تدمير دمشق في الفكر المسيحي الصهيوني

  د.جعفر هادي حسن من المعروف أن الفكر الديني المسيحي الصهيوني، يعتمد كثيرا على نبوءات الكتاب المقدس(العهد ين القديم والجديد)، بل إن أفكاره الرئيسة وضعت أصلا على هذا الأساس، ومنها دعم إسرائيل والدفاع عن سياستها والمساهمة في تنفيذ مشاريعها وتحقيق أجندتها،ومحاربة أعدائها. ومن وجهة نظرهؤلاء، أن بعض هذه النبوءات قد تحقق،بينما البعض الآخر في طريقه إلى التحقق ، قبل أن يظهر المسيح عيسى مرة أخرى طبقا لخطة إلهية كما يقولون،والتي عرضوها ويعرضونها في مئات من مؤلفاتهم التي بيع من بعضها الملايين،مثل بعض كتب "هال لندسي" ،و"تم لاهي". وهم يرون في بعض الاحداث المهمة التي حدثت، مثل الحادي عشر من سبتمبر وتسونامي أندنوسيا واحتلال العراق وأفغانستان وغيرها، أنها جزء من هذه الخطة الإلهية. وعندما حدثت الإنتفاضات في العالم العربي، وجدوا فيها تحقيقا لبعض هذه النبوءات، وانها تحدث ضمن الخطة المذكورة، ولكن ما أفرحهم أكثر وزاد من ثقتهم وبشروا به أتباعهم، هو ما يحدث في سوريا،لأن نبوءة في سفر إشعيا، تتعلق بدمشق قد وردت في 17-1 منه بالنص التالي قول (نبوءة) على دمشق "ها إن دمشق تُزال من بين المدن، فتكون ركاما من الأنقاض" وهم يؤكدون أن هذه النبوءة تشير إلى مايحدث في يومنا هذا، وأنها ستتحق، وأن دمشق ستدمر بل وتفنى وتصبح ركاما، كما ورد على لسان النبي اشعيا ،وهم يزفون البشرى لأتباعهم بذلك ويطلبون منهم متابعة المعارك في سوريا، والإهتمام بها، والتفاعل معها، ولذلك هناك حصة كبيرة لأخبارهذه المعارك، التي تدور في سوريا في وسائل إعلامهم ومواقعهم الإلكترونية، التي تعد بالمئات في الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها .وهم لايهتمون فيمن يأتي بعد بشار الأسد من إسلاميين وسلفيين أو تكفيريين أو غيرهم، إذ أن المهم عندهم هو تحقيق هذه النبوءة بأي ثمن، وإثبات أن نبوءات الكتاب المقدس تتحقق كما يقولون، لتكون لهم مصداقية أمام أتباعهم. ومنذ أن بدأت الأحداث في سوريا، أخذوا يمارسون الضغط -عن طريق الكونغرس وغيره من المؤسسات الأخرى- على إدارة الولايات المتحدة، للتدخل في الحرب الدائرة ومساعدة المعارضة بالسلاح، بل إن هؤلاء يحرضون إسرائيل على ضرب سوريا ودمشق خاصة، وربما كانت المساعدات الأمريكية منذ بدء المعارك وإلى اليوم ،استجابة لذلك التحريض، مع غض النظر عما تعطيه الولايات المتحدة الأمريكية من تبرير .وما يتصل بهذا الموضوع مباشرة ،صدور رواية في العام الماضي في هذا البلد، بعنوان "دمشق العد التنازلي" ل" يوئيل روزنبرغ" يصل عدد صفحاتها إلى مايقرب من خمسمائة، وفصولها أكثر من خمسين فصلا.وفيها تفاصيل ليس عما يحدث لسوريا فقط، بل لإيران وإسرائيل أيضا، حيث يستعمل السلاح الذري.وكان هذا المؤلف قد أصدر عددا من الروايات قبل هذه تتعلق بنبوءات الكتاب المقدس وعلاقتها بأحداث العصر الحالية،وبسبب هذه الروايات أصبح هذا الشخص نجما معروفا وخبيرا في هذه الأمور يدعي دائما للظهور على شاشات التلفزيون والحديث عن هذه الأمور وتحليلها واعطاء رأيه فيها .وهو قد ذكر أنه خلال حرب إسرائيل على حزب الله عام 2006 أجريت معه ستين مقابلة خلال أسبوعين.وذكر أيضا أنه في فترة رئاسة بوش الإبن،كان يدعى إلى البيت الأبيض،ليحاضر على موظفيه. ويقول أن أحد الموظفين من هؤلاء اخبره مرة ،بأن الكثير من الموظفين (في البيت الأبيض) يقرأون رواياته وأنهم معجبون بها. ويذكر المؤلف أن أحد أعضاء الكونغرس المهمين،طلب الإجتماع به مرة، وهو اعتقد أن موضوع اللقاء سيكون عن احتمال ضرب إسرائيل لإيران،ولكنه كما يقول تفاجأ بأن سأله عضو الكونغرس عن طبيعة نبوءة اشعيا، التي تتعلق بدمشق، ويقول المؤلف إنهما تحدثنا لفترة ساعة عن الاحتمالات التي قد تحدث في ضوء الأحداث في الشرق الأوسط .ولاهتمام المؤلف بهذا الموضوع فإن له موقعا خاصا بسوريا وما يحدث فيها والتطورات التي تمر بها، وهو يقول إنه يتابع الأحداث في سوريا عن قرب. وهذه الرواية هي آخر رواياته،وكل رواياته أو أغلبها هي عن النبوءات التي جاءت في الكتاب المقدس فيما يفترض أنه يخص عصرنا كما اشرت.ويرى مسيحيون كثيرون، ممن يرفضون تفسير هذه النبوءات بالطريقة التي ينهجها المسيحيون الصهيونيون،-ويوجد بعض هذا على مواقع في الإنترنت- إن النبوءة على دمشق، هي حدث كان قد حدث،إذ أن هذه المدينة كانت قد هوجمت في الماضي من قبل الملك الأشوري، تغلت فلسر الثالث وهزمت حيث أزال الدولة الآرامية فيها حدود 732قم (وهي الفترة التي قضى فيها أيضا على السامرة(إسرائيل) ) ، كما هو مسجل في حولياتهم. وعليه- يقول هؤلاء- يكون حديث النبي اشعيا عن حدث قد وقع وليس عن حدث سيقع . ولكن المسيحيين الصهيونيين يرفضون هذا الرأي بإصرار ،ويقولون إن دمشق لم تدمر بشكل كامل في تلك الفترة، ولذلك تكون النبوءة للحاضر والمستقبل، وليس للماضي، إذ أن هذه النبوءة تؤكد كما يقولون،على تدميرها بالكامل ،حيث تصبح أثرا بعد عين ،بل ولاتصلح للسكن مرة أخرى.وهذا النقاش يدور اليوم على بعض مواقع الإنترنت .وهناك قضية أخرى يناقشها هؤلاء في هذا السياق،وهي وسيلة التدمير وطرقه، لأن طبيعة التدمير لم تذكر ولم يشر إليها في النص التوراتي .ومن وسائل التدمير التي يناقشونها، فكرة احتمال استعمال السلاح النووي ،ويقولون إن من عنده القدرة والإمكانية والجرأة لذلك والذي له المصلحة، هم الإسرائيليون. ثم أخذوا يناقشون تفصيلات هذا الموضوع حول ما إذا كان ذلك بالقاء قنبلة كبيرة واحدة، أو عدد من القنابل الذرية الصغيرة. وهم يريدون في حالة حدوث هذا الأمر بهذا السلاح، أن يكون الإنفجار على الأرض، وليس في الجو كما في حالة هيروشيما ونكازاكي ، حيث تأهلت المدينتان بعد ذلك كما هو معروف. إذ الهدف من التدمير هو أن تصبح دمشق-المدينة التي تعتبر من أقدم مدن العالم التي سكنها الإنسان-غير قابلة للسكنى مرة اخرى، طبقا لما يفهمونه من النبوءة ،وكما يريدونها أن تكون. وليس من الغريب أن لايفكر هؤلاء،بالعدد الهائل من الناس الذين يموتون، ولا بالأذى الذي يصيب من يبقى على قيد الحياة،ولا لما يحدث للبيئة من تدمير إذا تحقق مايريدون،فهذه المسائل بالنسبة لهم تفصيلات صغيرة هامشية، ليست بذات أهمية أمام تحقيق النبوءة ،ولذلك لاتذكر في نقاشاتهم هذه سوى قولهم أنهم يأسفون لما يحدث للناس والبيئة.ولا أدل على ذلك من قول هال لندسي-أحد أشهر منظريهم- "إن تدمير دمشق لايعني نهاية البشر الآخرين، ولكنه يقرب العالم من المواجهة(الأرمغدون)"(وهي المعركة التي ينتظرونها بفارغ الصبر والمهووسون بها).وطبقا لهذا الواقع فإن العالم اليوم لا يواجه خطر التكفيريين والظلاميين حسب ،بل يواجه خطر هؤلاء وأفكارهم التدميرية،وهؤلاء مثل أولئك تماما يدمرون البلدان ويقتلون البشر باسم الدين والدين منهم براء . 

نظرة المسيحيين الصهيونيين الى الكوارث�تسونامي نموذجا  د.جعفر هادي حسن

بادرت الدول والمنظمات الإنسانية لمدّ يد المساعدة للبلدان التي تضررت بكارثة تسونامي الرهيبة التي أحدثت دماراً هائلاً ومروعاً لم يحدث شبيهه في التاريخ القريب . وعلى رغم أن الكثير من هذه المنظمات هي منظمات مسيحية، إلا أنه لم تكن بينها منظمات للمسيحيين الصهيونيين طبقاً لما ذكره الكاتب بل بركوفتيش الذي أجرى مسحاً على أهم مواقع الانترنت وأوسعها لهذه المنظمات. وقد نشر الكاتب مقالة عن هذا الموضوع على الانترنت بعد حدوث الكارثة مباشرة انتقد فيها أصحاب هذه المواقع على تجاهلهم لهذه الكارثة ذات النتائج المروعة، كما انتقدهم على استمرارهم فقط في ذكر الأخبار الخاصة بهذه المنظمات وكأنه لا عين رأت ولا أذن سمعت وقال الكاتب" ليس هناك أي موقع من هذه المواقع يطلب المساعدة لضحايا كارثة تسونامي، بل هناك ذكر للدمار الذي حدث في جنوب آسيا ولا توجد عناوين رئيسة حول القتلى والجرحى، كما لا توجد نداءات مستعجلة للتبرع أو أرقام تلفونات يتصل بها الناس، كما لا يوجد ربط بمواقع المنظمات التي تجمع المساعدات أو توفرها للضحايا. واعتبر الكاتب هذا الإهمال مناقضاً لادعاء هذه المنظمات بالدفاع عن القضايا الأخلاقية وتبنيها لها، بل واتهمها بعدم الرحمة وغياب القيم عنها" ولكن هذا لا يبدو غريباً لمن يعرف الفكر الديني الذي يتبناه هؤلاء، فهم في الواقع يرحبون بحدوث مثل هذه الكوارث، بل ويفرحون بها لأنها تشيرفي رأيهم إلى قرب ظهور المسيح عيسى مرة أخرى والذي ينتظرونه بفارغ الصبر فهي علامات على الظهور. وكلما كثرت هذه الكوارث وضخم حجمها وتسارعت وتيرتها، كلما أصبح هذا الظهور قاب قوسين أو أدنى كما يقولون. إذ أن هذا الجيل، طبقاً لهال لندسي صاحب أشهر كتاب واسع الإنتشار بين المسيحيين الصهيونيين، هو آخر جيل قبل الظهور. ويقولون ان كارثة تسونامي وما صاحبها وتلاها هي إحدى الكوارث الكبرى التي أشار إليها الكتاب المقدس وإن لم ينص على اسمها . ومن نصوص الكتاب المقدس التي استدلوا بها ما جاء في انجيل لوقا 21/25-32 "وستظهر علامات في الشمس والقمر والنجوم وينال الأمم كرب في الأرض ورهبة من عجيج البحر وأمواجه. وستزهق نفوس الناس من الخوف، ومن توقع ما ينزل في العالم؛ لأن أجرام السماء تتزعزع وحينئذ يرى الناس ابن الإنسان آتياً في الغمام في تمام العزة والجلال. وإذا أخذت هذه الأمور تحدث فانتصبوا قائمين وارفعوا رؤوسكم لأن افتداءكم قد قرب" وانني لأتخيل هؤلاء يجادلون بما رأوه ورآه الناس على شاشات التلفزيون من بحر هائج يرعد ويزبد ويدمر ومن مدّ جارف وأمواج عاتية تكتسح كل ما يقف أمامها ومن يقف أمامها من أناس خائفين مرعوبين وعاجزين عن القيام بعمل أي شيء ينقذون به أنفسهم وما يملكون، وما تناقلته الأخبار عن خوف هؤلاء من ركوب البحر، وترددهم في المغامرة فيه، فيقارنون ذلك بعبارة الانجيل: �وينال الأمم كرب في الأرض ورهبة من عجيج البحر وأمواجه وستزهق نفوس الناس من الخوف ومن توقع ما ينزل في العالم�. بل، ربما أتخيلهم يستدلون على "تزعزع أجرام السماء" بما ذكره رئيس المعهد الوطني الإيطالي الجيوفيزيائي من أن شدة قوة البركان قد جعلت الأرض ترتج ويتأثر دورانها . ولأن هؤلاء ينظرون إلى هذه الكوارث نظرة ايجابية لكونها تعجل بظهور المسيح عيسى، فإنهم لا يهتمون بموضوع الاحتباس الحراري في الكرة الأرضية، ولا بموضوع الحفاظ على البيئة أو المصادر الطبيعية. وقد عبّر عن ذلك صراحة جيمس وات، أول وزير للداخلية أثناء رئاسة رونالد ريغان، عندما قال في جلسة أمام إحدى لجان الكونغرس: "إن الحفاظ على المصادر الطبيعية غير مهم لسبب الرجوع الثاني القريب للمسيح عيسى، فالرب قد سخر لنا هذه الأشياء لنستفيد منها وهو سيرجع عندما تُقطع آخر شجرة" ثم يقولون لماذا نهتم بالأرض عندما تكون المجاعة والفيضان والطاعون التي تحدث بسبب تأثر البيئة علامات أخبر عن حدوثها الكتاب المقدس؟ ولماذا الاهتمام بتغيّر المناخ الذي يحدث في الكرة الأرضية بينما سنُنقد (من قبل المسيح)؟ ولماذا نفكر بإبدال الطاقة النفطية بالطاقة الشمسية بينما سيقوم المسيح بعمل المعجزات كما في معجزة الخبز والسمك ويوفر بليون برميل من النفط الخفيف في لحظة بل قبل أن يرتدّ طرف الإنسان إليه (والمعجزة التي يذكرها هؤلاء قد وردت في انجيل متى 14/17-21 حيث أطعم المسيح عيسى بخمسة أرغفة خبز وسمكتين خمسة آلاف رجل عدا الأطفال والنساء . وهم يدعمون نظرتهم هذه إلى البيئة بما ورد في سفر التكوين 1/27: �فخلق الله الإنسان على صورته، وعلى صورة الله خلقه ذكراً وانثى، خلقهم وباركهم وقال لهم أنموا واكثروا واملأوا الأرض واخضعوها وتسلطوا على أسماك البحر وطيور السماء وكل حيوان يدب على الأرض�. فهذا النص قد جعل الإنسان سيد الطبيعة يستغل مواردها بحرية لا حدود لها كما أمر أن يتكاثر ويملأ الأرض من دون تحديد للنسل . وقد اصبحت نظرة هؤلاء الى قضية الحفاظ على البيئة نظرة سلبية بعدما كانت لا مبالية، واخذوا ينتقدون الداعين الى الحفاظ على البيئة ويشهّرون بهم لأن لهؤلاء اعضاء كثيرين في الكونغرس الاميركي، وبعض هؤلاء ذوو تأثير على قرارات لجنة البيئة فيه مثل جيمس آنهوفي الذي كثيراً ما يكون صاحب التأثير لموقعه ومسؤوليته فيها. فقد تأثرت سياسة الولايات المتحدة في هذا المجال بسبب ذلك، ورفضت التوقيع على بعض الاتفاقات المتعلقة بالبيئة كما هو معروف. وأخذ هذا العضو يصرح بإنكاره للاحتباس الحراري الذي قال عنه �انه اكبر خدعة مُرّرت على الشعب الاميركي�. وقارن التخويف منه بالتخويف من تصاعد برودة الأرض الذي قال به بعض علماء البيئة في السبعينات من القرن الماضي والتي لم تثبت صحته. وهومعروف بإيمانه بالتفسيرالحرفي للكتاب المقدسً ومعروف بقوله: "إنني مؤمن بأنه ليس هناك أي قضية تناقشها الحكومة لم يذكرها الكتاب المقدس" وجيري فلول المسيحي الصهيوني الأشهر مثل عضو الكونغرس المذكور يرفض ايضاً تصديق التصاعد في حرارة الأرض ويردد كلامه، فهو قال في مقابلة مع شبكة �سي.ان.ان� التلفزيونية: "لقد كانت(كما قالوا) زيادة برودة الكرة الأرضية قبل ثلاثين سنة واليوم (يقولون) بزيادة حرارتها... وفي الحقيقة فإنه ليس هناك احتباس حراري".وقال حديثا إن نشاط البيئيين إنما هو لتحويل الإنتباه عن قضايا الكنيسة الرئيسية.كما أن نظرتهم إلى المعاناة البشرية فيها الكثير من اللامبالاة وعدم الإهتمام .والحروب في نظرهم هي من علامات الظهور وهم لا يحاولون إيقافها ولايشجعون الناس على تحقيق السلام لأن السلام في رأيهم لايتحقق قبل رجوع المسيح.وأن الدعوة اليه بعة وهرطقة وقد أشار إلى ذلك الواعظ التلفزيوني جم روبيرسون إذ قال "لن يكون سلام حتى ظهور المخلص وكل دعوة إلى السلام قبل رجوعه هي بدعة وهرطقة ومخالفة لكلمة الله وهي أيضا ضد المسيح"وقال بات روبرتسون وهو أيضا واعظ تلفزيوني شهير"إن الأمور في المجتمع يجب أن تسير نحو ألأسوأ وليس إلى ألأحسن،وأن المسيحيين يجب أن يعملوا على عدم تأخير رجوع المسيح" ونظرة هؤلاء الى كثير من القضايا السياسية والاجتماعية هي مثل نظرتهم الى الكوارث، فهي تكون من خلال الكتاب المقدس. ومن هذه القضايا قضية الصراع الاسرائيلي - الفلسطيني. فعضوالكونغرس الذي ذكرناه يؤكد دائماً على ضرورة وقوف الولايات المتحدة الى جانب اسرائيل دون قيد أو شرط، لأن الرب هكذا يقول. وقد استشهد على ذلك بعبارة سفر التكوين 13/15 �ان كل الأرض التي تراها اعطيها لك ولنسلك الى الأبد�، كما يستدل هو وغيره على عدائهم للفلسطينيين والمسلمين بصورة عامة بعبارة سفر التكوين 12/3 "وأبُارك مباركيك وألعن لاعنيك" ولأنهم بفترضون أن المسلمين هم أعداء اليهود لذلك يجب ضربهم كما يدفعون الإدارة الأمريكية اليوم إلى ضرب إيران. وهذا الفكر الديني الذي يؤمن بالتفسير الحرفي للكتاب المقدس أصبح مدرسة فكرية يؤمن بها عشرات الملايين في الغرب وأكثرهم في الولايات المتحدة ألأمريكية. كما تدفع به وتنشره آلة ضخمة يحركها عدد لا يحصى من الأدبيات وما يقرب من ألفين من محطات الراديو ومئتين وخمسين محطة تلفزيون وهو قد يقود العالم على المدى البعيد أو القريب الى الخراب والدمار . *نشر أصل هذا المقال في صحيفة "الحياة"

المسيحيون الصهيونيون ونظرتهم إلى الناس والعالم د.جعفر هادي حسن

المسيحيون الصهيونيون هم أتباع مدرسة في الفكر الديني المسيحي تشكلت معالمها في القرن التاسع عشر.وما يميزها عن غيرها من المدارس المسيحية الأخرى هو أنها تعتمد التفسيرالحرفي لفهم نصوص الكتاب المقدس(القديم والجديد) حيث لا مجال للرمز أوالمجاز.وفي ضوء هذه القراءة قسموا التاريخ إلى مراحل سبع وهواليوم في نهاية المرحلة السادسة وعلى اعتاب المرحلة السابعة والأخيرة التي سيظهر فيها المسيح عيسى مرة أخرى حيث يحكم العالم لألف سنة.وقبل أن يتحقق ذلك لابد من حدوث معركة هارمغدون حيث ينتصر فيها المسيح على الدجال.وأصبحت فكرة ظهورالمسيح عيسى فكرة مركزية وأساسية في معتقد أتباع هذه المدرسة حيث تدور القضايا الأخرى حولها وترتبط بها. وهم يعتقدون بأن هذا الظهور قد أصبح وشيكا بل إنهم يؤكدون ان العالم يعيش عصر الظهور وأن هذا الجيل، طبقاً ل"هال لندسي" (صاحب أكثر الكتب شهرة في هذا الموضوع)، هو آخر جيل قبل الظهور. وهم يرون بأنه لابد أن تسبق ذلك موطئات وعلامات تهيئ لظهورالمسيح عيسى وتبشربه.ومن هذه المؤشرات حدوث كوارث وحروب وأحداث لم يُر مثلها حيث أشير لها في الكتاب المقدس كما يعتقدون.وهو مايسمونه بالإضطراب العظيم ولذلك فعندما تحدث هذه فهم ليسوا فقط لايساعدون في التخفيف من مآسيها وما يصيب الناس منها بل إنهم في الواقع يفرحون بها ويسعدون. وهذا لا يبدو غريباً لمن يعرف هذا الفكر الذي يتبناه هؤلاء. فهذه في نظرهم تباشير بقرب الظهور الثاني الذي ينتظرونه بفارغ الصبر.وهم يعتقدون بأنه كلما كثرت هذه الكوارث وضخم حجمها وتسارعت وتيرتها، كلما اقترب الظهور وعندما حدثت كارثة تسونامي وما صاحبها وتلاها رأى فيها هؤلاء إحدى الكوارث الكبرى التي أشار إليها الكتاب المقدس وإن لم ينص عليهابالإسم . . ومن نصوص الكتاب المقدس التي استدلوا بها ما جاء في انجيل لوقا 21/25-32 "وستظهر علامات في الشمس والقمر والنجوم وينال الأمم كرب في الأرض ورهبة من عجيج البحر وأمواجه. وستزهق نفوس الناس من الخوف، ومن توقع ما ينزل في العالم؛ لأن أجرام السماء تتزعزع وحينئذ يرى الناس ابن الإنسان آتياً في الغمام في تمام العزة والجلال. وإذا أخذت هذه الأمور تحدث فانتصبوا قائمين وارفعوا رؤوسكم لأن افتداءكم قد قرب".ومع أن المنظمات المسيحية من غير هؤلاء عبرت عن حزنها على الضحايا وبادرت بارسال المساعدات وطلبت التبرعات إلا أن المسيحيين الصهيونيين لم يقوموا بشيئ من هذا وكانوا عرضة للنقد من الآخرين. . ولأن هؤلاء ينظرون إلى هذه الكوارث نظرة ايجابية فإنهم لا يهتمون بموضوع الاحتباس الحراري في الكرة الأرضية، ولا بموضوع الحفاظ على البيئة أوالإهتمام بتناقص المصادر الطبيعية. وقد عبّر أحد الشخصيات من هؤلاء عن ذلك بقوله"إن الحفاظ على المصادر الطبيعية غير مهم لسبب الرجوع الثاني القريب للمسيح عيسى، فالرب قد سخر لنا هذه الأشياء لنستفيد منها وهو سيرجع عندما تُقطع آخر شجرة"و يقول القس سبونك في كتاب له عنوانه الذنوب في الكتاب المقدس Sins of the Scriptures "إن عيسى يعرف أنه جاء إلى الأرض نيابة عن الرب في السماء وإن الدين الذي أصبح بعد ذلك المسيحية يشجع أتباعه على أن يتوقعوا حياة تكون في السماء وأن لا يركزوا على الأرض ولا أن تكون عليهم مسؤولية في الإعتناء بها وبطبيعتها وتحولها وأن الخلاص صُور على أنه الهروب من الأرض التي تعتبر إلى حد ما شرٌُ....وأن الكوارث البيئية شيئ لابد منه" . وهم أيضاً يدعمون نظرتهم هذه نحو البيئة بما ورد في سفر التكوين 1/27: �فخلق الله الإنسان على صورته، وعلى صورة الله خلقه ذكراً وانثى، خلقهم وباركهم وقال لهم أنموا واكثروا واملأوا الأرض واخضعوها وتسلطوا على أسماك البحر وطيور السماء وكل حيوان يدب على الأرض�. فهذا النص كما يقولون قد جعل الإنسان سيد الطبيعة يستغل مصادرها ويستفيد من مواردها بحرية لا حدود لها كما أن الرب أمره أن يتكاثر ويملأ الأرض من دون تحديد للنسل. ثم يقولون لماذا نهتم بالكوارث التي تحدث في الأرض بسبب تأثر البيئة مع أنها علامات أخبر عن حدوثها الكتاب المقدس؟ ولماذا الاهتمام بتغيّر المناخ الذي يحدث في الكرة الأرضية بينما سنُنقد (من قبل المسيح) ولماذا نفكر بإبدال الطاقة النفطية بالطاقة الشمسية بينما سيقوم المسيح بعمل المعجزات كما في معجزة الخبز والسمك ويوفر بليون برميل من النفط الخفيف في لحظة بل قبل أن يرتدّ طرف الإنسان إ ليه (والمعجزة التي يذكرها هؤلاء قد وردت في انجيل متى 14/17-21 حيث أطعم المسيح عيسى بخمة أرغفة خبز وسمكتين اثنتين خمسة آلاف رجل عدا الأطفال والنساء). وقد اصبحت نظرة هؤلاء الى قضية الحفاظ على البيئة نظرة ناقدة بعدما كانت لا مبالية، واخذوا ينتقدون الداعين الى الحفاظ عليها والمهتمين بما يحدث لها بل ويشهّرون بهم.كما أن للمسيحيين الصهيونيين اعضاء كثيرين في الكونغرس الاميركي، وبعض هؤلاء ذوو تأثير على قرارات لجنة البيئة فيه مثل جيمس آنهوفي الذي كثيراً ما يكون صاحب التأثير لموقعه ومسؤوليته فيها وهذا العضو يصرح بإنكاره للاحتباس الحراري الذي قال عنه �انه اكبر خدعة مُرّرت على الشعب الاميركي�. وقارن التحذير منه بالتخويف من تصاعد برودة الأرض الذي قال به بعض علماء البيئة في السبعينات من القرن الماضي والتي لم تثبت صحته. كما أن عضو الكونغرس هذا معروف بإيمانه بالتفسيرالحرفي للكتاب المقدسً ومعروف بقوله: "إنني مؤمن بأنه ليس هناك أية قضية تناقشها الحكومة لم يذكرها الكتاب المقدس"! وجيري فلول المسيحي الصهيوني الأشهر(الذي توفي في هذه السنة) مثل عضو الكونغرس المذكوركان يرفض ايضاً تصديق التصاعد في حرارة الأرض فهو قال في مقابلة مع شبكة �سي.ان.ان� التلفزيونية: "لقد لقد قالوا عن تزايد برودة الكرة الأرضية قبل ثلاثين سنة واليوم (يقولون) بتزايد حرارتها... وفي الحقيقة فإنه ليس هناك احتباس حراري".وقال أيضا "إن نشاط البيئيين إنما هو لتحويل الإنتباه عن قضايا الكنيسة الرئيسة". .كما أن نظرتهم إلى المعاناة البشرية فيها الكثير من اللامبالاة وعدم الإهتمام .والحروب في نظرهم هي من علامات الظهور وهم لا يحاولون إيقافها بل هم في الواقع يشجعونها كما شجعوا الحرب على العراق( مع المحافظين الجدد) بل قالوا إنهم وجدوا نبوءة لها في كتاب "رؤيا يوحنا" حيث تكرر سقوط بابل(التي يشار بها إلى العراق) ثلاث مرات. وقال جون هاغي وهو أحد زعماء هؤلاء ومؤلف كتب كثيرة حول الموضوع "إن الحرب على العراق هي علامة مهمة على الظهور". كما يرى هؤلاء أن ما حدث من معارك قرب الفرات في بداية الإحتلال الأمريكي على العراق يؤكد ما ورد في هذا الكتاب حيث جاء في 9/14 منه: (فقال للملاك السادس الذي يحمل البوق: أطلق الملائكة الأربعة المقيدين على النهر الكبير، نهر الفرات، فأطلق الملائكة المتأهبين للساعة واليوم والشهر والسنة، كي يقتلوا ثلث الناس)ووجدوا ما يفترضونه إشارة الى تقسيمه عندما جاء في إحدى عبارات كتاب الرؤيا(16-8)"وصارت المدينة العظيمة ثلاثة أقسام" ولذلك فهم اليوم يشجعون على تقسيمه. وتلتقي أفكار هؤلاء- التي هي تعتمد على تنبوءات غامضة لايعرف على وجه التحديد الغرض منها- مرة أخرى مع أفكارالمحافظين الجدد حيث كان كبيرهم المستشرق اليهودي المعروف والمستشار غير الرسمي لجورج بوش برنارد لويس قد كتب كتابا في التسعينات حول تقسيم منطقة الشرق الأوسط وذكر العراق بالذات وعنوان الكتاب هو تنبؤءات- مستقبل الشرق الأوسط . كما أن المسيحيين الصهيونيين لايشجعون على تحقيق السلام لأن السلام في رأيهم لايتحقق قبل رجوع المسيح.وأن الدعوة اليه يعتبرونها بدعة وهرطقة. وقد أشار إلى ذلك الواعظ التلفزيوني المعروف جم روبيرسون إذ قال "لن يكون سلام حتى ظهور المخلص وكل دعوة إلى السلام قبل رجوعه هي بدعة وهرطقة ومخالفة لكلمة الله وهي أيضا ضد المسيح"وقال بات روبرتسون وهو أيضا واعظ تلفزيوني شهير"إن الأمور في المجتمع يجب أن تسير نحو ألأسوأ وليس إلى الأحسن،وأن المسيحيين يجب أن يعملوا على عدم تأخير رجوع المسيح" .ومن هذا المنطلق فهم لايهتمون بما تقوم به الأمم المتحدة من محاولات لبسط السلام وفض النزاعات تماما كما لايهتم بذلك المحافظون الجدد. ونظرة هؤلاء الى كثير من القضايا السياسية والاجتماعية هي مثل نظرتهم الى الكوارث، فهي تكون من خلال تفسيراتهم الخاصة بهم للكتاب المقدس. ومن هذه القضايا قضية الصراع الاسرائيلي - الفلسطيني. فهم اعتبروا جمع اليهود في فلسطين وانشاء دولة اسرائيل التي دعوا إلى إنشائها قبل ظهورالحركة الصهيونية أيضا علامة من علامات الظهوركما يقولون لوروده في بعض أسفار التوراة ومن النصوص التي يستدلون بها ما جاء في سفر حزقيال36:24 وآخذكم من بين الأمم وأجمعكم من جميع ألأقطار وآتي بكم إلى أرضكم " وهم يفسرون هذا تفسيرا حرفيا. وقد بدأوا بالعمل على تحقيق ذلك منذ القرن التاسع عشربل حتى قبله. وما قام به هؤلاء في هذا المجال وما يقومون به يعرفه الكثير من الناس من خلال الجمعيات والمنظمات التي أنشأوها ومن خلال النشاطات التي يقومون بها. وبعد إنشاء دولة إسرائيل-التي يعتبره هال لندسي الخطوة الأولى لتحقق هارمغدون- أصبح هؤلاء أكثرنشاطا وما زالوا يجلبون اليهود بل والمشكوك بيهوديتهم إلى إسرائيل من كل حدبٍ وصوب. وهم يغرون من يتردد في الهجرة إليها بالمال والمساعدات الأخرى وعملهم هذا هو العمل نفسه الذي تقوم به الصهيونية اليهودية ولذلك سموا بالصهيونيين.وهم يؤكدون دائماً على ضرورة وقوف الولايات المتحدة الى جانب اسرائيل دون قيد أو شرط، لأن الرب هكذا يقول في عبارة سفر التكوين 12/3 "وأبُارك مباركيك وألعن لاعنيك"(مع أن هذا كلام قصد به النبي إبراهيم) ويؤكدون بأن الرب يبارك الولايات المتحدة لأنها تساند إسرائيل وتساعدها وتقف إلى جانبها إذ أن هؤلاء يعتقدون أن اليهود مازالوا "الشعب المختار" على عكس مايراه المسيحيون الآخرون الذين يخالفونهم الرأي ويعتقدون بان اليهود شعب مغضوب عليه لأنه رفض المسيح عيسى.وهم يعتبرون الفلسطينيين الذين يناضلون ضد الإحتلال أعداء للرب ويطالبون اسرائيل باستعمال القوة ضدهم ويشجعونها على ذلك. وأن تلحق الأراضي المحتلة بها. كما أن دك آرمي الرئيس السابق للأغلبية الجمهورية برر في مقابلة تلفزيونية التطهير العرقي ضد الفلسطينيين وترحيلهم إلى الدول العربية. وبعضهم مثل روب ريتشارد أعتبر الفلسطينيين أجانب وآخرون اعتبروهم من "العماليق"(وهؤلاء أعداء بني إسرائيل التاريخيين). وبعضهم مثل ديفد هنت ورومن بنت أنكروا وجودهم أساسا بل هم بفترضون أيضا أن العرب أعداء لليهود ف"هال لندسي" يقول" إن الشعوب العربية متحدة بفكرتها المتعصبة لتدمير إسرائيل" بل وهو يرى كذلك " إن كل المسلمين ينظرون إلى إسرائيل على أنها عدو" وقد كثر الحديث ضد المسلمين من قبل هؤلاء خاصة بعد الحادي عشر من سبتمبر.فقد قال بات رببرستون عن الإسلام"إنه دين عنيف ويؤكد على تدمير العالم وإن الأمريكيين المسلمين قد شكلوا خلايا إرهابية لتدمير الولايات المتحدة" وقال آخر إن الإسلام دين وثني وكل الأديان الوثنية هي شيطانية. ولما كان المسلمون في نظر هؤلاء أعداء اليهود لذلك يجب أن يلعنوا(والعن لاعنيك) بل ويدمروا. وهم اليوم يدفعون الإدارة الأمريكية إلى ضرب إيران لأنها تعلن العداء لإسرائيل.ونظرة هؤلاء إلى المسيحيين الآخرين هي نظرة سلبية(ولكنها أقل سلبية بكثير من نظرتهم إلى المسلمين) إذ يعتقدون أنهم وحدهم القابضون على الحقيقة. وهؤلاء يريدون لدولة إسرائيل أن تكون من النيل إلى الفرات، طبقاً لما ورد في 15/18 من سفر التكوين: (لنسلك أعطي هذه الأرض من النيل إلى النهر الكبير الفرات). ولذلك هم يعلنون رفضهم لفكرة الأرض مقابل السلام،.بل اعتبر بعضهم مثل مايك إفانزعملية السلام مؤامرة عالميةلسرقة أورشليم من اليهود وادعى بأن خلف مجموعة المؤامرة الدولية متآمر رئيس وهو الذي يوجه اللعبة. كما يدعون إلى هدم الأقصى كي يبنى مكانه ما يسمى بالهيكل الثالث حتى يؤدي فيه المسيح فريضة الأضاحي كما يعتقدون وهم لهم في هذا أقوال كثيرة.فارفنغ بكستر يقول إنه قبل حرب هارمغدون فإن الهيكل سيبنى...ونحن الجيل المبارك الذي اختيرلأن يكون جيل الخلاص..وأنه في حياتنا سيبنى الهيكل الثالث وإن مسجد قبة الصخرة يجب أن يؤخذ إلى مكة. وبعضهم قال إن جبل الهيكل يجب أن يُطهر ولكن الرب سيعمل ذلك (ولا ندري) هل يكون بهزة أرضية أو إرسال جماعة لتهديمه ولكننا نعرف أنه سيطهر. ومع أن إسرائيل هي التي قررت الإنسحاب من غزة فإن هؤلاء اعتبروه مخالفا لإرادة الرب حتى ان بات روبرتسون اعتبراصابة ارئيل شارون رئيس وزراء اسرائيل السابق بالمرض الذي لم يفق منه إلى ألآن عقابا الهيا لأنه كما يقول" قد قسم أرض الرب وأنا أقول الويل لأي رئيس وزراء لإسرائيل يتخذ قرارا مثل هذا من أجل أن يرضي الإتحاد الأوربي والأمم المتحدة أو الولايات المتحدة الأمريكية". والغالبية العظمى من هؤلاء اليوم هم في الولايات المتحدة الأمريكية حيث يبلغ عددهم عشرات الملايين ولهم أعضاء كثيرون في الكونغرس الأمريكي وهم ينشرون فكرهم من خلال آلة إعلامية ضخمة يحركها عدد لا يحصى من الأدبيات وأكثرمن ألفين من محطات الراديو ومئتين وخمسين محطة تلفزيون وهم بأفكارهم هذه قد يقودون العالم على المدى البعيد أو القريب الى الخراب والدمار. نظرة المسيحيين الصهيونيين الى الكوارث�تسونامي نموذجا* Dr Jaafar Hadi Hassanد.جعفر هادي حسن بادرت الدول والمنظمات الإنسانية لمدّ يد المساعدة للبلدان التي تضررت بكارثة تسونامي الرهيبة التي أحدثت دماراً هائلاً ومروعاً لم يحدث شبيهه في التاريخ القريب . وعلى رغم أن الكثير من هذه المنظمات هي منظمات مسيحية، إلا أنه لم تكن بينها منظمات للمسيحيين الصهيونيين طبقاً لما ذكره الكاتب بل بركوفتيش الذي أجرى مسحاً على أهم مواقع الانترنت وأوسعها لهذه المنظمات. وقد نشر الكاتب مقالة عن هذا الموضوع على الانترنت بعد حدوث الكارثة مباشرة انتقد فيها أصحاب هذه المواقع على تجاهلهم لهذه الكارثة ذات النتائج المروعة، كما انتقدهم على استمرارهم فقط في ذكر الأخبار الخاصة بهذه المنظمات وكأنه لا عين رأت ولا أذن سمعت وقال الكاتب" ليس هناك أي موقع من هذه المواقع يطلب المساعدة لضحايا كارثة تسونامي، بل هناك ذكر للدمار الذي حدث في جنوب آسيا ولا توجد عناوين رئيسة حول القتلى والجرحى، كما لا توجد نداءات مستعجلة للتبرع أو أرقام تلفونات يتصل بها الناس، كما لا يوجد ربط بمواقع المنظمات التي تجمع المساعدات أو توفرها للضحايا. واعتبر الكاتب هذا الإهمال مناقضاً لادعاء هذه المنظمات بالدفاع عن القضايا الأخلاقية وتبنيها لها، بل واتهمها بعدم الرحمة وغياب القيم عنها" ولكن هذا لا يبدو غريباً لمن يعرف الفكر الديني الذي يتبناه هؤلاء، فهم في الواقع يرحبون بحدوث مثل هذه الكوارث، بل ويفرحون بها لأنها تشيرفي رأيهم إلى قرب ظهور المسيح عيسى مرة أخرى والذي ينتظرونه بفارغ الصبر فهي علامات على الظهور. وكلما كثرت هذه الكوارث وضخم حجمها وتسارعت وتيرتها، كلما أصبح هذا الظهور قاب قوسين أو أدنى كما يقولون. إذ أن هذا الجيل، طبقاً لهال لندسي صاحب أشهر كتاب واسع الإنتشار بين المسيحيين الصهيونيين، هو آخر جيل قبل الظهور. ويقولون ان كارثة تسونامي وما صاحبها وتلاها هي إحدى الكوارث الكبرى التي أشار إليها الكتاب المقدس وإن لم ينص على اسمها . ومن نصوص الكتاب المقدس التي استدلوا بها ما جاء في انجيل لوقا 21/25-32 "وستظهر علامات في الشمس والقمر والنجوم وينال الأمم كرب في الأرض ورهبة من عجيج البحر وأمواجه. وستزهق نفوس الناس من الخوف، ومن توقع ما ينزل في العالم؛ لأن أجرام السماء تتزعزع وحينئذ يرى الناس ابن الإنسان آتياً في الغمام في تمام العزة والجلال. وإذا أخذت هذه الأمور تحدث فانتصبوا قائمين وارفعوا رؤوسكم لأن افتداءكم قد قرب" وانني لأتخيل هؤلاء يجادلون بما رأوه ورآه الناس على شاشات التلفزيون من بحر هائج يرعد ويزبد ويدمر ومن مدّ جارف وأمواج عاتية تكتسح كل ما يقف أمامها ومن يقف أمامها من أناس خائفين مرعوبين وعاجزين عن القيام بعمل أي شيء ينقذون به أنفسهم وما يملكون، وما تناقلته الأخبار عن خوف هؤلاء من ركوب البحر، وترددهم في المغامرة فيه، فيقارنون ذلك بعبارة الانجيل: �وينال الأمم كرب في الأرض ورهبة من عجيج البحر وأمواجه وستزهق نفوس الناس من الخوف ومن توقع ما ينزل في العالم�. بل، ربما أتخيلهم يستدلون على "تزعزع أجرام السماء" بما ذكره رئيس المعهد الوطني الإيطالي الجيوفيزيائي من أن شدة قوة البركان قد جعلت الأرض ترتج ويتأثر دورانها . ولأن هؤلاء ينظرون إلى هذه الكوارث نظرة ايجابية لكونها تعجل بظهور المسيح عيسى، فإنهم لا يهتمون بموضوع الاحتباس الحراري في الكرة الأرضية، ولا بموضوع الحفاظ على البيئة أو المصادر الطبيعية. وقد عبّر عن ذلك صراحة جيمس وات، أول وزير للداخلية أثناء رئاسة رونالد ريغان، عندما قال في جلسة أمام إحدى لجان الكونغرس: "إن الحفاظ على المصادر الطبيعية غير مهم لسبب الرجوع الثاني القريب للمسيح عيسى، فالرب قد سخر لنا هذه الأشياء لنستفيد منها وهو سيرجع عندما تُقطع آخر شجرة" ثم يقولون لماذا نهتم بالأرض عندما تكون المجاعة والفيضان والطاعون التي تحدث بسبب تأثر البيئة علامات أخبر عن حدوثها الكتاب المقدس؟ ولماذا الاهتمام بتغيّر المناخ الذي يحدث في الكرة الأرضية بينما سنُنقد (من قبل المسيح)؟ ولماذا نفكر بإبدال الطاقة النفطية بالطاقة الشمسية بينما سيقوم المسيح بعمل المعجزات كما في معجزة الخبز والسمك ويوفر بليون برميل من النفط الخفيف في لحظة بل قبل أن يرتدّ طرف الإنسان إليه (والمعجزة التي يذكرها هؤلاء قد وردت في انجيل متى 14/17-21 حيث أطعم المسيح عيسى بخمسة أرغفة خبز وسمكتين خمسة آلاف رجل عدا الأطفال والنساء . وهم يدعمون نظرتهم هذه إلى البيئة بما ورد في سفر التكوين 1/27: �فخلق الله الإنسان على صورته، وعلى صورة الله خلقه ذكراً وانثى، خلقهم وباركهم وقال لهم أنموا واكثروا واملأوا الأرض واخضعوها وتسلطوا على أسماك البحر وطيور السماء وكل حيوان يدب على الأرض�. فهذا النص قد جعل الإنسان سيد الطبيعة يستغل مواردها بحرية لا حدود لها كما أمر أن يتكاثر ويملأ الأرض من دون تحديد للنسل . وقد اصبحت نظرة هؤلاء الى قضية الحفاظ على البيئة نظرة سلبية بعدما كانت لا مبالية، واخذوا ينتقدون الداعين الى الحفاظ على البيئة ويشهّرون بهم لأن لهؤلاء اعضاء كثيرين في الكونغرس الاميركي، وبعض هؤلاء ذوو تأثير على قرارات لجنة البيئة فيه مثل جيمس آنهوفي الذي كثيراً ما يكون صاحب التأثير لموقعه ومسؤوليته فيها. فقد تأثرت سياسة الولايات المتحدة في هذا المجال بسبب ذلك، ورفضت التوقيع على بعض الاتفاقات المتعلقة بالبيئة كما هو معروف. وأخذ هذا العضو يصرح بإنكاره للاحتباس الحراري الذي قال عنه �انه اكبر خدعة مُرّرت على الشعب الاميركي�. وقارن التخويف منه بالتخويف من تصاعد برودة الأرض الذي قال به بعض علماء البيئة في السبعينات من القرن الماضي والتي لم تثبت صحته. وهومعروف بإيمانه بالتفسيرالحرفي للكتاب المقدسً ومعروف بقوله: "إنني مؤمن بأنه ليس هناك أي قضية تناقشها الحكومة لم يذكرها الكتاب المقدس" وجيري فلول المسيحي الصهيوني الأشهر مثل عضو الكونغرس المذكور يرفض ايضاً تصديق التصاعد في حرارة الأرض ويردد كلامه، فهو قال في مقابلة مع شبكة �سي.ان.ان� التلفزيونية: "لقد كانت(كما قالوا) زيادة برودة الكرة الأرضية قبل ثلاثين سنة واليوم (يقولون) بزيادة حرارتها... وفي الحقيقة فإنه ليس هناك احتباس حراري".وقال حديثا إن نشاط البيئيين إنما هو لتحويل الإنتباه عن قضايا الكنيسة الرئيسية.كما أن نظرتهم إلى المعاناة البشرية فيها الكثير من اللامبالاة وعدم الإهتمام .والحروب في نظرهم هي من علامات الظهور وهم لا يحاولون إيقافها ولايشجعون الناس على تحقيق السلام لأن السلام في رأيهم لايتحقق قبل رجوع المسيح.وأن الدعوة اليه بعة وهرطقة وقد أشار إلى ذلك الواعظ التلفزيوني جم روبيرسون إذ قال "لن يكون سلام حتى ظهور المخلص وكل دعوة إلى السلام قبل رجوعه هي بدعة وهرطقة ومخالفة لكلمة الله وهي أيضا ضد المسيح"وقال بات روبرتسون وهو أيضا واعظ تلفزيوني شهير"إن الأمور في المجتمع يجب أن تسير نحو ألأسوأ وليس إلى ألأحسن،وأن المسيحيين يجب أن يعملوا على عدم تأخير رجوع المسيح" ونظرة هؤلاء الى كثير من القضايا السياسية والاجتماعية هي مثل نظرتهم الى الكوارث، كما ذكرنا في مقالة أخرى على هذا الموقع .فهي تكون من خلال الكتاب المقدس. ومن هذه القضايا قضية الصراع الاسرائيلي - الفلسطيني. فعضوالكونغرس الذي ذكرناه يؤكد دائماً على ضرورة وقوف الولايات المتحدة الى جانب اسرائيل دون قيد أو شرط، لأن الرب هكذا يقول. وقد استشهد على ذلك بعبارة سفر التكوين 13/15 �ان كل الأرض التي تراها اعطيها لك ولنسلك الى الأبد�، كما يستدل هو وغيره على عدائهم للفلسطينيين والمسلمين بصورة عامة بعبارة سفر التكوين 12/3 "وأبُارك مباركيك وألعن لاعنيك" ولأنهم بفترضون أن المسلمين هم أعداء اليهود لذلك يجب ضربهم .كما يدفعون الإدارة الأمريكية اليوم إلى ضرب إيران. وهذا الفكر الديني الذي يؤمن بالتفسير الحرفي للكتاب المقدس أصبح مدرسة فكرية يؤمن بها عشرات الملايين في الغرب وأكثرهم في الولايات المتحدة ألأمريكية. كما تدفع به وتنشره آلة ضخمة يحركها عدد لا يحصى من الأدبيات وما يقرب من ألفين  من محطات الراديو ومئتين وخمسين محطة تلفزيون وهو قد يقود العالم على المدى البعيد أو القريب الى الخراب والدمار . *نشر أصل هذا المقال في صحيفة "الحياة"