الفيلسوف سبينوزا واليهود والتوراة

 

د.جعفر هادي حسن                                                                                                                                              Dr Jaafar Hadi Hassan

 

يعد باروخ سبينوزا واحداً من أشهر فلاسفة العصر الحديث في الغرب إذ يعتبر واضع اسس الفلسفة العقلية التي ظهرت في القرن الثامن عشر ويعتبره اليهود اشهر فلاسفتهم على الاطلاق. ولم تحدث آراء سبينوزا ردود فعل في حياته على آرائه إلا عند أبناء جلدته اليهود، والمؤسسة الدينية بالذات. خاصة عن تلك الآراء التي تتعلق بالتوراة والشريعة اليهودية .وكان من نتيجة ذلك أن أصدرت هذه المؤسسة قراراً دينياً بطرده من اليهودية (حِرم بالعبرية) وحرمانه منها وعزله عن اليهود.

وفي مقالنا هذا سنركزعلى هذا الجانب من حياة سبينوزا وذكر بعض آرائه التي اثارت اليهود عليه دون التطرق إلى تفصيلات فلسفته.

ولد باروخ سبينوزا في امستردام – هولندا العام 1632م لعائلة يهودية من المرانوس(الذين أجبروا على التحول إلى الكاثوليكية في أسبانيا والبرتغال) كانت هربت من البرتغال واستقرت في هولندا بعد رحلة خلال فرنسا.وعند وصول العائلة إلى هولندا أشهرت يهوديتها.كما يفعل الكثيرمن المرانوس الذين يهربون من محاكم التفتيش ويصلون إلى هولندا.وأصبح أبوه وجده أعضاء كبارا في كنيس معروف.وكان أبوه تاجرا ثريا وصاحب نشاط في الجالية اليهودية.وفي السادسة من عمره توفيت امه وعند بلوغه سن الدخول الى المدرسة، أدخلته عائلته مدرسة خاصة بيهود البرتغال واسبانياً. وفي هذه المدرسة درّسه اساتذة يهود مشهورون من الذين كانوا مرانوس سابقين منهم منسّه بن اسرائيل الذي اقنع كرومويل – حاكم بريطانيا – بارجاع اليهود الى بريطانيا إذ كانواقد طردوا منها العام 1290م.- وكان منسه بن اسرائيل من أبرز زعماء اليهود في وقته وأشهرحاخاميهم في هولندا. وكان منهم الحاخام والشاعر اسحق أبوب فونسيكا الذي كان أول حاخام يذهب إلى البرازيل ويعتقد أنه كان من أتباع القبلاه وأتباع شبتاي صبي المسيح الدجال أيضا . وكان استاذه الثالث شاؤول ليفي مورتيرا وهو يهودي إيطالي كان من المرانوس أيضا وكان حاخاما وعضوا في المحكمة الدينية التي أصدرت طردا من اليهودية بحق سبينوزا فيما بعد كما كان منسه بن إسرائيل كذلك.

ليس هناك تفصيلات عما درسه سبينوزا في هذه المدرسه ولكن لأن المدرسة كانت يهودية فمن المعتقد أنه درس شيئا من التلمود والتوراة وبعض شروحهما، ويعتقد كذلك أنه درس تاريخ بعض الشخصيات اليهودية وأعمالها مثل موسى بن ميمون (ت 1204م) وابراهام بن عزرا (ت 1164م).وهما عالمان يهوديان مشهوران بين اليهود كانا قد نشأا ودرسا في الأندلس.

وعرف هذان العالمان إضافة الى كونهما فقيهين، بآرائهما الفلسفية، واشتهر الأول بمحاولاته للجمع بين الشريعة والعقل بعد أن قرأ الفلاسفة المسلمين وتأثر بهم. ويبدوذلك واضحا في كتابه موره نبوخيم(دلالة الحائرين) وعرف الثاني برأيه بالقول بوحدة الوجود. واشتهر سبينوزا فيما بعد ايضاً برأيه القائل بوحدة الوجود. وجعلت آراء هذين الشخصيتين وغيرهما سبينوزا يتساءل عن بعض المسائل ويبحث لها عن حل. وذكر مؤرخو حياته أنه عندما كان في الخامسة عشرة من عمره تجرأ وقدم مجموعة من الأسئلة تنطوي على شكوكه الى استاذه مورتيرا. وأثناء دراسته وجد سبينوزا ميلاُ في نفسه لدراسة الفلسفة. ولما لم تكن مدرسته توفر له ذلك، التحق بمدرسة أحد الأساتذة المعروفين واسمه فرانسسكوس فان اندن. وكان هذا طبيباً ولغويا أيضاً وينتمي الى جماعة مسيحية لا ترتبط بأي كنيسة معروفة وليس لها رجال دين.(وهي فرقة انفصلت عن الكالفينية ونشأت في بداية القرن السابع عشروسمي أعضاؤها “كوليجانتس” من كلمة”كولج” التي أطلقوها على اجتماعاتهم التي كانوا يعقدونها في أول يوم أحد من كل شهر.وفي نهاية القرن السابع عشر أصبح لأراء سبينوزا تأثيرعليها إلى الحد الذي انقسمت الفرقة على نفسها وسمي أحد قسميها باسم سبينوزا واستمر وجود الفرقة إلى القرن التاسع عشر) .وقد أصبح أستاذه هذا صديقه الحميم فيما بعد. وكان هذا الاستاذ يدرس بعض الطلاب من ابناء الطبقة الراقية في امستردام. ودرس سبينوزا مع أستاذه هذا موضوعات كثيرة منها الرياضيات والفيزياء والفلسفة، خصوصاً فلسفة ديكارت. ودرس كذلك اللغة اللاتينية وكانت المشرفة على تدريسه في هذه اللغة ابنة استاذه ولم تكن اللغة اللاتينية تدرس في المدرسة اليهودية إذ اعتقد اليهود أن دراستها تؤدي الى الهرطقة و كما يعتقد انه درس شيئا من الطب مع هذا الأستاذ ايضا.

وباختلاطه مع الطلاب المسيحيين، اطلع على وجهات نظر أخرى وأفكار جديدة لم يكن اطلع عليها قبلاً. إضافة الى تأثير استاذه عليه. وتميز سبينوزا عن بقية الطلاب خلال دراسته بذكائه وجده، فأعجب به كثير منهم وتحلق حوله طلاب يهود ومسيحيون. وأخذ يبوح بآراء جديدة ويجهر بها، ويقول إن عمل الإنسان يجب أن يتفق مع العقل، ولما كان الكثير في الشريعة اليهودية الحالية لا يتفق مع العقل، فلا بد وأن يكون هذا من صنع البشر وليس وحياً أوحي به الى موسى، وإنما هو شيئ كتبه الناس بعده. وأخذ كذلك يشكك في أن يكون للشريعة اليهودية الأولوية على قانون الطبيعة. ولما كانت هذه قناعته نحو الشريعة اليهودية، فقد وجد أنه من غير الصحيح أن يطبق الشعائر والطقوس اليهودية، لأن ذلك سيكون نفاقاً وهو لا يريد أن يطبق شيئاً لا يعتقد به، فترك حضور الكنيس وتطبيق شعائر السبت والمناسبات الدينية الأخرى وأخذ يخالف أحكام الكشروت (الحلال من الطعام وغيره). وراح يؤثر بأفكاره هذه على طلابه الذين أخذوا يدرسون على يديه.وعندما عرفت المؤسسة الدينية

اليهودية بافكار سبينوزا هذه أصابها القلق مما سمعته. فقد كان رجالها يأملون منه خيراً قبل أن يعرفوا آراءه هذه لما عرف عنه من ذكاء وموهبة. وكان أكثر ما يخشونه أن يترك سبينوزا اليهودية ويتحول الى المسيحية ويستغل مواهبه للهجوم عليهم وعلى الشريعة اليهودية، وتكون حاله كحال الكثير من الرهبان والراهبات والقساوسة الذين كانوا من أصل يهودي وانضموا الى الكنيسة حيث أخذ بعضهم ينتقد اليهودية ويهاجمها.وكان أحد هؤلاء من أقرباء سبينوزا واسمه دون دياغو دي سبينوزا حيث كان مسؤولا كبيرا في محاكم التفتيش في أسبانيا.

وحاولت المؤسسة الدينية اليهودية في البداية أن تعامله بإحسان ولطف ومن دون أذى، فدعته إليها وكلمته عن آرائه وعما إذا كان ما نسب إليه صحيحاً، فأقر بذلك ولم ينكره، بل ودافع عنه وقال لهم ان له الحق في حرية الرأي

والتفكير. وأشهدت المؤسسة على ما قاله شهوداً ومع ذلك لم تطبق عليه أحكام الشريعة اليهودية آنئذ كي لا يكون ذلك سبباً في انضمامه الى المسيحية. وحاولت بعد ذلك أن تغريه بالمال، فأرسلت مع أحد أصدقائه رسالة تعرض عليه مبلغاً كبيراً من المال ينفق عليه طوال حياته إذا هو توقف عن نقد اليهودية والحاخامين، وحضر الكنيس بين حين وآخر. ورفض سبينوزا هذا العرض وأصر على حرية الرأي والعمل، واستمر يجاهر بأفكاره ويدرسها لطلابه.وعندها ساءت علاقته بالمؤسسة الدينية وعُرف بين اليهود بآرائه التي يخالف بها اليهود الآخرين. وقد ذكر بعض المؤرخين لحياته. بأن أحد اليهود المتعصبين حاول اغتياله بسكين ولكن المحاولة كانت فاشلة.(1) وليس بعيدا أن يكون هذا قد حدث وبفتوى من الحاخامين إذ جوز هؤلاء اغتيال من يعتبرونه قد خرج عن اليهودية بنقده لها عقابا له على ذلك وهناك عدد من الحالات الموثقة . ولما لم تجد المؤسسة الدينية تغيرا في آرائه أصدرت “حرم” بحقه بتاريخ 27تموز في العام 1665 أمام جموع اليهود وبحضور نسخة من التوراة كما هو متعارف عليه.وهذا نص الحِرم
“إننا رؤساء الطائفة اليهودية نعلمكم بالتالي: إننا لفترة طويلة كانت لنا معرفة واطلاع على الآراء والأعمال الشريرة لسبينوزا. ونحن من خلال وسائل عدة حاولنا أن نقنعه بترك طريقه الشرير ولكننا لم نجد تغييراً نحو الأفضل في افكاره المنحرفة والفاسدة التي يمارسها ويدرسها. وكذلك الأعمال المروعة التي ارتكبها والتي كانت تصلنا معلومات عنها في كل يوم من شهود موثوقين. وكان الشهود أدلوا بشهاداتهم بحضور سبينوزا نفسه، وبحضور حاخامينا الذين أيّدوا ذلك. ولذلك قررنا وبمصادقة حاخامينا أن المذكور يطرد ويعزل من بيت بني إسرائيل ونحن الآن نعلن بالآتي نص الطرد (من اليهودية) عليه:

إنه طبقاً لقرارات الملائكة وأحكام الأولياء، فإننا نمنع باروخ سبينوزا ونطرده (من اليهودية) بتأييد الإله وموافقته وكل جماعة إسرائيل. وحصل هذا بوجود كتاب شريعتنا المقدسة التي تضم الاوامر والنواهي الـ613. ونحن نحجر عليه كالحجر الذي فرضه يشوع بن نون على مدينة أريحا وكاللعنة التي لعن بها النبي اليشع على الشاب. وبكل لعن مذكور في الكتاب المقدس. وليُلعن سبينوزا في الليل وليُلعن في النهار وحين يقوم وحين ينام، وسوف لن يغفر له الله، وان غضب الله وسخطه سيكونان دائماً على هذا الرجل. وسيأتي الله بكل اللعن المذكور في كتاب الشريعة عليه وسيُمحى اسمه من تحت السماء، ولنيته السيئة، فإن الرب سيقضي عليه من بين أسباط بني إسرائيل.(وسيلعن) بكل لعنات السموات المذكورة في الكتاب المقدس. وأنتم الذين تتمسكون بالإله الرب ستحيون اليوم والى الأبد ونحن نعلن الآن بأنه لا يجوز لأحد أن يتصل به بشكل مباشر أو بواسطة الكتابة. ولا يجوز لأحد أن يزامله ولا أن يقضي له حاجة أو يريه أي نوع من الرحمة ولا أن يسكن معه تحت سقف واحد ولا أن يقرب منه لمسافة أربعة أذرع.ولا يجوز لأحد أن يقرأ مؤلفاته مطبوعة أو مكتوبة بخط يده”. ويعتقد أن عمرسبينوزا عندما صدر الطرد بحقه كان في حدود الخامسة والعشرين سنة.(2)

ولم يكن سبينوزا حاضراً عندما قرئ نص”الحرم” لكنه عندما سمع به لم يكترث أو يهتم ولذلك فإنه لم يحاول أن يصطلح مع المؤسسة الدينية كما فعل أوريل داكوستا(راجع مقالنا عنه). بل انه كتب إلى رؤساء الجالية دفاعا عن آرائه وأعماله ولكن المؤسسة الدينية اليهودية لم تقبل دفاعه بل طلبت من مسؤولي أمستردام أن يصدروا أمراً بنفي سبينوزا من المدينة الى الأبد.والطرد من المدينة هو أحد أنواع العقاب الذي استعمله الحاخامون سابقا بحق اليهودي الذي ينتقد اليهودية او الحاخامين إن لم يفتوا بقتله. وبعد مناقشات بين هؤلاء ورجال الدين المسيحيين قرروا أن ينفوه لأشهر عدة، فغادر سبينوزا المدينة وذهب واستقر في ريجينزبرغ قرب ليدن مع صديق غير يهودي لأن اليهود تحاشوه بسبب”الحرم”. وغيّر اسمه من “باروخ” العبري الى “بندكت” (بندكتوس) اللاتيني الذي يحمل المعنى نفسه وهو “مبارك وربما كان ذلك احتجاجاً على معاملة اليهود له.,وانتقل بعد ذلك إلى مدينة لاهاي حيث قضى فيها بقية حياته.

.وفي هذا الوقت كتب الى سلطات امستردام مدافعاً عن آرائه ومناقشاً لهم في أنه لم يقترف ذنباً بحق قانون الدولة ولكنه فقط مارس حقه المطلق في مراجعة دين آبائه والدين بصورة عامة وأنه عرض رأياً مخالفاً لذلك.ووذكر بعض المؤرخين بأن سبينوزا التحق بجامعة ليدن ودرس فيها.وفي الأثناء اضطر أن يتخلى عن العمل التجاري بعد صدور الطرد حيث كان يعمل بالتجارة مع أخيه بعد وفاة أبيه وأخذ يعمل في صقل العدسات وجلوها وهو عمل أجاده وأتقنه.وكان يسترزق منه وكان يقول إنه فقط يريد أن يحصل على مال ليدفع أجور سكنه وثمن غذائه وأجور دفن جثته. ويقال إن عمله في صقل العدسات أثر في صحته وسبب موته فيما بعد. وبلغت اجادته لهذا العمل حداً جعله معروفاً قبل أن يشتهر كفيلسوف له أهميته وفلسفته الخاصة به. وربما بسبب هذا الاهتمام كتب رسالة عن “قوس قزح”.

وبعد أن اشتهر اسم سبينوزا عُرض عليه أن يكون أستاذا في جامعة هايدلبرغ وهي من الجامعات الألمانية المشهورة ولكنه رفض وعرض عليه كذلك أن يكون فيلسوف القصر في فرنسا في حكم لويس الرابع عشر ولكنه رفض أيضا. كذلك أخذ يراسله بعض الفلاسفة ويناقشون آراءه خاصة بما يتعلق بالقوانين الطبيعية ووحدة الوجود وخلود النفس وكذلك آراؤه عن الفيلسوف ديكارت التي ناقشها سبينوزا بشيئ من التفصيل. ويوجد اليوم عدد من هذه الرسائل نشرها بعض الذين كتبوا عنه وهي تدل على احترام هؤلاء له.وتقديرهم لعلمه وفلسفته.(3) وعلى رغم محاربة اليهود لسبينوزا، استمر بالحديث عن آرائه حول اليهودية والبوح بها. ومن هذه الآراء ما سماه بالتفسير الصحيح للتوراة، وقال ان لكل شخص الحق في أن يقوم بتفسير التوراة، ولكن التوراة يجب أن تفسر كما هي وأن تفسيرها يشبه تفسير الطبيعة، فكما أن تفسير ظواهر الطبيعة يحتاج الى دراسة التاريخ، فكذلك يجب أن نعرف تاريخ التوراة. ودراسة تاريخ التوراة لا بد وأن تشمل ثلاثة اشياء هي تحليل اللغة العبرية، والبحث في مصطلحات كل سفر، وكذلك البحث عن اصول اسفار التوراة كالبحث عن النسخة الأولى والهدف من كتابة كل سفر، وكيف استقبله الناس، ومن الذي اقترح أن يدخل سفراً معيناً ولا يدخل آخر الى غير ذلك. ومن آرائه أن الأسفار الخمسة الأولى من التوراة التي نسبها اليهود الى النبي موسى لم تظهر إلا بعد وفاته بقرون، وان هذه الاسفار ومعها سفر يشوع وسفر القضاة وأسفار