الفكرة المسيحانية في اليهودية

                           د.جعفر هادي حسن

فكرة الإيمان بالمسيح المخلص تضرب عميقاً في تراث اليهود وأدبياتهم حتى أنَّ صلواتهم مليئة بالإشارات إلى الأمل المسيحاني وانتظار المسيح والتطلع إليه.. وقد أعطيت هذه الفكرة أهمية خاصة بعد أن أصبح الإيمان بالمسيح المخلص وظهوره من أُصول المعتقدات اليهودية الثلاثة عشر التي وضعها الفقيه والفيلسوف اليهودي موسى بن ميمون (ت 1204م) التي يجب على اليهودي الإيمان بها.

وعلى الرغم من أنَّ المسيح المخلِّص غير مذكور بشكل صريح في التوراة إلاَّ أنَّ هناك إشارات له ولعصره في بعض أسفارها. كما أنَّ بحث هذه الفكرة عند اليهود والخوض في تفصيلاتها أضفيا على المسيح المخلِّص أوصافاً معينة يتميز بها عن بقية البشر ويختلف فيها عنهم. فقد قالوا إنَّه يجب أن يكون من نسل النبي داوود وأن يكون قاضياً ومعلِّماً للتوراة كما يجب أن يكون نبيّاً بل أفضل الأنبياء بعد موسى، وأنَّ ولادته يجب أن تكون في اليوم التاسع من آب طبقاً للتقويم العبري. ثم لا بدَّ أن تكون هناك موطئات لظهوره وعلامات ذكروها وناقشوها في أدبياتهم. وقبل ظهوره لا بدَّ أن يظهر النبي الياهو بفترة قصيرة يعلن عن ذلك. كما يجب أن يظهر قبله مسيح آخر اسمه المسيح ابن يوسف من قبيلة أفرايم (بن يوسف) موطئاً وممهّداً ويخوض حروباً حيث يسقط في آخرها صريعاً على أبواب أورشليم. وسيقود المخلص اليهود منتصراً ويأخذهم إلى فلسطين حيث سيحكم العالم منها وتخدمه الأُمم والشعوب. وطبقاً لما يذكره اليهود فإنَّ العصر المسيحاني سيكون عصراً ذهبياً تنعدم فيه المجاعة والحروب والصراعات بين الناس وتعمُّ الرفاهية والسعادة ويزول الحزن والأمراض من بينهم بل وتطول أعمارهم ومن يموت وعمره مائة يعتبر صغيراً كما جاء في سفر اشعيا 65/19 ـ 20 «لا يموت هناك من بعد طفل أيام ولا شيخ لم يستكمل أيامه لأنَّ صغير السِّن يموت وهو ابن مائة سنة والذي يموت دون مائة فإنَّه ملعون» وتذكر الأدبيات المسيحانية أن هذه الفترة ستطول لألفي سنة قبل حلول يوم القيامة.

وبسبب سيطرة الفكرة المسيحانية على تفكير اليهود خاصة بعد تهديم الهيكل اليهودي فقد كانت هناك محاولات لمعرفة العصر أو الفترة وحتى السنة التي يظهر فيها على الرغم من منع التّلمود من ذلك وتحذير اليهود منه. وكانت بعض هذه المحاولات تعتمد على تفسير بعض العبارات الواردة في أسفار التوراة كتلك التي وردت في سفر دانيال خاصة في الإصحاح السابع والتاسع منه، وكذلك على النصوص التي تشير إلى المستقبل والعصر المسيحاني. وبعض اليهود حاول معرفة زمن الظهور في ضوء الفترة التي قضاها اليهود في مصر وفي بابل لاستنتاج طول فترة الشتات بعد تهديم الهيكل. وحاول البعض معرفة ذلك عن طريق إعطاء الحروف قيمها العددية التي تسمى جمتريا أو على تأويلات باطنية أو حسابات فلكية. وآخرون حاولوا طرقاً أُخرى للتعجيل بظهوره كاستعمال السحر أو الإغراق في اقتراف الذُّنوب أو اللجوء إلى ما يُسمَّى بالقبلاه العملية. فقد حاول عن طريقها الحاخام المعروف جوزف دلا رينا من صفد ـ في القرن الخامس عشر الميلادي ـ هو وخمسة من تلامذته التعجيل بظهور المخلِّص وأخذوا يصومون ويصلون لفترات طويلة كما أخذوا يعذبون أنفسهم من أجل أن يغفر لهم ـ كما اعتقدوا ـ ولم يتوقفوا عن ذكر الله وأسمائه. كما ذهبوا إلى قبر الحاخام شمعون بن يوحاي الذي يعتبره أتباع القبلاه من القديسين والأولياء للتبرك به وقراءة كتاب الزهر عنده والتأمُّل بمعانيه وما فيها من إشارات ودلالات. وظلوا على هذه الحال لفترة ولكن المخلص لم يظهر ولم يَبِن له أثر. فيئس الحاخام وتلامذته وكان من نتيجة ذلك أن ارتد عن اليهودية وأصبح ملعوناً عند اليهود مستحقاً للعذاب وتحكى عنه القصص في التراث الشعبي اليهودي.

أما بعض الحسيديم فقد قرروا أن يجبروا المخلِّص على الظهور بطريقة غريبة لا يعرفها الناس وذلك بأن ألزموا أنفسهم وهم أحياء أن يرفضوا صعود أرواحهم إلى السَّماء بعد مماتهم ـ وصعود أرواحهم إلى السَّماء كما يعتقدون هو حق طبيعي لهم لا منَّة لأحد فيه عليهم ـ وبما أنَّ رفضهم هذا يخل بنظام الكون ـ طبقاً لمعتقدهم ـ وهذا الخلل لا يصلحه إلاَّ المسيح المخلص فحينئذٍ لا بدَّ له من الظهور. أما لماذا لم يظهر المخلص حتى مع استعمال هذه الطريقة فإنَّ هؤلاء أعطوا أسباباً وتفسيرات لا يفهمها أحد إلاَّ هم ولسنا معنيين بالحديث عنها هنا.

ولمَّا كانت الحسابات والتنبؤات والطرق الأُخرى لا ينتج عنها شيء فإنَّ أسباباً ومبررات كانت تعطى لذلك. فمثلاً كان المعتقد عند اليهود أنَّ المخلص كان سيظهر في عام 240م ولمّا لم يظهر كان التبرير أنَّ ذنوب الناس منعته من الظهور.

وعندما لم يتحقق ما تنبأ به الحاخام سعديا الفيومي عن سنة الظهور (وقد كانت بين 950 و1010م) جاء بعده من يعتذر له ويقول بأنَّ سعديا قال ذلك من أجل أن يقوّي من عقيدة اليهود ويرفع من معنوياتهم. ولما لم يتحقق ظهور المخلص عام 1096م كما تنبأوا به بل كانت تلك السنة سنة بلاء صبَّه الصليبيون على اليهود حتى قال أحد مؤرخي اليهود: لقد توقعنا أن تأتي (هذه السنة) بالخلاص والراحة طبقاً لنبوءة إرميا ولكنها تحولت إلى سنة حزن وندب».

قالوا بأنَّ ما حدث كان إرهصات لسنة الظهور إلى غير ذلك من أسباب ومبررات.

وللسبب نفسه ـ أي سيطرة فكرة المسيحانية على اليهود ـ ادعى الكثير من اليهود بأنَّهم المسيح المخلص أو الممهدون له وكانت بعض الظروف الخاصة كالاضطرابات العالمية والنكبات التي تصيب اليهود تدفع بهؤلاء إلى هذا الادعاء.

وشبتاي صبي مؤسـس فرقة الدونمه كان واحداً من هؤلاء الذين ادعوا ذلك ولكن الفرق بينه وبين الذين سبقوه أو جاءوا من بعده أنَّ حركته كانت من أوسع الحركات المسيحانية انتشاراً وأبعدها تأثيراً وأكثرها استمراراً وبقاءً في تاريخ اليهودية حيث ما زال عشرات الآلاف من أتباعه والمؤمنين به موجودين إلى يومنا هذا