الإحتفاء بحضارة بابل*

د.جعفر هادي حسن

 اشتهرت بابل عند الناس ببرجها وحدائقها المعلقة ، وقليل منهم من كان يعرف عن حضارتها وتراثها . وعلى الرغم من أن الكثير من آثارها مازال حبيسا تحت الأرض حيث هناك الآلاف من المواقع الأثرية تنتظر كشف مافيها ، إلا أن ما استخرجه الآثاريون حتى العصر الحاضرليس قليلاً. حتى قال أحد الباحثين الأوربيين وهو يتحدث عن بلاد مابين النهرين "إنه يمكننا القول ومن دون مبالغة، أن ليس هناك بلد في العالم خلف نصوصا قديمة بهذه الكثرة، وصلت إلينا كما كتبت"(1).وهذه النصوص تعطي صورة عن تميز حضارة بابل بتعدد جوانبها وتأثيرها على التطور المعرفي في تاريخ الإنسان. وكان من الأمور المهمة التي لعبت دورا في بقاء هذه الحضارة ، هو اهتمام البابليين بالكتابة والتدوين، واعطائهما أهمية كبيرة حتى أنهم جعلوا للكتابة إلاهة اسموها "نيسابا" "التي تحمل في يدها القلم"، والتي كانت مهمتها الإشراف على الكتابة وفنها.وقد قام الكتبة- الذين أيضا كانوا علماء وأصحاب منزلة رفيعة عند الملوك وبين المجتمع- بدور حضاري في منتهى الأهمية، خصوصا في المرحلة الأولى من المملكة البابلية القديمة(في بداية الألف الثاني قبل الميلاد) حيث تمكنوا من اتقان اللغة السومرية(التي هي غير سامية) وحفظ العدد الهائل من رموزها بأسمائها، وطريقة نطقها واعطاء معانيها باللغة الأكدية(السامية)، ثم تأليف القواميس بهاتين اللغتين حيث وصلتنا نماذج منها. فكان هؤلاء مترجمين من الدرجة الأولى (وقد ورث العرب والأوربيون كلمة ترجمانو من البابليين).ولولاهم -كما قيل - لما كانت حضارة بلاد مابين النهرين. وكان الكتبة يتدربون في مدرسة خاصة بهم تسمى "أي- دوبَا" وتعني حرفيا "بيت الألواح".وما اكتشف من هذه المدرسة يعطينا فكرة واضحة عنها، وعن طبيعة المواضيع التي تدرس فيها.وكان على رأس المدرسة شخص يطلق عليه "أوميا"، وهي كلمة سومرية تعني "الخبير/العارف" ويليه في الرتبة مسؤول الفصول الذي يطلق عليه "أدَا ادوبا"  ثم هناك المختصون مثل "طوبشارنشد" خبير/استاذ الرياضيات و"طوبشار أشاكا" خبير/استاذ الهندسة والمساحة. وكان أهم موضوع يدرس في هذه المدرسة هو اللغة السومرية ويطلق على الأستاذ الذي يدرسها "طوبشار كنكيرا" المختص باللغة السومرية واستاذها والذي كان له موقع خاص في هذه المدرسة. وجهود هؤلاء الكتبة- العلماء تثير اليوم الكثير من الإعجاب. ولولا هذه الجهود التي بذلها هؤلاء لما تمكن العلماء المختصون من معرفة اللغة السومرية وفك أسرارها وفهم معانيها.

وتعتبر القواميس اللغوية التي ألفها هؤلاء الكتاب عملا جديدا ومن أولى المحاولات في تاريخ المعرفة الإنسانية. وكان عمل البابليين مستقلا عما كان قد عمل في حضارة إيبلا في سوريا.ولم يؤلف مثل هذه القواميس بعد ذلك لقرون طويلة ،إذ أن الإغريق لم يكونوا يهتمون بلغات الشعوب الأخرى.وأصبحت هذه القواميس مفيدة لبقية الشعوب بعد أن أصبحت الأكدية لغة الدبلوماسية والتجارة في الشرق الأدنى. حيث أصبحت هي اللغة التي يراسل بها الحكام والملوك بعضهم بعضا ، يدل على ذلك رسائل "العمارنة" التي تعود إلى القرن الرابع عشر قبل الميلاد.حيث كتبت هذه الرسائل التي يبلغ عددها بضع مئات باللغة الأكدية ،أرسلها عدد من الحكام والأمراء في بلدان من الشرق الأدنى ومنطقة الأناضول إلى امنحوتب الثالث فرعون مصر وابنه اخناتون(2). وبتقدم الزمن اهتم البابليون بتأليف قواميس خاصة، كقواميس اسماء الأحجار والنباتات والحيوانات والمعادن ، بل الفوا قواميس لمعاني الأفعال وقواميس لغوية للأضداد والمترادف، بل وللجذور واشتقاقاتها واستعمالاتها وكذلك قواميس للكلمات النادرة التي تستعمل في الأدب. كما لم تخل هذه القواميس من توضيحات وتعليقات خاصة من فترة الألف الأول قبل الميلاد.(3) ويرى باحثون أن تطور الكتابة عند البابليين لم يستغرق وقتا طويلا ،على الرغم من من القواعد الدقيقة التي وضعوها لها والأدب المتميزالذي أنتجوه.(4).ومن المهم الإشارة هنا إلى أن مهنة الكتابة عند البابليين لم تقتصر على الرجال وحدهم ، وانما كانت هناك أيضا نساء كاتبات منذ وقت مبكر من الحضارة البابلية كما تدل على ذلك المكتشفات من مدينة "سبار" (5) التي تقع شمال بابل وهو شيئ له أكثر من دلالة. كما أن معرفة القراءة والكتابة لم تكن مقتصرة على طبقة معينة من الناس كالكتاب والكهنة، بل إن الكثير من النصوص الأدبية التي عثرعليها جاءت من بيوت الناس العاديين(6) وربما كان بعضهم يملك مكتبات خاصة. وهذا يعطينا فكرة عن أن البابلي كان له اهتمامات أدبية أيضا.

 وكان أحد المكتشفات الأولى التي عثر عليه الآثاريون ، والذي أثار إعجاب الناس هو ماعرف بشريعة حمورابي. وعلى الرغم من أن بعض الشرائع قد سبقتها في بلاد الرافدين،مثل شريعة الملك لبت-عشتار، وأور- نمو وشريعة دويلة أشنونا، إلا أن شريعة حمورابي تعتبر أشهر هذه الشرائع وأكثرها شمولا وتفصيلا. إذ تحتوي على أكثر من مئتين وثمانين فقرة ، شملت الكثير من مجالات الحياة. كما تميزت هذه الشريعة خاصة بجمال اللغة ودقتها وصفائها. وقد جاء في بعض ديباجتها التي تعطي بعض أسباب تشريعها "إنه من أجل أن يسود العدل في البلد ويُقضى على الشر والظلم ، وكي لايضطهد القوي الضعيف...".وقد وضعت نماذج منها في أماكن عامة كالمعابد ليطلع عليها الناس ويعرفوها ، كما كان التلاميذ يتعلمونها لمضمونها وأسلوبها، وأصبحت نصوص هذه القوانين نموذجا لمايسمى باللغة البابلية القديمة.

وكما برزالبابليون في تشريع الشرائع ، فقد اشتهروا أيضا في مجالات أخرى كالطب. وكان للطبيب الذي يسمى "أسو"(وهو آسي في العربية وآسيا/اسا في السريانية) موقع مهم في المجتمع، وكان يعد من أبناء الطبقة العليا، وكانت مهنته متميزة لاعلاقة لها بالدين أو السحر،إذ من كان يمارس علاج الناس بواسطة هذين كان يسمى "أشيفو". (وهو بالآرامية "أشف" وبالسريانية "أشوفا" وبالعبرية ورد في التوراة بالجمع فقط "اشفيم") بينما كان الطبيب-الذي تميز بين الناس بحمل أدواته معه وطريقة حلاقة شعره ولباسه- يتعلم مهنته بالدراسة أولاً. وبعد الانتهاء من الدراسة كان يقوم بممارستها مع من هم اقدم منه في المهنة وأكثر خبرة  منه. وكان لهؤلاء الأطباء رئيس سمي، "رب آسي"(رئيس/كبير الطباء) وقد وصلنا عدد كبير من الألواح التي تضم قوائم بالأعراض والأمراض والوصفات الطبية التي كتبها أطباء. وهي تحتوي على تشخيص لأسباب طبيعية للأمراض.(ويعتقد أن أقدم وصفة طبية هي تلك التي وصلتنا من بلاد الرافدين من سلالة أورالثالثة في نهاية الألف الثالث قبل الميلاد). ويتبين من بعض هذه الوصفات التي اكتشفت أن العناصر المكونة فيها للدواء مازالت(أو بعضها) مستعملة اليوم للمرض نفسه .ومن النصوص في مجال الطب مؤلَف مهم اعتبره الباحثون تحفة علمية راقية يعود تاريخها إلى منتصف الألف الثاني قبل الميلاد على الأقل وعنوانه " رسالة في التشخيصات الطبية والتكهنات".ويعتقد بعض الباحثين ان هذا المؤلَف ربما كان يحتوي على خمسة آلاف إلى ستة آلاف فقرة وقد عثر على أربعين لوحا منها تمثل نصفها تقريبا. (7) كما أن هؤلاء الأطباء عرفوا العدوى وشخصوها . كماعثر على رسائل مرسلة إلى أطباء فيها الكثير من التفاصيل لحالات مرضية وبعض هذه الرسائل احتوت على بعض اسماء الأطباء أيضا. وقد استعمل الأطباء في علاج هذه الأمراض ليس الأدوية فحسب وإنما استعملوا الأدوات أيضا. وبعض هؤلاء الأطباء كان قد أرسل من بابل لمعالجة ملوك معاصرين للبابليين مثل الملك الحثي "حتوسيلس الثالث" في القرن الثالث عشر قبل الميلاد(8).وممايدل على انتشار الطب هو وجود سبع مواد على الأقل في شريعة حمورابي تتعلق بعمليات جراحية. .ويرى بعض الباحثين أن البابليين قد مارسوا العلاج النفسي أيضاً الذي يعتقد أنه من نتاج العصر الحديث.

واهتم البابليون بالرياضيات وقد عثر على آلاف الرقم والألواح التي تضم أعدادا رتبت بطرق مختلفة وعمليات طرح وجمع ومسائل حسابية تتعلق بالعمارة ومساحة الأرض والسقي .كما عثر على ألواح كثيرة تحوي تمارين رياضية بعضها مع حلول لها والبعض الآخر بدون ذلك وبعض هذه التمارين بمستوى متقدم.وإن ماوصلنا منهم من قضايا رياضية يؤكد قدرتهم النظرية التي قل أن وجد مثلها قبل العصر الكلاسيكي(9).وكان تصنيع المعادن شائعا واعطوا لمن يمتهن ذلك اسما عاما يدل على اختصاصه وهو"نفاخو"(بالأرامية نفاخا وبالعربية نفاخ).ثم خصصوا ذلك بإضافة اسم المعدن اليه فسمي الحداد "نفاخ فرزيلو" والذي يعمل بالذهب "نفاخ خورصي".(ومن هذه الكلمة أخذت الكلمة اليونانية خروسس للذهب).ويقول جورج رو في كتابه العراق القديم.ليس من شك في إن البابليين (والآشوريين) كانوا يعرفون أكثر مما عثر عليه في كتاباتهم فنقل الصخور الهائلة ونصبها مثلا أو انشاء ممرات مائية طويلة يدل على معرفة متقدمة بقوانين الفيزياء.وكذلك معرفتهم ببعض مبادئ الكيمياء التي كانت قد طبقت بشكل ناجح في الأدوية والأصباغ وعمل الزجاج الملون وتزيين الآجر بالمينا"(10)  

.واهتموا كذلك بعلم الفلك وكانوا يراقبون القمر والشمس والنجوم بشكل دقيق وكانوا يقومون بهذه المراقبة من على المعابد الدينية وأبراج خاصة في بعض المدن. كما تنبأوا بخسوف القمر وكسوف الشمس وراقبوا الرياح والسحب أيضا. وفي ضوء علم الفلك قسموا السنة إلى اثني عشر شهرا(ومازالت اسماء الأشهر البابلية تستعمل عند اليهود وكذلك النظام الشمسي-القمري). وقسمواالشهر إلى ثلاثين أو تسعة وعشرين يوما وقسموا اليوم إلى أربع وعشرين ساعة والساعة إلى ستين دقيقة .وقد وردت اسماء علماء فلكيين في بعض الرسائل البابلية التي عثر عليها وسجل هؤلاء حالات كسوف وخسوف بشكل دقيق كما يقول بطليموس.وظل الناس يستفيدون من خبرة البابليين في هذا المجال بعد زوال دولتهم خاصة. إذ نقرأ أن نابو- ريماني (القرن الخامس ق.م؟) وكدينو والكاهن بل رئيشو(القرن الثالث ق.م) كانوا من العلماء الذين استفاد منهم الإغريق في علم الفلك وأطلقوا عليهم أسماء إغريقية.فالأول سمي نابوريانوس والثاني سديناس والثالث بيرسوس.ولذلك اختلط على بعض الباحثين أصلهم وظنوهم من الإغريق فنسبوهم إليهم خطاً، ومن الضروري إعادة هويتهم إليهم.وعرف عن الكاهن بل رئيشو أنه كان له حلقة دراسية يدرس فيه طلاباً في بلاد الإغريق بطلب منهم. وهو نفسه الذي كتب تاريخا باللغة اليونانية لموطنه بابل ولملوكها، ولم يصل لنا من هذا الكتاب - مع الأسف- إلا أجزاء قليلة.ومما ذكره في هذا الكتاب أن نبوخدنصر بنى الحدائق المعلقة لزوجته أميتس.وذكر أن اليونانيين نصبوا له تمثالا في أثينا11 .وقد ذكر مؤرخون أن الإسكندر الأكبر كان معجبا بخبرة البابليين في علم الفلك وحكمتهم(12) ويرى بعض الباحثين أن تعاون علماء الفلك البابليين والإغريق قد ساهم في تطور هذا العلم إلى درجة لايمكن تجاهلها. كما إن بعض علماء الفلك من القرن السادس الميلادي قد اعتمدوا على ملاحظات البابليين في التنبؤ بكسوف الشمس.ومعروف أن رموز الأبراج المستعملة اليوم ترجع في أصلها إلى البابليين (وهناك لوح أثري من بابل في المتحف البريطاني يؤكد ذلك). وقد قيل إن شعب مابين النهرين قدم أعظم إنجازاته في حقل الرياضيات والفلك.

 كما ابتكر البابليون الساعة الشمسية وقال المؤرخ  هيردوتس(القرن الخامس قبل الميلاد) عن ذلك "إن علم المساحة والساعة الشمسية وتقسيم اليوم إلى اثنتي عشرة ساعة لم تأت من اليونان أو مصر ولكن من بابل". واهتم البابليون كذلك بالجغرافيا وقد عثر على نصوص تتضمن قوائم لأسماء البلدان والجبال والأنهار والمدن بل وحتى للمسافات بين المدن وهي قضية مفيدة جداً للمؤرخين في العصر الحديث. وقد عثر على بعض المخططات( وليست خرائط بالمعنى الحديث) لبعض المدن وقد اكتشف مخطط لمدينة نيبور كان قد وضعه البابليون لها  يتفق مع مااكتشفه الآثاريون لواقع هذه المدينة.بل عثر على خريطة للعالم كذلك تعود إلى القرن السادس قبل الميلاد.وكتب على أقصى الشمال منها "الأرض التي لاترى فيها الشمس أبدا".كما اكتشفت نصوص تشير إلى اهتمامهم بالجغرافيا التاريخية من عصر مبكر.

واهتموا أيضا بالتاريخ فعدا عن تدوين ما أنجزه الملوك أثناء حكمهم وما كتب على الأبنية من معلومات تاريخية فقد عثر على قوائم تضم اسماء السلالات الملكية وأسماء الملوك وشخصيات معروفة وقوائم بأحداث متزامنة إلى جانب تسجيل

 الحملات العسكرية التي أفادت الباحثين كثيرا ليس في تأريخ الحدث حسب ولكن أيضا في معرفة اسماء الملوك والبلدان الأخرى. وكانت قوائم الملوك تذكر أحيانا الأحداث المهمة لكل سنة في فترة حكم هؤلاء الملوك .ومن القوائم المفيدة التي اكتشفت قوائم باسماء الآلهة.ومن الأمور المهمة التي عثر عليها قوائم طويلة بالطوالع(طوالع الخير والشر) يصل عددها إلى الآلاف.وكان لهذه الطوالع مختصون بها يدرسونها ويتدربون على معرفتها لفترة طويلة يسمى الواحد منهم "الرائي أو الناظر".وهي مفيدة جدا لدراسة العادات والتقاليد والمعتقدات للمجتمع البابلي. وقد تأثرت بعض الشعوب"بهذا العلم" (كما أطلق عليه بعض الباحثين) كالحثيين فجمعوا قوائم لها مماثلة أيضا. واهتموا بالوثائق والحفاظ عليها والإعتناء بها.فقد كانت بعض الرسائل المهمة والوثائق توضع في ظروف من الطين وتختم حتى لايعبث بها أو تقرأ من قبل أناس غير مخولين.وكانت تكتب بعض الكلمات على الظرف تشير إلى مابداخل الوثيقة أو الرسالة.وقد عثر على عدد كبير من هذه وهي مازالت مغلفة(13).ويبدو أن ختم الرسائل الشخصية بختم خاص من الحجر كان معروفا بين البابليين حتى ان هيرودتس ذكر أن كل بابلي كان له ختمه الخاص.(14) كما ترك لنا البابليون تراثا أدبيا مهما شعراً ونثرا من أدب حكمة وفكاهة وغيرهما ويأتي على رأس هذا الأدب قصة الخلق ، وعشتار في العالم السفلي وملحمة جلجامش.وهذه الملحمة هي واحدة من أهم الملاحم في العصور القديمة. وقد كان من إعجاب الشعوب الأخرى بها وتأثرهم بها وغعجابهم بروعتها، أنهم ترجموها إلى لغاتهم وقد عثر على ترجمتها إلى اللغة الحورية  واللغة الحثية.(15) وفي العصر الحديث ترجمت الملحمة إلى أكثر من لغة على رأسها الإنجليزية كما هو معروف.

وقد قيل عن البابليين انهم  فاقوا في العلوم معاصريهم من الشعوب الأخرى.

.وقد أعجب الباحثون والآثاريون بدرجة حب البابيليين للبحث الخالص وحبهم للإستكشاف والإستطلاع .أما عن بابل في عصرها المتأخر فقد وصفهاالمؤرخ  هيرودتس وصف معجب بها ومنبهر ببنائها وبتخطيطها وببوباتها فقال عنها "لا توجد مدينة تشبهها في روعتهافي العالم الذي نعرفه".وكان أشهر هذه البوابات بوابة عشتارالتي زينت واجهتها بطابوقها المزجج باللون الأزرق  وبعدد من التنانين(رمز الإله مردوخ) وبعدد من الثيران( رمز الإله أدد).وقدِ بلغ عدد هذه الرموز 575رمزاً (16) .وكانت البوابة موصولة بشارع سماه الباحثون "طريق المواكب" واطلق عليه البابليون إبور شابو(الطريق الذي لن يجتازه العدو).وتوجد بوابة عشتار اليوم في متحف برلين ، وهي تبهر الإنسان بشكلها وزينتها وطريقة تصميمها. وذُكر أن بابل ضمت أكثر من ألف معبد من مختلف المقاسات والأشكال(17) ، كان أهمها معبد الإله مردوخ"إي سغيلا".الذي بناه الملك نبوخدنصر الثاني، وقال عنه "إنه جلب له خشب الأرز من لبنان وزين بناءه بالذهب (الأحمر) والأحجار الكريمة، وصار يسطع كالشمس". وقد ذكر بعض المؤرخين أن الإسكندر الأكبر-الذي كان في بلاد مابين النهرين أثناء فتوحاته ومات فيها- قد أبدى إعجابه بها وبتخطيطها وأراد أن يجعلها عاصمة عالمية له، بل ذكر هؤلاء أنه جعلها فعلا عاصمته واستقبل السفراء فيها(18).

________________________________________________

 

 

(1) Roux, G.1980,Ancient Iraq,pp29-30(England)

(2)Pritchard,J.B(ed.)The Ancient Near East,vol.1,p.262

(3) von Soden,W., 1994,The Ancient Orient, pp149-50(Michigan)

(4) Roux,G.,المصدر أعلاهp76

(5) von Soden.W.,op.cit. p.106المصدر أعلاه

(6)Saggs,H.W.1988,The Greatness that was Babylon p.389(London)

(7) Bottero,J.2001,Everyday Life in Ancient Mesopotamia,p.177(Edinburgh)

(8)Roux,G.,op.cit المصدر أعلاه ص368

(9)Ibid, pp.358-9المصدر نفسه

 (10)Ibid,pp.360-1المصدر نفسه

 (11) G.P. Verbrugghe and J.M. Wickersham, Berossesos and Manetho,p.14

(12) Mackenzie,D.,n.d. Myths of Babylonia and Assyria,p497(London)

(13) von Soden, W.,1994 The Ancient Orient,p 139

(14) Saggs, H.W.op.cit.p.434المصدر أعلاه

         (15) Bottero,J., op.cit p.234 المصدر أعلاه

(16) Roux, Georegsالمصدر أعلاه,pp.392-3

(17)المصدر نفسه ص 390

(18)Mackanzie,D,,p المصدر أعلاه ص497

 

*كتبت هذه الدراسة المختصرة بمناسبة احتفاء المتحف البريطاني بحضارة بابل لعدة أشهر (من تشرين الثاني 2008 إلى مارس 2009

وظهرت فيما بعد كفصل من كتاب -شارك فيه عدد من المؤلفين- بعنوان "من معالم الحضارة العراقية القديمة".

www.dirasaatyahudiya.com

تاريخ العراق الذي ينهب

د.جعفر هادي حسن

 

قد لايوجد بلد في العالم اليوم تدمر حضارته ويستباح تاريخه وتنهب آثاره مثل العراق. وعلى الرغم من أن حالة النهب هذه ليست جديدة ، إذ هي تعود لعقود طويلة ، إلا أن فترتي حرب الخليج الثانية والثالثة كانتا أشد وطأة ، وأكثر ضررا وأعمق تأثيرا على إرث العراق وتاريخه. وقد كان من حظ هذا البلد أن ظهرت فيه حضارات متعاقبة على ارضه ، خلفت كما هائلا ومتميزا من تاريخ الإنسان وآثاره وتطور حياة سكانه.ومنذ ماقبل إنشاء الدولة العراقية، وخلالها كانت هناك تنقيبات في أكثر من موقع في هذا البلد، اكتشفت فيها آثار مهمة،حفظ الكثير منها في المتحف العراقي ،وبعضها في متاحف عالمية معروفة . ولكثرة ماخلفته حضارات بلاد الرافدين المتعاقبة من آثار، وما احتوته أرضها منها، ظلت الالاف من المواقع الاثرية مهملة وغير مكتشفة، فأصبح الكثير منهاعرضة للتآكل والتلف بسبب العوامل الطبيعية، والإهمال من قبل المسؤولين وأبناء البلد. ويفترض أن تعطي الدولة هذه المواقع أولوية وتحيطها بالإهتمام وتوفر لها الحماية ، لأهمية ماتحتويه من تاريخ وماتختزنه من حضارة ، إلا أن الغالبية العظمى من هذه المواقع تفتقر إلى أبسط وسائل الحماية ، من عبث العابثين وسطو السارقين واللصوص. ولذلك فهي اليوم عرضة للنهب والسرقة المنظمة ، من قبل عصابات متخصصة ، تعودت على القيام بذلك، بخاصة في غياب سيطرة الدولة وضعف سلطتها ، بل وعدم اهتمامها كما هو حادث اليوم.                                                                                                                                  .

 وأكثر المواقع الأثرية التي تنهب هذه الأيام ، هي التي تقع في الوسط وفي الجنوب من العراق، حيث نشأت الحضارة الأولى للإنسان،                                                                                                                                

وحيث ظهرت وازدهرت مدن عظيمة،(كان الكثير منها دويلات) مثل أريدو وأور وأومَا ولكش ، وأوروك (الوركاء) مدينة جلجامش ، التي يعود تاريخها إلى الألف الرابع قبل الميلاد، والتي يعتقد المؤرخون ، أنها كانت آنئذ من أكبر مدن العالم القديم وأكثرها نفوسا ،وكان يحيطها سور بتسعة كيلومترات. وهي كانت على ما يعتقد المدينة التي خط فيها الحرف الأول ،وتبين مما أكتشف من آثارها أن نوعا من النظام الإقتصادي والإداري كان سائدا فيها حيث عثر على أرشيف يدل على ذلك من بين ما عثر فيها من آثار. ولأهميتها سميت فترة تاريخية باسمها، وغيرها من المدن الأخرى ذات التاريخ العريق والمغرقة في القدم.                                                                                                                                                                                                                                                                                

وقد ازداد نشاط لصوص الأثار بشكل خاص ، بعد الإحتلال ولم تكن القوات المحتلة تهتم بما كان يحدث، بل إنها هي نفسها شاركت في هذا التدمير ، حيث كانت لها قواعد عسكرية، بعد ان استقر بها الأمر، في مواقع تاريخية مهمة ، مثل بابل وأور ، المدينتين التاريخيتين المعروفتين . ومن مظاهر عدم اهتمام المحتل بما كان يحدثه الجنود من تدمير، أن هؤلاء كانوا يملأون الأكياس بالتراب الذي يحتوي على كسر الأواني والأحجار القديمة ، ليجعلوا منها متاريس يحتمون بها                                                                                   .

ومن يذهب اليوم إلى مواقع الأثار في وسط العراق وجنوبه ، يرى المئات من الحفر المتناثرة على منطقة واسعة ، والتي حفرها اللصوص والسراق ونهبوا مافيها. والكثير منها يدل على أنها حفرت حديثا، ويمكن أن يُرى في بعضها بقايا سلم يقود إلى قبر أوقبور. ومعروف أن العراقيين الأوائل كانوا يدفنون كثيرا من المقتنيات المهمة مع موتاهم، وكانت القيثارة السومرية الشهيرة قد وجدت مع أوان وحلي ذهبية ، في مقبرة أورالملكية المشهورة، من الألف الثالث قبل الميلاد. ولذلك أصبحت المقابر مواقع مفضلة للناهبين واللصوص                                                                                                                                                                            .

وطريقة الحفر في هذه المواقع واختيارها، يدلان على خبرة هؤلاء اللصوص ومعرفتهم بها

والعديد من الأماكن التي يُعبث بها وتُنهب آثارها، كانت مدنا في التاريخ القديم لها مجدها وعراقتها. ومنها "أيسن"(في محافظة القادسية)، التي كانت مركزا لدولة ، حكمها عدد من الملوك مابين الفترة الأخيرة من الألف الثالث ، والفترة الأولى من الألف الثاني قبل الميلاد لمايقرب من قرنين من الزمن. وكان أشهر ملوكها لبت- عشتار الذي وضع شريعة تحتوي على عشرات المواد ، وهي تسبق شريعة حمورابي وإن كانت موادها أقل بكثير من هذه الأخيرة ،وهذه المدينة- الدولة تسرق آثارها اليوم على نطاق واسع.                                 ..

ومن المدن القديمة التي امتدت إليها يد اللصوص، وسُرق الكثير من أثارها المملكة - المدينة "أومَا"( في محافظة ذي قار)، ومازالت آثارها إلى اليوم تسرق وتهرب، لعدم توفر الحماية الكافية لها. و"أومًا" التي تمتد على أرض واسعة، هي من المدن السومرية ذات الشأن والتاريخ والحضارة، وقد وصلت إلى أوج عظمتها في نهاية النصف الثاني من الألف الثالث قبل الميلاد، بخاصة في عصر ملكها لوكال-زاكي- سي، الذي أصبح أيضا ملكاعلى معظم بلاد سومر وأكد. ومن ملوكها المهمين شولكي الذي كان ملكا لثمان وأربعين سنة بين نهاية الألف الثالث وبداية الألف الثاني قبل الميلاد. وقد عثر فيها الأثاريون في السابق على عشرات الآلاف من الألواح والرقم ، التي تتعلق بقضايا الإقتصاد والإدارة والقانون والأدب ، وقد وصل لنا منها نصوص تعتبر من أقدم نصوص بلاد الرافدين. و"أومَا "هي واحدة من مئات المواقع، في محافظة ذي قار، التي تنتظر أن يعود التنقيب إليها ،وتكشف كنوزها...

ومن المدن التي تنهب أيضا مدينة "باد –تبيرا" التي تقع جنوب غربي الشطرة

وهي من المدن السومرية القديمة ، ومن أقدم المدن التي حكمها ملوك، كما أنها اشتهرت بسورها وباكتشاف ما يسمى ب"نص الأخوة" فيها ، بين حاكم أوروك وحاكم لكش. ولأهمية هذه المدينة فقد ذكرها مؤرخون قدماء مثل المؤرخ والعالم الفلكي البابلي الذي يسميه الغربيون "بيروسس"،والذي يسمى بالأكدية (بل -رئشو)(الذي يرعاه بعل) وذكرها كذلك بعض المؤرخين اليونانيين .وطبقا لما ذكرته التقارير الحديثة عن هذه المدينة ، فإن النهب المتواصل لها

جردها من الكثير من آثارها. ويلاحظ المتجول بين الحفر ، التي عبث بها اللصوص كسرا من ألواح أو قطعا من زجاج أو أواني فخارية مرمية على الأرض هنا وهناك، تركها هؤلاء لاعتقادهم بعدم أهميتها، بينما يمكن أن تكون هذه اللقى ذات أهمية لاتقدر بثمن، إذ أن هذه القطع الصغيرة قد تشير

إلى فترة زمنية معينة يبحث عنها الأثاريون، أو أنها جزء من نص ناقص يتقفون ماينقصه ويبحثون عن تتمته. وقد ذكرت بعض التقارير أن هؤلاء اللصوص مطمئنون لما يقومون به ، إلى حد أنهم يستعملون آلات حفر حديثة ، كما حدث في الوركاء قبل فترة، كما أن لهم حمايتهم المسلحة الخاصة بهم . ونهب الآثار اليوم من هذا المتحف المستباح ، الذي لايعتني أهله به ولايهتمون له – مع أنهم يتشدقون دائما بتاريخه ويفاخرون الناس بحضارته - قائم على قدم وساق،وأصبح ظاهرة تحتاج إلى حل جذري ، يقوم عليه من يهتم بتاريخ هذا البلد ويعتز بحضارته ويعرف قيمتها . وقد ذكر بأن الكثير من المواقع الأثرية في جنوب العراق هي تحت سيطرة هؤلاء اللصوص ، حيث يخزنون ما يعثرون عليه في مخازن بعيدة عن عيون الناس واهتمامهم وبعضها يخزن في بيوت تعود لهؤلاء ثم يهربونها إلى خارج العراق. والطامة الكبرى هو أن مايسرق من هذه الآثار لايسترد ولايعود في كثير من الأحيان ، وإذا أعيد لايعاد سالما . ويحتج المسؤولون عن حماية هذه الآثار ، بأن مايحدث سببه عدم وجود مخصصات مالية لهذا الغرض، بل إن البعض منهم قال إنه ليس بامكانه حتى كتابة التقارير عما يسرق، ولايمكنه شراء وقود للسيارات كي تصل إلى المكان المسروق منه ، ليتمكن أن يقوم بما يجب أن يقوم به من حماية.ويستغيث هؤلاء بين فترة وأخرى بالحكومة لزيادة ميزانيتهم، وتوفير أعداد أكثر من الحماية لآثار مناطقهم،ولكنهم لايجدون لاستغاثتهم مغيث،ولا لنداءاتهم مستجيب.ولابد أن نشير هنا إلى أن الفساد –كما ذكرت التقارير- له دور في الوضع المزري السائد،كما هو الحال في كل مفاصل الدولة حيث أصبح لازمة لها. ويضاف الى كل هذا ماسرق من آلاف القطع من المتحف قبل الإحتلال وبعده

                                                                                                                                                                                                     

ويقول رئيس المدرسة البريطانية للآثار العراقية الاستاذ روجر ماثيو "إن تاريخ البلد يختفي أمام عيوننا، ونحن نتفرج عليه فقط،، وإن مواقع أثرية وبضمنها ، مدن كاملة تدمر بحفريات غير قانونية"                                                                                                                                                                   

وعبر مؤرخ بريطاني عن أساه لما يحدث بالقول "إن العراق هو مهد الحضارة الأولى، التي ظهرت على الأرض ، حيث كلنا مدينون له وللمدن القديمة فيه التي اخترعت الكتابة، ولكن هذه المدن اليوم تدمر بالحفريات غير المشروعة. وفي السنتين الأخيرتين بدات بعثة آثارية في التنقيب من جديد في منطقة أور ،والبعثة مكونة من البريطانيين وبعض الخبراء من الولايات المتحدة الأمريكية وبمشاركة وزارة الاثار والسياحة العراقية.وقد عثرت إلى الان على آثار مهمة لم تكن معروفة من قبل.                                                                         

www.dirasaatyahudiya.com