بين الأديب فرانزكافكا والحاخام نحمان براسلاف

                                                  

د.جعفر هادي حسن

 

الأديب التشيكي اليهودي فرانز كافكا (ت 1924) معروف في العالم العربي، خصوصاً بين ادبائه، أما

الحاخام نحمان براسلاف (ت 1811) الذي ولد في إحدى مدن اوكرانيا فهو غير معروف عند العرب، بل ربما لم يسمع به أحد منهم. وهو عند اليهود له شهرة واسعة في المجالين الديني والأدبي. ففي المجال الديني هو أحد زعماء الحركة الحسيدية (حركة يهودية دينية اوجدها الحاخام بعل شم طوب في القرن الثامن عشر في أوروبا. ويسمى اتباعها بالعبرية الحسيديم أي الأتقياء).كما أن مؤسس الحركة كان جده من جانب ألأم. وللحاخام نحمان أتباع ومريدون ما زالوا الى اليوم يؤمنون بأفكاره وتعاليمه وفلسفته ويذهبون بالمئات إلى مدينة أومان كل سنة لزيارة قبره والإحتفال عنده بذكرى وفاته. وهم من بين كل الجماعات الحسيدية التي تبلغ العشرات لم تختر خليفة له. وقداعتبراحد المفكرين اليهود المعاصرين الحاخام نحمان من أكثر رجال الفكر الديني اليهودي عمقاً بين الذين ظهروا في القرون المتأخرة. أما في المجال الأدبي فهو يعرف بمجموعة من القصص (نحو 30 قصة) طويلة وقصيرة. وتعتبر هذه من أشهر القصص في أدب اليهود قبل عصرنا هذا، وترجمت الى لغات عدة. وكان الحاخام نحمان يعتبر نفسه أفضل زعماء الحركة الحسيدية معهم وانه شخص  مختلف عنهم.ولذلك فقد كان يتنازع معهم ويتنازعون معه حتى أن البعض منهم قد البَ الحسيديم ضده واوغر صدورهم عليه لغرابة سلوكه واقواله. وكان يقول أنا لست من هذا العالم ولذلك فأنا لا أهتم به وليس هناك من يشبهني. وكان يقول كذلك "لو كشف عن حكمتي لأكتفى بها البشر بدل الطعام والشراب"، وكذلك قوله"اعتقد أن الكون يقوم على عملية جدلية وكذلك الإنسان نفسه".

وكان من عادة هذا الحاخام أن يترك مريديه وتلامذته ويسافر إلى أماكن لا يعرفونها. وكان يقول "لو علم الناس أهداف رحلاتي لقبّلوا آثار أقدامي". وفي هذه الرحلات كان يسلك سلوكاً فيه غرابة وعدم توافق مع السلوك العام. ففي سفرته الى فلسطين مر بمدينة اسطنبول ومشى حافي القدمين مكشوف الرأس لابساً ملابسه ظهراً لبطن، ويتحرش بالآخرين ويعتدي عليهم ويصيح في وجه المارة من دون سبب فكان هؤلاء يشتمونه ويضربونه،ولم يكن ذلك ليمنعه عن هذا السلوك.وكان صاحبه في السفر عندما يسأله عن سبب سلوكه يجيبه بالقول إن الذهاب الى فلسطين من أعظم الأهداف التي يحققها الإنسان، ولتحقيق هذا الهدف لا بد من وجود صعوبات وعقبات!وقد بقي الحاخام نحمان بضعة أشهر في فلسطين وتركها على عجل بعد دخول نابليون لها.

وعرف كذلك عن هذا الحاخام سخريته من العالم والناس، فقال مرة: "سوف أصطحب زوجتي وأذهب بعيداً عن الناس، اراقبهم وأضحك مما يعملون". وفي بعض قصصه نرى بطل القصة يتميز بالضحك والسخرية كالقصة التالية: "كان في قديم الزمان بلد ضم كل بلدان العالم، وكان في ذلك البلد مدينة احتوت على كل المدن، وكان في تلك المدينة شارع ضم كل الشوارع وفي ذلك الشارع بيت ضم تحت سقفه كل بيوت ذلك الشارع، وكان في ذلك البيت غرفة ضمت كل الغرف، فيها انسان تمثل فيه كل الناس. وكان هذا الإنسان يضحك ويضحك بشكل لم يضحك مثله أحد أبداً".وكان الحاخام ألف كتابا عن القضايا الباطنية سماه الكتاب المحروق وطلب احراقه في حياته وقد احرق.

هذا شيء مختصر جداً عن حياة الحاخام نحمان ليس فيها شيء يشبه حياة فرانز  كافكا، ولكن من جانب آخر هناك بعض التشابه بين الاثنين:فقد توفي كلاهما في عمر متقارب: الأول في الأربعين والثاني في الثانية والأربعين. ثم أن كليهما مات بمرض السل.وطلب كل منهما أن تحرق مؤلفاته بعد موته وكان لكل منهما صديق مخلص: صديق كافكا كان ماكس برود. وصديق الحاخام نحمان وتلميذه كان ناثان بن نفتالي هرتس.وكان ماكس برود هو الذي عرف كافكا على العالم وأشرف على نشر أعماله كما كتب عنه رواية.وهو نفسه كاتب ومؤلف. ألف عددا كبيرا من الكتب وله قصص ومسرحيات أيضا. وناثان كان سكرتير الحاخام نحمان وتلميذه وكان يقرأ عليه قصصه ويحررها وهوالذي أشرف على نشرها.

وعدا عن هذا التشابه في حياتهما، فإن هناك تشابهاً أكثر أهمية وهو التشابه في قصصهما أو التأثير والتاثرفي أدبهما.فأول مايجلب النظر هو الغموض  الذي يسود في قصص الأديبين. فمن المعروف أن روايات كافكا وقصصه تتسم بالغموض والتعقيد وصعوبة معرفة الهدف منها، كرواية "القلعة" مثلاً. وقارئ هذه الرواية يجد صعوبة في فهم أحداثها والغرض منها. فليس هناك هدف يتحقق فيها، بل إن القلعة لا يمكن الدخول إليها. أما رواية "المحاكمة" فبطلها لا يعرف ماذا كانت تهمته، بل لا يعرف ما هي طبيعة محاكمته. وهذا الغموض هو أيضاً ظاهرة من ظواهر قصص الحاخام نحمان خصوصاً قصة "الشحاذون السبعة" فهي من اشد قصصه غموضاً وابهاماً وأكثرها تعقيداً. وكان الحاخام يعطي أهمية كبيرة لهذه القصة بل إنها كانت المفضلة عنده حتى أنه قال عنهاا: "لو لم أكن أعرف شيئاً سوى هذه القصة لكان ذلك شيئاً عظيماً".

وتتميز بعض قصصهما بتركها من دون نهاية، فقصة "الشحاذون السبعة" التي ذكرناها سابقاً، هي أيضاً من القصص التي ليس لها نهاية.ويبدو مما يذكره الحاخام بأن عدم وضع نهاية لها هو شيئ مقصود فهو قد قال "اننا لا نستحق أن نسمع نهايتها الى أن يظهر المسيح المخلص". أما كافكا فهو لم يذكر لنا سبباً أو أسباباً لعدم وجود نهاية لبعض قصصه. ويلاحظ كذلك في هذه القصص ما يضعه المؤلفان من عقبات وصعوبات في طريق البطل الذي يريد أن يحقق شيئاً.

ولا ندري لماذا يجعل كافكا بطله لا يحقق غايته، أما بالنسبة الى البطل في قصص الحاخام نحمان، فإنه في كثير من الأحيان يحقق غايته، خصوصاً إذا كان الهدف مهماً وذا قيمة. ونعرف من قراءتنا لفلسفة الحاخام نحمان أنه كلما كانت العقبات كثيرة والصعوبات شديدة في طريق تحقيق الهدف كلما كان هذا أعظم شأناً وأكثر قيمة. بل بزيادة الصعوبات تزداد الرغبة في تحقيق ذلك الهدف والحصول عليه.

وربما كان التشابه الأكثر وضوحاً ما نجده بين رواية كافكا "المسخ" وقصة الحاخام نحمان "الأمير الديك". فالبطل في كليهما يرى نفسه قد تحول الى مخلوق آخر. ففي قصة الحاخام نحمان يرى الأمير نفسه وقد تحول الى ديك. وحاول الملك ابوه أن يجد طبيباً يعالجه فعجزعن ذلك الى أن جاءه رجل حكيم وضمن له علاجه وشفاءه. وهذه القصة على أهمية أحداثها وثرائها وما تهدف إليه، فهي مكثفة وقصيرة جداً لا تتجاوز الصفحة الواحدة وبضعة أسطر.وقد جاءت بالنص التالي

"أصاب أميراً شيئ من الجنون وأعتقد في نفسه أنه ديك فنزع ملابسه وجلس تحت طاولة الطعام يلتقط بقاياه من خبز وكسرعظام مثل الديك. وقد عجزأطباء الملك عن شفائه من مرضه فأصاب أباه حزن شديد. فجاءه عالم (ديني) وأخبر الملك أنه يتمكن من شفائه من مرضه. فنزع العالم ملابسه وجلس إلى جنب الأمير تحت الطاولة وأخذ يأكل  بقايا الطعام كما يأكل الأمير. فسأله هذا عمن يكون هو ولماذا انضم إليه فسأل العالم ألأمير وقال له من أنت وماذا تعمل هنا فقال له الأمير أنا ديك، فقال له العالم وأنا كذلك فظل العالم مع الأمير فترة حتى أصبحا صديقين وفي أحد الأيام أشار العالم إلى الخدم أن يعطوه قميصين وقال العالم للأميرمن قال لك إن الديك لايلبس قميصا فالبس القميص وستبقى ديكا فلبس كلاهما القميصين ثم أشار العالم إلى الخدم أن يعطوهما سروالين وقال للأمير من قال لك بأن الديك لايلبس سروالا واستمر معه على هذه الحال حتى لبسا ملابسما كلها ثم أشار العالم على الخدم أن يعطوهما طعاما عاديا وقال للأمير من قال لك أن لا تأكل طعاما جيدا فبإمكانك أن تأكل أي شيئ وأنت ديك فأكلا طعاما كلاهما وفي النهاية قال للأمير من قال لك ان الديك يجب أن يجلس تحت الطاولة ولا يجلس عندها واستمر العالم مع الأمير على هذه الحال حتى شفي الأمير".

أما في رواية :المسخ" لكافكا، فإن بطلها غريغور سامسا يصحو في أحد الايام فيجد نفسه قد تحول الى حشرة ضخمة ذات أرجل متعددة وبطن  كبير  ويجد صعوبة في التحرك ويشعر بأن صوته قد تغير كذلك ويبقى في غرفته لا يخرج منها ويكلم أهله من وراء بابها، ويختبئ تحت الأريكة لا يخرج إلا عندما يريد أن يأكل خجلاً من أن يراه أهله. ولا يهتم به أهله كثيراً ولم يأتوا له بطبيب لمعالجته والبحث عن مشكلته. وتنتهي الرواية بموته في غرفته حيث تجده الخادمة في يوم من الأيام جثة هامدة. ولا يثير ذلك الشيء الكثير من الحزن عند أهله.وفي اعتقادي أن التفصيلات المختلفة في القصتين ليست مهمة ولكن المهم فيما أرى هي فكرة المسخ.

ومن الصعب على القارئ أن يعرف هدف رواية كافكا والمغزى منها وقد اعطيت لها تفسيرات كثيرة شأنها شأن قصصه الأخرى. ولكن الذي يعرف خلفية الحاخام نحمان وثقافته وفلسفته يعرف الهدف من قصة "الأميرالديك" ويفهم مغزاها من دون حاجة لأي تفكير كثير. فالحاخام نحمان، كما ذكرنا، كان زعيماً روحياً من الزعماء الحسيديم. وهو من الذين يؤمنون بأن على الزعيم الروحي مسؤولية تجاه أتباعه وهي مساعدتهم وانقاذهم إذا انحرفوا عن السلوك الحسيدي وإن اقتضى ذلك أن ينزل هذا الزعيم الروحي الى المستوى الواطئ الذي وصله هذا التابع من جماعته. وهذه الفكرة تسمى في الفكر الحسيدي "الهبوط من أجل الصعود"، أي أن الزعيم الروحي يهبط من أجل أن يصعد الحسيد (أحد الاتباع).ففي القصة المذكورة فإن الأمير يمثل التابع (الحسيد) الذي هبط الى سلوك أدنى لا يليق بسلوك الحسيديم، والعالم(الديني) يمثل الزعيم الروحي الذي تخلى عن مكانته (موقتاً) لينزل الى المستوى الهابط للتابع من أجل أن يصعده ويرفعه الى المستوى الذي يجب أن يكون عليه من وجهة نظر الفكر الحسيدي. ويتساءل دارس قصص هذين الأدبيين: هل كان ما حدث صدفة أو كان من قبيل التأثير والتأثر؟

لا استبعد أن يكون الاحتمال الثاني هو الصحيح. لأن كافكا لم يكن بعيداً عن الفكر الحسيدي وزعمائه، فقد عرَفه الكاتب اليهودي المعروف جورج لانغر (وهذا كان متأثراً بالفكر الحسيدي ويحضر جلسات زعمائه) على الحركة الحسيدية وأطلعه عليها وربما ازداد كافكا معرفة بها وبزعمائها عندما درس العبرية والديانة اليهودية. وربما كان اطلاعه على قصص الحاخام نحمان الذي كتب أصلاً باليديش جزءاً من اطلاعه على ما كتبه زعماء هذه الحركة. وقد كتب كافكا قصصه بالألمانية بينما كتب الحاخام نحمان قصصه باليديش التي هي خليط من العبرية والألمانية القديمة وبعض السلافية. وربما كان كافكا يعرف هذه اللغة وإن لم يذكر ذلك عنه وإن كان من غير الصعب عليه أن يفهمها خاصة وأنه يعرف العبرية والألمانية وربما كان صديقه اليهودي اسحاق لوي الذي يعرف اليديش ويجيدها هو الذي ساعده في ذلك. هذه ملاحظات عابرة وليست هي دراسة بل حتى ولا ما يقرب من الدراسة. وربما تكون هذه الملاحظات مدخلا لدراسة يقوم بها المهتمون بمراجعة أدب كافكا في ضوء تأثره بالحركة الحسيدية وأفكارها والتي ربما تقود إلى فك مغاليق الغامض في بعض رواياته.