الفيلسوفة جودث بتلر في كتاب جديد بعنوان “افتراق الطرق: اليهودية ونقد الصهيونية”

الفيلسوفة جودث بتلر في كتاب جديد بعنوان “افتراق الطرق: اليهودية ونقد الصهيونية “

د. جعفر هادي حسن

جودث بتلر فيلسوفة معروفة واستاذة يهودية في الجامعات الأمريكية، وكتابها هذا الذي نتحدث عنه ليس كتابها الأول، بل لها أكثر من كتاب لوحدها، وبالإشتراك مع آخرين. وبعض كتبها ترجم إلى أكثر من عشر لغات. ويقودها النقاش في كتابها هذا من العلاقة بين اليهودية والصهيونية، إلى الحديث عن إسرائيل وسياستها نحو الفلسطينيين، ثم بعد ذلك تقترح حلا للصراع الإسرائيلي الفلسطيني كما سنرى فيما بعد.

والمؤلفة معروفة في نقدها الشديد للصهيونية، ورافضة لها وللعلاقة بينها وبين اليهودية ، وترى أن اليهودية كدين أو اثنية لاتقود بالضرورة إلى الصهيونية. وتؤكد أن اليهودية يجب أن تكون منفصلة عن الصهيونية، كما تؤكد أيضا على وجود عداء للصهيونية بين اليهود، وأن هذا العداء ليس جديدا، وإنما ظهر منذ بداية ظهور الصهيونية، بل كان بعد مؤتمرها الأول مباشرة في نهاية القرن التاسع عشر،وهذا العداء لم يتوقف إلى اليوم، وإن كان يأخذ صورا مختلفة.وتذكر المؤلفة أن الكثير من اليهود يعتقد بأن إسرائيل هي ضرورة تاريخية لجعل اليهود يعيشون حياة آمنة، واي نقد لها كما يقولون يجعلها دولة غير شرعية، وهذا يعني إرجاع اليهود إلى الوضع الذي كانوا عليه قبل إنشاء الدولة، وتعريضهم للمذابح والتدمير، كما حدث لهم من قبل النازيين .ولكن المؤلفة تقول إن هذه الفكرة في الواقع مرفوضة، لأنها تبرر ماتقوم به إسرائيل من عنف نحو الفلسطينيين واستلاب أرضهم، وتبرر الإعتداءات العسكرية وتعتبرها دفاعا عن النفس. وهي ترى بأن التهمة التي توجه لليهودي، الذي ينتقد الصهيونية وسياسات إسرائيل نحو الفلسطينيين، بأنه كاره لنفسه هي تهمة باطلة وغير صحيحة. وهي تنظر إلى المجمعات الزراعية – المستوطنات-  التي أنشأتها إسرائيل، على أنها جزء من مشروع صهيوني، وما تتبجح  به عن اشتراكيتها، إنما هي في نظر المؤلفة مظهر من مظاهر الإستعمار، وتطبيق لمفهومه. وهي تعطي فكرة بأن الإشتراكية الإسرائيلية، إنما هي استعمارية وتوسعية، وهي تختلف عن الإشتراكية التي يعرفها الناس .

وترفض المؤلفة، أن تكون السيادة في إسرائيل للأغلبية اليهودية،أي أن تكون الدولة يهودية ، وترى بأن ذلك يؤدي بالضرورة إلى حكم عنصري وغيرديمقراطي، كما أنه ينتج عنه صراعات مع الأقليات الأخرى، من أجل الحفاظ على حكم الأغلبية ،ولهذا السبب تقول المؤلفة، إن إسرائيل مصممة، بأن يكون الفلسطينيون أقلية، وإنها إذا ماشعرت بتهدديهم لأغلبيتها، فإنها تقوم بعمل يمنع ذلك. بل إننا نسمع اليوم كما تقول أن بعض سياسييها يريدون الطرد الجماعي للفلسطينيين .وفي رأيها أن ذلك إذاما حصل فإن إسرائيل سوف لاتبقى في مأمن، بل ستبقى في حرب دائمة مع أولئك الذين طردتهم، والذين عليها أن تبقيهم خارج حدودها. كما أن دولة الأغلبية اليهودية كما تقول ، لابد وأن تقوم بتجريد الأقلية الذين هم فلسطينيون في هذه الحالة، من أراضيهم، والسيطرة عليها. ولكنها أيضا ترى بأن تدمير حياة الفلسطينيين ووسائل عيشهم، إنما سيزيد بالتأكيد من الخطر على من يدمرونها، لأنه يخلق حركة للمقاومة المستمرة ، من أولئك الذين يُدمَرون، سواء أكانت المقاومة عنفية أم سلمية. وترفض المؤلفة فكرة الشعب المختار، وكذلك ترفض تبرير أن إسرائيل إنما نشأت طبقا للتوراة .وتقول إننا يجب أن نعارض استخدام الدين لتبرير جريمة ترتكب، طبقا للقانون الدولي بطرد الفلسطينيين من أرضهم، والإستيلاء على ممتلكاتهم. كما أنها اعتبرت الحرب الأخيرة على غزة جريمة حرب.

المذبحة النازية كتبرير للعنف في إسرائيل

وهي كذلك ترفض بالمطلق استعمال المذبحة النازية كتبرير لجعل الحكم غير الشرعي شرعيا،وهو ماتقوم به إسرائيل اليوم، للتغطية على كل الأعمال الوحشية ضد الفلسطينيين كما تقول. وقد انتقدت شخصيات يهودية غيرها استغلال المذبحة النازية لهذا الغرض. ومن هؤلاء أبراهام بورغ الرئيس الأسبق للكنيست الذي قال في كتابه،”المذبحة انتهت ويجب أن نخرج من رمادها” ” “إن كل شيئ ( في إسرائيل) يقارن بها(المذبحة) وكل شيئ يقزم بالنسبة إليها، والنتيجة أن الجدار العازل ومنع التجول والحصار، ومنع الطعام والماء( عن الفلسطينيين) والقتل بدون سبب تصبح أشياء مسموح بها”.ومنهم بريمو ليفي الروائي والشاعر اليهودي المعروف، الذي يرى أن المذبحة قد أصبحت وسيلة لإسكات الناقدين و تبريرا لعنف الدولة(إسرائيل)  وتعطي شرعية لممارساتها التي يجب أن ترفض بكل طريقة.

دولة واحدة للشعبين(الفلسطيني واليهودي)

وبسبب مساوئ دولة الأغلبية اليهودية، فإن الحل الأمثل اليوم، كما تراه المؤلفة، هو أن تكون دولة واحدة للقوميتين اليهودية والفلسطينية، ولكنها تقول إن هذا لايتحقق إلا بشرطين، أحدهما التخلي عن الصهيونية التي نشأت عليها إسرائيل، بأن جعلت السيادة للأغلبية اليهودية، والثاني التخلي عن إنشاء المستوطنات لأنه مشروع استعماري.

وهي بهذا تتفق مع عدد من المفكرين والكتاب اليهود المعاصرين، الذين يرون هذا الرأي،والذين أخذ عددهم يزداد في الفترة الأخيرة ،ومنهم توني جولت وهو يهودي(توفي قبل بضع سنوات) وكان استاذا للتاريخ في احدى الجامعات الأمريكية .وقد عرف بنشره في عام 2003 مقالة مهمة

(The New York Review of Books)  عنوانها «البديل»في مجلة

وهي مقالة طويلة ،أحدثت ردود فعل واسعة بين اليهود وغيرهم لأهميتها واهمية كاتبها .وقد ناقش كاتبها نقاطا رئيسة كان أهمها

ان خيار الدولتين لم يعد خياراً لانه قد فات وقته، وان هناك الكثير من المستوطنات والمستوطنين، والكثير من الفلسطينيين يعيشون في مكان واحد وأن الوقت قد حان للتفكير فيما لم يكن يخطر على بال أحد، وهو حل الدولة الواحدة الذي هو حل مرغوب فيه. وهذه الفكرة ليست فكرة شاذة، إذ أن الدول اليوم فيها ثقافات متعددة واجناس متعددة ، وإسرائيل نفسها هي ذات ثقافات متعددة ، ولكنها ميزت نفسها عن الدول الديموقراطية، في ان المواطن فيها يعتبر مواطناً طبقاً لمقياس اثني ـ ديني ، وهي في هذا الامر تعتبر شاذة بين الشعوب المعاصرة ، لانها دولة يهودية، حيث يكون لليهود الموقع الاول فيها في زمن ليس فيه مكان لمثل هذه الدولة.

إن الشعوب اليوم في العالم يزداد اندماجها، ويزداد التزاوج بينها حيث ازيلت الحواجز الثقافية والاثنية،  وفي مثل هذا العالم، فإن إسرائيل تعتبر خارج السياق الطبيعي للتاريخ وذات وظائف شاذة.

إن تحول إسرائيل من دولة يهودية إلى دولة واحدة ذات قوميتين ليس سهلاً، ولكنه ليس مستحيلاً كما يبدو للبعض، وفي الواقع فإن هناك تقدماً نحو الدولة الواحدة.

إن الحقيقة المحزنة هو ان سلوك إسرائيل اليوم ليس سيئاً لاميركا فقط، بل هو سيىء لإسرائيل نفسها كما يعترف الكثير من الإسرائيليين بهمس. ان سلوكها في الواقع سيىء لليهود ايضاً، وما يحصل من هجوم على يهود الشتات، سببه ما ترتكبه إسرائيل وما تقوم به من اعمال.

وإن من يعتقد بأن الجدار الالكتروني العازل، سيكون الحل فإنه يجهل خمسين سنة من التاريخ بل إن هذا الجدار، هومثل جدار برلين يعبر عن الافلاس الاخلاقي والقانوني.

ومن هؤلاء يوئيل كوفل ،وهو أيضا يهودي من الولايات المتحدة الأمريكية ،وكان قد رشح نفسه لرئاسة الولايات المتحدة عن حزب الخضر، وهو من الناقدين لسياسة إسرائيل نحو الفلسطينيين ، وكان قد أصدر كتابا كاملا حول موضوع الدولة الواحدة عنوانه ” التغلب على الصهيونية وإنشاء دولة ديمقراطية واحدة في فلسطين/ إسرائيل”. ويرى المؤلف ضرورة تفكيك الصهيونية ، حيث تنشأ على أنقاضها دولة واحدة ديمقراطية علمانية للشعبين -وهو يؤكد على صفة العلمانية-. ويقول بأن مشروع إقامة دولة واحدة ليست فكرة طوباوية جاءت من عالم آخر” بل هي أمر ضروري من أجل برنامج عملي”. ويقول إذا كان الغرض من فكرة الدولتين، ان تكون هناك دولتان حقيقيتان على الأرض، فهذا الحل قد قضي عليه.

فلفترة ثمان وخمسين سنة وقضم الاراضي من قبل الصهيونية مستمر، وأصبحت فكرة الدولتين ببساطة غير ممكنة، وهو أمل كاذب، إذ أنه يبقي على اسرائيل كدولة معترف بها ، وعضو معترف به في المجتمع الدولي. ويقترح كوفل اسما لهذه الدولة التي يتخيلها وهو “فلسرائيل”، ويقول إن الإسم مكون من أربعة حروف من كل من الإسم فلسطين وإسرائيل،.وهولا يصر على هذا الإسم بل يترك الأمر للشعبين. ويؤكد أيضا على ضرورة عودة اللاجئين الفلسطينيين”لأن ذلك ضروري لإنهاء الدولة اليهودية ، وكونه حقا أساسيا من حقوق الإنسان في تقرير المصير”، وعندها يجب أن يكون اعتراف متبادل، حيث يتحمل الجانبان المسؤولية سوية، وأن يتخلي اليهود عن ادعاء التميز، (الإختيار)لان ادعاء اي جماعة بانهم شعب مختار من قبل الرب، وانه وعدهم بارض، يعني أنهم ليسوا جديرين بالإنسانية، بل ليسوا جديرين بأن يسموا عقلاء.

ومن هؤلاء الذين يدعون إلى إقامة دولة واحدة، إيلان بابيه الأستاذ الجامعي الإسرائيلي الذي كان قد أعلن تخليه عن الصهيونية، بسبب ماتقوم به إسرائيل نحو الفلسطينيين، ونشر كتابا عن التطهير العرقي للفلسطينيين، الذي تقوم به الدولة. وتقول المؤلفة إن هناك الكثير من اليهود ممن يرفضون سياسة إسرائيل نحو الفلسطينيين ،ويتمنون أن تكون دولة واحدة للشعبين، بل هي تقول إن هذا الموقف هو السائد اليوم بين اليهود خارج إسرائيل، ولكن هؤلاء يخشون الإعلان عن رأيهم خوفا من اتهامهم من إسرائيل والمؤيدين لها، بانهم يشجعون العنف والعداء للسامية.

وفي الأشهر القليلة الماضية ظهر تطور مهم حيث اضيف إلى هؤلاء مجموعة مهمة في إسرائيل، هي اللجنة ضد تهديم البيوت ،حيث وصلت إلى قناعة بأنه ليس هناك أمل في تحقيق حل الدولتين، ولذلك يجب أن تكون دولة واحدة للشعبين، وتقول اللجنة “يجب أن يتحقق شرطان في ذلك، وهما عودة اللاجئين الفلسطينيين طبقا لقرار الجمعية العامة 194، واعتراف إسرائيل بما اقترفته في حق الفلسطينيين في عام 1948 و1967.

Parting Waysعنوان الكتاب

Jewishness and the Critique of Zionism

Judith Butler

2012 Columbia University Press

 

 

 

 

نقد الحركة النسوية اليهودية للتوراة

نقد الحركة النسوية اليهودية للتوراة

د.جعفر هادي حسن

ظهرت الحركة النسوية اليهودية في منتصف القرن الماضي في الولايات المتحدة الأمريكية في أعقاب ظهور الحركة النسوية الامريكية في موجتها الثانية،على إثر نشر كتاب بتي فريدن الشهبر Faminine Mystique الذي أحدث ثورة نسوية بين الأمريكيات ثم الأوربيات. ولكن أسباب ظهور الحركة اليهودية كانت مختلفة عن مثيلتها الأمريكية.

إذ أن الحركة الأمريكية ركزت على قضايا إجتماعية في الغالب، بينماركزت المرأة اليهودية على رفض تهميشها وعزلها في القضايا الدينية وعلى المطالبة بمساواتها بالرجل في هذه القضايا، كأن تكون حاخامة وامام ومنشدة وغير ذلك من الأمور التي اقتصرت

في اليهوديةعلى الرجال ,وكذلك طالبت بالتخلص من العبارات التي تحقر من المرأة وتسيئ لها، كالعبارة التي يقولها اليهودي كل يوم في الصباح ” بوركت يارب يا ملك الكون الذي لم يخلقني إمرأة…..”ووصف المرأة في التلمود على أنها كيس وساخة، وأمثال هذه العبارات التي تنتشر في  ثنايا المصادر اليهودية ككتاب الزهر. ولكن مطالب الحركة تطورت فيما بعد خلال العقود اللاحقة، واصبحت تطال المصدر الرئيس في الشريعة اليهودية وهو التوراة. وسيقتصر الحديث في هذا المقال على نقد الحركة لها وعلى بعض ماورد فيها من أحكام، بخاصة تلك التي تتعلق بالمرأة ، ورأي الحركة فيما يجب أن تكون عليه. وتقول جودث بلاسكو وهي إحدى النسويات اليهوديات المعروفات “إن الحركة تطالب بفهم جديد للتوراة، والفهم الجديد يعني الإعتراف بظلم التوراة العميق (للمرأة)”.

وأول ماتنتقده الحركة في التوراة هو ظاهرة الذكورية فيها.ففي التراث اليهودي أن الرب(وهو ذكر) والتوراة متلازمان، إذ يفترض أنه هو الذي أعطى التوراة لليهود،وهذا مايعطيها مصداقية وتصديق وأهمية عندهم.ولكن هذا يضع علامات استفهام حول التوراة بسبب هذه الذكورية ، التي انعكست في نصوص التوراة عموما،كما تقول الحركة وكان من نتيجة ذلك أنها انعكست على المجتمع اليهودي .فالتوراة قد جعلت الرجل هو المقصود من هذه التعاليم،وان المرأة هي الآخر بالنسبة إلى الرجل . وترى الحركة أيضا أن التوراة هي نصوص ذكورية ، ليس فقط من حيث أن مؤلفيها هم الرجال، بل من حيث  اهتمامها ومضمونها الذي هو بنصوصه من منظور ذكوري.وكثيرا ما تكون النساء غائبات،أو مجهولات الأسماء،وأن كل التجارب الدينية للنساء تجوهلت وظلت مسكوتا عنها. ويقلن إنه على الرغم من أن التوراة تخلق عالما فيه معنى للتجربة اليهودية ،لكن هذا العالم الذي تخلقه يجعل الرجال في المركز، ويبرز أدوارهم ويشيد بأعمالهم.وهي ايضا وإن كانت تخلق رؤية معينة لواقع  مشهود، ولكنها في الوقت نفسه تخفي واقعا آخر، يعتقد أنه تزامن مع الواقع المذكور فيها. فالتوراة صورت حالة حياة اليهود من وجهة نظر أولئك الذين هم في المركز، مثل الأنبياء ومثل الحاخامين، الذين أعطوا السلطة لأنفسهم .(Judith Plaskow, The Coming of Lilith, p.77)

وهكذا بدأت نظرة النسوية سلبية نحو التوراة وناقدة لها. كما أنها –وهو شيئ مهم- ترفض كونها منزلة بوحي.

وترى النسوية أن التوراة تعتبر غير كاملة، لأنها تتكلم بصوت نصف الشعب(الرجال).ولذلك هي ليست سجلا لكل اليهود، وإنما لبعض اليهود، “لأننا لا نعرف كيف واجهت النساء أحداث تاريخ اليهود الصغيرة منها والكبيرة، فهي غير مسجلة.ونحن لانعرف كيف كانت نظرتهن إلى ما حدث في سيناء، ولا عن عبوديتهن المضاعفة ولا عن رحلتهن في الصحراء.ونحن وإن كان عندنا بعض أسماء النبيات، ولكن ليس عندنا نبوءاتهن.

ومن الممكن البحث الدقيق والتمحيص في التوراة  للعثور على معلومات أكثر تتعلق بالنساء. ولو قرئت التوراة بعيون نسوية، لأمكن العثور على بعض المعلومات المتناثرة هنا وهناك تتعلق بقيادة المرأة وعلاقتها بالرجل.

ولو كانت اليهودية قد وضعت أسسها من قبل المرأة والرجل معا، فإننا سنجد توراة تختلف كثيرا عن التوراة الحالية المعروفة.لأن الأدلة الآثارية التي عثر عليها والتي تخالف التراث المكتوب، وكذلك ماوصلنا من أخبار المجموعات اليهودية، التي لم تكن خاضعة لسلطة الحاخامية- كفرقة قمران مثلا- ،وما عثرنا عليه من كتابات في موضوعات دينية، خلفتها بعض النساء،كل هذه يمكن أن تكون جزءا من التوراة، كونها جزءا من سجل التجربة الدينية اليهودية(المصدر نفسه. (Judith Plaskow,p78

وإذا كانت بعض الصلوات غير الرسمية مثل تلك التي يطلق عليها “تخن”( تضرع/ابتهال) التي كانت تؤلفها بعض اليهوديات في أوربا في القرون الوسطى، وتقرؤها إلى جانب الصلوات الرسمية، تصبح جزءا من التجربة اليهودية، وكذلك إذا اعتبر كتاب الطلاق الذي كانت تكتبه المرأة في زمن سابق مقبولا، فإنه من الممكن أن يستعمل كل هذا كسابقة يبنى عليها في الوقت الحاضر، ويتوسع في استعماله حيث يتسع معنى التوراة. وكما استعمل الحاخامون

المدراشيم( تفسيرات وتعليقات الحاخامين على التوراة) لتوسعة معنى التوراة وتفسيرها، فإن النسوية أيضا بإمكانها أن تقوم بذلك وتملأ الفراغات ، وتظهر دور المرأة اليهودية.وتعطي الحركة مثلا على ذلك،بطبيعة الدور الذي قامت به مريم أخت موسى ، حيث لايوجد تفصيل عن دورها الديني ، لكن من الممكن ملء هذا الفراغ من المدراشيم، وكذلك عن دور النساء في سيناء، ومثل هذه المدراشيم التي تستعمل في مثل هذه الحالات يمكن أن تصبح جزءا من توسعة التوراة، وأهمية هذا من ناحية “الثيولوجي”، هو أن توسعة التوراة توسع القاعدة التاريخية والنصية للنقاش الثيولوجي اليهودي،كما أن ذلك سيضيف شيئا لليهودية ويغنيها.

وتقول الحركة إن الرب ليس ربا لشيوخ بني إسرائيل والحاخامين فقط، بل هو أيضا رب أمهات بني إسرائيل،اللائي يفسرن التوراة  ويبدعنها اليوم.

ومما تراه الحركة أيضا أن ماحدث تاريخيا هناك إلى جنبه غيره، ولذلك يردن أن يسترجعن مايسمينه توراتهن .ويقلن إن هذا يتمثل في حضور النساء في التاريخ اليهودي  وإظهار تجاربهن واعمالهن، التي ألغتها المصادر اليهودية، وعلينا أيضا أن نظهر مواجهة النساء مع الرب وتحديد طبيعة تجربتهن الدينية. وإذا اكتشفنا تجربة النساء مع الرب ،وتمكنا من أن نسترجع تاريخهن ورؤيتهن، فسيكون لدينا توراة أصلية وإلهية بالكامل وتصبح التوراة التي بين أيدينا بقايا منها.

وطبيعة هذه التوراة يجب أن تكون شاملة ليس فقط  للاسفار الخمسة وبقية التعاليم اليهودية ، بل يجب أن تحتوي على مانعثر عليه من كلام النساء، ومن تعليمهن وغيره.  كما أن توسعة معنى التوراة بما ذكر يقتضي منا أن نعيد تركيب التاريخ اليهودي لندخل فيه تاريخ النساء ، وبهذا نعيد تشكيل الذاكرة اليهودية.والبعض منهن   عصرنا يرين إدخال بعض الأدب العبري الحديث كجزء من المدراشيم واعتباره توراة روحيةElyse Gold stein,ed., New Jewish Faminism,p110

ومن جانب آخر فإن الحركة ترفض الكثير من مضمون الأحكام التي وردت في التوراة (وغيرها) فيما يتعلق بالمرأة. كتلك التي تتعلق بالدراسة والتعلم. فالتعليم والتعلم هما حق للذكر وليس للأنثى نصيب فيهما طبقا لتفسير الحاخامين للنص التوراتي، الذي جاء عنه في سفر التثنية 6/4″ اسمع يا إسرائيل تعلمها لأبنائك”، فجعلوا التعليم والتعلم مقصورا على الأبناء(الذكور) ،ولذلك حرمت المرأة  اليهودية طيلة القرون الماضية من التعليم والتعلم بضمنه تعلم التوراة ،حيث انتشرت الأمية بينهن قبل العصر الحديث بسبب تفسير الحاخامين للنص التوراتي المذكور. وللحاخام والفيلسوف المشهور موسى بن ميمون (رامبام) (القرن الثاني عشر) كلام صريح في تأكيد النص التوراتي، حيث يسلب من المرأة التعليم والتعلم. فهو يقول”إن الحاخامين أمروا الأب أن لايعلم البنات التوراة،لأن أكثرهن لم يقصدن أن يتعلمن أي شيئ، وبسبب ضعف فهمهن فإنهن سيحولن كلام التوراة إلى أشياء لامعنى لها” .ويضيف “إن علماءنا قالوا أيضا إن من يعلم ابنته التوراة فإنه مثل الذي يعلمها الأشياء التافهة”(Talmud Torah ,Law, Chapter one,rule 13[i][ii] . [1] وهو يفسر قول المشناة بأن الرجل له الأولوية على المرأة في الحفاظ عليه، أنه إذا كان كلاهما في خطر كالغرق مثلا فيجب إنقاذ الرجل أولا .ويعلل ابن ميمون هذه الأولوية (في شرحه على التوراة) بقوله إن الرجل مطلوب منه أن يؤدي واجبات شرعية أكثر من المرأة ،ولذلك تكون حياته أكثر قدسية من حياتها. وهو يفضل للمرأة أن تجلس في البيت ولاتخرج إلا للضرورة .فهو يقول “إنه من غير المناسب للمرأة أن تغادر البيت وتذهب هنا وهناك ،وعلى الزوج أن يمنعها من ذلك، ولايسمح لها أن تخرج من البيت إلا مرة أو مرتين في الشهر، وذلك للضرورة فإنه ليس هناك شيئ أفضل للمرأة من جلوسها في زاوية البيت( Amos Oz ,and Fania Oz- Salzberger, Jews and Words ,p.60)

 

[1]

ومن هذه الأحكام إستثناء المرأة من الفرائض الإيجابية-مثل الصلاة- التي تأمر الشريعة  اليهودية بوجوب أدائها في أوقات معينة,فهي ليست واجبة على المرأة، عدا عن أوامر قليلة يجب أن تؤديهاالمرأة. وكذلك عليها أن تؤدي الواجبات السلبية  فقط ، مثل لاتقتل ولاتسرق إلخ، حتى لاتزاحم حياة الرجل كما تقول الحركة (فالرجل عليه أن يقوم بالواجبات الإيجابية كلها مثل االصلاة).وطبقا للشريعة فإن الذي لايجب عليه أداء الفرائض ليس له الوضع نفسه للذي يؤدي الفرائض.

كما أن النساء اللائي يحضرن إلى الكنيس لايحسبن من العدد الواجب تحققه في صلاة الجماعة ( المنيان ،وهو عشرة أشخاص)، ولا يجوز لهن أن يقرأن التوراة في الكنيس ايضا كما يفعل الرجل.ولما كانت الصلاة والدراسة هما القلب والروح لليهودية التقليدية كما تقول الحركة ،فالنتيجة تكون أن المرأة هامشية على الحياة اليهودية وليست جزءا أساسيا من الجماعة.ومن هذه الأحكام التي تتعلق بالمرأة، وتعترض عليه الحركة تلك التي تتعلق بدورتها الشهرية وقد أعطى الحاخامون هذه القضية الكثير من النقاش ،حتى أن التلمود خصص لها رسالة مستقلة وهي بالعبرية “نده” (وهو اسم للمرأة التي في دورتها الشهرية)، وناقش الكثير مما يتعلق بها اجتماعيا ونفسيا واقتصاديا .وتنظر الحركة النسوية إلى الأحكام التي تتعلق بالمرأة الطامث(الحائض) على أنها أحكام شديدة التقييد لها سواء منها في النصوص المكتوبة، أو مانقل شفاها.وتقول الحركة إن هذه الأحكام تضطهد المرأة ،وتحقرجسمها(حيث تصبح المرأة نجسة وكل ما تمسه لفترة من الزمن كما ورد في نص التوراة) وهذه هي طريقة الحاخامين لإسكات المرأة، ،لأنها- أي الأحكام- المقيدة للمرأة ،تعني أن المرأة مصدر للتلوث والفوضى، ولذلك فإن حياة المرأة وتاثيرها على الرجل يجب أن تخضع للتنظيم.

وتقول بولا هيمن-  وهي أستاذة جامعية ومؤلفة أكثر من كتاب وناشطة في الحركة النسوية اليهودية- إنه في مجالل التنظيم الجنسي للمرأة فإن اعتبارها من الدرجة الثانية قد أكدت عليه اليهودية(Tova Hartman, Faminism encounters Traditioal Judaism,p.82)  وفي اليهودية أقوال مشهورة تؤكد هذا، بخاصة عندما تكون المرأة في حالة الطمث. ومنها ماجاء في كتاب الزُهَر(وهو أهم كتاب في القبلاه):

“إن من ينام مع الطامث يبعد الحضور الإلهي من العالم،إذ ليس هناك نجاسة في العالم أشد من نجاسة المرأة الطامث،وأينما تذهب هذه المرأة فإن الحضور الإلهي يغادر من أمامها.وأكثر من هذا فإن من ينام معها يجلب أضرار الأمراض على نفسه، بل حتى على الأطفال الذين يولدون،وعندما يقترب الشخص من الطامث ،فإن نجاستها تنتقل إليه،وتستقر قي كل أعضائه،لما جاء في سفر اللاويين/الأحبار15/ 24″وإن اضطجع معها رجل فصارت عليه نجاسة طمثها يكون نجسا سبعة أيام، وكل مضجع يضطجع عليه يكون نجسا. وكل نسل ينتج منه،في هذا الوقت فإنه يحمل روح النجاسة، ويبقى في حالة النجاسة مادام حيا، لأن خلقه وأساسه نابع من هذه النجاسة العميقة،التي هي من أشد النجاسات.Blu Greenberg: On Women and Judaism,P.115

وفي الزهر الكثير من الأقوال السلبية نحو المرأة إذ يعتبرها تمثل الشر،والشيطان خلق من خلقها. وللحاخام المعروف نحمانيد (رمبان) (القرن الثالث عشر) قول في وصف نجاسة المرأة الطامث اشتهر عنه حيث يقول “إن نظرة المرأة الطامث تسمم الجو…إنها مثل الأفعى التي تقتل بنظرتها، فكم هو الضرر الذي تجلبه للشخص الذي ينام معها. إنها منبوذة وعلى الرجال والنساء الإبتعاد عنها، ويجب أن تعزل وتكون وحدها ولاتكلم أحدا… بل إنها تنجس التراب الذي تمشي عليه، ويصبح كما لو أنه تراب مسته عظام الأموات” ( المصدر نفسه والصفحة نفسها).

ومن الأمور التي تحاول الحركة معالجتها في موضوع الأحكام المتعلقة بالمرأة،هو موضوع الطلاق .فالمعروف أن نص التوراة في سفر التثنية يعطي الحق الكامل للزوج – وبدون مراجعة الزوجة- أن يطلق زوجته باعطائها كتاب طلاق بنفسه ، الذي يسمى بالعبرية “غت”، وإذا لم يعطها الكتاب بنفسه فإنها لاتعتبر مطلقة ،  ولذلك بقي الطلاق مجالا لاستغلال الرجل الذي يريد أن يعاقب زوجته ، أو يحصل على مال منها أو تنازلات معينة برفضه إعطاءها كتاب الطلاق.وبسبب ضغط الحركة على الحاخامين بخاصة في إسرائيل، أخذ الحاخامون يشددون الأحكام على الزوج الذي لايعطي كتاب طلاق دون سبب معقول، وأفتوا بالحكم عليه بالسجن في إسرائيل.ومازالت هذه القضية تعتبر مشكلة للحركة وهي تريد معالجتها معالجة جذرية لا جزئية.

وتقول جودث بلاسكو إن هناك الكثير من عضوات الحركة يردن أن يأخذن زمام الأمور بأيدهن، ويكن صاحبات سلطة ومسؤولات عن الأحكام، بخاصة تلك التي تتعلق بالنساء ،ويقمن بمايفي بحاجة النساء الدينية، دون الرجوع إلى الهلخا( الشريعة) واحكامها.

(Judith Plaskow,Standing again at Snai,p.28 وأخريات منهن دعون إلى إبتداع أحكام جديدة (هلخوت)، تعبر تعبيرا حقيقيا عن التساوي بين الرجل والمرأة،ضمن التراث اليهودي وليس خارجه .وأخذ بعضهن منذ سنوات يؤلفن تفاسير للتوراة من وجهة نظر نسوية ويحررنها مثل: Torah of the Mothers Contemprary Jewish Women Read Clasical JewishTexts وربما كان أشهر هذه التفاسير اليوم كتاب TheTorah :A Women’s Commentry وهو كتاب ضخم تجاوزت صفحاته الألف وثلاثمائة ، وقد شاركت في الكتابين عشرات النساء  في مختلف الإختصاصات. كما اقترحت بعضهن ،مثل إيستر تكتن –وهي نسوية معروفة- أن يتعهد اليهود بعدم الصلاة في الكنيس الذي يضع محيصاه(حاجز) يفصل بين النساء والرجال ،وأن يرفضوا كذلك الذهاب إلى البيما(المكان الذي تقرأ منه التوراة في الكنيس) لقراءة التوراة للمصلين، إذا لم يسمح للنساء كذلك بالعمل نفسه(.Judith Plaskow, Standing again at Sinai,p.237)

*

[U1]

[U2]