فكرة الإختيار ودورها في ظاهرة العنف ضد الفلسطينيين في اسرائيل د.جعفر هادي حسن لم يتوقف عنف اليهود الإسرائيليين من متطرفين قوميين وأصوليين متشددين ، ضد الفلسطينيين منذ ظهور الدولة، وهو آخذ بالإزدياد كلما تقدم الزمن وطال أمد الإحتلال، حتى أصبح ظاهرة واضحة المعالم .وعلى الرغم من أن الظروف السياسة قد تكون أحيانا عاملا من عوامل هذا العنف وسببا من أسبابه، لكن أحد أسبابه المتجذرة في الوجدان اليهودي فيما أرى،هو اعتقاد الغالبية العظمى من اليهود بأنهم شعب مختار ومتميز، اختارهم الإله يهوه وفضلهم على الشعوب. وقد ورد التأكيد على هذه الفكرة أولا في كتابهم الرئيس "التوراة" في مواضع كثيرة ومتعددة، ثم في أدبياتهم فيما بعد كالتلمود ثم في أقوال الحاخامين . ففي التوراة نقرأ في سفر تثنية الإشتراع7: 6-8 بالنص التالي" لأنك شعب مقدس للرب الاهك، وإياك اختار الرب إلهك لتكون له شعب خاصا له من بين جميع الشعوب، التي على وجه الأرض، لا لأنكم أكثر من جميع الشعوب تعلق الرب بحبكم واختاركم، فانتم أقل من جميع الشعوب، بل لمحبة الرب لكم، ومحافظته على القسم الذي أقسم به لآبائكم، وهو أخرجكم بيد قوية وفداكم من دار العبودية من يد فرعون ملك مصر" وغير هذا النص كثير. وعندما ألف التلمود انتشرت في ثناياه أقوال تؤكد هذه الفكرة وتعمقها ،وفي الوقت نفسه صاحبتها أقوال سلبية بحق غير اليهود. ففي سنهدرين أحد ى رسائل التلمود أن بني إسرائيل هم الأتقياء وهم الذين سيرثون الحياة الأبدية.وفي رسالة أخرى منه إن عمل بني إسرائيل هو دائما عمل خير، بينما الآخرون قادرون فقط على عمل الشر. وأخذ الحاخامون يجذرون هذه الفكرة في أذهان اليهود بشتى الطرق .وينتقصون من الآخرين. وقد جاء عن حاخاميهم أقوال كثيرة في هذا الخصوص.ومن هذه الأقوال ما قاله أشهر حاخاميهم وفلاسفتهم موسى بن ميمون" أما الذين خارج المدينة فهم كل ِشخص لا عقيدة عنده، لا نظرية ولاتقلدية كأطراف الترك المتوغلين في الشمال، والسودان المتوغلين في الجنوب ومن ماثلهم، ممن معنا في هذه الأقاليم، فحكم هؤلاء كحكم الحيوان غير الناطق، وما هؤلاء عندي بمرتبة الإنسان، وهم من مراتب الموجودات دون مرتبة الإنسان ،وأعلى من مرتبة القرد، إذ قد حصل لهم شكل الإنسان، وتخطيطه وتمييز فوق تمييز القرد . وكذلك ماقاله مؤسس فرقة اللوبافتش الحاخام المعروف شنيور زلمان في كتابه "تانيا" " إن لليهودي نفسين إحداهما قدسية خالصة هي جزء من الإله، وهذه النفس لاتكون إلا في اليهود، وألأخرى حيوانية وهي التي تمد ألإنسان بالحياة وهي تكون في اليهود وغيرهم، ولكنها في اليهود هي خليط من خير وشر.أما في غير اليهود فهي تكون شرا خالصا، لا خير فيها إطلاقا" .وهذا الكتاب الذي كتبه مؤلفه بالعبرية ،قد صدرت منه على ألأقل خمسا وستين طبعة، وهو ما يعني الإقبال على اقتنائه وكثرة قراءته. وقال حفيده الحاخام المشهور مندل شنيرسون، إن جسم اليهودي من أصل يختلف عن عن أجسام كل الشعوب .ومن هذه الأقوال، كذلك قول الحاخام أبراهام اسحق كوك(ت1938) الذي يعتبر وابنه الحاخام زفي الأبوين الروحيين للأصوليين الصهيونيين في وقتنا الحاضر"بأن الفرق بين النفس اليهودية والنفس غير اليهودية ،أكبر وأعمق مما بين النفس الإنسانية والنفس الحيوانية" إلى غير ذلك من أقوال.كما أن هذا الإعتقاد دخل في صلاتهم بقولهم"الحمد لله الذي اختارنا". وقد رسخت فكرة التفوق هذه - بسبب التركيز عليها�في وجدان اليهودي وفي لا شعوره إلى جانب النظرة الدونية للآخرين التي صاحبت فكرة الإختيار لليهود أيضا كما. ذكرت وهذه الفكرة أيضا بدأت بالتوراة ،ومن أمثلة ذلك، ماورد في سفر تثنية الإشتراع 1:7 �5 "وإذا أدخلك الرب ألهك إلى الأرض التي أنت داخل إليها ،لترثها وتطرد من أمامك أمما كثيرة.... سبع أمم أكثر وأقوى منك وأسلَمَهم الرب الهك بين يديك وضربتهم فحرَمهم تحريما(قتلهم عن آخرهم) لا تقطع معهم عهدا ولاترأف بهم ،ولا تصاهرهم ولا تعط ابنتك لأبنه ولا تأخذ ابنته لإبنك، لأنه يبعد ابنك عن السير ورائي...بل اصنعوا بهم هكذا: تدمرون مذابحهم وتكسرون أنصابهم وتحطمون أوتادهم المقدسة وتحرقون تماثيلهم بالنار" وغير هذا من أمثلة والتي تعمقت في الأدبيات اللاحقة حتى العصر الحاضر.ولذلك أطلق على غير اليهود صفات سلبية متعددة مثل غويم (الأغيار) ومنيم(كافرين) وعقوميم(منحرفين)وغيرها من صفات. وفي تراث اليهود فإن النظرة إلى اسماعيل، الذي يعتقد فيه أنه أبو العرب ليست نظرة إيجابية. فاسحق الأبن الأصغر لإبراهيم، هو الذي قدمه النبي إبراهيم ليضحي به-كما تذكر التوراة � ولم يقدم اسماعيل وأن الرب قد أقام العهد معه، وليس مع اسماعيل الذي هوابن الجارية الذي طرد معها، وأن أصول الشعب اليهودي ترجع إلى اسحق. وفي كتبهم أيضا أن الرب عرض على العرب الشريعة، التي أنزلها وعندما سألوه عما فيها ذكر لهم الوصايا العشر، التي منها لا تقتل لاتسرق لا تزن، رد عليه العرب بأنهم يرفضونها ولايريدونها، وقالوا إننا نريد أن نمارس هذه الأمور.ومثل هذه الأساطير مازالت تدرس في مدارسهم الدينية إلى اليوم ، وكذلك يطلقون على العرب عماليق وهم طبقا للتوراة أعداء العبرانيين التاريخيين"وأن الرب في يوم من الأيام سيمحو ذكر العماليق"كما يعزون ذلك إلى النبي موسى.وكان رئيس الحاخامين السفارديم ألأسبق في إسرائيل عوفاديا يوسف، قد وصف الفلسطينيين بأنهم عماليق هذا الزمان، وقد دعا عليهم أكثر من مرة ليزيلهم يهوه من الوجود.وهكذا تشكات عقلية هؤلاء نحو العرب وأصبح لهم حصة كبيرة من هذه النظرة التي تتسم بالإحتقار والدونية. ولذلك ليس من الغريب أن نجد الغالبية العظمى من طلاب المدارس في إسرائيل يصفون الفلسطينيين بأنهم قتلة ولصوص، عندما أجري أستطلاع بينهم قبل بضع سنوات عند سؤالهم عن تعريف الفلسطيني. وصاحَب الإعتقاد بهذه الفكرة الإعتقاد أيضا بأن فلسطين أعطيت لليهود وحدهم دون غيرهم ولايشاركهم فيها أحد، إذ الآخر يدنسها ويخبثها، والإستيلاء عليها كما يعتقدون وطرد الآخرين منها وقتلهم هو عمل مقدس، لأنه تطهيرلها من هذا الدنس. وقد حمل الغالبية العظمى من المهاجرين هذه النظرة معهم إلى فلسطين فبعد إعلان وعد بلفور وازدياد المستوطنين في فلسطين وتعاظم شوكتهم أخذوا يقومون بتطبيق نظرتهم هذه ضد الفلسطينيين.ولما رأى "أحد هاعام" زعيم الصهيونية الروحية تعاملهم مع الفلسطينيين من هذا المنطلق وعلى أساس هذه النظرة حذرهم من ذلك، وقال لهم في كلام معروف "إن على اليهود أن لايعتبروا أنفسهم متفوقين على العرب، بل إنهم يجب أن ينظروا إليهم على أنهم أناس يعتزون بأنفسهم كثيرا.والإعتقاد بأن كل العرب هم صحراويون برابرة، وأنهم أناس مثل الحمير لايعرفون ما يدور حولهم ولا يفهمونه هوخطأ كبير...إن العرب بخاصة سكان المدن منهم يفهمون جيدا ماذا نريد وماذا نحن نعمل في البلد، ولكنهم يتظاهرون بأنهم لايعرفون ولاينتبهون لأنهم لايرون في الوقت الحاضر أي خطرعلى أنفسهم، أو مستقبلهم فيما نقوم به ، ويحاولون أن يحولوا عمل هؤلاء الضيوف الجدد لصالحهم، ولكن عندما يأتي اليوم الذي تكون فيه حياة شعبنا في أرض إسرائيل قد وصلت إلى درجة ،بحيث تدفع الناس المحليين جانبا، كثيرا أو قليلا فانه سوف لايكون من السهولة أن يتخلوا عن أرضهم."وقال أيضا "إن المستوطنين يجب أن يتعاملوا مع السكان المحليين بحب واحترام" ولكن هؤلاء المستوطنين صموا آذانهم عن نصائح أبناء جلدتهم، واستمروا في الإعتداء على الفلسطينيين والتنكيل بهم، والاأبالية نحوهم، ولذلك ثار الفلسطينيون ضدهم أكثر من مرة كما حدث في عام 1929 و1936. وأخذت هذه ألأفكار تظهر بشكل أوضح بعد نشوء الدولة وظهورقوتها ودعمها لهؤلاء- فأصبحت الدولة القوية تحميه ولاتحمي ألآخر وأصبح اضطهاد الآخر، واستعمال العنف ضده وقتله أمرا سهلا .فأخذوا يجاهرون بالقول بأن وصية لاتقتل لاتنطبق عليهم، إذا قتلوا الفلسطينيين، حتى الأطفال منهم ،وكان الحاخام يسحق شابيرا قد أصدر كتابا عام 2009 بعنوان "توراة الملك" قال فيه إنه يجوز قتل غير اليهود حتى الأطفال منهم ،لأن هؤلاء سيصبحون أشرارا مثل آبائهم عندما يكبرون.وعند صدور الكتاب انتقد بعض المسؤولين مضمون الكتاب في ضجة كاذبة ومفتعلة ،ولكنها مالبثت أن اختفت وخمدت ونشر الكتاب ووزع على نطاق واسع في إسرائيل. واصول هذه الفكرة توجد في أدبياتهم القديمة كما في "بابا كما 38أ" .وأصبحنا نسمع كلاما من هؤلاء يخز الضمير الإنساني بعمق ، ويخدش المشاعر بقوة ،ويجعل من حقوق الإنسان مهزلة حقيقية.مثل قول رئيس الحاخامين السفارديم الأسبق،مردخاي إلياهو "إن حياة طالب المدرسة الدينية (اليشيفاه) تعادل حياة ألف عربي" وكذلك ماقاله الحاخام يعقوب فرن، في رثائه لباروخ غولدشتاين"إن مليون عربي لايساوون ظفر يهودي".ولذلك فنحن لانستغرب من إقدام بعض هؤلاء،على حرق أناس أبرياء وهم أحياء، بل أصبح من يقتل الفلسطينيين من هؤلاء قديسا، كما هو حال باروخ غولدشتاين، الذي قتل 29 فلسطينيا فبُني له صرح على قبره يزوره هؤلاء، ويتبركون به. ----------------------------------------------- *لابد أن نشير هنا إلى أن من اليهود من لايؤمن بفكرة الإختيار،ويعتبرها فكرة عنصرية لاتتفق مع صفات العدل للإله.ومن هؤلاء، الفيلسوف اليهودي سبينوزا (الذي كتبنا عنه فصلا في كتابنا قضايا وشخصيات يهودية). وبعض هؤلاء قد أسسوا فرقا يهودية في القرن العشرين، لها أتباعها الكثيرون والمؤمنون بأفكارها، مثل الحاخام مردخاي قبلان والحاخام شيرون واين. الإحتفاء بحضارة بابل* د.جعفر هادي حسن اشتهرت بابل عند الناس ببرجها وحدائقها المعلقة ، وقليل منهم من كان يعرف عن حضارتها وتراثها . وعلى الرغم من أن الكثير من آثارها مازال حبيسا تحت الأرض حيث هناك الآلاف من المواقع الأثرية تنتظر كشف مافيها ، إلا أن ما استخرجه الآثاريون حتى العصر الحاضرليس قليلاً. حتى قال أحد الباحثين الأوربيين وهو يتحدث عن بلاد مابين النهرين "إنه يمكننا القول ومن دون مبالغة، أن ليس هناك بلد في العالم خلف نصوصا قديمة بهذه الكثرة، وصلت إلينا كما كتبت"(1).وهذه النصوص تعطي صورة عن تميز حضارة بابل بتعدد جوانبها وتأثيرها على التطور المعرفي في تاريخ الإنسان. وكان من الأمور المهمة التي لعبت دورا في بقاء هذه الحضارة ، هو اهتمام البابليين بالكتابة والتدوين، واعطائهما أهمية كبيرة حتى أنهم جعلوا للكتابة إلاهة اسموها "نيسابا" "التي تحمل في يدها القلم"، والتي كانت مهمتها الإشراف على الكتابة وفنها.وقد قام الكتبة- الذين أيضا كانوا علماء وأصحاب منزلة رفيعة عند الملوك وبين المجتمع- بدور حضاري في منتهى الأهمية، خصوصا في المرحلة الأولى من المملكة البابلية القديمة(في بداية الألف الثاني قبل الميلاد) حيث تمكنوا من اتقان اللغة السومرية(التي هي غير سامية) وحفظ العدد الهائل من رموزها بأسمائها، وطريقة نطقها واعطاء معانيها باللغة الأكدية(السامية)، ثم تأليف القواميس بهاتين اللغتين حيث وصلتنا نماذج منها. فكان هؤلاء مترجمين من الدرجة الأولى (وقد ورث العرب والأوربيون كلمة ترجمانو من البابليين).ولولاهم -كما قيل - لما كانت حضارة بلاد مابين النهرين. وكان الكتبة يتدربون في مدرسة خاصة بهم تسمى "أي- دوبَا" وتعني حرفيا "بيت الألواح".وما اكتشف من هذه المدرسة يعطينا فكرة واضحة عنها، وعن طبيعة المواضيع التي تدرس فيها.وكان على رأس المدرسة شخص يطلق عليه "أوميا"، وهي كلمة سومرية تعني "الخبير/العارف" ويليه في الرتبة مسؤول الفصول الذي يطلق عليه "أدَا ادوبا" ثم هناك المختصون مثل "طوبشارنشد" خبير/استاذ الرياضيات و"طوبشار أشاكا" خبير/استاذ الهندسة والمساحة. وكان أهم موضوع يدرس في هذه المدرسة هو اللغة السومرية ويطلق على الأستاذ الذي يدرسها "طوبشار كنكيرا" المختص باللغة السومرية واستاذها والذي كان له موقع خاص في هذه المدرسة. وجهود هؤلاء الكتبة- العلماء تثير اليوم الكثير من الإعجاب. ولولا هذه الجهود التي بذلها هؤلاء لما تمكن العلماء المختصون من معرفة اللغة السومرية وفك أسرارها وفهم معانيها. وتعتبر القواميس اللغوية التي ألفها هؤلاء الكتاب عملا جديدا ومن أولى المحاولات في تاريخ المعرفة الإنسانية. وكان عمل البابليين مستقلا عما كان قد عمل في حضارة إيبلا في سوريا.ولم يؤلف مثل هذه القواميس بعد ذلك لقرون طويلة ،إذ أن الإغريق لم يكونوا يهتمون بلغات الشعوب الأخرى.وأصبحت هذه القواميس مفيدة لبقية الشعوب بعد أن أصبحت الأكدية لغة الدبلوماسية والتجارة في الشرق الأدنى. حيث أصبحت هي اللغة التي يراسل بها الحكام والملوك بعضهم بعضا ، يدل على ذلك رسائل "العمارنة" التي تعود إلى القرن الرابع عشر قبل الميلاد.حيث كتبت هذه الرسائل التي يبلغ عددها بضع مئات باللغة الأكدية ،أرسلها عدد من الحكام والأمراء في بلدان من الشرق الأدنى ومنطقة الأناضول إلى امنحوتب الثالث فرعون مصر وابنه اخناتون(2). وبتقدم الزمن اهتم البابليون بتأليف قواميس خاصة، كقواميس اسماء الأحجار والنباتات والحيوانات والمعادن ، بل الفوا قواميس لمعاني الأفعال وقواميس لغوية للأضداد والمترادف، بل وللجذور واشتقاقاتها واستعمالاتها وكذلك قواميس للكلمات النادرة التي تستعمل في الأدب. كما لم تخل هذه القواميس من توضيحات وتعليقات خاصة من فترة الألف الأول قبل الميلاد.(3) ويرى باحثون أن تطور الكتابة عند البابليين لم يستغرق وقتا طويلا ،على الرغم من من القواعد الدقيقة التي وضعوها لها والأدب المتميزالذي أنتجوه.(4).ومن المهم الإشارة هنا إلى أن مهنة الكتابة عند البابليين لم تقتصر على الرجال وحدهم ، وانما كانت هناك أيضا نساء كاتبات منذ وقت مبكر من الحضارة البابلية كما تدل على ذلك المكتشفات من مدينة "سبار" (5) التي تقع شمال بابل وهو شيئ له أكثر من دلالة. كما أن معرفة القراءة والكتابة لم تكن مقتصرة على طبقة معينة من الناس كالكتاب والكهنة، بل إن الكثير من النصوص الأدبية التي عثرعليها جاءت من بيوت الناس العاديين(6) وربما كان بعضهم يملك مكتبات خاصة. وهذا يعطينا فكرة عن أن البابلي كان له اهتمامات أدبية أيضا. وكان أحد المكتشفات الأولى التي عثر عليه الآثاريون ، والذي أثار إعجاب الناس هو ماعرف بشريعة حمورابي. وعلى الرغم من أن بعض الشرائع قد سبقتها في بلاد الرافدين،مثل شريعة الملك لبت-عشتار، وأور- نمو وشريعة دويلة أشنونا، إلا أن شريعة حمورابي تعتبر أشهر هذه الشرائع وأكثرها شمولا وتفصيلا. إذ تحتوي على أكثر من مئتين وثمانين فقرة ، شملت الكثير من مجالات الحياة. كما تميزت هذه الشريعة خاصة بجمال اللغة ودقتها وصفائها. وقد جاء في بعض ديباجتها التي تعطي بعض أسباب تشريعها "إنه من أجل أن يسود العدل في البلد ويُقضى على الشر والظلم ، وكي لايضطهد القوي الضعيف...".وقد وضعت نماذج منها في أماكن عامة كالمعابد ليطلع عليها الناس ويعرفوها ، كما كان التلاميذ يتعلمونها لمضمونها وأسلوبها، وأصبحت نصوص هذه القوانين نموذجا لمايسمى باللغة البابلية القديمة. وكما برزالبابليون في تشريع الشرائع ، فقد اشتهروا أيضا في مجالات أخرى كالطب. وكان للطبيب الذي يسمى "أسو"(وهو آسي في العربية وآسيا/اسا في السريانية) موقع مهم في المجتمع، وكان يعد من أبناء الطبقة العليا، وكانت مهنته متميزة لاعلاقة لها بالدين أو السحر،إذ من كان يمارس علاج الناس بواسطة هذين كان يسمى "أشيفو". (وهو بالآرامية "أشف" وبالسريانية "أشوفا" وبالعبرية ورد في التوراة بالجمع فقط "اشفيم") بينما كان الطبيب-الذي تميز بين الناس بحمل أدواته معه وطريقة حلاقة شعره ولباسه- يتعلم مهنته بالدراسة أولاً. وبعد الانتهاء من الدراسة كان يقوم بممارستها مع من هم اقدم منه في المهنة وأكثر خبرة منه. وكان لهؤلاء الأطباء رئيس سمي، "رب آسي"(رئيس/كبير الطباء) وقد وصلنا عدد كبير من الألواح التي تضم قوائم بالأعراض والأمراض والوصفات الطبية التي كتبها أطباء. وهي تحتوي على تشخيص لأسباب طبيعية للأمراض.(ويعتقد أن أقدم وصفة طبية هي تلك التي وصلتنا من بلاد الرافدين من سلالة أورالثالثة في نهاية الألف الثالث قبل الميلاد). ويتبين من بعض هذه الوصفات التي اكتشفت أن العناصر المكونة فيها للدواء مازالت(أو بعضها) مستعملة اليوم للمرض نفسه .ومن النصوص في مجال الطب مؤلَف مهم اعتبره الباحثون تحفة علمية راقية يعود تاريخها إلى منتصف الألف الثاني قبل الميلاد على الأقل وعنوانه " رسالة في التشخيصات الطبية والتكهنات".ويعتقد بعض الباحثين ان هذا المؤلَف ربما كان يحتوي على خمسة آلاف إلى ستة آلاف فقرة وقد عثر على أربعين لوحا منها تمثل نصفها تقريبا. (7) كما أن هؤلاء الأطباء عرفوا العدوى وشخصوها . كماعثر على رسائل مرسلة إلى أطباء فيها الكثير من التفاصيل لحالات مرضية وبعض هذه الرسائل احتوت على بعض اسماء الأطباء أيضا. وقد استعمل الأطباء في علاج هذه الأمراض ليس الأدوية فحسب وإنما استعملوا الأدوات أيضا. وبعض هؤلاء الأطباء كان قد أرسل من بابل لمعالجة ملوك معاصرين للبابليين مثل الملك الحثي "حتوسيلس الثالث" في القرن الثالث عشر قبل الميلاد(8).وممايدل على انتشار الطب هو وجود سبع مواد على الأقل في شريعة حمورابي تتعلق بعمليات جراحية. .ويرى بعض الباحثين أن البابليين قد مارسوا العلاج النفسي أيضاً الذي يعتقد أنه من نتاج العصر الحديث. واهتم البابليون بالرياضيات وقد عثر على آلاف الرقم والألواح التي تضم أعدادا رتبت بطرق مختلفة وعمليات طرح وجمع ومسائل حسابية تتعلق بالعمارة ومساحة الأرض والسقي .كما عثر على ألواح كثيرة تحوي تمارين رياضية بعضها مع حلول لها والبعض الآخر بدون ذلك وبعض هذه التمارين بمستوى متقدم.وإن ماوصلنا منهم من قضايا رياضية يؤكد قدرتهم النظرية التي قل أن وجد مثلها قبل العصر الكلاسيكي(9).وكان تصنيع المعادن شائعا واعطوا لمن يمتهن ذلك اسما عاما يدل على اختصاصه وهو"نفاخو"(بالأرامية نفاخا وبالعربية نفاخ).ثم خصصوا ذلك بإضافة اسم المعدن اليه فسمي الحداد "نفاخ فرزيلو" والذي يعمل بالذهب "نفاخ خورصي".(ومن هذه الكلمة أخذت الكلمة اليونانية خروسس للذهب).ويقول جورج رو في كتابه العراق القديم.ليس من شك في إن البابليين (والآشوريين) كانوا يعرفون أكثر مما عثر عليه في كتاباتهم فنقل الصخور الهائلة ونصبها مثلا أو انشاء ممرات مائية طويلة يدل على معرفة متقدمة بقوانين الفيزياء.وكذلك معرفتهم ببعض مبادئ الكيمياء التي كانت قد طبقت بشكل ناجح في الأدوية والأصباغ وعمل الزجاج الملون وتزيين الآجر بالمينا"(10) .واهتموا كذلك بعلم الفلك وكانوا يراقبون القمر والشمس والنجوم بشكل دقيق وكانوا يقومون بهذه المراقبة من على المعابد الدينية وأبراج خاصة في بعض المدن. كما تنبأوا بخسوف القمر وكسوف الشمس وراقبوا الرياح والسحب أيضا. وفي ضوء علم الفلك قسموا السنة إلى اثني عشر شهرا(ومازالت اسماء الأشهر البابلية تستعمل عند اليهود وكذلك النظام الشمسي-القمري). وقسمواالشهر إلى ثلاثين أو تسعة وعشرين يوما وقسموا اليوم إلى أربع وعشرين ساعة والساعة إلى ستين دقيقة .وقد وردت اسماء علماء فلكيين في بعض الرسائل البابلية التي عثر عليها وسجل هؤلاء حالات كسوف وخسوف بشكل دقيق كما يقول بطليموس.وظل الناس يستفيدون من خبرة البابليين في هذا المجال بعد زوال دولتهم خاصة. إذ نقرأ أن نابو- ريماني (القرن الخامس ق.م؟) وكدينو والكاهن بل رئيشو(القرن الثالث ق.م) كانوا من العلماء الذين استفاد منهم الإغريق في علم الفلك وأطلقوا عليهم أسماء إغريقية.فالأول سمي نابوريانوس والثاني سديناس والثالث بيرسوس.ولذلك اختلط على بعض الباحثين أصلهم وظنوهم من الإغريق فنسبوهم إليهم خطاً، ومن الضروري إعادة هويتهم إليهم.وعرف عن الكاهن بل رئيشو أنه كان له حلقة دراسية يدرس فيه طلاباً في بلاد الإغريق بطلب منهم. وهو نفسه الذي كتب تاريخا باللغة اليونانية لموطنه بابل ولملوكها، ولم يصل لنا من هذا الكتاب - مع الأسف- إلا أجزاء قليلة.ومما ذكره في هذا الكتاب أن نبوخدنصر بنى الحدائق المعلقة لزوجته أميتس.وذكر أن اليونانيين نصبوا له تمثالا في أثينا11 .وقد ذكر مؤرخون أن الإسكندر الأكبر كان معجبا بخبرة البابليين في علم الفلك وحكمتهم(12) ويرى بعض الباحثين أن تعاون علماء الفلك البابليين والإغريق قد ساهم في تطور هذا العلم إلى درجة لايمكن تجاهلها. كما إن بعض علماء الفلك من القرن السادس الميلادي قد اعتمدوا على ملاحظات البابليين في التنبؤ بكسوف الشمس.ومعروف أن رموز الأبراج المستعملة اليوم ترجع في أصلها إلى البابليين (وهناك لوح أثري من بابل في المتحف البريطاني يؤكد ذلك). وقد قيل إن شعب مابين النهرين قدم أعظم إنجازاته في حقل الرياضيات والفلك. كما ابتكر البابليون الساعة الشمسية وقال المؤرخ هيردوتس(القرن الخامس قبل الميلاد) عن ذلك "إن علم المساحة والساعة الشمسية وتقسيم اليوم إلى اثنتي عشرة ساعة لم تأت من اليونان أو مصر ولكن من بابل". واهتم البابليون كذلك بالجغرافيا وقد عثر على نصوص تتضمن قوائم لأسماء البلدان والجبال والأنهار والمدن بل وحتى للمسافات بين المدن وهي قضية مفيدة جداً للمؤرخين في العصر الحديث. وقد عثر على بعض المخططات( وليست خرائط بالمعنى الحديث) لبعض المدن وقد اكتشف مخطط لمدينة نيبور كان قد وضعه البابليون لها يتفق مع مااكتشفه الآثاريون لواقع هذه المدينة.بل عثر على خريطة للعالم كذلك تعود إلى القرن السادس قبل الميلاد.وكتب على أقصى الشمال منها "الأرض التي لاترى فيها الشمس أبدا".كما اكتشفت نصوص تشير إلى اهتمامهم بالجغرافيا التاريخية من عصر مبكر. واهتموا أيضا بالتاريخ فعدا عن تدوين ما أنجزه الملوك أثناء حكمهم وما كتب على الأبنية من معلومات تاريخية فقد عثر على قوائم تضم اسماء السلالات الملكية وأسماء الملوك وشخصيات معروفة وقوائم بأحداث متزامنة إلى جانب تسجيل الحملات العسكرية التي أفادت الباحثين كثيرا ليس في تأريخ الحدث حسب ولكن أيضا في معرفة اسماء الملوك والبلدان الأخرى. وكانت قوائم الملوك تذكر أحيانا الأحداث المهمة لكل سنة في فترة حكم هؤلاء الملوك .ومن القوائم المفيدة التي اكتشفت قوائم باسماء الآلهة.ومن الأمور المهمة التي عثر عليها قوائم طويلة بالطوالع(طوالع الخير والشر) يصل عددها إلى الآلاف.وكان لهذه الطوالع مختصون بها يدرسونها ويتدربون على معرفتها لفترة طويلة يسمى الواحد منهم "الرائي أو الناظر".وهي مفيدة جدا لدراسة العادات والتقاليد والمعتقدات للمجتمع البابلي. وقد تأثرت بعض الشعوب"بهذا العلم" (كما أطلق عليه بعض الباحثين) كالحثيين فجمعوا قوائم لها مماثلة أيضا. واهتموا بالوثائق والحفاظ عليها والإعتناء بها.فقد كانت بعض الرسائل المهمة والوثائق توضع في ظروف من الطين وتختم حتى لايعبث بها أو تقرأ من قبل أناس غير مخولين.وكانت تكتب بعض الكلمات على الظرف تشير إلى مابداخل الوثيقة أو الرسالة.وقد عثر على عدد كبير من هذه وهي مازالت مغلفة(13).ويبدو أن ختم الرسائل الشخصية بختم خاص من الحجر كان معروفا بين البابليين حتى ان هيرودتس ذكر أن كل بابلي كان له ختمه الخاص.(14) كما ترك لنا البابليون تراثا أدبيا مهما شعراً ونثرا من أدب حكمة وفكاهة وغيرهما ويأتي على رأس هذا الأدب قصة الخلق ، وعشتار في العالم السفلي وملحمة جلجامش.وهذه الملحمة هي واحدة من أهم الملاحم في العصور القديمة. وقد كان من إعجاب الشعوب الأخرى بها وتأثرهم بها وغعجابهم بروعتها، أنهم ترجموها إلى لغاتهم وقد عثر على ترجمتها إلى اللغة الحورية واللغة الحثية.(15) وفي العصر الحديث ترجمت الملحمة إلى أكثر من لغة على رأسها الإنجليزية كما هو معروف. وقد قيل عن البابليين انهم فاقوا في العلوم معاصريهم من الشعوب الأخرى. .وقد أعجب الباحثون والآثاريون بدرجة حب البابيليين للبحث الخالص وحبهم للإستكشاف والإستطلاع .أما عن بابل في عصرها المتأخر فقد وصفهاالمؤرخ هيرودتس وصف معجب بها ومنبهر ببنائها وبتخطيطها وببوباتها فقال عنها "لا توجد مدينة تشبهها في روعتهافي العالم الذي نعرفه".وكان أشهر هذه البوابات بوابة عشتارالتي زينت واجهتها بطابوقها المزجج باللون الأزرق وبعدد من التنانين(رمز الإله مردوخ) وبعدد من الثيران( رمز الإله أدد).وقدِ بلغ عدد هذه الرموز 575رمزاً (16) .وكانت البوابة موصولة بشارع سماه الباحثون "طريق المواكب" واطلق عليه البابليون إبور شابو(الطريق الذي لن يجتازه العدو).وتوجد بوابة عشتار اليوم في متحف برلين ، وهي تبهر الإنسان بشكلها وزينتها وطريقة تصميمها. وذُكر أن بابل ضمت أكثر من ألف معبد من مختلف المقاسات والأشكال(17) ، كان أهمها معبد الإله مردوخ"إي سغيلا".الذي بناه الملك نبوخدنصر الثاني، وقال عنه "إنه جلب له خشب الأرز من لبنان وزين بناءه بالذهب (الأحمر) والأحجار الكريمة، وصار يسطع كالشمس". وقد ذكر بعض المؤرخين أن الإسكندر الأكبر-الذي كان في بلاد مابين النهرين أثناء فتوحاته ومات فيها- قد أبدى إعجابه بها وبتخطيطها وأراد أن يجعلها عاصمة عالمية له، بل ذكر هؤلاء أنه جعلها فعلا عاصمته واستقبل السفراء فيها(18). ________________________________________________ (1) Roux, G.1980,Ancient Iraq,pp29-30(England) (2)Pritchard,J.B(ed.)The Ancient Near East,vol.1,p.262 (3) von Soden,W., 1994,The Ancient Orient, pp149-50(Michigan) (4) Roux,G.,المصدر أعلاهp76 (5) von Soden.W.,op.cit. p.106المصدر أعلاه (6)Saggs,H.W.1988,The Greatness that was Babylon p.389(London) (7) Bottero,J.2001,Everyday Life in Ancient Mesopotamia,p.177(Edinburgh) (8)Roux,G.,op.cit المصدر أعلاه ص368 (9)Ibid, pp.358-9المصدر نفسه (10)Ibid,pp.360-1المصدر نفسه (11) G.P. Verbrugghe and J.M. Wickersham, Berossesos and Manetho,p.14 (12) Mackenzie,D.,n.d. Myths of Babylonia and Assyria,p497(London) (13) von Soden, W.,1994 The Ancient Orient,p 139 (14) Saggs, H.W.op.cit.p.434المصدر أعلاه (15) Bottero,J., op.cit p.234 المصدر أعلاه (16) Roux, Georegsالمصدر أعلاه,pp.392-3 (17)المصدر نفسه ص 390 (18)Mackanzie,D,,p المصدر أعلاه ص497 *كتبت هذه الدراسة المختصرة بمناسبة احتفاء المتحف البريطاني بحضارة بابل لعدة أشهر (من تشرين الثاني 2008 إلى مارس 2009 وظهرت فيما بعد كفصل من كتاب -شارك فيه عدد من المؤلفين- بعنوان "من معالم الحضارة العراقية القديمة". www.dirasaatyahudiya.com الفيلسوفة جودث بتلر في كتاب جديد بعنوان "افتراق الطرق: اليهودية ونقد الصهيونية" د. جعفر هادي حسن جودث بتلر فيلسوفة معروفة واستاذة يهودية في الجامعات الأمريكية، وكتابها هذا الذي نتحدث عنه ليس كتابها الأول، بل لها أكثر من كتاب لوحدها، وبالإشتراك مع آخرين. وبعض كتبها ترجم إلى أكثر من عشر لغات. ويقودها النقاش في كتابها هذا من العلاقة بين اليهودية والصهيونية، إلى الحديث عن إسرائيل وسياستها نحو الفلسطينيين، ثم بعد ذلك تقترح حلا للصراع الإسرائيلي الفلسطيني كما سنرى فيما بعد. والمؤلفة معروفة في نقدها الشديد للصهيونية، ورافضة لها وللعلاقة بينها وبين اليهودية ، وترى أن اليهودية كدين أو اثنية لاتقود بالضرورة إلى الصهيونية. وتؤكد أن اليهودية يجب أن تكون منفصلة عن الصهيونية، كما تؤكد أيضا على وجود عداء للصهيونية بين اليهود، وأن هذا العداء ليس جديدا، وإنما ظهر منذ بداية ظهور الصهيونية، بل كان بعد مؤتمرها الأول مباشرة في نهاية القرن التاسع عشر،وهذا العداء لم يتوقف إلى اليوم، وإن كان يأخذ صورا مختلفة.وتذكر المؤلفة أن الكثير من اليهود يعتقد بأن إسرائيل هي ضرورة تاريخية لجعل اليهود يعيشون حياة آمنة، واي نقد لها كما يقولون يجعلها دولة غير شرعية، وهذا يعني إرجاع اليهود إلى الوضع الذي كانوا عليه قبل إنشاء الدولة، وتعريضهم للمذابح والتدمير، كما حدث لهم من قبل النازيين .ولكن المؤلفة تقول إن هذه الفكرة في الواقع مرفوضة، لأنها تبرر ماتقوم به إسرائيل من عنف نحو الفلسطينيين واستلاب أرضهم، وتبرر الإعتداءات العسكرية وتعتبرها دفاعا عن النفس. وهي ترى بأن التهمة التي توجه لليهودي، الذي ينتقد الصهيونية وسياسات إسرائيل نحو الفلسطينيين، بأنه كاره لنفسه هي تهمة باطلة وغير صحيحة. وهي تنظر إلى المجمعات الزراعية - المستوطنات- التي أنشأتها إسرائيل، على أنها جزء من مشروع صهيوني، وما تتبجح به عن اشتراكيتها، إنما هي في نظر المؤلفة مظهر من مظاهر الإستعمار، وتطبيق لمفهومه. وهي تعطي فكرة بأن الإشتراكية الإسرائيلية، إنما هي استعمارية وتوسعية، وهي تختلف عن الإشتراكية التي يعرفها الناس . وترفض المؤلفة، أن تكون السيادة في إسرائيل للأغلبية اليهودية،أي أن تكون الدولة يهودية ، وترى بأن ذلك يؤدي بالضرورة إلى حكم عنصري وغيرديمقراطي، كما أنه ينتج عنه صراعات مع الأقليات الأخرى، من أجل الحفاظ على حكم الأغلبية ،ولهذا السبب تقول المؤلفة، إن إسرائيل مصممة، بأن يكون الفلسطينيون أقلية، وإنها إذا ماشعرت بتهدديهم لأغلبيتها، فإنها تقوم بعمل يمنع ذلك. بل إننا نسمع اليوم كما تقول أن بعض سياسييها يريدون الطرد الجماعي للفلسطينيين .وفي رأيها أن ذلك إذاما حصل فإن إسرائيل سوف لاتبقى في مأمن، بل ستبقى في حرب دائمة مع أولئك الذين طردتهم، والذين عليها أن تبقيهم خارج حدودها. كما أن دولة الأغلبية اليهودية كما تقول ، لابد وأن تقوم بتجريد الأقلية الذين هم فلسطينيون في هذه الحالة، من أراضيهم، والسيطرة عليها. ولكنها أيضا ترى بأن تدمير حياة الفلسطينيين ووسائل عيشهم، إنما سيزيد بالتأكيد من الخطر على من يدمرونها، لأنه يخلق حركة للمقاومة المستمرة ، من أولئك الذين يُدمَرون، سواء أكانت المقاومة عنفية أم سلمية. وترفض المؤلفة فكرة الشعب المختار، وكذلك ترفض تبرير أن إسرائيل إنما نشأت طبقا للتوراة .وتقول إننا يجب أن نعارض استخدام الدين لتبرير جريمة ترتكب، طبقا للقانون الدولي بطرد الفلسطينيين من أرضهم، والإستيلاء على ممتلكاتهم. كما أنها اعتبرت الحرب الأخيرة على غزة جريمة حرب. المذبحة النازية كتبرير للعنف في إسرائيل وهي كذلك ترفض بالمطلق استعمال المذبحة النازية كتبرير لجعل الحكم غير الشرعي شرعيا،وهو ماتقوم به إسرائيل اليوم، للتغطية على كل الأعمال الوحشية ضد الفلسطينيين كما تقول. وقد انتقدت شخصيات يهودية غيرها استغلال المذبحة النازية لهذا الغرض. ومن هؤلاء أبراهام بورغ الرئيس الأسبق للكنيست الذي قال في كتابه،"المذبحة انتهت ويجب أن نخرج من رمادها" " "إن كل شيئ ( في إسرائيل) يقارن بها(المذبحة) وكل شيئ يقزم بالنسبة إليها، والنتيجة أن الجدار العازل ومنع التجول والحصار، ومنع الطعام والماء( عن الفلسطينيين) والقتل بدون سبب تصبح أشياء مسموح بها".ومنهم بريمو ليفي الروائي والشاعر اليهودي المعروف، الذي يرى أن المذبحة قد أصبحت وسيلة لإسكات الناقدين و تبريرا لعنف الدولة(إسرائيل) وتعطي شرعية لممارساتها التي يجب أن ترفض بكل طريقة. دولة واحدة للشعبين(الفلسطيني واليهودي) وبسبب مساوئ دولة الأغلبية اليهودية، فإن الحل الأمثل اليوم، كما تراه المؤلفة، هو أن تكون دولة واحدة للقوميتين اليهودية والفلسطينية، ولكنها تقول إن هذا لايتحقق إلا بشرطين، أحدهما التخلي عن الصهيونية التي نشأت عليها إسرائيل، بأن جعلت السيادة للأغلبية اليهودية، والثاني التخلي عن إنشاء المستوطنات لأنه مشروع استعماري. وهي بهذا تتفق مع عدد من المفكرين والكتاب اليهود المعاصرين، الذين يرون هذا الرأي،والذين أخذ عددهم يزداد في الفترة الأخيرة ،ومنهم توني جولت وهو يهودي(توفي قبل بضع سنوات) وكان استاذا للتاريخ في احدى الجامعات الأمريكية .وقد عرف بنشره في عام 2003 مقالة مهمة (The New York Review of Books) عنوانها �البديل�في مجلة وهي مقالة طويلة ،أحدثت ردود فعل واسعة بين اليهود وغيرهم لأهميتها واهمية كاتبها .وقد ناقش كاتبها نقاطا رئيسة كان أهمها ان خيار الدولتين لم يعد خياراً لانه قد فات وقته، وان هناك الكثير من المستوطنات والمستوطنين، والكثير من الفلسطينيين يعيشون في مكان واحد وأن الوقت قد حان للتفكير فيما لم يكن يخطر على بال أحد، وهو حل الدولة الواحدة الذي هو حل مرغوب فيه. وهذه الفكرة ليست فكرة شاذة، إذ أن الدول اليوم فيها ثقافات متعددة واجناس متعددة ، وإسرائيل نفسها هي ذات ثقافات متعددة ، ولكنها ميزت نفسها عن الدول الديموقراطية، في ان المواطن فيها يعتبر مواطناً طبقاً لمقياس اثني ـ ديني ، وهي في هذا الامر تعتبر شاذة بين الشعوب المعاصرة ، لانها دولة يهودية، حيث يكون لليهود الموقع الاول فيها في زمن ليس فيه مكان لمثل هذه الدولة. إن الشعوب اليوم في العالم يزداد اندماجها، ويزداد التزاوج بينها حيث ازيلت الحواجز الثقافية والاثنية، وفي مثل هذا العالم، فإن إسرائيل تعتبر خارج السياق الطبيعي للتاريخ وذات وظائف شاذة. إن تحول إسرائيل من دولة يهودية إلى دولة واحدة ذات قوميتين ليس سهلاً، ولكنه ليس مستحيلاً كما يبدو للبعض، وفي الواقع فإن هناك تقدماً نحو الدولة الواحدة. إن الحقيقة المحزنة هو ان سلوك إسرائيل اليوم ليس سيئاً لاميركا فقط، بل هو سيىء لإسرائيل نفسها كما يعترف الكثير من الإسرائيليين بهمس. ان سلوكها في الواقع سيىء لليهود ايضاً، وما يحصل من هجوم على يهود الشتات، سببه ما ترتكبه إسرائيل وما تقوم به من اعمال. وإن من يعتقد بأن الجدار الالكتروني العازل، سيكون الحل فإنه يجهل خمسين سنة من التاريخ بل إن هذا الجدار، هومثل جدار برلين يعبر عن الافلاس الاخلاقي والقانوني. ومن هؤلاء يوئيل كوفل ،وهو أيضا يهودي من الولايات المتحدة الأمريكية ،وكان قد رشح نفسه لرئاسة الولايات المتحدة عن حزب الخضر، وهو من الناقدين لسياسة إسرائيل نحو الفلسطينيين ، وكان قد أصدر كتابا كاملا حول موضوع الدولة الواحدة عنوانه " التغلب على الصهيونية وإنشاء دولة ديمقراطية واحدة في فلسطين/ إسرائيل". ويرى المؤلف ضرورة تفكيك الصهيونية ، حيث تنشأ على أنقاضها دولة واحدة ديمقراطية علمانية للشعبين -وهو يؤكد على صفة العلمانية-. ويقول بأن مشروع إقامة دولة واحدة ليست فكرة طوباوية جاءت من عالم آخر" بل هي أمر ضروري من أجل برنامج عملي". ويقول إذا كان الغرض من فكرة الدولتين، ان تكون هناك دولتان حقيقيتان على الأرض، فهذا الحل قد قضي عليه. فلفترة ثمان وخمسين سنة وقضم الاراضي من قبل الصهيونية مستمر، وأصبحت فكرة الدولتين ببساطة غير ممكنة، وهو أمل كاذب، إذ أنه يبقي على اسرائيل كدولة معترف بها ، وعضو معترف به في المجتمع الدولي. ويقترح كوفل اسما لهذه الدولة التي يتخيلها وهو "فلسرائيل"، ويقول إن الإسم مكون من أربعة حروف من كل من الإسم فلسطين وإسرائيل،.وهولا يصر على هذا الإسم بل يترك الأمر للشعبين. ويؤكد أيضا على ضرورة عودة اللاجئين الفلسطينيين"لأن ذلك ضروري لإنهاء الدولة اليهودية ، وكونه حقا أساسيا من حقوق الإنسان في تقرير المصير"، وعندها يجب أن يكون اعتراف متبادل، حيث يتحمل الجانبان المسؤولية سوية، وأن يتخلي اليهود عن ادعاء التميز، (الإختيار)لان ادعاء اي جماعة بانهم شعب مختار من قبل الرب، وانه وعدهم بارض، يعني أنهم ليسوا جديرين بالإنسانية، بل ليسوا جديرين بأن يسموا عقلاء. ومن هؤلاء الذين يدعون إلى إقامة دولة واحدة، إيلان بابيه الأستاذ الجامعي الإسرائيلي الذي كان قد أعلن تخليه عن الصهيونية، بسبب ماتقوم به إسرائيل نحو الفلسطينيين، ونشر كتابا عن التطهير العرقي للفلسطينيين، الذي تقوم به الدولة. وتقول المؤلفة إن هناك الكثير من اليهود ممن يرفضون سياسة إسرائيل نحو الفلسطينيين ،ويتمنون أن تكون دولة واحدة للشعبين، بل هي تقول إن هذا الموقف هو السائد اليوم بين اليهود خارج إسرائيل، ولكن هؤلاء يخشون الإعلان عن رأيهم خوفا من اتهامهم من إسرائيل والمؤيدين لها، بانهم يشجعون العنف والعداء للسامية. وفي الأشهر القليلة الماضية ظهر تطور مهم حيث اضيف إلى هؤلاء مجموعة مهمة في إسرائيل، هي اللجنة ضد تهديم البيوت ،حيث وصلت إلى قناعة بأنه ليس هناك أمل في تحقيق حل الدولتين، ولذلك يجب أن تكون دولة واحدة للشعبين، وتقول اللجنة "يجب أن يتحقق شرطان في ذلك، وهما عودة اللاجئين الفلسطينيين طبقا لقرار الجمعية العامة 194، واعتراف إسرائيل بما اقترفته في حق الفلسطينيين في عام 1948 و1967. Parting Waysعنوان الكتاب Jewishness and the Critique of Zionism Judith Butler 2012 Columbia University Press بين إيلان بابيه والفيلسوف بندكت سبينوزا د.جعفر هادي حسن ايلان بابيه استاذ جامعي اسرائيلي معروف كان يُدرِس التاريخ في جامعة حيفا لسنين ، ولكنه اضطر لترك الجامعة والمجيئ إلى بريطانيا ليستقر فيها بسبب موقفه الناقد للصهيونية والمدافع عن الفلسطينيين .وقد عرف اسم ايلان بابيه منذ الثمانينات كأحد المؤرخين الجدد في إسرائيل ، الذين جاءوا برواية مختلفة عن الرواية الإسرائيلية الرسمية فيما يتعلق بحرب عام 48 واللاجئين الفلسطينيين بعد أن درسوا الأرشيف الإسرائيلي ونقبوا فيه . وعثروا على الكثير مما يناقض الرواية الإسرائيلية . وكان بابيه كما يذكر هو قد ربي على الفكر الصهيوني ، ونشأ في أحضانه كأي يهودي إسرائيلي، وكان كتاب هرتزل "دولة اليهود كتابه الأول"، ولم يكن يعرف عن القضية الفلسطينية أو معاناة الفلسطينيين شيئا، إلى أن أخذ يسمع من زملائه الطلاب العرب في المدرسة كلمة "نكبة" تتكررعلى مسامعه، والتي لم يكن قد سمعها من قبل. وكانت هذه بداية له في طريق طويل ومسار صعب في الصراع مع الإيدلوجية الصهيونية .وأخذ يتقفى تاريخ النكبة وبدايتها،فاطلع على ما جرى للفلسطينيين بسببها من كوارث أثارت مشاعره واهتمامه ، ثم بعد اطلاعه على أرشيف الدولة ، أصبح أكثر تفهما لهذه القضية ومعرفة بأبعادها واهتماما بها،واقتنع بأن مااصاب الفلسطينيين هو ظلم كبيرلابد من العمل على ازالته او التخفيف منه ، و أصبح مدافعا عن حق الفلسطينيين ، بل إنه بدأ يتخلى عن الصهيونية كما أشار إلى ذلك في كتابه الذي نشره في العام الماضي بعنوان Out of the Frame: The Struggle for Academic Freedom in Israel وهو يقصد من الجزء الأول من العنوان بأنه "خارج الإطار" الرسمي للدولة بآرائه ومواقفه. وهو يذكر أن تخليه عن الصهيونية وطلاقه لها كان عملية تطورية وتدريجية ، وكانت في الوقت نفسه كما يقول رحلة ثقافية وأيدلوجية وسياسية. وهو قد وصف الصهيونية في كتابه أعلاه بأنها أيدلوجية وفلسفة عنصرية ، واعتبر تخليه عنها وتركه لها تحررا منها ، واقتنع بأن ماتقوم به إسرائيل من اضطهاد للفلسطينين ، هو نتيجة طبيعية لهذه الأيدلوجية وهذه الفلسفة. ومن هذا المنطلق اعتقد بابيه بأن عليه مسؤولية أخلاقية في أن يكشف للناس حقيقتها وطبيعتها واهدافها ، وأن يكتب كذلك عن القضية الفلسطينية بغرض تعريف الناس بها واطلاعهم عليها . ومن هنا بدأ صراعه مع أبناء جلدته ، الذين رأوا فيما يقوله خروجا عن المألوف عندهم وشذوذا للمقبول لديهم. لذلك أخذ التهميش يطاله والناس تعزله وتضايقه، إلى حد أن نداءات تلفونية كانت تصله ، تشتمه وتحقره وتتهمه بخيانة بلده. . أما في الجامعة التي يفترض أن تكون الحياة فيها أكثر حرية وديمقراطية ، فقد عومل بطريقة لاتختلف عما عامله بها عامة الناس، إذ كانت تحاربه نفسيا وتحاصره إكاديميا. وهو يذكر بعض التفصيلات عن هذه المعاملة، ويقول إنه في البداية كان هناك تحمل لأرائه من قبل الجامعة والسماح له بالتعبير عنها "كي يقال للناس إن في إسرائيل ديمقراطية وأني النموذج لذلك ،ولكن الأساتذة في الوقت نفسه كانوا يطلبون مني سرا أن أجمل صورة إسرائيل أمام العالم". ولكن السماح له وغض النظر عنه والتهاون معه لم يستمر طويلا ، حيث بدأت بعد ذلك الحرب عليه في السر والعلن، وبدأ يسمع من زملائه الأساتذة اتهامات ونقدا مثل،إن من يتبنى الرواية الفلسطينية فإنه خائن لبلده، كما أطلقت عليه أوصاف كانت قد أطلقت على الذين تعاونوا مع النازيين ، وعملوا لهم وتجسسوا لحسابهم،ويقول إن إطلاق هذه الأوصاف في سياق التفكير الإسرائيلي يعني الدعوة إلى قتلي.. وأخذ زملاؤه يتفادون اللقاء به ويتحاشون الحديث معه ، كما كانوا يترددون في دعوته إلى الندوات والمؤتمرات، حتى في صلب اختصاصه. بل كانت موافقة الجامعة أو الكلية على عقد المؤتمر أو الندوة مشروطة بعدم دعوته ، بل وصل الأمر بالجامعة أن اقدمت على سحب شهادة أحد طلابه ،من الذين أشرف عليهم وأجازته الجامعة نفسها ، بحجة أن ماجاء فيها كان تزويرا للحقائق "بل وخيانة للبلد الذي هو في حالة حرب". ولأنه استمرينتقد ظلم الدولة للفلسطينيين ، وقهرها لهم ويعلن عن تأييده مقاطعة الجامعات الإسرائيلية، وجهت اليه الجامعة تهمة تشويه سمعتها ، والإساءة إلى مكانتها ، وطلبت من المحكمة النظر في أمر طرده منها .وبعد أن نشر ذلك في الإعلام تكونت لجنة من الأساتذة خارج إسرائيل للدفاع عنه ومساندته، وحثت اللجنة الآخرين على إرسال رسائل للجامعة للتعبيرعن سخطهم عليها ورفضهم لسلوكها.ولكن ذلك لم ينفع وأخذ الخناق يشدد عليه، ، فضاق به الأمر بعد سنوات من الصراع ، فاضطر لترك البلد ، والهجرة إلى بلد آخر (بريطانيا).وكان من نتائج تجربته المريرة هذه أن اقتنع كما يقول ، بأن إسرائيل ليس فيها ديمقراطية ، وأن من واجبه أن يفند مقولة أن إسرائيل هي الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط ، بل هو يرى ضرورة الكشف عن كذبها وزيفها ومن يقرأ كتاب إيلان بابيه، الذي يشبه سيرة ذاتية، يشعر بالحزن لما لاقاه وعاناه ، ولكن في الوقت نفسه يُكبر في الرجل شجاعته وتحديه للضغوط المستمرة والترهيب الشديد، بإرادة وإصرار دون خوف أو وجل، كما في التزامه بمبادئه وتمسكه بها . وقبل كتابه الذي ذكرناه ، كان قد نشر كتابا آخر بعنوان"التطهير العرقي في فلسطين". ولايسع الإنسان عندما يقرأ هذه السيرة إلا أن يتذكر ما حصل قبل أكثر من ثلاثة قرون لواحد من أبناء جلدته وأشهر فيلسوف أوربي في العصر الحديث ، وهو بندكت(باروخ) سبينوزا (ت1677م) الذي مر بتجربة لاتختلف كثيرا عن تجربة إيلان بابيه ،وهو كان قد توصل إلى آراء تخالف آراء المؤسسة الدينية اليهودية ، حيث أخذ ينتقد سيطرة الحاخامين على حياة الناس وفرض أفكارهم عليهم ن بعد بحث في تاريخ اليهود ودينهم ، ، فحاربه هؤلاء بسبب آرائه ،واتهموه بالكفر والمروق عن الدين ، وفرضوا عليه حصارا اجتماعيا حتى تحاشاه اليهود ، كالحال مع إيلان بابيه من خلال درسه للأرشيف الإسرائيلي ونقده للصهيونية في ضوء ما اكتشف ، حيث حاربته المؤسسة الرسمية. وكما أخذ الحاخامون يتسقطون أخبار سبينوزا ويتجسسون عليه ويتقفون أثاره،حيث جاء في بداية الفتوى التي أصدروها ضده "ونحن من خلال وسائل عدة حاولنا أن نقنعه بترك طريقته ، ولكننا لم نجد تغيرا نحو الأفضل في أفكاره الفاسدة والمنحرفة ، التي يعتنقها ويدَرسها وكذلك الأعمال المشينة التي ارتكبها، والتي كانت تصلنا معلومات عنها في كل يوم من شهود موثوقين.." كذلك أخذت الجامعة تتجسس على نشاطات بابيه ومحاضراته العامة ومايقول فيها.فقد جاء في نقد الجامعة له كما يذكر في كتابه " إنه مصر على الإساءة إلى الجامعة ومؤسساتها كتابة،وفي محاضراته العامة ، ونحن نتسلم بين فترة وأخرى رددودا من زملائه ، الذين يستغربون من سلوك بابيه هذا، وهو أستاذ في الجامعة على الملاك الدائم ، وفي فترة قريبة سابقة تسلمنا رد فعل عاطفي وغاضب على محاضرة في أمريكا، حيث انتقد الجامعة ودولة إسرائيل بشدة". وكما أفتى الحاخامون بحرمان سبينوزا وطرده من اليهودية حيث جاء في الفتوى التي أصدروها "لذلك قررنا وبمصادقة حاخامينا ان المذكور يطرد ويعزل من بيت اسرائيل...." كذلك طلبت الجامعة من المحكمة، الحكم على بابيه- وإن لم تتمكن من تحقيقه- حيث جاء في طلبها" ان يحاكم الدكتور ايلان بابيه على الجرائم ، التي ارتكبها وان تستعمل قوانين المحكمة بشكل كامل لطرده من الجامعة". وعندما صدرت الفتوى في حق سبينوزا لم يكترث ولم يهتم بها، بل ازداد دفاعه قوة عن آرائه حيث أصدر كتبا تضم آراءه، مثل كتابه "في الدين والسياسة"، تماما كما فعل إيلان بابيه ويفعل فهو مازال يكتب ويؤلف كما هو معروف. وكما ضُرب طوق من العزلة على سبينوزا حيث جاء عنه في فتوى الحاخامين نفسها "ولايجوز لأحد ان يتصل به بشكل مباشر اوبواسطة الكتابة او يزامله ، او يريه اي نوع من الرحمة ، او يقرأ مؤلفاته مطبوعة او مخطوطة...."، ضُرب مثله على بابيه كما ذكرنا .وكما لم يتجرأ أحد من اليهود على نقد الطرد الذي صدر في حق سبينوزا في حينها، كذلك الحال نفسه مع إيلان بابيه فهو يقول عن ذلك "ومع كل ماقامت به الجامعة من عزل نحوي، لم ينبر أحد من الجامعيين في الدفاع عني". وقد ذكر أيضا أن سبينوزا هدد بالقتل بطعنة سكين ، في محاولة للتخلص منه كما هدد بالقتل إيلان بابيه حيث يذكر ذلك نفسه في كتابه "خارج الإطار.."، بأن تهديده بالقتل كان بالرسائل العادية ، ومرة بالبريد الإلكتروني وأخرى بالمكالمات التلفونية . كذلك اضطر كلاهما إلى الهجرة إلى مكان آخر بسبب المعاملة من أبناء جلدتهما ،فقد اضطرسبينوزا إلى الهجرة إلى مدينة أخرى في هولندا ، وإيلان بابيه إلى دولة أخرى .والفرق بين الحالتين ، أن سبينوزا حاربته المؤسسة الدينية واتهمته بالمروق عن الديانة اليهودية ، وإيلان بابيه حاربته المؤسسة العلمانية، واتهمته بالمروق عن الأيدلوجية الصهيونية وكلاهما إرهاب فكري. هل الصهيونية تمر بأزمة؟ د.جعفر هادي حسن يدور نقاش منذ سنوات بين اليهود حول الصهيونية، فيما إذا كان من الضروري اليوم التمسك بها، أو التخلي عنها. فالبعض منهم يرى أنها لم تعد تصلح لهذا العصر، وانها انتهت وفقدت صلاحيتها، وأننا نعيش اليوم عصر مابعد الصهيونية. ويرى جدعون ليفي الصحفي الإسرائيلي المعروف، في مقالة له عنها، انه قد حان وقت تقاعدها منذ فترة طويلة، ويجب أن تبدل بشئ أكثر حيوية وشبابا وصلاحية لعصرنا هذا. بينما يرى بيتر بينرت وهو أستاذ جامعي من اليهود الأمريكيين ومؤلف كتاب " أزمة الصهيونية" ، بأن الصهيونية في الوقت الحاضر تمر في أزمة، ولذلك عنون كتابه بالعنوان المذكور. وهذه الأزمة في رأيه تتجسد في عقر دار الصهيونية، إسرائيل، حيث كان المؤسسون لهذه الدولة قد أعلنوا عند إنشائها، أنها ستكون ديمقراطية، تعامل كل الناس في فلسطين على قدم المساواة، مع غض النظر عن العرق واللون والدين، ولكن ليس هناك اليوم شيئ من ذلك، والسبب الرئيس لهذا،كما يقول هو سياسات إسرائيل، ومن يؤيدها من اليهود، بخاصة يهود الولايات المتحدة. ففي قلب المشروع الصهيوني تتدافع فكرتان، فكرة أن تكون الدولة ديمقراطية ليبرالية والأخرى أن تكون دولة يهودية، وهي إلى اليوم لم تنجح في التغلب على هذا الصراع، واذا فشلت في الاختبار فإنها ستنتهي أن تكون دولة يهودية، وتفشل أن تكون دولة ديمقراطية. ومن أهم مظاهر هذه الأزمة كما يقول، هو ماتقوم به إسرائيل من اضطهاد وتفرقة عنصرية نحوالفلسطينيين، والذي وثقته حتى منظمات حقوق الإنسان الإسرائيلية، مثل "يش دين" و"بتسلم"، حيث أصبحت الأزمة تتفاقم ، بل إن اضطهاد إسرائيل قد طال حتى اليهود الإسرائيليين أنفسهم، ممن يقول كلمة إنصاف في حق الفلسطينيين، وينتقد سياسة الحكومة الإسرائيلية، حيث توجه لهم أصابع الإتهام بالخيانة. وكادت الدولة أن تشرع قانونا في العام الماضي يقيد تحركاتهم ويضيق على اتصالاتهم، وعلى مصادر تمويلهم، ولكن الضغط الدولي هو الذي أفشل ذلك .( وأعيد تقديم القانون إلى الكنيست من قبل بعض أعضاء الأحزاب اليمينية هذه السنة، وهو قيد المناقشة في الوقت الحاضر). وما تتشدق به إسرائيل من ادعاء الديمقراطية، أخذ يتآكل يوما بعد يوم، كما يقول المؤلف ،وأن هذه الأزمة تتعمق في حكم نتنياهو، وتزداد شدة وحدة بسبب سياسته. ويرى المؤلف بأن يهود الولايات المتحدة، يساهمون في هذه الأزمة ،وهم يستغلون المذبحة النازية لليهود، كاحدى الوسائل المؤثرة للدفاع عنها، وقد اتهمهم أرنولد وولف مؤسس إحدى المنظمات اليهودية، بأنهم بهذا يشجعون صهيونية ترى الإنسانية كلها عدوا لليهود. كما أن يهود الولايات المتحدة متفقون على أن لاينتقدوا إسرائيل علنا، وأحد مبرراتهم لذلك هو أنهم لايعيشون في إسرائيل. ويرد مؤلف الكتاب عليهم بأن هذا كلام غير منطقي، لأنهم ينتقدون الفلسطينيين مع أنهم لايعيشون في الأراضي المحتلة، فهم لا يعرفون مايجري هناك، ولا كيف تتصرف إسرائيل مع الفلسطينيين، ويصرون على أن لايروا شيئا من هذا الذي يحدث، إذ من النادر أن يذهب أحدهم إلى هناك . ويرى أيضا أن إعطاء الحقوق للفلسطينيين داخل اسرائيل ليس كافيا بل يجب أيضا لفك الازمة، إرضاء سكان الأراضي المحتلة، وتحقيق طموحهم الوطني، بأن تكون لهم دولتهم الخاصة،على الرغم من أن حل الدولتين يعطي 78% لإسرائيل من فلسطين التاريخية و22% للفلسطينيين. ولو كان مؤسسو إسرائيل، الذين قبلوا ب55% في حينها، أحياء اليوم، لرقصوا فرحا ولغمرتهم السعادة والغبطة بهذا الحل. وهو يعجب من المسؤولين في إسرائيل، الذين يحتجون على عزلتهم، على رغم أن الدولة ديمقراطية كما يقولون، ولكنهم هم أنفسهم يقومون بتدمير هذه الديمقراطية. ويقول "نحن(اليهود) نقول لأنفسنا، إن إسرائيل ديمقراطية ،ولكن في الأراضي المحتلة توجد أثنوقراطية ،وهو المكان الذي يتمتع فيه اليهود بالمواطنة، بينما لايتمتع الفلسطينيون بها. ونقول لأنفسنا إن الإحتلال موقت، ولكنه استمر لأكثر من أربعين سنة، اكثر من ثلثي عمر الدولة ، ونقول لأنفسنا إن إسرائيل ليست راغبة بالإحتفاظ بالأراضي المحتلة، ولكنها ساعدت مئات الالاف من اليهود على السكن في هذه الأراضي، وانشأت بنية تحتية هناك من شوارع ومدارس ونظام تلفون وشبكة كهربائية (بل حتى جامعة)، وهي تعامل المستوطنين على قدم المساواة،مع اليهود في إسرائيل، إلى غير ذلك من حقائق مؤلمة تجاهلناها خلال اربع واربعين سنة من الاحتلال، وقد خلقت هذه أزمة للصهيونية، تكاد تعصف بالدولة. وهي بالتأكيد ستعصف بها وتنهيها، عندما لايبقى هناك مجال لإنشاء دولة للفلسطينيين. و إذا ما حصل هذا، فإنه سيكون فشلا لليهود جميعا، أينما كانوا وسيظلون حينها ينشغلون في البحث بين الركام، بقية أعمارهم عن الأسباب الأخلاقية والدينية والسياسية، التي أدت إلى ذلك". ويقول المؤلف إن يهود الولايات المتحدة، يجب أن يواجهوا نتائج الحقيقة المهولة، وهي أن هذه الدولة قد لا يبقى لها وجود في عصرنا ،وقد لايكون هذا بعيدا. ويقول انه بسبب ذلك هناك دعوات من بعض الفلسطينيين واليهود لانشاء دولة واحدة، بدل دولتين. والمؤلف من الداعين إلى مقاطعة منتجات المستوطنات، وهو مايدعو له بعض الإسرائيليين داخل إسرائيل، كطريقة للضغط على الحكومة ،ويقول إن هذه المقاطعة أخذت تؤتي أكلها، فبعض الشركات في الضفة الغربية قدأغلقت، وبعضها ترك الأراضي المحتلة، وذهبت إلى داخل إسرائيل.