Lewis Brandeis , head of  the American Zionist branch he wrote ‘Taking into account the present political situation , I cannot help thinking that the conference at Copenhagen would prove absolutely useless for our movement, and  acutely  harmful for the future.[3] Weizmann gives the reason for  his actions by saying ‘In breaking with Copenhagen Bureau, I wanted to make sure of clean record, for though I was violently anti –Russia , I was just anti-German and pro-British”. As a result Weizmann kept his talk with British statesmen very much to himself. Frequently he did not inform even close friends, let alone the Copenhagen bureau or Berlin. Each side, was in the dark in 1917 about the achievements and failures of the other.[4]

Interestingly Weizmann complained bitterly about his colleagues, who, he says, they looked upon him as a crank and Anglo-maniac, and he further states that this attitude continued among certain groups, even after the war. He adds that he was also accused by some Zionists of being ready to sell the movement and this was for him hard to bear.[5]

The Zionists in America on the other hand, were critical of the British Branch for their involvement with the British government on behalf of the movement. In a strongly worded letter, sent to the Zionist leaders in England, Dr Judah Magnes – secretary of the American Zionist Federation, who later became president of the Hebrew University – and Dr Shamarya Levin, wrote that the activities of the Zionist leaders in England were responsible for the persecution of the Jews in Palestine and that they should stop these activities immediately (Ibid p.216). According to them not only did these actions harm the Jews in Palestine, who, after all, were under Ottoman rule, but they believed that they also go against the neutrality of the Zionist movement which was one of the principles agreed upon by the movement in Copenhagen.

In contrast to the Zionists in America, Baron Edmond de Rothschild, famous for being a strong supporter of the Zionist activities – pouring money for its projects for decades – and so called father of the Yishub (Jewish emigrants in Palestine), urged the leaders of the movement in 1914, following Turkeys entry into the war, to stop being cautious in their Zionist activities in ‘Eretz Israel’ (Palestine) and work openly to demand the establishment of a Jewish State.

However, the Zionists in Palestine had a different stance to this. They endeavoured to seek settlement within the Ottoman Empire, and appease the government. According to D. Vital in his book, Zionism, The Crucial Phase, Zionists in Palestine harboured a powerful tendency to seek accommodation with the Turks, in the hope, that their contributions are recognised by the Ottoman Empire and their requirements met. This instinctive tendency for accommodation was tested when the Italian-Turkish war broke out, and the Zionist leadership were torn between avoiding involvement and what seemed an opportunity to demonstrate loyalty to the Turks. Whilst discussions took place to form a legion to fight with the Ottomans, this did not get off the ground. A more serious proposal to form a medical detachment, to serve the wounded under the auspices of the Red  Crescent, was also not enacted due to financial constraints. In the end the Zionists in Palestine did no more than express their sympathy.[6]

As for the Russian Zionist Jews, they were against the Allies and in support of the Germans according to Ronald Graham of the foreign Office in Britain. This is stated very clearly in a letter sent by him to Belfour in 25 October 1917. The letter states that information from every quarter shows the very important role which Jews are now playing in the Russian political situation. At the present moment these Jews are certainly against the Allies and for the Germans, but almost every Jew in Russia is Zionist, and if they can be made to realize that the success of the Zionist aspiration depends on the support of the Allies and the expulsion of the Turks from Palestine, we shall enlist a most powerful element in our favour.[7]

Another good example of the different loyalties of the Zionist groups, is the plan for the formation of the Jewish battalion which, became to be known later as Zionist Mule Corps. This idea originated mainly with Vladimir Jabotinsky (founder of revisionist Zionism and Bitar movement) and few of his Zionist colleagues. This group thought that one way of making sure, that Jews would be taken seriously at peace table, was to organize a Jewish military unit to fight on the side of the Allies.[8]

But as soon as the plan was known to the other Zionists, it faced very strong opposition not only from ordinary Zionists in Britain (with rare exception) who even attacked Jabotnisky physically, but also from the official Zionist bodies, which were committed to neutrality. The Copenhagen Bureau denounced the plan with strong words, and violently rejected Jabotinsky proposition. Not only did the movement forbid all the Zionists to take an active part in it, but it also warned Jabotinsky that ‘if he does not cease his activities, he will bury the Zionist enterprise for ever’ (The Jewish Agency for Israel website).[9]

The Actions Committee of the organization also resolved that the Jewish battalion project stands in deep contradiction to the principle of the Zionist activities. In fact some members of the Committee called the project a ‘criminal offence’.[10] Jabotinsky refused to heed the committee’s statements and replied to them by saying that they were thoroughly mistaken, and added they had come to neutral Denmark from blind Germany and sick Russia; he adds that he had no doubt at all that Germany was incapable of winning the war and that Turkey would end by being smashed to pieces. He suggested a compromised proposal to the committee which was refused.[11] Despite objections by the majority of the Zionist leaders, he moved to London where he continued to work towards the establishment of a battalion. The corps was formed and fought at Gallipoli, and at the end of it the British disbanded it and many of its members were moved to England becoming the nucleus of a newly formed Jewish Legion with Jabotinsky as the main figure. This legion later participated alongside the British army, fighting in Palestine.

It is important to note that after the war, and in particular the Balfour
Declaration, differences amongst the Zionist regional parties remained; essentially, two divergent concepts emerged that were different in ideology and approach. On one hand, the American Zionists led by Brandeis who were critical of the political Leadership in London, believed with the Belfour Declaration, the main political tasks of the movement had been accomplished, and that from now on energies had to be devoted to the building of Palestine. They advocated complete focus on Palestine with respect to funding and efforts demanding that “contributions should be devoted only to projects in that country”; they were “not in favour of diaspora nationalism and refused to pay for Zionist activities outside Palestine”. On the other hand British and European Zionists led by Weizmann were critical of the American Zionist approach claiming they lacked a “Jewish heart” and stating that Brandeis’ policy was “Zionism without Zion”. In contrast to Brandeis, Weizmann and the Europeans made the argument that Palestine could not be colonised in the same way as America, and that international efforts for Zionist causes everywhere should be supported.[12]

In summary, the above examples show, that the Zionist movement at the time of the conflict (and beyond) was not unified in its position in relation to the warring parties, rather, there were contrasting, and contradicting stances taken by the members, in different regions. This paper is not aimed at providing an exhaustive review of these varied views and their implications, but is designed to highlight some of the key stands taken by prominent and leading figures of the movement. Finally, despite the spectrum of different allegiances and loyalties among the members of the movement which we referred to, they were all striving and manipulating to reach a key mutual objective, which was the establishment of a Jewish state. The achievement of the infamous Balfour Declaration was the basis of establishing this state but, unfortunately, this same declaration has been the cause of great calamity for the Palestinian People, who continue to suffer from its repercussions until today.

[1] Walter Laqueur, The History of Zionism,p.174

[2] Ibid, p172

[3] P.211

[4] Walter Laqueur,op.cit p.178

[5] Trail and Error,pp. 211-212

[6] pp. 83-84

[7] Ibid p.289

[8] Encyclopeadia Judaiaca, Zionism

[9] The Jewish Agency for Israel Website

[10] David Vital, Zionism, The Crucial Phase,p.149 and The Jewish Agency for Israel Website

[11] David Vital, op. cit,p.149

[12] Walter Laqueur,op. cit.,pp. 458-459

 

Bibliography

Encyclopeadia Judiaca (1972), Zionism

The Jewish Agency for Israel(website)

Laqueur,Walter (2003), The History of Zionism (European Jewish puplication Society

Vital,David,(1987) Zionism, The Crucial Phase,(Clarendon Press.Oxford)

Weizmann,Chaim,( 1949),Trail and Error,(Hamish Hamilton, London)