ندوة الخميس 22 مايو 2008

 الدكتور جعفر هادي حسن

المشاكل التي تواجه اسرائيل وهي تحتفل بعمرها الستين ومشروع الدولة الفلسطينية

 

احتفلت اسرائيل احتفالا ضخما اتسم بالابهة والبذخ لمرور 60 عاما على وجودها.وقد ارادت اسرائيل من هذا الاحتفال امرا واحدا ذا اثر نفسي على الناس في الداخل والخارج وهو انها لا زالت بخير وان كل ما مر بها من محن وحروب لم تؤثر على امنها او سكانها. هذا هو الادعاء. ولم تقتصر الاحتفالات على اسرائيل ومسؤوليها بل دعت شخصيات ورؤساء دول ووزارات وعقدت مؤتمرا عالميا للكتاب، كل ذلك من اجل الدعاية انها دعاية كاذبة يخالفها واقع اسرائيل.

لا ينكر احد ان اسرائيل هي من اقوى الدول في المنطقة فهي تملك ترسانة نووية ضخمة واسلحة أخرى متطورة وتكنولوجيا متقدمة. ولكن هذه الترسانة العسكرية الضخمة لم تتمكن أن تحمي أمن البلد ولا السكان عندما انهمرت الصواريخ عليها في 2006في احرب على لبنان. صحيح انها دمرت الكثير من البنية التحتية للبنان ولكنها لم تستطع القضاء على الصواريخ ولا على ردها أو صدها وما تزال هذه الصواريخ تهطل عليها حتى اليوم. تذهب الى مدينة سديروت فترى ان ربع سكانها هجروها وطلابها لا يذهبون الى المدارس. رئيس البلدية طلب من الحكومة أن تحمي مدينته ولكنه لم يحصل على مساعدة فأخذ خيمته الى تل ابيب ونصبها في وسطها يخبر المارة من الإسرائيليين أن الدولة لاتحميه. بعد سديريوت وصلت صواريخ الفلسطينيين الى عسقلان التي تبعد 17 كم عن غزة. في مارس الماضي طالت الصواريخ المدينة، وفي أيار كانت الضربة أقوى وأكثر تأثيراً وهذا تطور خطير وجديد. عسقلان تاريخيا هي من المدن المهمة واسمها أشقلون وعمرها يزيد على 3500 سنة، وهي من المدن الرئيسة للفلستينيين (وهي التسمية لسكان البلد القدماء).وهي كانت احدى المدن الرئيسة لهم وقد تعاقب على المدينة الكنعانيون والفينيقيون والبابليون والإغريق والرومان والفرس والمسلمون. ومن اسمائها مجدل عسقلان.وفي عام 1948 كان في عسقلان 11200 فلسطيني.

بعد اعلان الدولة هجم الجيش عليها واخرج غالبية اهلها ولم يبق فيها سوى 2000، وفي عام 1950دار نقاش بين بن غوريون وموشي ديان وإيغال يادين لتقرير مصير هؤلاء فكان القرار إخراجهم فاخذوهم في ليلة حالكة في شاحنات ورموهم في غزة.وتاتي أهمية عسقلان هي انها من المدن الاستراتيجية الـ13 وسكانها 120 الف وفيها ميناء مهم ويمر بها انبوب ضخم يحمل المنتجات النفطية من ايلات اليها وفيها مخازن ضخمة لمنتجات النفط وبها اكبر مصنع في العالم لتصفية مياه البحر افتتح عام 2005. واسرائيل تعيش كم هو معروف على مياه البحر المصفاة ثم على مياه الاراضي المحتلة في الضفة الغربية وفي الجولان إضافة إلى بحيرة طبرية. وهذه من اسباب عدم انسحابها من هذه المناطق.

تصور لو قصفت هذه المصافي والميناء!!

الهدنة المطروحة يطالب بها الاسرائيليون أكثر مما يطالب بها الفلسطينيون. وفي مؤتمر دافوس في شرم الشيخ قابل زعماؤهم حسني مبارك وتحدثوا معه حول هذه الهدنة، لان اسرائيل لا تتمكن ان تمنع الصواريخ في الوقت الحاضر فلو احترقت عسقلان، ماذا سيقول العالم؟ دولة قوية متطورة لا تستطيع ان تحمي اهلها.

اسرائيل تريد كسب الوقت بهذه الهدنة، وخبراؤها يعملون ليل ونهار لايجاد حل لهذه القضية ولا أعتقد ان اسرائيل  ستلتزم  بالهدنة. المشكلة الأخرى التي تؤرق اسرائيل هي المشروع النووي الإيراني وحسب قول بني موريس ان سكان اسرائيل يرتعبون حتى من المشروع النووي الايراني. هناك الكثير من التقارير عن هذا المشروع، هناك من يقول ان هناك 40 موقعا او 50 موقعا منتشرة في إيران فوق ألأرض وتحت ألأرض واسرائيل مصممة على ايقاف المشروع او تعويقه باي طريقة حتى لو كانت عسكرية وهناك مؤشرات على أن إسرائيل تخطط للقيام بعمل عسكري

فقبل سنتين اعطتها الولايات المتحدة 500 قنبلة وزن الواحدة منها طنان تستطيع اختراق الارض لثلاثين أوأربعين مترا.

 ثم بدأ طياروها التدرب على المسافات البعيدة فكانوا يذهبون الى جبل طارق جيئة وذهاباً لتقدير المسافة إلى إيران

كما أن اسرائيل استوردت طائرات اف  من الولايات المتحدة 116 وبها مخازن للوقود ضعف تلك التي في اف 16.

وكذلك قامت اسرائيل مؤخرا بتوزيع كمامات لاسلحة الدمار الشامل طبقا لصحيفة الجويش كرونكل البريطانية

وقامت قبل ذلك بمناورات في صحراء النقب مع الولايات المتحدة ووصفت بأنها من أضخم المناورات منذ إنشائها.

اذن هناك مؤشرات على التخطيط بالقيام بعمل عسكري مع الولايات المتحدة أو بدونها لأنها تعتبر المشروع النووي الإيراني تهديداً لوجودها.

 ولكن لايعرف كيف سيكون رد فعل ايران فهي ليست كسوريا، بل انها سترد ولكن لا الولايات المتحدة ولا اسرائيل تعرفان كيف سترد. هناك الان بواخر حربية في الخليج وفي بعضها انظمة صواريخ تضرب الهدف 24 ساعة متواصلة .

اما داخل اسرائيل فهناك مشاكل لا يعرفها الناس من الخارج. اهم هذه المشاكل واحدة بدأت صغيرة ثم كبرت وتطورت وهي قضية الصراع العلماني الديني. وكان هناك استطلاع حول الصراع العلماني الديني في اسرائيل وتبين أن الكثير من الإسرائيليين يعتبرون خطورته في مستوى طبيعة الصراع الاسرائيلي الفلسطيني.

لو نظرت الى المجتمع الاسرائيلي لوجدت ان فيه استقطابا واضحا. ففيه احزاب دينية مثل حزب شاس، الحزب الديني القومي، ديغل هاتوراه و واحزاب علمانية مثل حزب كاديما وحزب العمل وحزب الليكود واسرائيل بيتنا.

هذه الاحزاب انتخبها المواطنون الاسرائيليون وهي تمثلهم انها تجليات للصراع العلماني الديني ويتجلى الصراع في التربية أيضا فهناك نظام ديني وعلماني.وجزء من النظام الديني هو نظام اليشيفوت(المارس الدينية) التي لايخدم طلابها عادة في الجيش .

وهناك تجل اخر وهو جغرافي على الارض.فعند ظهور الدولة كان في اسرائيل مدينة واحدة هي بني براك يسكنها المتدينون وقد وصل عدد  نفوسها اليوم 120 الفاً واصبح هناك اليوم حوالي عشر مدن لا يسكنها الا المتدينون. وللعلمانيين ايضا مدنهم الخاصة. في القدس كان هناك 20 بالمائة من المتدينين اما اليوم فهم اكثر من 50 بالمائة.

المشكلة تتلخص بان المتدين اليهودي لا يطيق العلماني وهو يعتقد بأنه لايستحق العيش في هذه الارض المقدسة.ويرى العلماني العلماني أنه يجب ان تكون هناك ديمقراطية، والمتدين يرفض ويقول ان علينا تطبيق التوارة فالنظام الذي يؤمن به هو شريعة التوراة.وإذا استمر الوضع على هذه الحال فستصبح إسرائيل غيتوات أي بؤر منعزلة عن بعضها البعض.

. هناك الان دعوات قد لا يصدقها من لايعرف الوضع في إسرائيل حيث يرى بعض الإسرائيليين  انه لا حل لرأب الصدع الا بتقسيم اسرائيل الى شمالية للعلمانيين وجنوبية للمتدينين. هذه مشكلة من المشاكل العويصة التي تعاني منها اسرائيل اليوم

الامر الاخر هو الفساد الذي ينخر في البلد نخرا عميقا من القمة الى القاعدة.

رئيس الدولة السابق موشي كتساف اتهم بأنه اغتصب موظفاته وقد اتهمه المدعي العام الإسرائيلي بأنه مغتصب مدمن وعزل من منصبه بسبب ذلك. ورئيس الوزراء الحالي إيهود اولمرت اتهم بتسلم رشوة بمئات الالاف من الدولارات. ورئيس الدولة ألأسبق عزرا وايزمان وكذلك اتهم نيتنياهو وشارون .

وزير التنمية بن زيري اتهم بالرشوة وحكم عليه لسنوات في هذا الشهر(مايو-مايس) ورئيس حزب شاس السابق اتهم وحكم عليه لسنوات وغيرهم كثير.

وهذا الفساد انتقل الى المؤسسة الدينية التي تهتم بالاحوال الشخصية، الميراث والزواج والطلاق والجنائز وكذلك بالطعام الحلال(كشر) وغيرها... وهذه المؤسسة لها رئيسا حاخامين واحد لليهود الشرقيين واخر للغربيين وهي تعطي شهادة بالتهود وهي مهمة للزواج والميراث.

وطريقة التهود هي يجب ان يقوم الشخص بدراسة الشريعة اليهودية. ثم يذهب الى مكان لممارسة الاكل الحلال واستعمال الطاهر طبقا للشريعة اليهودية ثم يجب ان يعيش في منطقة ارثودوكسية ثم يعطي الشهادة.

وقبل بضع سنوات اكتشف ان بعض الحاخامين فيها يأخذون رشاوى ويهودون الناس في وقت اسرع من المعتاد

واكتشفت الشرطة الاموال التي اخذها هؤلاء في بيوتهم. كما أن رئيس الحاخامين الاشكنار الحالي مصغر اتهم بأنه كان يذهب الى فنادق من خمس نجوم ولا يدفع الاجور. كما ادلى ثلاثة فتيان وقالوا انه تحرش بهم ومازالت التحقيقات جارية معه.حتى الجيش لم يسلم من الفساد حيث يعفى أو يؤجل الكثير من الخدمة باعطاء رشوة.

إن دولة بها هذا الفساد المستشري تعيش ازمة حقيقية . هناك مشكلة اخرى تواجه الاسرائيليين وهي ليست بالحدة نفسها، وتتعلق بشخصيات رئيسة في اسرائيل تدعو لاقامة دولة واحدة للفلسطينيين واليهود. وهذه الدعوة ليست جديدة وإنما هي قديمة ولن المؤمنين بها قد ازدادوا في السنين الأخيرة.فقد نشر احد اليهود المعروفين-اسمه جولت- مقالة قبل خمس سنوات قال فيها ان اسرائيل لا تستطيع ان تكون دولة لليهود فقط في عالم ديمقراطي لأن هذه تعتبر عنصرية وذلك يتعارض مع العصر الحديث كماان الفلسطينيين سيصبحون أكثر من اليهود في إسرائيل في المستقبل. ولذلك يجب ان تكون هناك دولة علمانية ديقراطية واحدة ذات قوميتين.وهذه الدعوة يتبناها بعض الفلسطينيين

هناك مشكلة المقاطعة الإكاديمية وهي مشكلة مؤرقة جدا لإسرائيل وهذه المقاطعة بدت بوادرها في نهاية التسعينات من القرن الماضي وهي اليوم في تزايد.

أما عن مشروع الدولة الفلسطينية فما هي إمكانية تحقيقها؟  لا اريد الحديث عن مؤتمر اوسلوا فكلنا يعرف  ماحدث بعده .

منذ مؤتمر انابولس الذي دعا له بوش بعد ست سنوات من الإهمال ونحن نسمع أن الدولة الفلسطينية ستظهر إلى الوجود في هذا العام 2008. وهذا في الواقع حديث خرافة. فلا بوش ولا اولمرت ولا محمود عباس قادرين على فعل شيء فهم كلهم ضعفاء. فأولمرت حققت معه الشرطة مرتين وهو الان كورقة ذابلة على شجرة تسقط في أول هبة ريح عليها وهناك نداءات من حزب كاديما لإستقالته اذ لا يمكن ان يحكم رئيس وزراء  وهو تحت التحقيق من قبل الشرطة. هناك احتمال ان تستقيل الحكومة، وحتى لو لم تستقل الحكومة فانها ستبقى ضعيفة.

عندما اعلن اولمرت "باننا قررنا اجراء محادثات حول الجزء العربي من القدس" اعلن رئيس حزب (اسرائيل بيتنا) وهو كان وزير في الحكومة  استقالته وانسحابه من الحكومة.كما هدد رئيس حزب شاس بالخروج من الحكومة إذا كانت هناك محادثات حول القدس.

قبل ايام كان هناك لقاء بين مسؤول فلسطيني وليفني وزيرة الخارجية حول الجيش الفلسطيني فقالت: اي جيش؟ الكيان الفلسطيني سيكون منزوع السلاح.

عندما تقام دولة فيجب أن تكون هناك لجان للحدود والسيادة والجيش والمياه وغيرها وإلى اليوم لم نسمع عن لجان شكلت .ثم كيف تكون هناك دولة فلسطينية ونصف الشعب في غزة لايشترك في هذه المفاوضات؟ إسرائيل ليس عندها إرادة اليوم ولانية صادقة في أن تكون للفلسطينيين دولتهم ذات السيادة وإلا كيف نفسر التسارع في بناء الوحدات السكنية في القدس والضفة الغربية إذ أن هذا لايتفق مع النية بالخروج.

انني لاأرى في الأفق دولة فلسطينية في هذه السنة كما يدعي جورج بوش ولا في المستقبل القريب.