arabic articles

اسرائيل تسرع تنفيذ المرحلة الثانية من تهجير الفالاشا د. جعفر هادي حسن   Dr Jafaar Hadi Hassan

جرت اسرائيل في نهاية القرن الماضي مجموعة كبيرة من فالاشا اثيوبيا الذين ادعوا انهم يهود. ويبلغ عدد هؤلاء اليوم في اسرائيل نحو مئة ألف. واتخذت الحكومة الاسرائيلية هذه السنة قراراً بتعجيل نقل مجموعة أخرى تسمى «فلاش مورا» بعدما كانت تنقل منهم بضع مئات كل شهر خلال التسعينات ليصل عدد من نقل منهم الى اسرائيل الى 25 ألفاً. ويأتي قرار تهجير هؤلاء بعد أحد مؤتمرات هرتسيليا الذي تحدث فيه رئيس الوكالة اليهودية عن تناقص عدد اليهود في العالم وتناقص عدد المهاجرين الى اسرائيل، خصوصاً من دول الاتحاد السوفياتي السابق. ويطلق على هؤلاء «فلاش مورا» تمييزاً لهم عن بقية الفلاشا الآخرين. ولا يعرف على وجه الدقة معنى كلمة «مورا» وان كان من المحتمل أنها تعني المتحول عن دينه في لغة شعب «الاغوا» الاثيوبي. و”الفلاش مورا» ليسوا يهوداً ولا يمارسون اليهودية، بل ـ كما يقولون ـ هم مسيحيون. فهم يمارسون العقيدة المسيحية ويتعبدون بها، وغالبيتهم متزوجون من مسيحيات من الفئات المسيحية الأخرى، ويضعون صورة السيدة مريم في بيوتهم ويعلقون الصلبان في قلائدهم، والكثير منهم يشم جبهته بعلامة الصليب، بل ان بعضهم قساوسة على المذهب المسيحي الارثوذكسي. لكن هؤلاء يدعون انهم من أحفاد الفلاشا الاثيوبيين الذين حولهم المبشرون الأوروبيون الى المسيحية منذ منتصف القرن التاسع عشر. وكان عدد من المبشرين الأوروبيين وفدوا في تلك الفترة الى اثيوبيا لتنصير الفلاشا، خصوصاً بعدما علموا بوجودهم، وجاء هؤلاء من اكثر من بلد أوروبي، وقاموا بنشاط مكثف. ولولا مجيء الموفدين اليهود لايقاف هذا النشاط وابطائه بتشجيع الفلاشا على البقاء على معتقدهم وتقديم المغريات لهم لتنصر الغالبية العظمى منهم. وكانت اسرائيل وعدت الفلاش مورا في التسعينات بتهجيرهم، فنقل الآلاف منهم الى غوندار وأديس ابابا واسكنوا في مخيمات ترعاهم بعض المنظمات اليهودية والمؤسسات المسيحية الصهيونية بالتعاون مع الوكالة اليهودية. وانشئت لهم بعض المدارس تدرسهم الديانة اليهودية واللغة العبرية ويتعلمون طريقة العيش الحديثة فيها وتعرض لهم أفلام عن اسرائيل وعن الحياة فيها. ويقدر عدد الذين تريد اسرائيل تهجيرهم بعشرين ألفاً أو يزيدون وسيضاعف عدد من ينقلون شهرياً ليكتمل نقلهم في صيف العام 2007. وينتقد بعض المسؤولين الأثيوبيين من نقل مواطنيهم الى اسرائيل ويعتبرونه عملاً مدمراً لتاريخ أثيوبيا وتراثها ويقولون: «لو كانت اسرائيل تريد مساعدة هؤلاء حقاً لساعدتهم وهم في بلادهم». وتبرر وزارة الخارجية تهجير هؤلاء على دفعات بقولها ان اسرائيل لا تريد ان تهجر «الفلاش مورا» دفعة واحدة حتى لا تحرج الحكومة الاثيوبية بتهجير مواطنيها! وقد ارتفعت أصوات داخل اسرائيل تعترض على جلب هؤلاء. وكان من المعترضين حاخامون يرفضون علاقة هؤلاء باليهودية ولا يعترفون بها. كما اعترض بعض أعضاء الكنيست ايضاً، بل ان بعض المسؤولين في اسرائيل اعترض على جلب عدد كبير من المسيحيين لأن هذا في نظرهم يضر بتركيبة المجتمع الاسرائيلي وغالبيته اليهودية. بل ان بعضاً من الفلاشا انفسهم رفضوا ان يهجر هؤلاء الى اسرائيل وأنكروا عليهم ادعاءهم وقالوا عنهم انهم أناس مرتدون يريدون ان يهربوا من حياة الفقر والعوز التي يعيشونها. ولكن رئيس الوكالة اليهودية دافع عن قرار الحكومة وقال عنه انه قرار صحيح من وجهة نظر انسانية ويهودية وصهيونية، مشيراً الى انهم يهجرون وفق مواصفات خاصة، وهو هنا يشير الى ان هؤلاء لا يهاجرون طبقاً لقانون العودة المعروف وانما طبقاً لقانون شرعته اسرائيل يسمى «قانون جمع الشمل». وقال أحد المسؤولين «سواء كان هؤلاء يهوداً أو غير يهود فإنهم سيتحولون الى اليهودية عند وصولهم». واليهودية التي سيتحول اليها هؤلاء هي اليهودية الارثوذكسية التي تفرض عليهم ولا يعطون خياراً لاختيار مذهب يهودي آخر. وكان بعض الفلاشا و«العبرانيون الاسرائيليون» (وهم من الأفارقة الاميركيين) قد رفضوا اعتناق المذهب الارثوذكسي. وطبقاً لقانون «جمع الشمل» هذا هاجر عشرات الآلاف من الروس الذين هم ليسوا يهوداً ولم يدعوا أي صلة باليهودية، وقد أصر هؤلاء على بقائهم على عقيدتهم المسيحية، وهم اليوم مجموعة كبيرة لها ثقافتها وطريقة حياتها التي تتميز بهما عن بقية الروس الآخرين، وان الكثير منهم يسكنون في أماكن خاصة بهم، ولهم كنائسهم ومراكزهم الثقافية ولهم محلاتهم التي تبيع ما هو محرم على اليهود مثل لحم الخنزير. وإن أولادهم الذين يلتحقون بالجيش يقسمون قسم الولاء بالأنجيل. ويأتي “تهجيرالفلاش مورا” على رغم المشاكل الاجتماعية والاقتصادية التي يواجهها الفلاشا في اسرائيل. ففي آخر احصاء عن نسبة الفقراء بينهم تبين أن هناك 60 في المئة منهم من يعدون من الفقراء، كما ان نسبة البطالة بينهم تعتبر أعلى نسبة في اسرائيل، كما ان الأجور المنخفضة هي ظاهرة عامة بينهم، أما عدد حالات الانتحار فنسبتها هي الأعلى بين شرائح المجتمع الاسرائيلي. وأخذ بعضهم، ومنذ سنين، يرفض الثقافة الاسرائيلية ويتجه نحو الثقافة الافريقية والكاريبية احتجاجاً على التفرقة ضدهم. ومنهم من أخذ يعود الى تعلم لغته الأصلية واستعمال العلم الاثيوبي كرمز للاحتجاج، وأخذت تحدث بعض حالات التهرب من الخدمة في الجيش الذي كان في السابق مثلهم الأعلى وأقصى ما يطمحون اليه هو الخدمة فيه. وفي استطلاع حديث عن ظاهرة العنصرية بين فئات المجتمع الاسرائيلي قال 43 في المئة من الاسرائيليين انهم يرفضون الزواج من الفلاشا ولا يريدون لابنائهم ان يتزوجوا منهم. وتهجر اسرائيل الى جانب «الفلاش مورا» مجموعة أثيوبية أخرى تسمى «قوارا» من شمال شرقي أثيوبيا، وهؤلاء يدعون أنهم يهود، وقد وصل منهم الى اسرائيل حتى اليوم بضعة آلاف، ومن ضمن هؤلاء مجموعة أخرى انضمت الى «القوارا» تسمى «غوفر”، كان القوارا يشترونهم عبيداً من الأمهرة ويتخذون من نسائهم سرّيات ويحولونهم الى عقيدتهم ويعتبرونهم جزءاً منهم، وهؤلاء يتميزون عن بقية الاثيوبيين بلونهم الداكن وسواد سحنتهم. ويبدو ان تهجير هؤلاء لن يكون الأخير من اثيوبيا، فقد وجدت صحيفة «جيروزاليم بوست» في تحقيق لها في أثيوبيا ان هناك الآلاف من هؤلاء ممن لم يحصهم ممثلو الحكومة الاسرائيلية، ممن يعيشون في قرى نائية ويريدون الهجرة الى اسرائيل. وتقول الصحيفة انه في بلد يصل عدد سكانه الى 65 مليوناً، فإنه من المحتمل ان يكون هناك مئات الآلاف من هؤلاء. وعلق أحد المسؤولين في اسرائيل على احتمال هجرة أعداد كبيرة من هؤلاء بقوله: «ان امبراطور اثيوبيا السابق (هيلاسيلاسي) كان ادعى انه من سلالة سليمان، فما بالك في بقية الاثيوبيين وما الذي يمنعهم من ادعاء الأصل اليهودي إذا كانوا يريدون الهرب من الفقر». والى جانب تهجير الاثيوبيين هناك خطط اسرائيلية لتهجير الآلاف ممن يسمون «بني منسه» وهؤلاء هم قبائل تعيش على طرفي الحدود بين الهند ومينمار (بورما)، وقد ادعى بعض الحاخامين في اسرائيل أن هؤلاء هم من القبائل اليهودية الضائعة، وهجرت اسرائيل بضع مئات منهم حيث سكنوا المستوطنات. وقد أرسل بعض المندوبين من اسرائيل لتهيئة هؤلاء للهجرة اليها. والبحث عما يسمى القبائل الضائعة يمتد- كما ذكرت في أكثر من مقالة- من القارة الاميركية الى افريقيا وآسيا، وأخذ هذا النشاط اليوم يركز على بعض القبائل والجماعات المسلمة، خصوصاً تلك التي تسكن الحدود الافغانية ـ الباكستانية بحجة ان هؤلاء من أصول يهودية. وقد ازدادت هذه النشاطات بعد 11 ايلول (سبتمبر) وهي نشاطات مريبة وخطرة. ولكن القرار الذي سيفتح الباب على مصراعيه لهجرة القاصي والداني الى اسرائيل هو ذلك الذي أعلنت عنه الوكالة اليهودية بقبولها هجرة من يسمون اليهود بالاختيار، وهؤلاء هم أناس لا يمتون الى اليهودية بنسب ولكنهم تحولوا أو يتحولون اليها. ويبدو ان اسرائيل تريد بهذا ان تعوض عن مصادر الهجرة التقليدية التي بدأت تجف منابعها ويتوقف تدفقها، وهي اليوم تبدو وكأنها تسابق الزمن بسبب الهاجس الديموغرافي الذي يؤرقها ويخيفها. واسرائيل كما هو معروف تنظر الى زيادة السكان على انها مصدر قوة وهدف استراتيجي بعيد المدى والغايات، فبزيادة سكانها تؤكد وجودها كدولة يهودية، ويزداد نفوذها وتأثيرها في المنطقة، كما انها ستكون أكثر تشدداً في موقفها مع العرب عموماً والفلسطينيين خصوصاً. واما المشاكل التي تواجهها كمشاكل الفلاشا ونسبة الفقرالعالية بين هؤلاء، فإن المسؤولين في اسرائيل يرون فيها مشاكل عابرة وموقتة ستزول بتغير وضع المنطقة في المستقبل. ولكن يبقى السؤال المهم وهو إذا استمرت اسرائيل على هذه الوتيرة في جلب هذه الأعداد الكبيرة التي تملأ بها الأرض، فكم إذن ستكون مساحة دولة فلسطين وما حجمها ان أريد لها ان تقوم؟ ربما لا يعرف الجواب على هذا السؤال إلا المسؤولون الاسرائيليون.

نشرت في صحيفة الحياة

 فرقة يهودية تبني قصراً لزعيمها الميت    الذي تنتظر عودته كمسيح مخلص د. جعفر هادي حسن   Dr. Jaafar Hadi Hassan, 2004

اليهود الحسيديم من الفرق اليهودية التي ظهرت في القرن الثامن عشر الميلادي في أوربا. وقد ساعد على ظهورها سوء الحالة التي كان يعيشها اليهود آنذاك وخيبة أملهم بالمسيح الدجال شبتاي صبي في القرن السابع عشر. وبمرور الزمن كبرت هذه الفرقة وكثر عدد المنتمين إليها حتى أصبح اليوم عدد أفرادها يعدون بمئات الآلاف منتشرين في كثير من بلدان العالم ولهم تأثير كبير في عالم اليهودفي داخل إسرائيل وخارجها.. واليهود الحسيديم لا يختلفون كثيراً في معتقداتهم وممارساتهم الدينية عن اليهود الأرثودكس المتشددين الذين يسمون بالعبرية “حريديم”، لكنهم يتميزون عنهم بتركيزهم على الغناء والرقص كجزء من عباداتهم وعلى التزامهم مبدأ اللذة والسعادة كجزء من معتقدهم. كما أنهم يعتمدون التفسير الباطني (القبلاه) للكتب الدينية اليهودية المقدسة عندهم.ويتميز هؤلاء أيضاً بتقديسهم لزعيمهم الروحي الذي يطلقون عليه تصديق(قديس) الذي هو عادة يرث الزعامة عمن قبله. وللزعيم الروحي مكانة لا تضاهيها مكانة عند أتباعه. إذ هو محور حياتهم وموضع أسرارهم ومحل ثقتهم والقاضي بينهم في حل خلافاتهم. يعترفون عنده بذنوبهم ويلجأون إليه في حل مشاكلهم والحسيديم اليوم مجموعات كثيرة ومتعددة لكل واحدة منها زعيمها ومرشدها الخاص بها . ومن أكبر هذه المجموعات مجموعة اللوبافتش التي يقدر عدد أعضائها بمئتي ألف شخص والتي أصبح مقرها الرئيس في نيويورك بعد الحرب العالمية الثانية. وهذه المجموعة تقدس زعيمها الروحي أكثر من بقية المجموعات الأخرى. وكان آخر زعيم لها (مناحم مندل شنيرسون) قد توفي عام 1994م. ولشدة تقديس أتباعه له فإنهم يحفظون أقواله وخطبه عن ظهر قلب ويقلدون أفعاله، ويطلبون بركته (وكان يعطيهم دولاراً رمزاً لهذه البركة). وكانوا يحضرون أنفسهم ليوم أو يومين قبل لقائه والمثول أمامه ويوصون أولادهم بطاعته والاخلاص له. ومن جملة ما تميز به زعيمهم في حياته تأكيده على قرب ظهور المسيح المخلص وحديثه عنه وذكره له. وقد طلب من أتباعه أن يجعلوا التفكير بالمسيح المخلص وانتظاره والتطلع إليه نصب أعينهم ومن أهم أولوياتهم. وكان يقول لاتباعه “إن كل يهودي له القدرة وعليه الواجب، أن يساعد في مجيء المسيح المخلص ليس غداً أو في وقت ما في المستقبل، ولكن الآن، وفي هذه اللحظة، حتى وكأن الإنسان يفتح عينيه فيرى المخلص أمامه هنا ومعنا في هذا الكنيس لحماً ودماً وروحاً وجسماً”. كذلك أمرهم أن ينادوا بعبارة “نريد المسيح الآن” وهم يضيفون الكلمة العبرية”ممش” التي تعنى حقيقة”ولكنهاأيضا تحتوي على الحروف الأولى من إسم مرشدهم وكان هؤلاء يصرخون بها كلما اجتمعوا تعبيراً عن توقعهم لظهور المسيح وتطلعهم إليه ورغبتهم في رؤيته. كما أخذوا يضعون في الأماكن العامة في كثير من مدن العالم التي يعيشون فيها لافتات مكتوب عليها “المسيح قادم “. وأثناء حياة مرشدهم الروحي كان هؤلاء يفسرون بعض الاشارات والرموز في كلامه علىأنه هو المسيح الذي وعد به اليهود. وبدأوا يتناقلون هذا المعتقد سراً فيما بينهم كما أخذوا ينشرون صور زعيمهم ويكتبون تحتها ما يشير إلى أنه هوالمسيح ” وعلى الرغم من أن زعيمهم كان يعرف ذلك، إلا أنه لم يمنعهم وكان يغض الطرف عن فعلهم. وبعد وفاته حلّت اللغة الصريحة محل لغة الاشارة وأخذوا يعلنون أن زعيمهم الروحي هو المسيح المخلص الذي وعدت به اليهودية والذي سيظهر من قبره في يوم من الأيام ليحقق العدل والسلام في العالم. وتأكيداً لذلك، فإنهم لم ينتخبوا شخصاً يخلفه كما هي عادة الحسيديم عند موت المرشد الروحي، وهم في الوقت الحاضر لا زعيم روحياً لهم أملاً في ظهور زعيمهم الميت وينتقد بعض اليهود(وبعضهم من أعضاء الفرقة) الحسيديم اللوبافتش ويعتبرون ما يؤمنون به منافياً لما هو منصوص عليه في معتقدات اليهودية التي تقول بأن المخلص هو الذي يولد في آخر الأيام ويعلن عن مسيحانيته عندما يكون حياً. ولكن اللوبافتش يردون على هذا النقد بأدبيات وكتب نشروها، يؤكدون فيها على صحة معتقدهم ومسيحانية زعيمهم وظهوره من قبره في يوم ما ويقولون إن بعث الموتى هو أحد المبادئ الرئيسة في اليهودية ومن أصول الدين فيها فلماذا لا يجوز بعث المسيح. ويقول بعضهم إن الزعيم الروحي شنيرسون قد توفرت فيه كل صفات المسيح المخلص “وعندما كان مريضاً كنا نتوقع معجزة ولكن ذلك لم يحدث والآن نحن ننتظر المعجزة”. وهم منذ فترة يقومون بحملات بين اليهود يؤكدون فيها على أن زعيمهم هو المسيح المخلص الموعود الذي” سيظهر ويخلص العالم من شروره. وهم يلصقون صوره في الأماكن العامة في إسرائيل وغيرها، ويضعون تحتها كلمة “المسيح”. وفي مستوطنتهم “كفارخبد” التي أقاموها في إسرائيل في السبعينات بأمر زعيمهم الروحي، يلصقون على الشبابيك صورته مكتوب تحتها “عاش الملك”، وهم بهذا يشيرون إلى زعيمهم. كماأنهم يوزعون بعض أقواله ويكتبون تحتها “المسيح الملك”. وفي مدارسهم – وهي كثيرة – يبدأ التلاميذ يومهم بجملة “عاش زعيمنا الملك المسيح”. كما أن الأولاد في المستوطنة عندما يردون على “التلفون” يبدأون ردهم بعبارة “عاش الملك المسيح”.وفي أحد مواقعهم على الإنترنت وهو خاص بمسيحهم يقولون إن الموقع صمم بأمر المسيح الملك وهم يذكرون عبارة “طال عمره إلى الأبد” بعد إسمه . ويطلبون من أتباع الفرقة أن يكتبوا رسالة لطلب البركة من مسيحهم وأن يدعوا الله أن يعجل ظهوره.ويقول هؤلاء “إن الحاخام الذي أحب أتباعه كما لو كانوا أولاده لا يمكن أن يتركهم بلا قيادة. ولأنه فعل ذلك فلابد أنه كان يعلم بانه سيظهر مرة أخرى ويلأ الفراغ” ولكي يؤكدوا اعتقادهم هذا، فقد عقدوا مؤتمراً في لندن في نهاية عام 2000 حول موضوع مسيحانية زعيمهم وأسموه المؤتمر الأول. وقد حضر المؤتمر عدد كبير من أتباع هذه الفرقة وحضره أيضاً بعض الحاخامين من الفرقة ومن غيرها. وقد قال أحد المنظمين لهذا المؤتمر “إن الهدف منه (المؤتمر) هو التأكيد على ايماننا ومعتقدنا بزعيمنا الروحي نبي هذا الجيل. ونحن نعتقد اعتقاداً عميقاً بأنه ما زال حياً ويعيش بيننا وسوف لا يخيب أملنا ف”. فيه “ولم يكتف هؤلاء بنشر الأدبيات وعقد المؤتمرات عن ظهور مسيحهم، وإنما أخذوا يقومون بخطوات عملية لتأكيد واقعية الفكرة ومصداقيتها. وأهم هذه الخطوات هي بناء قصر لسكنى مسيحهم. وقد طلبوا من معماري شهير تصميم قصر ضخم يسكنه زعيمهم عندما يبعث من قبره معلناً مسيحانيته كما يعتقدون. واختاروا ان يكون موقع قصره في مستوطنتهم المذكورة.وقد وافق مجلس بلديتها على المشروع. وقد عمل المعماري نموذجاً للقصر،الذي سيقام على مساحة عشرة الاف متر مربع وهو كما يبدو من صورته انه سيكون قصراً ضخماً بكل المقاييس (الصورة) وكتبوا في وصف القصر أنه سيحتوي على قاعات عديدة وغرف كثيرة وحمامات وحدائق ونوافير ماء، وستغطى أرضه بأفضل أنواع المرمر، كما ستكون أبوابه من الذهب. وسيقسم داخله إلى قسمين، أحدهما للمسيح الموعود نفسه، والآخر لزوجته!! كما سيعلو القصر تاج ضخم مصنوع من الذهب الخالص. وهم عندما يتحدثون عن القصر يطلقون عليه قصر المسيح الملك. وأخذوا ينشرون صورته ويقومون بالدعاية له والكتابة عن ضخامته وجماله.ومنذ فترة يقومون بجمع الأموال لبنائه. وعندما ينتقدون على ما يقومون به يقولون بأن زعيمهم الروحي هو الذي طلب منهم أن يعملوا كل شيء من أجل المسيح المخلص وقدومه وأنه هو كذلك قد أشار ببناء القصر. وهم يردون على منتقديهم أيضاً بالقول:”إن كل ملك له قصر وخاصة ملك الملوك ثم كيف لا نبني له سكناً فأين يذهب عندما يظهر؟ هل يذهب إلى الفندق؟”! واللوبافتش في عملهم هذا لا يختلفون كثيراً عما قام به اتباع فرقة “شهود يهوه” المسيحية الذين بنوا بيتاً ضخماً في إحدى الولايات الأمريكية وسجلوه باسم الأنبياء إيراهيم واسحق وداوود ليكون سكناً لهم عندما يظهرون صحبة المسيح عيسى عندما يظهر مرة أخرى
*نشرت هذه المقالة في مجلة”النور”-لندن

فرقة اليهودية البشرية   د.جعفر هادي حسن

ربما لم يسمع القارئ من قبل بهذه الفرقة اليهودية ولم اطلع انا على شيئ منشور عنها  باللغة العربية. والإسم العربي للفرقة هو ترجمتي من الإسم الإنجليزي                                                                            Humanistic Judaism
ولم أترجمها بكلمة الإنسانية لأن ذلك سيعطيها معنى آخرلايعطي المعنى المقصود. وكانت هذه الفرقة قد ظهرت في الولايات المتحدة ألأمريكية عام 1963 عندما بدأ الحاخام شيروين واين (توفي عام 2007) بانشاء أحد المعابد في مدينة ديترويت لنشر الدعوة إلى اليهودية البشرية وهو اليوم يعتبر مؤسس هذه الفرقة. وفي عام 1966 تكونت لجنة خاصة في نفس المعبد لمشاركة الناس العاديين مع الحاخامين في العبادة وفي مجال التربية أيضا. ثم في عام 1967 اجتمع عدة زعماء لهذه الحركة في ديترويت أيضاً واصدروا بياناً أكدوا فيه على أن اليهودية يجب أن تكون محكومة بالتجربة العقلية والحاجة الإنسانية. وبعد سنتين انشئ كنيس، وفي عام 1969 انشئت جمعية باسم “اليهودية البشرية” من أجل إقامة التعاون والالتقاء بين اليهود البشريين. وفي عام 1970 عقدت هذه الجمعية مؤتمرها السنوي الأول في ديترويت وبعد عشر سنوات من هذا التاريخ انشئت كنس عدة في الولايات المتحدة وكندا ثم بعد ذلك أصبحت اليهودية العلمانية البشرية حركة عالمية ولها مؤيدون في أكثر من قارة، وأصبحت لها تسع جمعيات عامة في كندا وامريكا وبريطانيا وفرنسا وبلجيكا واستراليا والأرجنتين والأورغواي وإسرائيل ص 138 ويضم هذه الجمعيات اتحاد اسمه الرسمي هو الاتحاد العالمي لليهودية البشرية العلمانية”.
وفي عام 1986 أصدر الاتحاد بياناً حول معتقدات هذه الفرقة وأهدافها جاء فيه: إننا نؤمن بقيمة العقل الإنساني وفي واقعية العالم التي يكشفها العقل. وان الكون الطبيعي يقف وحده دون تدخل من عالم الميتافيزيقيا ونحن نؤمن بقيمة الوجود الإنساني ونؤمن بقدرة الإنسان على حل المشاكل بشكل فردي وجماعي وان الحياة يجب أن توجه من أجل ارضاء الحاجات الإنسانية. وكل انسان له الحق في الحياة والكرامة والحرية، ونحن نؤمن بقيمة الهوية اليهودية ونؤمن كذلك ببقاء الشعب اليهودي، وان التاريخ اليهودي هو قضية إنسانية. واليهودية كحضارة لليهود هي من خلق البشر، والهوية اليهودية هي حقيقية عرقية. ان الحياة اليهودية تشمل كل مظاهر الحياة اليهودية ومن ضمنها اللغات اليهودية والاخلاق والذكريات التاريخية والتراث الثقافي خاصة ظهور دولة اسرائيل في العصر الحديث. واليهودية كذلك تشمل عدة معتقدات وسلوك حياتي. ولما كانت اليهودية هي من خلق اليهود أنفسهم :ما يقول هؤلاء فإنها دائماً تتغير. ويقولون نحن نؤمن بقيمة البشرية العلمانية والديمقراطية لاسرائيل ولكل شعوب العالم.كما أن الدين والدولة يجب أن ينفصلا. ويجب أن يضمن لكل شخص الخصوصية والاستقلالية وكل انسان مع غض النظر عن جنسه وعرقه ودينه له حقوق متساوية والبشريون لهم معهد كبير في اسرائيل يتخرج منه حاخاميهم ويمنحونهم شهادات منه.نظرة هذه الفرقة الى التوراة والتلمود والانبياء والمناسبات الدينية

التوراة

ترى اليهودية البشرية بأن التوراة تثير الارتباك والتشوش عند الإنسان كما أن النقد العلمي قد كشف أنها لم تكن قد كتبت من قبل موسى (كما يقول الحاخامون) ولكنها في الواقع مكونة من أربع وثائق رئيسة على الأقل وهي وثائق كتبت منفصلة. كما أن الكثير من قصصها متناقضة كما في الالاصحاح الأول والثاني من سفر التكوين.(وربما هم يشيرون هنا إلى قضية خلق الإنسان). والكثير من الحوداث إما أنها لم تحدث أو أنها لم تحدث بالطريقة التي تحدثت عنها التوراة كما أن عدداً كبيراً من هذه القصص كتبت بعد قرون من افتراض حصولها. كما ن التوراة تكشف أشياء أخرى من خلال التناقضات والادانات وأنها إذا قرئت بتعمق فإنها ستكشف عن وجود آراء يهودية أخرى غير الآراء المعروفة ونحن ليس علينا أن نقبل ما يكتبه محررو التوراة.
ويرى هؤلاء أيضاً بأن التوراة وثيقة شوفينية، إذ أنها تعتبر اليهود شعباً مختاراً متميزاً حيث لهم حقوق خاصة بهم دون غيرهم، إضافة الى أنهم مفضلون، لا لأن لهم فضائل فطرية خاصة بهم، بل لإنهم أبناء يهوه المفضلون. كما أنه ليس هناك دور للناس الآخرين عدا اليهود وكلام كثير عما يعمل يهوه من أجلهم وماذا يتوقع منهم هو، فرب العالم والهه يسلك سلوك رب عشائري. كما ان التوراة تعتبر وثيقة رجعية تشجع على اهانة اليهود المعاصرين اخلاقياً. كما أن الحياة التي تعرضها التوراة هي حياة العائلة الدكتاتورية وعدم المساواة بين الرجل والمرأة وحكومتها حكومة ثيوقراطية وتركز على الخصوصية العشائرية كما أنها تركز على الأضاحي. واساطير التوراة تحمل في طياتها اهانة للانثى وعداء عشائرياً، كما أن ثلثي التوراة هي وثيقة محرجة ولذلك فإنها لا يمكن أن تجعل أساساً لشريعة علمانية من دون أن يكون الإنسان غير صادق مع نفسه. إن التوراة لا تناسب وجهة نظرنا انها شعار يناسب اليهود الذين يؤمنون بالحاخامين وهي تناسب طموحهم وحياتهم التي يرغبونها ولكنها بالنسبة الى اليهودية البشرية هي كذب لأنها تتحدث عن تقاليد غير صحيحة. واليهودية البشرية لم تخرج من الوثيقة الرسمية لليهودية الكهنوتية والحاخامية، بل إنها وليدة التجربة اليهودية وأن التاريخ اليهودي من وجهة نظر اليهودية البشرية يختلف عما ينظر إليه الحاخامون والكهنة. إن الشخصية اليهودية هي نتاج التاريخ اليهودي وليس نتاج التوراة. إن التوراة لا تناسب اليهودية البشرية ونحن لا نريد أن ننقدها فهي الوثيقة الرئيسة لليهودية الحاخامية، وانها تعبير عن وجهة النظر الثيوقراطية للعالم والمجتمع.
إن محررين من القرن السادس قبل الميلاد قد وضعوا مبادئهم وقناعاتهم على لسان الآباء (ابراهام واسحق ويعقوب) وعلى لسان موسى. وان التوراة إذا درست بشكل علمي فإنها ستظهر لنا حقيقة الأحداث خلف الأساطير. وان هؤلاء المحررين نظروا الى الماضي من خلال أفكارهم السياسية ومعتقداتهم الدينية، كما أن التاريخ اليهودي هو بالضرورة ذلك الذي رآه الحاخامون والكهنة. إن التوراة هي مجموعة من الاشارات التي تقودنا الى الأحداث الحقيقية التي هي خلف الاسطورة حتى وإن كانت نصوصها التاريخية كذباً وشرائعها غير صالحة اخلاقياً. ويقولون إن أجدادنا قد آمنوا بذلك ايماناً عميقاً وكان ذلك ضاراً لهم.
إن يهوه لم يكتب التوراة ولكن الاعتقاد بأنه هو الذي كتبها يؤثر على الشخص في تعامله مع الأفكار.
وهم يعتقدون بأن السلوك العملي لليهود قد جاء من أفكار التوراة وشروحها وان دراسة هذه الأفكار هي دراسة للتاريخ اليهودي، كما ان دراسة الحالات التي تناقض تلك هي أيضاً جزء من التاريخ اليهودي.
وإذا كانت هناك أفكار تتفق بها اليهودية البشرية مع اليهودية الحاخامية، فإن ذلك قد جاء من خلال وعي التجربة الإنسانية التي تجعل مثل هذا شيئاً مهماً حتى لو لم يكن ذلك في التوراة.
كما أن التأكيد على أن اليهود يجب أن يتذكروا اعتمادهم على التدخل الالهي هو مخالف للإعتماد على النفس. كما أن السلوك الأخلاقي لليهود لم يأت من الوصايا العشر، ولكنه جاء من التجربة اليهودية.
وخلاصة القول إن التوراة هي كتاب أدبي وحقها ان توضع في مكان مشرف في متحف الكتب اليهودية يتحدث عنها المعلمون وعن أهميتها التاريخية وقوتها ولكن لا يجوز لمن يؤمن باليهودية البشرية أن يعبدها ويعتقد بأن الهوية اليهودية والسلوك الأخلاقي يتوقف عليها.

التلمود

اليهود البشريون لايعترفون بالتلمود لأنهم يرون فيه نتاجا من نتاجات اختلاف الحاخامين، فالحاخامون قالوا بأن تعاليم التوراة هي تعاليم غير كاملة، وان هناك تعاليم ربانية أخرى بها تكتمل التوراة وهذه التعاليم هي شفوية (ويطلق عليها بين اليهود التوراة الشفوية) وهي مهمة كأهمية التوراة المكتوبة. وقد سميت هذه التعاليم المكتوبة بالتلمود وقد أصبح التلمود هو الاساس لليهود الحاخامية، وقد جعل الحاخامون يهوه مركز أفكارهم فهم يقولون بأن يهوه قد اختار ابراهام (ابراهيم) الذي اعتبروه جداً لشعب خاص ومختار وهو قد اقام عهداً معه وإذا ما حاول احفاد ابراهام وجاهدوا من أجل أن يتبعوا تعاليم يهوه ويصبحوا قريبين اليه فهو سيجازيهم بجزاء خاص وستصبح القدس التي يعتبرها اليهود عاصمة لهم، سكناً خاصاً به، وسيكون لليهود الشرف في السكن قرب قصره وحضوره الأرضي.
وبعد ظهور المسيح اليهودي المخلص ممثل يهوه سيهزم الأشرار وسيجعل القدس عاصمة العالم. وفي يوم القيامة سيكون اليهود أفضل الشعوب وسيجد اليهود الدخول الى الجنة أسهل من بقية الشعوب الأخرى وهم سيكونون سعداء برؤية أعدائهم يذلون ويحكمون لكن على اليهود أن يلتزموا بالهلخا الشريعة التي عرضت في التلمود والتوراة.
كما أن اليهود عندما يعاقبهم يهوه فهو عقاب خاص إذ هو ليس بغرض الاهانة والاذلال وإنما هو عبارة عن معاملة خاصة، كما أن الحاخمين جعلوا من هزيمة اليهود واذلالهم رمزاً لرضا يهوه عنهم وجعلوه رمزاً للشرف وتخفيف من الذنوب وجزاء في المستقبل ويؤكد الحاخامون على أن يهوه لا يقبل التعددية وإنما اليهودية هي وحدها المقبولة.
وترى اليهودية البشرية بأن الحاخامين قد جعلوا من قصة يهوه دافعاً قوياً ومحركاً. وقد كانت هذه القصة – قصة يهوه – مقنعة لليهود الى العصر الحديث، ولكن في الوقت الحاضر فإن أكثر اليهود قد تركوا ما قرره لهم الحاخامون بالنسبة الى يهوه.

الأنبياء

يقول اليهود البشريون إن أنبياء اليهود مثل عاموص واشعيا وميخا يعتبرون شخصيات مهمة في العهد القديم لدفاعهم الحار عن الفقراء والمحتاجين حتى اصبح هؤلاء نماذج عليا لبعض اليهود في العصر الحاضر. ولكن كان لهؤلاء الأنبياء مشكلات جدية، إذ انهم كانوا يعرضوا أنفسهم كملتزمين وقديسين ولكنهم أيضاً في نفس الوقت كانوا ديكتاتوريين ولم يكونوا يسمحون بالرأي الآخر وكانوا دائماً يأمرون بدون مناقشة ولما كان هؤلاء صوت يهوه فهم كانوا يعتبرون معصومين. لا شك ان هناك بعض الفقرات في العهد القديم التي تصل الى ثلاثين أو اربعين والتي تدين استغلال الفقير ولكن الناس لا يعرفون بأن هناك مئات الأنبياء الذين تنبؤا لتدمير العدو بشكل لاإنساني وعند قراءتنا لكتب الأنبياء فإننا نقرأ كتباً مليئة بصفحات من الدم والقتل قبل أن نعثر على القليل من الاحساس الإنساني. والواقع ان أنبياء يهوه الذين اختيروا من أجل اشاعة النص المقدس يظهرون سلوكاً أخلاقياً غير متجانس وان كلامهم لم يحفظ من أجل سبب انساني وإنما حفظ من أجل أن يعطي ثقة لليهود بمستقبلهم ولتوضيح لماذا أن الحاضر هو سيئ ولذلك فإن ما كتبه الأنبياء كان يقرأ في الاجتماعات العامة لاعطاء أمل وتعبير عن التأثر لحالة الضعفاء وعدا عن ذلك فإن كتب الأنبياء مثل التوراة لا يمكن أن تؤخذ على انها قواعد
اخلاقية.لا يعتقد هؤلاء بأن النبي موسى كان قد قاد الإسرائيليين الأوائل.

المناسبات الدينية

يقول البشريون إنهم يصرون على أن الأعياد والمناسبات اليهودية تعطيهم كرامة وإن الصلوات والقصص التي تحول التجربة اليهودية إلى شهادة للاعتماد على الغيب ليس لها مكان في احتفال المناسبة، وان مدح يهوه في الفصح يقلل من جهد الإنسان وابداعه ولذلك لا بد ان يكون هناك طريق لتقديم القصص التي تؤكد على العقل الإنساني والكرامة الإنسانية، وانه ليس هناك خطة غيبية تجعل العبودية ممكنة. إن مقاربة اليهودية البشرية للتقويم اليهودي لا بد وأن تكون عملية ولذلك فإن التواريخ التي وضعها الحاخامون للمناسبات لا بد من قبولها لأن اليهود متعودون عليها وهم يصبحون أكثر وعياً لهويتهم اثناءها وإذا كان من الصعب تغيير أوقاتها فلا بد إذن أن تقام بشكل مختلف حتى تتحقق الكرامة مع الهوية.
ويقولولون كذلك بأن لهم الحق في وضع مناسبات جديدة كما كان لأجدادهم فالمناسبات القديمة تربطهم بكل اولئك الذين يشاركونهم بالهوية وان المناسبة الجديدة التي تنشؤها اليهودية البشرية تدعم تفرد فكرتهم الإنسانية فمثلاً الاحتفال في شهر مارس بميلاد انشتاين يكون مناسبة إضافية ذات معنى حتى لو لم يرد الحاخامون الاحتفال بها.
وقد تسقط بعض المناسبات القديمة التي لا تستحق بذل الجهود لإعادة تفسيرها واعطاءها معنى مثل صوم استير في 17 تموز وكذلك صيام 9 آب(وهو اليوم الذي يفترض فيه أن الهيكل اليهودي قد هدم فيه مرتين). إذ ليس هناك سبب جيد لاستمرارها فإن مثل هذه المناسبات تحول طاقتنا من مناسبة أكثر أهمية فمثلاً تهديم المعبد في أورشليم الذي بسببه يصوم اليهود في التاسع من آب كان كارثة قومية لليهود، ولكن الهولوكست يعطي هذه الفكرة بشكل أوضح ولذلك فإن قرار اليهودية البشرية لبعث المناسبات القديمة وإعادة تفسير الحالي منها واختراع أخرى هو جزء من خطة لبرنامج واضح جداً لأن المناسبات هي أفضل طريق لتعليم التاريخ اليهودي وأهمية الهوية لبشر مشغولين “في الحياة”.
إن يهودية الحاخامين تطغي عليها النشاطات الدينية والصلوات وقراءة التوراة، كما أنهم اضافوا قصصاً جديدة لتضفى على المناسبات علاقة وارتباط بيهوه وقد حاول الحاخامون أن يكون الحديث عن موسى والخروج من مصر جزءاً في أكثر المناسبات.
وهم يرون بان هذه المناسبات يجب أن تتخلص من دكتاتورية الحاخامين ويجب أن تعطى لغة علمانية وقصصاً غير دينية وليس من الصحيح اجراء تعديلات شكلية عليها، وان البشريين يجب أن يكونوا جريئين كجرأة الكهنة والحاخامين الذين نسبوا الكثير من هذه المناسبات الى موسى ويهوه ولا بد أن ننظر الى الجانب الآخر من التاريخ اليهودي في هذه المناسبة.

السبت

إن السبت هو من أكثر المناسبات الدينية تكراراً ولكن أصل السبت مجهول ويعود الاحتفال به إلى ما ذكر في سفر التكوين أن الاله يهوه استراح في اليوم السابع ويقول اليهود إننا أيضاً يجب أن نستريح كذلك في اليوم السابع، ولكنهم يفسرون كلمة “شبث” العبرية ليس بمعنى راحة ولكن بمعنى توقف عن النشاطات، وان يوماً ليس فيه نشاط هو يوم مختلف عن يوم الراحة.
ويقول هؤلاء إن يوم السبت يتسم بالخوف عندما تكون كل أنواع الحركة محظورة وخطرة، وان الكهنة نقلوا هذا اليوم الى اليوم السابع من الاسبوع وأعطوه أهمية قصوى، وأنه يوم خاص ليهوه وأكده أولئك الذين يؤمنون بالرقم 7.
وأصبح يوم السبت مع الختان علامتين رئيسيتين للهوية اليهودية وبما أنه مناسبة وضع اساسها الكهنة، فإنه جعل يوماً مخيفاً. فالتوراة قد حددت حركة الناس وجعلتهم يجلسون في بيوتهم كل اليوم وبدون ضياء كل الليل والخوف من السبت وتخويف الحاخامين منه هو انعكاس لخوف الوجود اليهودي. وان اختيار يوم معين للابتعاد عن كل أنواع اللذات والنشاطات هو أقرب الى الارهاب منه الى الراحة والاستجمام.
ولكن الحاخامين فيما بعد خففوا من قساوة هذا اليوم بأن سمحوا باشعال الشموع وبشرب النبيذ وباجتماع عام وقراءة التوراة وقد أجازوا للناس الذهاب الى الكنيس والصلاة فيه ولكنهم في الوقت نفسه يمنعون أكثر النشاطات ومع ذلك ليس من السهولة بأن يوصف بأنه يوم راحة.
وعندما جاء عصر تحرير اليهود في أوربا وجد العلمانيون الالتزام بالسبت أمراً صعباً وتهاونوا بالالتزام فيه ولذلك حاولت بعض المذاهب اليهودية فيما بعد التخفيف من شروطه ومن هذه المذاهب كان المذهب الاصلاحي. فالسبت عند هؤلاء هو يوم راحة وكل الأشياء الممنوعة قد أجيزت.
وعندما جاءت الصهيونية انقذت يوم السبت وجعلته عطلة رسمية في إسرائيل وأصبح اليهود العلمانيون في إسرائيل يعاملون يوم السبت كما يعامل الامريكان يوم الأحد على الرغم من نقد المؤسسة الدينية وهجومها عليهم ولكن هذا الحل الإسرائيلي لا يوفر حلاً للبشريين في الشتات.
ويقول اتباع اليهودية البشرية انهم يعتبرون يوم السبت رمزللإنسانية، وهو شاهد على الأواصر والعلاقات الانسانية والتي هي وحدها تجعل البقاء ممكناً. واجتماع العائلة يوم السبت عند العشاء يمثل القوة الرئيسة للبقاء الإنساني وإذا كان العالم يجعل الإنسان قلقاً، فإن عائلته تعطيه الاسناد والرعاية. ويقولون إن عشاءنا يوم السبت هو اعتراف للعائلة التي تجلس حول المائدة، وان ما نقدمه في السبت من شعائر هو اعتراف للعائلة اليهودية الكبيرة التي تشترك معنا في التاريخ وفي قدرنا الاجتماعي.

الختان

يرى هؤلاء بأن الختان كان يمارس في السابق بين الساميين وغيرهم ولم يكن خاصاً باليهود ولكن اليهودية الكهنوتية قد عظمت كثيراً من قضية الختان وفسرته على أنه علاقة على كثرة النسل الذي وعد به يهوه ابراهام ونسله وقد نص في التوراة على الختان في سفر التكوين 17-9-14.
وقال الكهنة للناس إذا لم يقم الأب بعملية الختان في اليوم الثامن، فإن مصائب خطيرة ستصيب الطفل واليهود وما زال الخوف موجوداً الى هذا اليوم.
وأصبح الاحتفال بأداء الختان احتفالاً محكماً للذكر أما الانثى فلم يكن نصيبها سوى وضع التمائم وقراءة البركات.
إن اليهودية البشرية لا يمكن أن توافق على مثل هذا النوع من التفرقة حيث يقام الاحتفال للذكور فقط، كما أن الختان بطبيعته لا يتفق مع قيم اليهودية البشرية وهي وإن كانت لا تمانع في اجراء ذلك بسبب صحي ولكنها لا توافق على أن يكون موضوعاً لاحتفال بين الناس.
وتقترح اليهودية البشرية أن يكون هناك احتفال على مستوى العائلة أو الجماعة اليهودية لكل من الذكر والانثى وبمستوى واحد ويُبرز الاحتفال ارتباط الطفل ذكراً وانثى بمستقبل العائلة وباليهود وبالإنسانية عامة واعطاء الطفل الاسم العبري بهذه المناسبة يكون رمزاً للارتباط باليهود.
وعلى الرغم من ان الغالبية العظمى من اليهود يمارسون عملية الختان لأبنائهم، إلا أن بعض المذاهب اليهودية غير الرثوذكسية أخذت تتهاون في قضية الختان للأطفال خاصة إذا كان أحد الأبوين غير يهودي.
ولكن برزت اليوم بين اليهود ظاهرة عدم ختان الأطفال – وإن كانت اليوم على نطاق محدود-  وأخذت هذه الظاهرة تتشكل منذ بضع سنوات على اعتبار أن عملية الختان هي عملية وحشية أو بدائية أو مؤذية نفسياً للطفل الى غير ذلك من أسباب.
ولهؤلاء موقع على الانترنت باسم يهود ضد الختان. كما اخذت هذه الظاهرة تبرز أيضاً بين يهود إسرائيل ولهؤلاء أيضاً موقع على الانترنت كما ذكرت صحيفة الجويش كرونكل في 6/7/2007). والكثير من هؤلاء الذين يعارضون الختان هم من المثقفين.
وبعض هؤلاء يقترح، كما تقترح اليهودية البشرية، احتفالاً بديلاً، وان البعض منهم اعطاه اسم “عهد السلام”.

تعريف اليهودي والزواج المختلط وعلاقة اسرائيل بالشتات

من هو اليهودي

وقد جاء في بيان لها حول من هو اليهودي ما نصه “اننا نحن أعضاء الاتحاد العالمي لليهودية البشرية العلمانية نعتقد بأن حياة اليهود تتوقف على نظرة أوسع للهوية اليهودية، ونحن نرحب بكل الرجال والنساء من الذين يريدون  أن يشاركوا باخلاص التجربة اليهودية مع غض النظر عن اصلهم أن يدخلوا في الشعب اليهودي. ونحن نرفض الاعتقاد بأن اليهود هم أصلاً بشكل خاص مجتمع ديني، وان الاعتقاد أو السلوك الديني هو شيء أساسي من أجل أن يكون الانسان عضواً كاملاً في المجتمع اليهودي. إن الشعب اليهودي هم أناس عالميون لهم ثقافات متعددة وحضارات متعددة وان اليهودية كثقافة لليهود هي أكثر من كونها التزام ديني وهي تضم لغات كثيرة وآداب متعددة وتقاليد تاريخية مختلفة وفي وقتنا الحاضر، فإن الهولوكست وظهور إسرائيل مرة أخرى جزء رئيس من الوعي اليهودي.
ونحن كيهود علينا مسؤولية أخلاقية كي نرحب بكل الذين يريدون أن ينتموا إلى ثقافتنا وقدرنا وان الأطفال والزوجات والأزواج من غير اليهود الذين يرغبون أن يكونوا جزءاً من الشعب اليهودي يجب أن لا يرفضوا بسبب أن أمهاتهم لسن يهوديات ولا يريدون أن يخضعوا لطريقة التهود الدينية. وان مهمة تعريف “من هو اليهودي” تتعلق بكل اليهود ولا يمكن أن تختطف من قبل أي مجموعة من اليهود. إن الجواب على سؤال من هو اليهودي الذي تدعيه بعض الاتجاهات الارثوذكسية والتي تدعي على أساس من التجربة التاريخية لليهود هو تعريف مؤذ. وإننا نؤكد بأن اليهودي هو ذلك الشخص الذي ينحدر من أصل يهودي أو يعلن عن نفسه أو تعلن عن نفسها بأنه أو أنها يهودية ويشخص نفسه أو تشخص نفسها مع القيم الاخلاقية والثقافة والحضارة والجماعة اليهودية والقدر اليهودي.
ويقول “وين” إن الهوية اليهودية هي التزام مهم ولكنها ليست الالتزام الوحيد والمثل الرئيسي وان اعطاء الهوية اليهودية الوضع الأكبر والأفضل هو خرق للاخلاق الإنسانية، وانه انتزاع للهوية الشخصية للأفراد وتضييق مجال الاكتشاف الأوسع لكرامة الإنسان.

الزواج المختلط

لايجيز اليهود الأرثودكس الزواج من غير اليهودي أو اليهودية لأنهم يعتبرون ذلك مخالفا للشريعة اليهودية. بل إنهم يقيمون عزاء لفترة من الزمن إذا تزوج ابن لهؤلاء من امراة غير يهودية.وبقية المذاهب غير الأرثودوكسية تجيز ذلك بصورة عامة.ويرى أتباع  الفرقة البشرية إن اليهود الذين يتزوجون من غير اليهود لا يعني أنهم يتخلون عن يهوديتهم ويرفضونها وانما ذلك هو تعبير عن قوة الحب عند الإنسان لشخص آخر يشاركه في الأفكار والمثل حتى لو كان هؤلاء غير يهود. ويقولون إنه إذا كان الحفاظ على الهوية اليهودية هو أهم شيء فإن منع الزواج المختلط يكون شيئاً عقلانياً تماماً كي يوضع حد له ويكون القول بأن الزواج المختلط منافياً للاخلاق شيئاً منطقياً ولكن من جانب آخر إذا كان الهدف الرئيس للحياة السماح لليهود بتحقيق سعادتهم وكرامتهم فإن منع الزواج المختلط يكون تدخلاً لا اخلاقياً ويكون رفض الحاخامين للزواج المختلط منافياً للاخلاق لأنهم يضعون الهوية اليهودية فوق الحب الشخصي.
إن اليهودية البشرية تحترم حق الافراد في اختيار طريق كرامتهم واحترام رغباتهم الشخصية شرط أن لا تؤذي كرامة الآخرين ولذلك فإن اليهودية البشرية تعطي الحق لكل اليهود في الزواج من أي شخص يختارون وهي مستعدة لمساعدتهم. والزواج المختلط لا يصح أن يكون مانعاً ليهودية الشخص الذي تكون أمه أو يكون ابوه من اليهود. وتعترف البشرية بالأطفال سواء أقام الأبوان بعمل شيء نحو الهوية اليهودية أم لم يعملا لأن يهودية الشخص يحكم عليها بعلاقة النسب اليهودية خاصة في عيون غير اليهود.
وهم ينتقدون اليهود الارثوذكس وغيرهم من اليهود الآخرين الذين يقولون إن يهودية الأم ضرورية لتحقيق يهودية الشخص ويعتبرون ذلك ضد ممارسة الواقع الاجتماعي، فكما أن الشخص الأسود لا يحدده الأشخاص السود فقط، بل البيض أيضاً (يعروفنه أسود) كذلك اليهودي فإنه لا يحدد من قبل اليهود وحدهم ولكنه أيضاً يحدد من قبل الأغراب، ففي نظر أكثر اليهود وفي نظر الأغراب فإن انحدار الشخص من اصل يهودي يكفي في اعطائه الهوية اليهودية.
وفي الواقع فإن اسم الأب الذي يعطى للشخص هو أكثر قوة في تحديد الارتباط اليهودي من الأم.
وهذه الفرقة اليهودية تختلف عن غيرها من الفرق في أنها لا تطلب من غير اليهودي المتزوج من يهودية أن يتحول إلى اليهودية ويقوم بعملية الشهود التي تطلبها بعض الفرق كي يكون رفضاً لمعتقد السابق لأنه في نظر البشرية ان الهوية اليهودية هي إضافة وليست سبباً في رفض معتقد آخر، فاليهود البشريون هم أصلاً بشريون وتبني الهوية اليهودية الى معتقدهم لا ينفي معتقدهم بل إنما تأكيد له.
ويقولون كذلك إن الزواج المختلط يجعل الهوية اليهودية أقل حدة وقوة وفي الوقت نفسه يجعلها أكثر انتشاراً وهي في هذه الحالة تكون أكثر أهمية للعلمانيين في عالم علماني. وهذا التغيير لا بد أن يكون مرحباً به لأن الانفصال الذي يعمل عليه الحاخامون يقود إلى تعصب أعمى وإلى رفض العالم غير اليهودي ولا بد للهوية اليهودية أن تكون خياراً لمن ولد من اليهود الذين يختارون الزواج من غير اليهود ولذلك سوف لا تصبح الهوية اليهودية مقتصرة في المستقبل على أولئك الذين يولدون لأمهات يهوديات وأيضاً فإن يهود المستقبل سيكونون مختلفين عن يهود السابق.

علاقة يهود الشتات بإسرائيل

يقول أتباع هذا المذهب بأن إسرائيل مهمة جداً لليهود خارجها وليس هناك ما يثير الحماس والعاطفة لديهم أكثر مما تثيره إسرائيل، فهم يفكرون بها ويقلقون حولها ويعملون من أجلها. إضافة إلى أنهم يعتقدون بأن ذلك يحقق يهوديتهم. ففي الوقت الحاضر ليس هناك صلاة في الكنيس تقام إلا وتذكر فيها إسرائيل وليس هناك مشروع ثقافي يثير ما تثيره إسرائيل بل حتى برامج الكنس قد جعلت إسرائيل مركزية لبرامجها.
ويقول هؤلاء لقد جعلت الصهيونية انشاء الدولة حلاً لمشكلة الشتات واعتقدت بأن الشتات سينتهي بانشائها وأن الهوية الإسرائيلية والهوية اليهودية سيصبحان شيئاً واحداً. ولكن الذي حصل هو أن الشتات لم ينته، وأن الهويتين لم يتحدا وان قسماً فقط من مجموع يهود العالم يعيشون في إسرائيل وسيبقى أكثر من نصف اليهود يعيش خارج إسرائيل خاصة في أمريكا الشمالية وان العلاقة اليوم بين إسرائيل والجماعات اليهودية خارجها هي علاقة مضطربة، لأن إسرائيل هي من صنع الشتات. إذ الحركة القومية اليهودية هي حركة أوربية وهي رد فعل على المشاكل التي مرّ بها اليهود في أوربا فانشأ الشتات اسرائيل. كما أن هذا الإضطراب يتمثل في أن إسرائيل تمنع هؤلاء اليهود من أن يقدموا أنفسهم على أنهم جماعة دينية مقابل المسيحية في العالم الغربي وهم يرفضون أن يتخلوا عن حالتهم الدينية. ومن جانب آخر، فإن اليهود خارج إسرائيل ينظرون إلى الإسرائيليين على أنهم أكثر يهودية منهم في أن لهم ثقافة لغتها العبرية فهم أكثر يهودية ممن يعيش في مجتمع انكليزي مثلاً. ولكن البشريين يناقشون هذا الراي ويقولون إن الواقع ليس كذلك، لأن الكثير من سكان إسرائيل الذين هم من غير اليهود يتكلمون العبرية أفضل من اليهودي الذي يزور إسرائيل.(ويشير هؤلاء هنا إلى فلسطيني 48الذين يعيشون داخل إسرائيل بل وألأراضي المحتلة)
ويقولون مع أن أكثر الشعوب تجعل الإنسان الذي يتكلم لغتها جزءاً منها، لكن إسرائيل ليست كذلك، إذ أن العرب الذين يتكلمون العبرية لم يصبحوا جزءاً منها، والإسرائيلي اليهودي يشعر بعلاقة ارتباط مع يهود الشتات أكثر مما يشعربعلاقة مع العرب الذين هم مواطنون معه.
والحقيقة فإن العلاقة مع العرب تؤكد أن إسرائيل هي دولة ذات قوميتين وهي دولة ذات شعبين ولولا الهجرة المتزايدة إلى إسرائيل لأصبح العرب هم الأغلبية. إن هناك أمراً ملحاً على إسرائيل وهو أن تمنح العرب حقوقاً متساوية، وهذه تحتاج الى معالجة سريعة.
إن الصهيونية كحركة لتحرير اليهود لم يبدأها مجموعة مضطهدة تعيش في وطنها ورواد الصهيونية قبل أن يحرروا شعبهم كان لا بد عليهم ان يقوموا بصنع البلد وان القرار لصنع شعب في فلسطين سبق وصول هذا الشعب وأصبح الشتات هو الحافظ لهذا البلد والمخزون له.
كما أن إسرائيل تختلف عن بقية الدول بالنسبة الى اليهود خارجها عما يتعلق بالجذور. فالجماعات الاثنية التي هي خارج موطنها الأصلي مثل الايطاليين والايرلنديين والبولنديين لهم جذورهم وذكرياتهم في أوطانهم الأصلية، كما انهم يتكلمون لغة البلد الأصلي وهذه تجعلهم يتطلعون الى هذا البلد الذي هاجروا منه أو هاجر منه اباؤهم أو أجدادهم ويرتبطون به، واليهود خارج إسرائيل ليس لهم جذورهم في إسرائيل فهم لم يهاجروا منها وليس لهم ذكريات فيه ولا يتكلمون لغته. فاليهود في أمريكا الشمالية تثير ذكرياتهم روسيا واللغة اليديشية وان إسرائيل واللغة العبرية كانتا نوعاً من الفنتازيا لهؤلاء اليهود. ويضاف الى ذلك ان الإسرائيليين والصهاينة بصورة عامة ينظرون الى يهود الشتات نظرة سلبية. إذ الصهاينة الأوائل (مثل بن غوريون) اعتقدوا بأن اليهود خارج إسرائيل لا مستقبل لهويتهم، وقالوا انهم سيختفون إما بسبب الاندماج أو بسبب العداء لليهود، ولذلك فإنه فقط بالهجرة الى إسرائيل يمكن لليهود أن يحفظوا الهوية اليهودية وان واجب كل شخص يهودي خارجها أن يقوم بالعالياه (الهجرة) إلى اسرائيل، ولذلك فإن اليهودي – خاصة الصهيوني – الذي يعيش خارج إسرائيل عليه دائماً أن يبرر وجوده وان الشعور بالدونية والذنب يطغى على الحوار بين الاثنين.
ولأن النظرة الى هؤلاء سلبية، فإن إسرائيل لا تتمكن أن تتعامل مع هؤلاء بشكل صادق وواقعي، وان الصهيونيين لم يتمكنوا أبداً أن ينظروا الى الشتات على أنه وطن تاريخي تكونت فيه ثقافتهم وشخصيتهم بصورة عامة. إن الحقيقية هو أن الشخصية التي وضعت المشروع الصهيوني قد تكونت في الشتات، كما أن وجود اليهود تكون في الشتات .وقد بدأ الإسرائيليون يشعرون بأهمية العلاقة مع الشتات وأنها أبعد من جلب المهاجرين. كما أن إسرائيل كثيراً ما يطلق عليها مركز العالم اليهودي، ولذلك فإنها مصب المساعدات اليهودية وتحظى بالتأييد السياسي، وعلى الرغم من ذلك، فإنها لا تعتقد بأن عليها أن تستورد شيئاً من ثقافة الشتات أو أن هناك شيئاً يمكن أن تتعلمه من الخارج، لأنها تعتقد أن الثقافة اليهودية تصدر ولا تستورد. وهم يغضون النظر على أن الخارج هو الوطن الأصلي وان الشخصية اليهودية قد صنعت خارج إسرائيل وليس في مكان آخر، إذ اليهود هم الذين اخترعوا إسرائيل.
كذلك إن العلاقة مع الشتات تمثل للإسرائيليين مشكلة ايديولوجية وعاطفية وهناك أيضاً مشكلة الجذور، فالصهاينة الأوائل ادعوا بأن جذور الدولة اليهودية الحديثة هي في دولة اليهود القديمة دولة داود ودولة المكابيين وإن للعهد القديم موقعاً سياسياً مهماً. كما أن  هذا الكتاب يؤكد على علاقة تاريخية لليهود بفلسطين بينما تجاهل الشتات.
إن الجذور الحقيقية للشتات هي في الشتات، كما ان جذور اليهود الإسرائيليين هي أيضاً تضرب في الشتات وهم واعون دائماً الى أن آباءهم وأجدادهم قد هاجروا من أماكن أخرى وهم ليسوا سكاناً محليين كالفلاحين الايطاليين في ايطاليا أو الدنماركيين.
إن التوتر بين الاشكنازيم والسفارديم والصراع بينهم هو دليل واضح على أنه نموذج للتوتر الذي يحصل في الشتات.
وعلى الرغم من آمال الصهيونيين الرواد في أن تصبح إسرائيل دولة عادية تماماً، فإن ذلك لن يكون لأن الشتات لم يكن عادياً ومهما أراد الإسرائيليون ان يصبحوا إسرائيليين دون أن يكونوا يهود، فإنهم يفشلون لأن العالم ينظر الى إسرائيل على أنها دولة يهودية لها علاقات أساسية ومهمة مع يهود العالم وكذلك الرأي العالمي يربط اليهود في العالم بإسرائيل.
والمهاجرون اليهود الذين هم أغلب السكان سيفرضون على العلمانيين التعامل مع حقيقة أن الهوية الإسرائيلية هي ليست نفسها الهوية اليهودية. وقد أخذ العلمانيون الإسرائيليون يشعرون بأن أهمية العلاقة مع الشتات هي أبعد من الحاجة لجلب المهاجرين وكما أن اليهود تعلموا كي يجعلوا إسرائيل مركزا، فكذلك يجب الاعتراف بالشتات على أنه الأصل والجذر.

مكويا: فرقة يابانية صهيونية By DrJaafar Hadi Hassan   

د.جعفر هادي حسن*           Ikuro Teshima
لايعرف الكثير من الناس أن الفكر الصهيوني قد دخل اليابان كما دخل دولا أخرى. وكان دخوله إليها على ما يبدوعن طريق بعض الذين ذهبوا إلى الولايات المتحدة الأمريكية للدراسة فيها في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. ولكن تأثر هؤلاء لم يكن بالفكر الصهيوني  اليهودي مباشرة وإنما كان تأثرهم  بالصهيونية المسيحية التي كانت قد بدأت بالإنتشار في الولايات المتحدة في هذه الفترة.ويعتمد فكرهذه الصهيونية كما هو معروف على تأويلات حرفية لنصوص الكتاب المقدس.وكان هؤلاء اليابانيون الذين درسوا هناك قد اعتنقوا هذا الفكر وجلبوه معهم عند رجوعهم إلى بلدهم. وأخذوا يعملون على نشره بين المسيحيين في اليابان حيث وجد قبولا عند بعض الفرق المسيحية التي أخذت تظهرفي هذا البلد منذ  بداية القرن العشرين.وكان من هذه الفرق فرقة معروفة بين اليابانيين هي فرقة “مكويا” التي تأثرت بهذا الفكر كثيرا حتى  أصبحت إسرائيل قبلة لأتباعها يتبركون بها ويحتفلون بذكرى إنشائها ولا يتخلفون عن زيارتها. وهم يعتبرونها أعظم معجزة ظهرت في القرن العشرين. وهذه الفرقة اليوم هي من أكثر الفرق المسيحية نشاطا وأوسعها شهرة في اليابان.
وكانت قد ظهرت  في منتصف القرن الماضي(1948) حيث أنشاها رجل ياباني
اسمه (أبراهام) إيكورو تشيما (ت1973).ولا يعرف الشيء الكثير عن حياة الرجل سوى أنه كان تاجرا مسيحيا متدينا انضم إلى حركة مسيحية جديدة تسمى “بدون كنيسة”كان قد أنشأها  كانزوأوشيمورا(ت1930) في بداية القرن العشرين والتي كانت تدعو إلى مسيحية ليس  للكنائس أو القسس فيها دور. وأصبح من الداعين لها و النشيطين فيها كما أصبح من المتأثرين بأفكار كانزو عن طريق أحد تلامذته المعروفين. وكان كانزو قد درس في الولايات المتحدة الأمريكية وتأثر هناك بالفكر المسيحي الصهيوني وكتب عنه في بعض كتبه التي يصل عددها إلى الثلاثين وأحد هذه الكتب كتاب عن نبوءات الكتاب المقدس وإنشاء دولة لليهود في فلسطين. كما أشاد بهرتزل وبالحركة الصهيونية التي أنشأها  وامتدح وعد بلفور واعتبره تمهيدا لظهور دولة المسيح كما كان يؤكد دائما على أن الرب إلى جانب اليهود.
واثناء الحرب العالمية الثانية سافر مؤسس فرقة مكويا إلى الصين وكوريا ولكن لاتعرف أسباب هذه الرحلة ولاالغرض منها .وعند رجوعه طاردته سلطات الإحتلال الأمريكي واتهمته بمحاولة القيام بعمل تخريبي. فصدر أمر بإلقاء القبض عليه فهرب إلى أحد الجبال واختبأ هناك في كهف لعدة أسابيع.وعند رجوعه إلى بلدته وجد أن أمر إلقاء القبض عليه قد ألغي. وأخذ يقول للناس بأنه كان قد سمع صوت الرب يأمره بالرجوع إلى تعاليم الكتاب المقدس الصحيحة وإلى الأصل العبري للمسيحية.وانشأ حلقة لدراسة الكتاب المقدس تطورت فيما بعد  إلى “حركة الإنجيل الأصلية” ثم أطلق عليها الإسم الحالي “مكويا”.والإسم هو ترجمة للكلمة العبرية “مشكن” التي يقصد بها هنا المعنى الديني-التاريخي وهو “الخيمة المقدسة” والتي تسمى أيضا “أهل موعد” بالعبرية والتي كان يوضع فيها تابوت الرب طبقا لما جاء في التوراة.وعلى الرغم من أن الفرقة هي فرقة مسيحية إلا أنها تختلف عن الفرق المسيحية الأخرى في أنها لاتضفي قدسية على بعض الأمور المهمة في المسيحية مثل الصليب والسيدة مريم والأولياء. وأخذت الفرقة تؤكد على الرجوع إلى الأصل العبري للعقيدة المسيحية. وأخذ إيكورو تشيما يعطي للتوراة أهمية كبيرة ويؤكد على تقديس رب إسرائيل والتقرب إلى اليهود والعمل معهم. وهو قد قال في مقدمة أحد كتبه الذي يضم مواعظه” إنه من الضروري لنا أن نعطي احتراما مناسبا لليهود إذا أردنا أن نرجع إلى المسيحية الحقيقية” وقال “إنه من أجل فهم حقيقي للكتاب المقدس لابد من فهم أعمق للعقيدة اليهودية والتاريخ اليهودي.”
وكان قد تأثر ببعض الفلاسفة اليهود مثل مارتن بوبر(ت1965 )وأبراهام هاشل(ت1972 )اللذين التقاهما وتأثر بهما كما أن الفرقة ترجمت أحد كتب هاشل المهمة  إلى اليابانية ونشرته.
ويستعمل أعضاء الفرقة “المنوراه” اليهودية-وهي شعار دولة إسرائيل كما هو معروف- كرمز لها  ويضعونها في مكان بارز أثناء أداء طقوسهم. وهم يستعملونها بدلا من الصليب الذي لايستعملونه. كذلك هم يحتفلون بما يسمى عند اليهود “سمحت توراه”(سعادة التوراة) ولكنهم يسمونه”سمحت مكويا”.و هم يعتبرون السبت يوم راحة ويشعلون الشموع في ليلته كما يفعل اليهود. كما أنهم يستعملون كتاب الصلاة اليهودي في صلواتهم و يطبقون نوعا من الكشروت (الطاهر والحلال طبقا للشريعة اليهودية) و يتعلمون العبرية أيضا. وقد قاموا بتأليف أول قاموس عبري –ياباني. كما أنهم يتخذون لأنفسهم  أسماء عبرية إضافة إلى أسمائهم الأصلية واتخذ مؤسس الفرقة الإسم أبراهام. وهم يهتمون بالأغاني الشعبية الإسرائيلية ويغنونها خاصة أغنية”أورشليم الذهبية” التي ترتبط مناسبتها باحتلال القدس.
وكان إيكورو تشيما قد زار إسرائيل عام 1961 لأول مرة وفي السنة التي تلتها أخذ مجموعة من أتباعه وسكن إحدى المستعمرات لفترة.ومنذئذ تكررت زيارات الفرقة إلى إسرائيل في كل سنة حيث يذهب المئات منهم. كما ترسل الفرقة وفدا كبيرا كل سنة بمناسبة الإحتفال بإنشائها. وعندما يكون هؤلاء في إسرائيل فإنهم يلبسون ملابس باللون الأبيض والأزرق(لوني علم إسرائيل) يرسمون عليها نجمة داود أو المنوراه أو كليهما معا و يطوفون شوارع القدس حاملين العلم الياباني ويغنون أغاني عبرية بصوت عال ملفت لنظرالمارة ومثير لانتباههم وفضولهم.وهم اليوم معروفون جيدا للكثير من الإسرائيليين. وبعض هؤلاء عاش لفترة طويلة في المستعمرات الإسرائيلية لتعلم التقاليد اليهودية واللغة العبرية وفنون الزراعة.وألف بعضهم كتبا عن هذه المستوطنات أشهرها كتاب”شالوم إسرائيل” ألفته واحدة من هؤلاء عام 1965 وأصبح في حينه من أكثر الكتب مبيعا في إسرائيل.كذلك شجعوا اليابانيين على تبني فكرة المستوطنات حيث أنشئت مستوطنة في” أكان” على النموذج الإسرائيلي . كما أسست جمعية بإسم “جمعية القبوصيم”(المستوطنات) ينتمي اليها الألاف من أعضاء هذه الفرقة. وتتبرع هذه الفرقة بالكثير من المساعدات حيث تبنت بعض المستعمرات الإسرائيلية كما هو شأن المنظمات المسيحية الصهيونية.
وقد قابل مؤسس الفرقة في إحدى زياراته إلى إسرائيل رئيس دولتها الأسبق زلمان شازار وعرض عليه أفكاره حول العلاقة المفترضة بين بني إسرائيل القدماء واليابانيين ونسبتهم إليهم. وهو قد وضع أفكاره هذه في كتاب بعنوان”شتات اليهود القديم  قبيلة الهاتاديانتها وتأثيرها الثقافي”. وهو يعتقد بأن قبيلة” الهاتا” أو “الهادا” اليابانية هي نفسها قبيلة يهودا هاجرت في القرن الثالث الميلادي إلى اليابان واستقرت فيها وبقيت متميزة حتى القرن الثاني عشر حيث اندمجت ببقية الشعب الياباني.وهو يقول بأن هذه القبيلة قد أثرت في تراث اليابان وثقافته حتى اللغة لم تسلم من ذلك.
وقبيل حرب عام 1967 أنشأ ما أسماه “لجنة الطوارىء اليابانية لمساعدة إسرائيل” وأثناء الحرب أخذ مساعدات لإسرائيل و ذهب مع مجموعة من أتباعه للدفاع عنها حيث أصيب أحدهم. وبعد الحرب مباشرة دخل إيكورو تشيما القدس بعد احتلال نصفها الثاني وذهب إلى “حائط المبكى” وقدم صلاة شكرهناك وقال “إن هذا اليوم هو أعظم يوم في حياتي”. كما طاف  مجموعة من أتباعه  شوارع القدس وهم يحملون لافتة كتب عليها”نهنئكم على أورشليم الكبرى”.وقد دعت الفرقة الجنرال عوزي نركس مرتين إلى اليابان.وهذا الجنرال هو الذي قاد أول وحدة عسكرية دخلت القدس وأكملت احتلالها وهم يسمونه “محررأورشليم”. وكانوا قد قالوا بعد احتلال القدس عام 67 إن قلوبهم قد خفقت فرحا لاحتلالها وأنه لاحدود لهذا الفرح.كما نظمت الفرقة مظاهرات أمام مقر الأمم المتحدة في نيويورك في عام 1968 وكذلك في عام 1971 تأييدا لإسرائيل. وبعد هجوم بعض أعضاء منظمة الجيش الأحمر الياباني على مطار بن غوريون عام 1972 هرع رئيس الفرقة على رأس وفد إلى إسرائيل ليقدم اعتذاره وتعازيه ويعبر لحكومتها عن غضبه ورفضه لما حدث. كما تبرع بمبلغ من المال لضحايا الهجوم وأنشأ منحة للطلاب الإسرائيليين للدراسة في اليابان.. ومع أنه كان مريضا ونصحه الأطباء بعدم المشاركة إلا أنه أصر على أن يقود مظاهرة من عدة آلاف طافت شوارع طوكيو تأييدا لسياسة إسرائيل في حربها عام 73 مع العرب ومطالبة اليابان بعدم الضغط على اسرائيل أو قطع العلاقات معها.وقد توفي بعد ذلك ببضعة أسابيع. وكانت هذه أول مظاهرة تخرج في اليابان تاييدا لإسرائيل.:ما قدم 37ألفاً من أتباعه عريضة في عام 1975 تطالب بالغاء قرار الأمم المتحدة الذي اعتبر الصهيونية حركة عنصرية.كما أن إيكورو تشيما أرسل ابنه للدراسة في أحد المعاهد اليهودية في الولايات المتحدة الأمريكية. وقد كتبت إسرائيل اسم مؤسس الفرقة في الكتاب الذهبي للصندوق القومي اليهودي مرتين تخليدا لاسمه و تقديرا لخدماته نحوها ومساعدته لها.
وقد أنشأت الفرقة بيوت ضيافة قرب كنائسها يسكن فيها الزائرون خاصة من إسرائيل لفترة معينة دون مقابل..وعندما كانت إسرائيل والمنظمات اليهودية تطالب الإتحاد السوفياتي السابق بالسماح لليهود بالهجرة منه كان المصلون في كنائس هذه الفرقة المطلة على البحر والمواجهة لروسيا يقيمون صلاة خاصة ويتوجهون صوب روسيا يدعون لليهود بأن يسمح لهم بالمغادرة.
ومع أن هذه الفرقة هي فرقة مسيحية أساسا  وتتبنى طقوسا ومعتقدات يهودية إلا أنها أيضا تمارس طقوسا لا علاقة لها بهاتين الديانتين.فالمنتمون لها مازالوا يمارسون طقس المشي حفاة على الجمروهم مايطلقون عليه “الهيواتاري” . وعلى الرغم من وجود هذا الطقس عند جماعات وفئات أخرى لأسباب مختلفة إلا ان هذه الفرقة تعطيه معنى خاصا. فهم يرون فيه “تعبيرا عن الإخلاص لرب التوراة ولأنه كذلك فإنهم يقولون إن الذين يؤدونه لا تحرقهم النارولا تؤذيهم لأن عقيدتهم قوية وإيمانهم عميق. وهم أثناء قيامهم بهذا الطقس يحدقون ب”منوراه” كبيرة وضعت في مكان بارز حيث الموضع الذي يمارسون فيه هذا الطقس.ومن الغريب أنهم أثناء ممارستهم له يغنون أغنية كانت تغنيها عصابة البلماخ الصهيونية التي كانت تحارب العرب في فلسطين قبل ظهور إسرائيل.وهو يدل على عمق تأثرهم بالفكر الصهيوني.
ومن طقوسهم الخاصة التي يؤدونها طقس يسمونه”ميسوجي” وهو الوقوف تحت ماء بارد جدا يصب عليهم لفترة. وهذا التقليد في أصله ياباني ولكنهم يعطون لممارسته سببا روحيا. فهم يقولون عنه بأنه يصقل ذهن الإنسان ويضفي الصفاء على روحه.ولأن له معنى دينيا عندهم فإنهم يقرأون صلاة أثناء أدائه- صلاة عبرية.كما أنهم عرفوا بتصفيف خاص لشعرهم وهوأكثر ما تتميز به نساؤهم.وهم يقدسون مؤسس الفرقة كثيرا وينسبون له أعمالا خارقة تتعلق بشفاء الناس من أمراض مزمنة.
ومن تقاليد أتباع الفرقة التي يلتزمون بها هو أنهم لايتزوجون من خارج فرقتهم وإنما يكون زواجهم فيما بينهم. وهم ربما يريدون بهذا أن يتشبهوا باليهود لاعتقادهم بأنهم من أصول يهودية وأنهم يرجعون في هذا الأصل إلى قبيلة يهودا كما هو رأي مؤسس الفرقة الذي ذكرته سابقا.والإعتقاد بأن أصل اليابانيين يرجع إلى أصول يهودية هو رأي لا ينفرد به إيكورو تشيما وإنما هناك باحثون يابانيون معروفون كلهم أو أغلبهم مسيحيون يرون هذا الرأي وكتبوا حوله دراسات وكتبا. ومن هؤلاء كانزو أوشيمورا الذي ذكرناه سابقا. ومن هؤلاء أيضا نيكادا جوجي(ت1939) وكان قسيسا من المسيحيين الصهيونيين معتقدا بالأصل اليهودي لليابانيين وكان من الذين أيدوا المشروع الصهيوني كما أن أتباعه ساعدوا اللاجئين اليهود الذين لجاوا إلى اليابان أثناء الحرب العالمية الثانية.ومن هؤلاء أويبي زنكيرو(ت1941م) وهومن خريجي جامعات الولايات المتحدة الأمريكية أيضا وكان قد نشر كتابا عام 1929 حول علاقة اليابانيين ب”قبائل إسرائيل الضائعة” وهو يعتقد أنهم من قبيلة غاد ومنسًه. ومن هؤلاء يانيبارا تادوا(ت1961)الذي كان من تلاميذ كانزو ورئيس جامعة طوكيو الأسبق. وهو من المسيحيين الصهيونيين أيضا الذين أشادوا بالحركة الصهيونية وكتبوا عنها واعتبروا مشروعها مشروعا دينيا. ومنهم سيكي يشيرو(ت1965) وهو خريج جامعة أكسفورد ويعتقد أنه أول من قال من اليابانيين بهذه الفكرة.وهو قد نشر بحثا عن هذا الموضوع عام1908م  ذكر فيه أن بعض قبائل بني إسرائيل قد دخلت اليابان في القرن الخامس الميلادي. ويعتقد أن الذين جاءوا من بعده من اليابانيين إنما كانوا قد تأثروا به. وكانت مجلة يابانية شهرية قد نشرت تقريرا من تسعين صفحة عام1987م مدعوما بصورلما يفترض أنه مستوطنات لبعض قبائل بني إسرائيل في اليابان. وأشهر من يبحث ويؤلف في هذا الموضوع من اليابانيين اليوم هو أريماسا كوبو.وربما يكون هؤلاء الباحثين قد تأثروا بآراء المبشر الأسكتلندي نورمان ماكلويد الذي زار اليابان وكتب كتابا عن تاريخ البلد نشره عام 1875م واستدل فيه على العلاقة بين بني اسرائيل القدماء واليابانيين.وقد أنشأ القسيس أقويشي ياتاكاو جمعية عام1990تهتم بهذا الموضوع وتنشر دراسات عنه. وهذه الأفكار يشجعها اليهود خاصة في إسرائيل حيث كتبت كُُتب وأنشئت مؤسسات للبحث عما يسمى بالقبائل العشر الضائعة وكان أحدث هذه الكتب كتاب الفه جوزف أيدلبرغ بعنوانوكان قد صدر في العام  The Biblical Hebrew Origin of the Japanese People. الماضي  وترجمه إلى اليابانية أريماسا كوبو. والبحث عن هذه القبائل المفترضة  يشمل كل القارات دون استثناء.وعلى الرغم من عدم وجود أدلة على اثبات أن هؤلاء هم من نسل أولئك إلا أن المؤسسات الإسرائيلية تنقل هؤلاء طبقا ل” قانون العودة” الإسرائيلي مع أن هذه المؤسسات تفرض عليهم التحول إلى اليهودية قبل وصولهم إلى إسرائيل أو بعد وصولهم إليها.  ويقدر عدد أتباع  فرقة مكويا اليوم بحوالي سبعين الفا أو  أكثر. ولا يقتصر وجودهم على اليابان بل هم يوجدون أيضا في كوريا الجنوبية وتايوان وهاواى وكليفورنيا. ويقدر عدد فروعها بأكثرمن مئة فرع.كما أن الفرقة تصدر مجلتين هما “الانجيل ألأصيل” و”نور الحياة”.

مراجع
1-Parfitt,Tudor, The Lost Tribe of Israel:The History of a Myth,London 2002
2-Eidelberg,Joseph,The Biblical Hebrew Origin of the Japaness People
Jerusalem,2005
3-Encyclopedia Judaica,Year Book 1977-8,Makuya
4-htt:/www.makuya.or.jp/index.htm
*نشرت هذه المقالة في مجلة”الثقافية”-لندن