Dr. Jaafar Hadi Hassan منظمة نطوري قارتا اليهودية ونظرتها إلى الصهيونية واسرائيل د. جعفر هادي حسن1 min read

كان الغالبية العظمى من اليهود المتدينين من المعارضين للحركة الصهيونية عند ظهورها، وكان من هؤلاء المجموعة التي يطلق عليها اليوم “نطوري قارتا” وهي مجموعة غير سياسية، لأن رفضها للصهيونية وإسرائيل على أساس ديني وليس سياسي، وكانت هذه المجموعة قبل انفصالها واستقلالها ضمن مجموعة أكبر هي “اغودات إسرائيل”، وهي منظمة كبيرة نشأت في بداية القرن العشرين كمعارضة للحركة الصهيونية وعندما انتقلت اغودات اسرائيل الى فلسطين في الربع الأول من القرن العشرين أخذت تدعو الى مجتمع يهودي منفصل عن تأثير الصهيونية، وأنشأت مؤسسات دينية خاصة بها منفصلة عن تلك التي كان يشرف عليها الحاخام ابراهام اسحق كوك (ت 1935) الذي كان مؤيداً للحركة الصهيونية والذي أصبح رئيس حاخامي فلسطين فيما بعد.

وعندما رأت هذه المنظمة معارضة الفلسطينيين الشديدة للاستيطان قررت عقد اتفاق معهم ولكن بعد أن علمت عصابة “الهاغانا” التي كانت تحارب الفلسطينيين اغتالت إبرز زعيم للمنظمة وهو يعقوب اسرائيل دي هان عام 1924 وأجهضت المحاولات فتوقفت المحادثات وهو ما أرادته “الهاغانا”.

وطلبت اغودات اسرائيل من حكومة الانتداب وعصبة الأمم أن يكون لها كيانها المستقل عن اليهود الآخرين الذين نظموا أنفسهم في جمعيات ومجالس ليست بعيدة عن تأثير الحركة الصهيونية وكان لها ما أرادت. ولكن وصول المهاجرين الجدد من بولندا والمانيا وحديثهم عن اضطهاد اليهود اثر على توجه اغودات اسرائيل، فأخذت تميل إلى التعاون مع المؤسسات الصهيونية تدريجياً وعندئذ رفضت مجموعة نطوري قارتا هذا التعاون، فانفصلت عنها واستقلت بنفسها واتخذت الاسم “حبرت حاييم” جمعية حاييم.

ثم بعد فترة قصيرة اتخذت الاسم الحالي وهو اسم ارامي يعني “حراس المدينة”، ويقصد بالمدينة هنا هي مدينة القدس. وهذا الاسم مأخوذ من جملة وردت في التلمود الاورشليمي (الفلسطيني) وهي “ان حراس المدينة (نطوري قارتا) هم ليسوا الجنود لأن هؤلاء هم مدمرّوها بل (الحراس)هم علماء الشريعة وكتاب التوراة”. وأشار النص إلى عبارة (المزمور 127/1) “وإن لم يبنِ الرب البيت فباطلاً يتعب البناؤون، وإن لم يحفظ الرب المدينة فعبثاً يسهر الحارسون”. وبعد انفصال نطوري قارتا اصبح الحاخام عمرام بلاو (ت 1974) زعيمها وهو من مواليد القدس وأخورئيس سابق لأغودات إسرائيل.

وبعد فترة اصدرت نطوري قارتا صحيفة “هاحوماه” (السور) تدافع فيها عن موقفها وتنتقد الحركة الصهيونية وكذلك أخذت تنتقد أغودات اسرائيل ومواقفها، وقد كتبت مرة في أحد أعدادها عنها ما نصه “ان اغودات اسرائيل انشئت لتحارب الكفر (الصهيونية) ولكنها اليوم أصبحت أخطر أعداء اليهود المتدينين”، وأنذرت من يتعاون معها بالمقاطعة، كما سحبت ابناءها من مدارسها.

وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ارسلت وفوداً الى بعض المنظمات الدولية والى الأمم المتحدة التي كانت قد انشئت حديثاً تطالبها في أن تكون القدس تحت اشراف دولي، وأن لا تكون تحت سيطرة الصهيونيين.

وكان الحاخام عمرام بلاو أثناء الحرب العربية – اليهودية يخرج الى الشوارع ويقول لليهود “لا تغرنكم زعامة الوكالة الصهيونية التي ترفض التوراة ولا تسمحوا لأولادكم وبناتكم أن يذبحوا من أجل هذه الدولة الفوضوية. إننا مع السلام ومع العرب وسنلجأ الى الحكومة البريطانية لتخلصنا من هذه المحنة”.

وعندما أعلنت دولة إسرائيل أخذت نطوري قارتا تنظم مظاهرات واحتجاجات وصلوات وصياماً وأرسلوا كذلك مذكرات الى الأمم المتحدة تطالبها برفض الاعتراف وقالوا للبريطانيين عند الإعلان “ارحمونا واسحبوا قرار الاستقلال وازيلوا حكمهم (الصهيونيين) عنا”، كما قالوا “نحن نقول بصراحة بأننا لا نعترف بنظام المجدفين ولا نخضع لأوامرهم ولسنا ملزمين بأي حال من الأحوال بقوانينهم وتشريعاتهم”.

وما زال أتباع نطوري قارتا الى اليوم لا يعترفون بيوم الاستقلال ويعتبرونه يوم ندب وحزن وكان الحاخام عمرام بلاو يخرج فيه لابساً مسوحاً حيث لم تكن تفوته فرصة التظاهر ضد الدولة والاحتجاج عليها والتشهير بها، وكان قد اعتقل بسبب ذلك مائة وثلاثاً وخمسين مرة. وقد قال مرة للقاضي عندما كان يحاكمه”انني ارغب في توضيح مسألة وهي أن القدس مدينة دولية بالنسبة الى منظمة الأمم المتحدة ولا بد للمحكمة أن تحكم بقانون دولي، ولما كنت من سكان القدس فليس لكم الحق في أخذي الى سجن يافا التي هي ضمن المنطقة التي يسمونها دولة اسرائيل”. وكان الحاخام بلاو قد وضع على باب داره لوحة كتب عليها “أنا يهودي ولست صهيونياً” بالعربية والانجليزية والعبرية.

وهم يعتقدون بأن هذه الدولة ليست علمانية حسب، بل انها تقوم كذلك على رفض الإله ورفض التوراة ورفض الشعب اليهودي وتؤكد نطوري قارتا في أدبياتها على أن إسرائيل دولة غير شرعية ومخالفة لمعتقدات الشريعة اليهودية، لأنها انشئت على فكرة الصهيونية، وهي كما تقول فكرة باطلة، إذ أنها تخالف معتقد ظهور المسيح المخلص اليهودي (وهو من المعتقدلت الثلاثة عشر) الذي هو وحده الذي سينشئ الدولة اليهودية الحقيقية. وعلى اليهود واجب الانتظار لهذا الحدث الذي هو في رأيها اعجازياً ليس لبشر دخل في حدوثه. وتقول إن عمل الصهيونيين هو عمل “حمل على ذنب وولد على ذنب”. ولما كانت نظرتهم الى الدولة اليهودية على أنها دولة غير شرعية، فإنه يترتب على ذلك مسألة مهمة وخطرة وهي عدم وجوب اطاعة قوانينها ومخالفتها إذا كان ذلك من جل تحقيق غايات دينية وهم يقولون إنهم لو كانوا في دولة غير يهودية فإنهم يرضخون لحكمها ويطيعون قوانينها ويمتثلون لأوامرها لأن الدولة الأجنبية لا تدعي أنها دولة يهودية على العكس ماتدعيه إسرائيل. ويحتم على اليهود اطاعة قوانين الدولة الأجنبية طبقاً للقاعدة الفقهية اليهودية “دينا ملخوتا دينا”، وهي عبارة آرامية تعني “قانون الدولة قانون”.

وقد نشرت نطوري قارتا بياناً قبل حرب حزيران (يونيو) بأيام جاء فيه “نحن لا نكره أحداً، ونحن نكره الحرب والنزاع بأي شكل من الاشكال ولسنا ضد أي مجتمعأ وشعب، لأن توراتنا المقدسة لم تأمرنا بهذا في شتاتنا… وان قدرنا مع هؤلاء العصاة (الصهيونية) إنما هو بسبب ذنوبنا وما علينا إلا أن نصلي وندعو الله لانقاذنا من هذا القدر وينجينا منه”.

كذلك هم ينتقدون الأحزاب الدينية التي تتعاون مع الدولة ويذكرونها بأنها مذنبة لأنها تتعاون مع حكومة “كافرة”، كذلك يتهمونها بأنها تتعاون من أجل منافع مادية ومصالح دنيوية وليس من أجل اصلاح الدولة كما تدعي بعض هذه الأحزاب، وهم يطالبون السكان بأن لا ينخدعوا بما يقوله هؤلاء من ادعاء اصلاح سلوك الدولة واصلاح قوانينها وترشيد سلوك المجتمع فيها، وهم يدعون هذه الأحزاب الى الانسحاب سياسياً واجتماعياً.

وهم لا يمتنعون عن الانتخابات فقط، بل إنهم يقفون عند صناديق الاقتراع مع من يؤيدهم من الارثودكس الآخرين يحثون الناس على عدم الانتخاب والادلاء بأصواتهم. ومعروف ان اتباع نطوري قارتا لا يرسلون ابنائهم الى مدارس الدولة ولا يخدمون في الجيش، وهم يرفضون الهوية التي تصدرها الدولة للسكان فيها. وكان زعيمهم الحاخام بلا قد اصدر لهم وثائق بدل تسجيل انفسهم مواطنين في الدولة وقد حملت الوثائق عبارة مأخوذة من سفر استير 3/2 وهي “ولم ينحن مردخاي ولم يركع”. ولهم نشيدهم الخاص بهم وهو كان قد كتبه الحاخام بلاو في السجن، وهم يرددونه دائماً في مظاهراتهم واحتجاجاتهم. كما أصدر لهم عملة ورقية خاصة بهم حتى لا يستعملوا عملة الدولة. وهم لا يعترفون بوثيقة الكشروت (الحلال والطاهر) التي تصدرها رئاسة الحاخامية في إسرائيل. وهم يشرفون بأنفسهم على أطعمتهم وذبح ذبائحهم، إذ هم لا يعترفون بما يذبحه اليهود حتى لو كانوا من اليهود الارثودكس.

وكان الحاخام عمرام بلاو قد كتب رسالة وجهها الى العالم قبل وفاته بقليل وجعل عنوانها “الى الذين يؤمنون بالعدالة” وطلب توزيعها على الناس وقد جاء في بعضها “إن الشعب اليهودي يعارض أي أذى للشعب العربي، وان هذا الشعب لم يؤذ الشعب اليهودي أبداً الى أن جاءت القومية الصهيونية. إن التوراة توجب على الشعب اليهودي أن يعيش بسلام في البلدان التي يعيش فيها، وأن لا يثور ضد أي دولة، خاصة إذا كان ذلك يتعلق بفلسطين حيث نحن ممنوعون ان نهاجر اليها بشكل جماعي”.

وهو في هذا المقطع يشير الى ما ذكره التلمود من أن اليهود عاهدوا الرب على ثلاثة اشياء وهي أن لا يستعجلوا الخلاص ولا يدخلوا فلسطين بالقوة ولا يثوروا على الشعوب التي يعيشون بينها.

وقد جاء في رسالته ايضاً مقطع يتضمن قراءة تنبوئية للمستقبل، حيث جاء فيه “ان أي شخص في العالم يؤمن بالعدالة لا بد أن يتأكد بأن العالم كله سيصيبه الأذى إذا سمح للتجربة الصهيونية أن تستمر لأن هذا الأذى سيصيب الكثير من الأبرياء وكل شخص صاحب رحمة وعادل لا بد أن يقف ضد الصهيونيين ويوقفهم” ويؤكد ماتنبأ به هذا الحاخام مما نراه اليوم من قتل للأبرياء منذ نشوء الدولة الصهيونية وما زال العالم يتوقع المزيد.

وترى نطوري قارتا ان المشروع الصهيوني نهايته الفشل، وأن المحرقة النازية هي عقاب من الرب لليهود لأنهم وافقوا على المشروع الصهيوني.وهم يتهمون الصهيونيين بالتعاون مع النازيين، ومن ذلك اتفاقهم معهم على ارسال الشباب اليهود الى فلسطين لانشاء المستوطنات بعد صعود النازية.ويشير نطوري قارتا هنا إلى ماذكره آيخمان في في اتفاقه مع رودولف كستنر الممثل المعروف للحركة الصهيونية في نص معروف عن هذا الموضوع حيث قال “إن هناك تشابها بين نظرتنا في منظمة ألاس ألأس ونظرة أولئك الزعماء الصهيونيين…. الذين ربما يحاربون معركتهم ألأخيرة فرودولف كستنر الممثل الرسمي للحركة الصهيونية….الذي هو محام بارد جدا وصهيوني متعصب لم يمانع في أن يساعد على إبقاء اليهود في المعسكرات وتسفيرهم بل وافق على أن يبقى النظام (مستمرا) في المعسكرات الجماعية إذا أنا وافقت على ان أسمح لبضع مئات أو بضعة آلاف من الشباب اليهود بالهجرة إلى فلسطين بشكل غير قانوني وكان هذا اتفاقا جيدا من أجل حفظ النظام في المعسكرات. فإن خمسة عشر ألف أو عشرين ألف وربما أكثر كثمن هو ليس ثمنا مرتفعا جدا لي ….وعندما جاء لي كستنرلم يكن أبدا خائفا أبدا من رجال الغستابو.وقد تناقشنا على مستوى الند للند وعندما كنا نتحدث كان هو يدخن السيجار المعطر واحدا بعد الآخر من علبة فضية وقداحة فضية.وهو كرجل بولندي جيد ومتحفظ كان بالإمكان أن يكون ضابط غستابو ممتاز… وكان اهتمام الدكتور كستنر ينصب على اختيار مجموعة من اليهود الهنغاريين ليهاجروا إلى إسرائيل….وأني أعتقد بأن كستنر كان يمكن أن يضحي بألف أو مائة ألف ليحقق هدفه السياسي .وهو لم يكن مهتما بكبار السن من اليهود الذين اندمجوا في المجتمع الهنغاري.وقد قلت له إننا أيضا ضحينا بدماء قبل أن نأتي إلى السلطة(1)

وكذلك اتهموهم باستغلال المحرقة بعد حدوثها لتحقيق أهدافهم، “إذ أنهم لم يحركوا ساكناً عندما كان القتل مستمراً حيث كانوا قادرين على ايقافه لأنهم كانوا يريدون استمرار الموت والمعاناة لتحقيق أهدافهم بعد انتهاء الحرب” كما قالوا. ولا تنكر نطوري قارتا بأن ما حدث على يد النازية لليهود كان كارثياً عليهم، ولكنها تعتقد بأن عدد القتلى الذي يذكر هو رقم مبالغ فيه. وهي تدعو الى تفكيك دولة إسرائيل لأنها تعتقد أن وجودها سبب المشاكل في الشرق الأوسط. وكان ممثلون عن نطوري قارتا قد حضروا مؤتمراً في نهاية العام الماضي2006 نظمته إيران عن المحرقة. وقد صدرت قرارات في بريطانيا بمقاطعتهم وعزلهم وعدم التعامل معهم وتظاهر بعض اليهود ضدهم في الولايات المتحدة الأمريكية. ولكن هؤلاء أصروا على أن ما قاموا به كان صحيحاً، وأنه كان بدافع من مبادئهم وعقيدتهم الدينية.

ويوجد الكثير من أتباع نطوري قارتا في إسرائيل (في القدس ورمات بيت شمش وبني برق).وهم موجودون ايضاً في بريطانيا وفي الولايات المتحدة الأمريكية وفي بلجيكا ايضاً. وهم يتظاهرون بين فترة وأخرى ضد إسرائيل وسياستها ويرفعون لافتات كتب عليها “يهودية لا صهيونية” و “نحن ننتظر تدمير الصهيونية”، وهم يرفعون كذلك لافتات مؤيدة للفلسطينيين ومدافعة عن قضيتهم. ويعتقد أن اتباع نطوري قارتا لا يتجاوز عشرة آلاف وربما كان أ قل من ذلك.

وهناك مجموعة أخرى من اليهودلها النظرة نفسها نحو الصهيونية واسرائيل، رأيت من المفيد أن أذكرها هنا، لأن الكثير من الناس لا يعرف عنها شيئاً، لأنها أقل نشاطاً وظهوراً من نطوري قارتا. وأقل شهرة مع أنها أكثرعدداً منها، حيث يصل عدد أتباعها إلى أكثر من مائة ألف. وهذه المجموعة هي مجموعة الحسيديم الستماريم وهؤلاء مثل نطوري قارتا هم من اليهود الحريديم (المتدينين جداً). وربما كان زعيمهم الأكبر الحاخام يوئيل تيتلباوم (ت 1979) من أكثر اليهود المتدينين كتابة وخطابة ضد الصهيونية واسرائيل. وكان هذا الحاخام من أوائل الذين عقدوا مؤتمراً (في عام 1924) ضد الصهيونية مع حاخامين آخرين. وهو كان يقول عنها إنها عقيدة وايديولوجية شيطانية، واعتبر التعامل معها جريمة كبرى، وقال عنها إنها أعظم الشرور خطراً في هذا العصر وأكثرها ضرراً وسوءاً. بل إنه كان يقول “إن المآسي والكوارث التي حلت باليهود إنما سببها الصهيونيون ووسائلهم الشريرة، وان ما قام به النازيون كان سببه الذين خالفوا أوامر الرب وثاروا على الأمم، وان اعمالهم هي التي أعطت الوسائل للذين ظلموهم”. وهو قد أكد دائماً على أن انشاء إسرائيل كان معوقاً لظهور المخلص ومؤخراً له “وانه لولا ظهور الدولة لكان المخلص قد ظهر”.

ورأيه مثل رأي نطوري قارتا في أن انشاء الدولة اليهودية الحقيقية هي مسؤولية المسيح المخلص، فهو الذي ينشؤها ويقوم على شؤونها ويحكمها. ويقولون إن كل دولة تنشأ باسم اليهود وتقوم قبل العصر المسيحاني هي دولة مزيفة وفاقدة للشرعية حتى لو كان القائمون عليها ملتزمين بالشريعة اليهودية. وهو يضرب على ذلك مثلاً من التاريخ بحكومة “باركوخبا” (الذي ثار على الرومان في فلسطين في القرن الثاني الميلادي وسيطر على بعض اجزائها لثلاث سنوات). فهو – كما يقول – كان ملتزماً بالشريعة اليهودية ومطبقاً لها وكان يحث اليهود على التمسك بها ومع ذلك فقد فشلت ثورته لأنه كان يحاول تعجيل الخلاص. فزعماء اسرائيل – كما يقول الحاخام تيثلباوم – حتى لو كانوا من أكثر اليهود تديناً وأشدهم التزاماً بوصايا التوراة وأحرصهم على تطبيقها، فإن دولتهم ستظل دولة ليس لها من الشرعية شيء وغني عن القول بأنها ليست بداية خلاص. وكان قد أطلَ يوماً على أتباعه وهم في الكنيس حاملاً نسخة من التوراة وقال لهم “من كان منكم يعتقد أن اسرائيل هي بداية خلاص فليخرج من هذا الكنيس فإنني لا أحب الصلاة مع من يعتقد ذلك حتى لو بقيت وحدي”.

وكان هذا الحاخام يتمنى زوال الدولة والقضاء عليها من أجل أن تقوم على أنقاضها دولة المسيح المخلص، ولكنه يريد أن يكون لهذا الزوال بضربة إلهية وليس من قبل الشعوب الأخرى، وقال في ذلك “إننا نحتاج الى رحمة للقضاء على هذه الدولة بقوة من الأعلى من قبل الإله تبارك وتعالى وليس من قبل الشعوب الأخرى، إذ لو حصل ذلك، لا سمح الله، فإن الخطر سيكون عظيماً على اليهود”.

وبعد حرب حزيران عام 1967 نشر الحاخام يوئيل تيثلباوم كتيباً باللغة العبرية عنوانه “عال هاغئولاه وعال هاتمورها” (حول الخلاص والتغيير)، وضح فيه طبيعة ما حدث من وجهة نظره. وفي الوقت نفسه رد فيه على كثير من اليهود الذين اعتقدوا بأن انتصار إسرائيل إنما هو معجزة إلهية، وأن هذا الانتصار يؤكد بأن الدولة هي دولة شرعية. بل أكد أن نتيجة الحرب لم تكن انتصارا لإسرائيل وكان من الأفضل لها لو لم تبدأ الحرب. وقد ذكر في مقدمة هذا الكتيب بأن ما حدث إنما هو اغراء من الشيطان واختبار من الخالق لليهودي المؤمن، وقال “كما ان الذنوب العظيمة لهذا الجيل قد أبانت نسبة كبيرة من علائم ظهور المخلص فكذلك الآن جاء الشيطان وأرسل سهامه (الصهيونية) ليحاول بقوة أن يمنع خلاصنا وانقاذ أرواحنا بظهور المخلص بسبب هذه الذنوب المؤلمة. فقد جاء الشيطان بطريق النفاق والخداع وبطريق التلبس بلباس المعجزة والخلاص حتى يخدع اليهود ليؤيدوا الصهاينة والهراطقة الذين جاؤوا للقضاء على التوراة بأجمعها”.

وفي المقاطع التالية لا ينتقد الحاخام تيتلباوم الصهاينة وحدهم ويتهمهم بشتى التهم وينعتهم بأسوأ النعوت ولكنه أيضا يوجه نقدا شديدا وعنيفا لرجال الدين الذين هم في رأيه ساهموا في إشعال الحرب وتأجيجها وإضفاء الغطاء الشرعي عليها وتبريرها.واتهم هؤلاء بأنهم الأنبياء الكاذبون وأنبياء الزور وأنبياء البعل فهو يقول “إن الصهاينة وعملاءهم من المتدينين يحرفون الحق بطرق متعددة من أجل أن يبرروا أعمالهم ضد الإله ومن أجل أن يعموا عيون اليهود وقلوبهم ليتبعوا طريقهم. لقد كذبوا عندما قالوا إنهم أجبروا على حرب العرب حيث ادعوا بأن العرب قد أعلنوا الحرب عليهم، وهم يدعون كذلك بأنهم يضحون بأنفسهم في تلقي حراب الأعداء من أجل اليهود. وهناك من اليهود غير العقلاء ليس فقط يصدق ما يقوله هؤلاء الصهاينة، بل إنهم يمدحونهم بأنهم خلصوهم مع أن الصهاينة ليس لهم يد في هذا الخلاص، وان العكس هو الصحيح… إن عمى هؤلاء هو الذي قادهم لتأييد الصهاينة وتبعهم آلاف اليهود على ذلك، فاصبحوا من مؤيدي الوثنيين والهراطقة

وقد كررنا مراراً ما قاله حاخامونا: بأن كل من ينضم الى الصهاينة ويبرر أعمالهم أو يؤيدهم ويساندهم بالمال أو غيره أو يوافقهم في آرائهم، فإنه منهم ومشارك في اجرامهم، وسيعاقب على ذلك لأنه بدون شك يكون مؤيداً للهرطقة. إن الصهاينة مجرمون لأنهم يعطون تبريراً (لأعمالهم) من التوراة، وهم يحرِّفونها لتتفق مع أفكارهم الباطلة، وأن هدفهم أن يُعموا (عيون) اليهود البسطاء الذين يتعبدون بالتوراة، وهم يريدون من العامة أن يصدِّقوا بأن التوراة تتفق مع آرائهم والطرق الخبيثة لزعمائهم.”

ويقول أيضا “لقد سمعناهم يدعون بأن الحرب (عام 1967م) إنما كانت واجبة طبقاً لتعاليم التوراة، ومنذ البداية كان رجال الدين هؤلاء يحثون الجنود على الحرب، ويفهمونهم بأن الحرب إنما هي حرب مقدسة وأنها حرب واجبة ويعطونهم تبريرات كاذبة باسم التوراة. ومن الواضح أن الذي يُلام ويعنف على ضياع آلاف الجنود في هذه الحرب هم رجال الدين وأتباعهم من رجال الحكومة. إن الحرب التي قاموا بها هو عمل مخالف لتعاليم التوراة، وان الذي دفعهم الى الحرب هو شيء محرّم وغير جائز، وهو مخالف لتعاليم الوراة ومناقض لها لعدة أسباب:
أولاً، انه من الواضح لكل انسان حقيقة أن الصراع وأصل المشكلة وخطر الحرب إنما هو نتيجة لانشاء الدولة الصهيونية. إذ أن الدولة الصهيونية قد أثارت العرب بعدة طرق. وانه من الطبيعي لو لم يصرالصهاينة على انشاء دولة تُحكم من قبل الاشرار – وهي دولة لم يكن لها حاجة، ولم ينتفع منها اليهود حيث سببت تدمير الدين واستئصال التوراة – لما كانت هناك حرب، بل ولا تكون أبداً، بل ولما كانت هناك حاجة لجعل حياة اليهود في خطر بواسطة تهديد الحرب.

ثانياً، انه لمما لا شك فيه أن التوراة لا تُجيز قتل اليهودي حتى لو كان ذلك مقابل الدولة الصهيونية كلها. وعلى الرغم من أن هؤلاء الاشرار يريدون بقاء الدولة والعالم كذلك معهم على رأيهم الخاطئ هذا، فإن رأي التوراة سوف لا يتغيّر تجاه الحق. الى جانب ذلك، فإن من غير المعقول أن توافق توراتنا المقدسة على تهديد حياة اليهود بالحرب من أجل وجود حكومة ودولة من الهراطقة، وكيف يمكن ليهودي مؤمن أو رجل دين أن يبرر الأعمال الشريرة للصهاينة. إنه من واجبنا أن نعلن أمام الناس وبكل صدق بأن كل يهودي مؤمن لا يرغب بهذه الدولة، لأن مجرد وجودها هو ضد التوراة المقدسة، وهو ضد مملكة السماء، وان هذه الدولة هي عقبة أمام اليهود في كل أنحاء العالم.

ثالثاً، إذا كان ما يقولونه – وهو قول زور وخداع – بأن دولتهم يجب أن توجد حتى يكون اليهود مثل بقية الشعوب (لهم دولة)، فإن نتيجة هذا يكون تحقيق رغبتهم في تحكيم التوراة المقدسة. وإذا كان هذا كذلك، فكيف يجرأون على القول بأن التوراة هي التي تجيز لهم الحرب؟! إن الإنسان لتصيبه الدهشه والعجب الشديد عندما يسمع يهوداً يعتبرون أنفسهم متدينين يؤيدون هؤلاء الكفار والهراطقة باسم التوراة!! إن هؤلاء ايدوا الصهاينة في دخولهم الحرب بتنبؤات كاذبة، وأخبروا الصهاينة بأنهم سينتصرون من خلال قوة التوراة، ولقد غشوهم عندما قالوا لهم بأن هذه الحرب هي حرب مقدسة. إن عمل أنبياء الزور هؤلاء يُقارن بعمل أنبياء البعل ايام المعبد اليهودي، بل إنهم أسوأ منهم. إن التوراة تأمرنا أن لا نقرّب أنبياء الزور، وأن لا نسمع كلام الزور والكذب منهم حتى لو كان كلامهم له علاقة بالفرائض، بل حتى لو كان كلامهم في خدمة الخالق، لأن من أوامر التوراة أن لا نسمع لأنبياء الكذب حتى لو كان الهدف نبيلاً إن الإستماع إلى ما يقولونه حرام.

رابعاً، إن التوراة توجب علينا العمل بكل ما في وسعنا من أجل السلام والابتعاد عن الحرب، ولكن هؤلاء الأشرار الصهاينة يعملون على النقيض ويحاربون الشعوب الأخرى بشكل مستمر. إنه لا يجوز الدخول في الحرب من أجل توسيع الحدود أو من أجل منافع وهمية أخرى. إن الشريعة لا تبرر قتل اليهود من أجل تحقيق نصر أو من أجل منافع تخيلية. وهم من أجل أن يخدعوا البسطاء يريدون اتباع الشريعة، فإنهم يستخدمون الصهاينة المتدينين الذين يلبسون ثوب الارثودكسية الدينية والذين يحرفون التوراة ويجعلونها سخرية، حيث يؤولونها بشكل كاذب ليثبتوا أن التوراة تتفق وآراء هؤلاء الهراطقة القتلة.

إنه من الواضح والبيّن أن كل من يجرّ اليهود الى الخراب ويخاطر بأرواحهم خارج فرائض التوراة، فإنه قاتل. وأما حجتهم في أنه لم تكن هناك وسيلة لمنع الحرب، فهي حجة واهية لا تستحق حتى النقاش، إذ أنهم كانوا مصممين على الحرب، وأخذ القرار حولها كان بيد هؤلاء الزعماء الكفار الذين لا يرون لحياة اليهودي قيمة، بل إنهم عرّضوا حياة كل يهودي للخطر من أجل المحافظة على حكومتهم… إنهم مستعدون للقضاء على أكثر اليهود من أجل أن يحققوا هدف حكومتهم ودولتهم الملعونة.

كيف يمكن للكهنة الذين ساعدوا الصهاينة أن يرفعوا رؤوسهم دون حياء؟! وكيف يمكنهم أن يكذبوا بكل وقاحة وأن يخدعوا اليهود بقولهم إن هؤلاء الكفار إنما يخوضون الحرب طبقاً لأحكام الشريعة؟! إن السماء لتتفطر من مراوغتهم وخداعهم ووقاحتهم العلنية والتي هي أوضح من الشمس للناس. إن الذي يجعل التوراة تتفق مع آراء الكفار هو كافر مثلهم حتى لو كان لابساً ثياب الحاخامين، بل حتى لو كان رئيس الحاخامين. إن تبريرهم الحرب بأنها كانت من أجل الدفاع عن النفس لأن العدو قد هددهم بالقضاء عليهم هو تبرير غير مقبول:

أولا، إنه من المعروف أن هذا التهديد ليس جديداً، وكان العرب قد هددوا دون حساب في السنين السابقة.

ثانياً، إن ما يقوله الصهاينة بأن العرب قد هددوهم بالقضاء عليهم إذن لماذا لم يخافوهم في تلك السنين، بل إنه كان بإمكانهم أن يجتمعوا معهم في السابق حول اتفاق سلام، ويمتنعوا عن إثارتهم إذا كانوا هم حقيقة خائفين منهم . إنه ليس هناك ذرة صدق في قولهم في أنهم قلقون وخائفون من التهديد، وإن تبريرهم المبني على الدفاع عن النفس ضد تهديد العرب إنما هو من أجل خداع الناس، بل الواقع انهم لم يخافوا العرب بل سخروا منهم، فكيف يسمح لهؤلاء أن يخاطروا بحياة اليهود، ومن الذي أمرهم بهذا؟ ومن الذي قال لهم إن هذا يتفق وفرائض التوراة؟ إنه من الواضح أن التوراة تناقض ما قاموا به، وطبقاً للشريعة فإنهم قتلة، وان رجال الدين أولئك الذين ايدوهم وحرفوا أحكام التوراة لهم سيكونون في النهاية محاسبين على ما قاموا به. وإلى اليوم بعد أن وضعت الحرب أوزارها، فإن هؤلاء يتنازعون مع الأمم ويستفزونها،ويعرضون حياة آلاف اليهود في العالم الى الخطر، وحتى لو كان هؤلاء صالحين فإنهم قد ارتكبوا ذنباً عظيماً بخوضهم الحرب ومخالفة الشريعة. لقد قال موسى بن ميمون: “حتى لو قرر اليهود الدخول في الحرب في سبيل الله فإنهم سيعاقبون عقاباً شديداً إذا لم يأخذوا الموافقة الشرعية على ذلك”. إذن كيف يكون عقاب الذين يدنسون أسم الله ويجتثون التوراة والدين اليهودي؟! إنهم لم يحققوا نصراً في الحرب، ولكن الذي حدث هو أن الله أنقذ اليهود برحمته وليس للصهاينة الأنذال يد في ذلك، بل إنهم كانوا مسببّين للخوف والفوضى. إنهم لم يخدموا اليهود بحربهم، ولقد كان أفضل لهم لو أنهم لم يبدأوا النزاع ولم يدخلوا الحرب، وإن من يمدح هؤلاء ويمدح جيشهم، فإنه يجدف على الله.

إن الإنسان يجب أن يبتعد عن هؤلاء ويبتعد عن جماعتهم الى اقصى بقعة من بقاع الأرض، لأن معاشرتهم خطر على الإنسان وعلى الروح معاً، كما أنهم أناس تلاحقهم شبهة القتل”.

وكان الحاخام تيثلباوم يؤكد على اتباعه في إسرائيل بأن لا يتعاونوا مع الدولة ولا يقسموا قسم الولاء لها ولا يشاركوا في انتخاباتها ولا يحتكموا الى محاكمها ولا يلجأوا الى قضائها وأن لا يبحثوا عن وظائف فيها ولا يحصلوا على جوازات سفر منها. كما منع اتباعه من الذهاب الى حائط المبكى والصلاة عنده، ويكلل الستماريم عيد البوريم عندهم بحرق العلم الإسرائيلي.(2)

ويتظاهر الستماريم في بعض المناسبات ضد إسرائيل ويقفون أمام مبنى الأمم المتحدة يحملون لافتات كتب على بعضها “إسرائيل لا تمثل اليهودية الأصيلة” و”دولة إسرائيل تدنيس لعقيدة اليهود” و”الصهيونية غسلت أدمغة يهود أميركا”. كما انهم ينظمون اعتصامات ايضاً بين فترة وأخرى أمام القنصلية الإسرائيلية في نيويورك ويقفون محتجين أحياناً أمام البيت الأبيض على ما يرونه اضطهاداً دينياً في إسرائيل. وهم يطالبون كذلك بايقاف ما يسمونه إلغاء الشريعة اليهودية في إسرائيل وتدنيس مدينة القدس بشكل متعمد.

1-Moshe Menuhim,The decadence of Judaism in Our Time pp481-

483

2- راجع عن اليهود الستماريم كتابنا”اليهود الحسيديم

0 replies

Leave a Reply

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *